الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠
دَفْعُهُ وَإِبْطَالُهُ، وَالْغَمْطُ وَالْغَمْصُ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ: الاِحْتِقَارُ (١) .
قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ﴾ قِيل مَعْنَاهُ: مَنْ لَقَّبَ أَخَاهُ أَوْ سَخِرَ بِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ. (٢)
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: السُّخْرِيَةُ: الاِسْتِحْقَارُ وَالاِسْتِهَانَةُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ يَوْمَ يُضْحَكُ مِنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْمُحَاكَاةِ بِالْفِعْل أَوِ الْقَوْل أَوِ الإِْشَارَةِ أَوِ الإِْيمَاءِ، أَوِ الضَّحِكِ عَلَى كَلاَمِهِ إِذَا تَخَبَّطَ فِيهِ أَوْ غَلِطَ، أَوْ عَلَى صَنْعَتِهِ، أَوْ قَبِيحِ صُورَتِهِ (٣) .
فَمَنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنَ التَّحْقِيرِ مِمَّا هُوَ مَمْنُوعٌ كَانَ قَدِ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا يُعَزَّرُ عَلَيْهِ شَرْعًا تَأْدِيبًا لَهُ.
وَهَذَا التَّعْزِيرُ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الإِْمَامِ، وَفْقَ مَا يَرَاهُ فِي حُدُودِ الْمَصْلَحَةِ وَطِبْقًا لِلشَّرْعِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِيرٌ)؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الزَّجْرُ، وَأَحْوَال النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، فَلِكُلٍّ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْهُ. (٤)
وَهَذَا إِنْ قَصَدَ بِهَذِهِ الأُْمُورِ التَّحْقِيرَ، أَمَّا إِنْ
_________
(١) الأذكار للنووي ٣١١ - ٣١٢.
(٢) القرطبي ١٦ / ٣٢٨.
(٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ٢٢ دار المعرفة.
(٤) ابن عابدين ٣ / ١٧٧ - ١٧٩، والشرح الكبير ٤ / ٣٢٧ - ٣٣٠، والشرح الصغير ٤ / ٤٦٢، ٤٦٦، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٢٧٣ - ٢٧٥، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٦ / ١٢١ - ١٢٤ م النصر الحديثة.
قَصَدَ التَّعْلِيمَ أَوِ التَّنْبِيهَ عَلَى الْخَطَأِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ - وَلَمْ يَقْصِدْ تَحْقِيرًا - فَلاَ بَأْسَ بِهِ، فَيُعْرَفُ قَصْدُهُ مِنْ قَرَائِنِ الأَْحْوَال.
٣ - هَذَا وَقَدْ يَصِل التَّحْقِيرُ الْمُحَرَّمُ إِلَى أَنْ يَكُونَ رِدَّةً، وَذَاكَ إِذَا حَقَّرَ شَيْئًا مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، كَتَحْقِيرِ الصَّلاَةِ وَالأَْذَانِ وَالْمَسْجِدِ وَالْمُصْحَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، (١) وَقَال تَعَالَى فِيهِمْ أَيْضًا: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ . (٢) وَنُقِل فِي فَتْحِ الْعَلِيِّ لِمَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَزْدَرِي الصَّلاَةَ، وَرُبَّمَا ازْدَرَى الْمُصَلِّينَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ مَلأٌَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، مِنْهُمْ مَنْ زَكَّى وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُزَكِّ، فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الاِزْدِرَاءِ بِالْمُصَلِّينَ لِقِلَّةِ اعْتِقَادِهِ فِيهِمْ فَهُوَ مِنْ سِبَابِ الْمُسْلِمِ، فَيَلْزَمُهُ الأَْدَبُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ. وَمَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى ازْدِرَاءِ الْعِبَادَةِ فَالأَْصْوَبُ أَنَّهُ رِدَّةٌ، لإِظْهَارِهِ إِيَّاهُ وَشُهْرَتِهِ بِهِ، لاَ زَنْدَقَةٌ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ (٣) .
٤ - وَقَدْ يَكُونُ التَّحْقِيرُ وَاجِبًا: كَمَا هُوَ الْحَال
_________
(١) سورة التوبة / ٦٥، ٦٦.
(٢) سورة المائدة / ٥٨.
(٣) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك للعلامة الشيخ محمد عليش ٢ / ٢٦٠ - ٢٦٣.
فِيمَنْ فُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) أَيْ ذَلِيلُونَ حَقِيرُونَ مُهَانُونَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَحْصُل بِهِ الصَّغَارُ عِنْدَ إِعْطَائِهِمُ الْجِزْيَةَ. اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَهْل الذِّمَّةِ، وَجِزْيَةٌ) .
التَّعْزِيرُ بِمَا فِيهِ تَحْقِيرٌ:
٥ - مِنْ ضُرُوبِ التَّعْزِيرِ: التَّوْبِيخُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّحْقِيرِ. وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّوْبِيخِ فِي التَّعْزِيرِ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ، رَوَى أَبُو ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ سَابَّ رَجُلًا فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، فَقَال الرَّسُول ﷺ يَا أَبَا ذَرٍّ: أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. (٢) وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ. (٣)
وَقَدْ فُسِّرَ النَّيْل مِنَ الْعِرْضِ بِأَنْ يُقَال لَهُ مَثَلًا: يَا ظَالِمُ، يَا مُعْتَدِي، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّعْزِيرِ
_________
(١) سورة التوبة / ٢٩.
(٢) حديث: " يا أبا ذر أعيرته بأمه. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٨٤ - ط السلفية) .
(٣) حديث: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " أخرجه أبو داود (٤ / ٤٥ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في الفتح (٥ / ٦٢ - ط السلفية) .
بِالْقَوْل، وَقَدْ جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ لاِبْنِ فَرْحُونَ: وَأَمَّا التَّعْزِيرُ بِالْقَوْل فَدَلِيلُهُ مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَال: اضْرِبُوهُ فَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا الضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ (١) . وَفِي رِوَايَةٍ بَكِّتُوهُ، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ: مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ؟ مَا خَشِيتَ اللَّهَ؟ مَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ وَهَذَا التَّبْكِيتُ مِنَ التَّعْزِيرِ بِالْقَوْل (٢) .
(ر: تَعْزِيرٌ) .
٦ - قَدْ يَكُونُ التَّحْقِيرُ بِالْفِعْل: كَمَا هُوَ الْحَال فِي تَجْرِيسِ شَاهِدِ الزُّورِ، فَإِنَّ تَجْرِيسَهُ هُوَ إِسْمَاعُ النَّاسِ بِهِ، وَهُوَ تَشْهِيرٌ، وَإِذَا كَانَ تَشْهِيرًا كَانَ تَعْزِيرًا. فَقَدْ وَرَدَ فِي التَّتَارْخَانِيَّةِ فِي التَّشْهِيرِ بِشَاهِدِ الزُّورِ: قَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ: يُطَافُ بِهِ وَيُشْهَرُ وَلاَ يُضْرَبُ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.، وَفِي جَامِعِ الْعَتَّابِيِّ: التَّشْهِيرُ أَنْ يُطَافَ بِهِ فِي الْبَلَدِ وَيُنَادَى عَلَيْهِ فِي كُل مَحَلَّةٍ: إِنَّ هَذَا شَاهِدُ الزُّورِ فَلاَ تُشْهِدُوهُ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ يُشْهَرُ عَلَى قَوْلِهِمَا بِغَيْرِ الضَّرْبِ، وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُسَخِّمُ وَجْهَهُ فَتَأْوِيلُهُ عِنْدَ
_________
(١) حديث: " أتي برجل قد شرب. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٦٦ - ط السلفية) والرواية الأخرى لأبي داود (٤ / ٦٢٠ - ط عزت عبيد دعاس) .
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٨٢، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٠٠، ومعين الحكام للطرابلسي ص ٢٣١.
السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ بِطَرِيقِ السِّيَاسَةِ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ الإِْمَامِ أَنَّهُ التَّفْضِيحُ وَالتَّشْهِيرُ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى سَوَادًا.
وَنُقِل عَنْ شُرَيْحٍ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ بِشَاهِدِ الزُّورِ إِلَى سُوقِهِ إِنْ كَانَ سُوقِيًّا، وَإِلَى قَوْمِهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ سُوقِيٍّ بَعْدَ الْعَصْرِ أَجْمَعَ مَا كَانُوا، وَيَقُول آخِذُهُ: إِنَّ شُرَيْحًا يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلاَمَ وَيَقُول: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاحْذَرُوهُ وَحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْهُ (١) .
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٩٢، والهداية ٣ / ١٣٢ ط مصطفى البابي الحلبي، وابن عابدين ٤ / ٣٩٥، والاختيار شرح المختار ٢ / ٣٩ ط الحلبي ١٩٣٦، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٣٣٠، والمغني لابن قدامة ٩ / ٢٥٩ - ٢٦٠ م الرياض الحديثة.
تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ
التَّعْرِيفُ:
١ - حَقَّقَ الأَْمْرَ: تَيَقَّنَهُ أَوْ جَعَلَهُ ثَابِتًا لاَزِمًا.
وَالْمَنَاطُ: مَوْضِعُ التَّعْلِيقِ.
وَمَنَاطُ الْحُكْمِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: عِلَّتُهُ وَسَبَبُهُ (١) .
وَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: هُوَ النَّظَرُ وَالاِجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَةِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ، بَعْدَ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الْعِلَّةِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوِ اسْتِنْبَاطٍ، فَإِثْبَاتُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِالنَّظَرِ وَالاِجْتِهَادِ هُوَ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ.
فَمِثَال مَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَعْرُوفَةً بِالنَّصِّ: جِهَةُ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّهَا مَنَاطُ وُجُوبِ اسْتِقْبَالِهَا، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢) وَأَمَّا كَوْنُ جِهَةِ مَا هِيَ جِهَةُ الْقِبْلَةِ فِي حَالَةِ الاِشْتِبَاهِ فَمَظْنُونٌ بِالاِجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ فِي الأَْمَارَاتِ.
_________
(١) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والمعجم الوسيط مادة " حقق " و" ناط ".
(٢) سورة البقرة / ١٤٤.
وَمِثَال مَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَعْلُومَةً بِالإِْجْمَاعِ: الْعَدَالَةُ، فَإِنَّهَا مَنَاطُ وُجُوبِ قَبُول الشَّهَادَةِ، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَأَمَّا كَوْنُ هَذَا الشَّخْصِ عَدْلًا فَمَظْنُونٌ بِالاِجْتِهَادِ.
وَمِثَال مَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَظْنُونَةً بِالاِسْتِنْبَاطِ: الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، فَإِنَّهَا مَنَاطُ تَحْرِيمِ الشُّرْبِ فِي الْخَمْرِ، فَالنَّظَرُ فِي مَعْرِفَتِهَا فِي النَّبِيذِ هُوَ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ، وَسُمِّيَ تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ؛ لأَِنَّ الْمَنَاطَ وَهُوَ الْوَصْفُ عُلِمَ أَنَّهُ مَنَاطٌ، وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي تَحْقِيقِ وُجُودِهِ فِي الصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ مَسْلَكٌ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَالأَْخْذُ بِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ مِنْ قِيَاسِ الْعِلَّةِ.
وَقَال الْغَزَالِيُّ: هَذَا النَّوْعُ مِنَ الاِجْتِهَادِ لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الأُْمَّةِ، وَالْقِيَاسُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا قِيَاسًا؟ (٢)
وَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ وَالْقَاضِي وَالْمُفْتِي فِي تَطْبِيقِ عِلَّةِ الْحُكْمِ عَلَى آحَادِ الْوَقَائِعِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) الأحكام للآمدي ٣ / ٦٣، والمستصفى للغزالي ٢ / ٢٣٠، ٢٣١، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٢٢.
(٢) إرشاد الفحول / ٢٢٢، والمستصفى ٢ / ٢٣١، وروضة الناظر ص ١٤٦، وجمع الجوامع ٢ / ٣٤١.
تَحْكِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحْكِيمُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَكَّمَهُ فِي الأَْمْرِ وَالشَّيْءِ، أَيْ: جَعَلَهُ حَكَمًا، وَفَوَّضَ الْحُكْمَ إِلَيْهِ.
وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) .
وَحَكَّمَهُ بَيْنَهُمْ: أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. فَهُوَ حَكَمٌ، وَمُحَكَّمٌ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ: إِنَّ الْجَنَّةَ لِلْمُحَكَّمِينَ (٢) فَالْمُرَادُ بِهِ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي يَدِ الْعَدُوِّ، فَيُخَيَّرُونَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالْقَتْل، فَيَخْتَارُونَ الْقَتْل ثَبَاتًا عَلَى الإِْسْلاَمِ.
وَفِي الْمَجَازِ: حَكَّمْتُ السَّفِيهَ تَحْكِيمًا: إِذَا أَخَذْتَ عَلَى يَدِهِ، أَوْ بَصَّرْتَهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَمِنْهُ قَوْل النَّخَعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَكِّمِ الْيَتِيمَ كَمَا تُحَكِّمُ وَلَدكَ. أَيِ: امْنَعْهُ مِنَ الْفَسَادِ كَمَا تَمْنَعُ
_________
(١) سورة النساء / ٦٥.
(٢) حديث: " إن الجنة للمحكمين " أورده ابن الأثير في النهاية (١ / ٤١٩ - ط الحلبي) ولم يعزه لأحد.
وَلَدَكَ وَقِيل: أَرَادَ حُكْمَهُ فِي مَالِهِ إِذَا صَلَحَ كَمَا تُحَكِّمُ وَلَدَكَ. (١)
وَمِنْ مَعَانِي التَّحْكِيمِ فِي اللُّغَةِ: الْحَكَمُ.
يُقَال: قَضَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَقَضَى لَهُ، وَقَضَى عَلَيْهِ. (٢)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّحْكِيمُ: تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا (٣) .
وَفِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: التَّحْكِيمُ عِبَارَةٌ عَنِ اتِّخَاذِ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا بِرِضَاهُمَا لِفَصْل خُصُومَتِهِمَا وَدَعْوَاهُمَا.
وَيُقَال لِذَلِكَ: حَكَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَمُحَكَّمٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ، وَتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقَضَاءُ:
٢ - مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ، وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالإِْلْزَامُ بِهِ، وَفَصْل الْخُصُومَةِ.
_________
(١) القاموس المحيط، وتاج العروس، ولسان العرب، ومعجم مقاييس اللغة، والمغرب، وأساس البلاغة، والنهاية في غريب الحديث، ومفردات الراغب، والمعجم الوسيط.
(٢) لسان العرب والقاموس المحيط.
(٣) الدر المختار للحصكفي ٥ / ٤٢٨، مع حاشية ابن عابدين ط البابي الحلبي، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم ٧ / ٢٤ ط - دار المعرفة بيروت.
(٤) مجلة الأحكام العدلية م ١٧٩٠.
وَعَلَى هَذَا فَكُلٌّ مِنَ التَّحْكِيمِ وَالْقَضَاءِ وَسِيلَةٌ لِفَضِّ النِّزَاعِ بَيْنَ النَّاسِ وَتَحْدِيدِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلِهَذَا اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا صِفَاتٍ مُتَمَاثِلَةً. كَمَا سَنَرَى بَعْدَ قَلِيلٍ (١) .
إِلاَّ أَنَّ بَيْنَهَا فَوَارِقَ جَوْهَرِيَّةً تَتَجَلَّى فِي أَنَّ الْقَضَاءَ هُوَ الأَْصْل فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَنَّ التَّحْكِيمَ فَرْعٌ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ هُوَ صَاحِبُ وِلاَيَةٍ عَامَّةٍ، فَلاَ يَخْرُجُ عَنْ سُلْطَةِ الْقَضَاءِ أَحَدٌ، وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنِ اخْتِصَاصِهِ مَوْضُوعٌ.
أَمَّا تَوْلِيَةُ الْحَكَمِ فَتَكُونُ مِنَ الْقَاضِي أَوْ مِنَ الْخَصْمَيْنِ وَفْقَ الشُّرُوطِ وَالْقُيُودِ الَّتِي تُوضَعُ لَهُ، مَعَ مُلاَحَظَةِ أَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلتَّحْكِيمِ، كَمَا سَنَرَى.
ب - الإِْصْلاَحُ:
٣ - الإِْصْلاَحُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الإِْفْسَادِ. يُقَال: أَصْلَحَ: إِذَا أَتَى بِالْخَيْرِ وَالصَّوَابِ. وَأَصْلَحَ فِي عَمَلِهِ، أَوْ أَمْرِهِ: أَتَى بِمَا هُوَ صَالِحٌ نَافِعٌ.
وَأَصْلَحَ الشَّيْءَ: أَزَال فَسَادَهُ.
وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَاتَ بَيْنِهِمَا، أَوْ مَا بَيْنَهُمَا: أَزَال مَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَدَاوَةٍ وَنِزَاعٍ بِرِضَا الطَّرَفَيْنِ.
، وَفِي، الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ
_________
(١) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ٦ / ٤٥٣ - المكتب الإسلامي بدمشق، وبدائع الصنائع ٧ / ٢ ط الجمالية، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧٢.