الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠
يَتَحَرَّفَ الْحَدِيثُ عَنْ وَضْعِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ فِي اللَّفْظِ أَوْ فِي الْمَعْنَى (١) .
وَمِمَّنْ تَكَلَّمَ فِي ضَبْطِ الْكَلاَمِ الْمَكْتُوبِ لِئَلاَّ يَدْخُلَهُ التَّحْرِيفُ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي أُصُول الْفُتْيَا، فَقَالُوا: لاَ يَنْبَغِي إِذَا ضَاقَ مَوْضِعُ الْفُتْيَا فِي رُقْعَةِ الْجَوَابِ أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ فِي رُقْعَةٍ أُخْرَى خَوْفًا مِنَ الْحِيلَةِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَلاَمُهُ مُتَّصِلًا حَتَّى آخِرَ سَطْرٍ فِي الرُّقْعَةِ، فَلاَ يَدَعُ فُرْجَةً خَوْفًا مِنْ أَنْ يُثْبِتَ السَّائِل فِيهَا غَرَضًا لَهُ ضَارًّا.
وَقَالُوا: إِنْ رَأَى الْمُفْتِي فِي وَرَقَةِ السُّؤَال بَيَاضًا فِي أَثْنَاءِ بَعْضِ الأَْسْطُرِ أَوْ فِي آخِرِهَا خَطَّ عَلَيْهِ وَشَغَلَهُ، لأَِنَّهُ رُبَّمَا قَصَدَ الْمُفْتِيَ أَحَدٌ بِسُوءٍ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ بَعْدَ فُتْيَاهُ مَا يُفْسِدُهَا. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ بِخَطٍّ وَاضِحٍ وَسَطٍ، وَيُقَارِبَ سُطُورَهُ وَأَقْلاَمَهُ وَخَطَّهُ لِئَلاَّ يُزَوِّرَ أَحَدٌ عَلَيْهِ (٢) .
وَهَذَا كَمَا لاَ يَخْفَى يَنْطَبِقُ عَلَى كِتَابَةِ الْوَثَائِقِ وَالشَّهَادَاتِ وَسَائِرِ مَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ.
تَحْرِيقٌ
اُنْظُرْ: إِحْرَاقٌ.
_________
(١) شرح الألفية للعراقي ٢ / ١٥٧، وما بعدها.
(٢) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ص ٥٨، ٩٩، ٦٣، دمشق، المكتب الإسلامي ١٣٨٠ هـ.
تَحْرِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحْرِيمُ فِي اللُّغَةِ: خِلاَفُ التَّحْلِيل وَضِدُّهُ.
وَالْحَرَامُ: نَقِيضُ الْحَلاَل. يُقَال: حَرُمَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ حُرْمَةً وَحَرَامًا.
وَالْحَرَامُ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالْمُحَرَّمُ: الْحَرَامُ.
وَالْمَحَارِمُ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ. وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ بِهِمَا: إِذَا دَخَل فِي الإِْحْرَامِ بِالإِْهْلاَل، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ بِهِ مَا كَانَ حَلاَلًا مِنْ قَبْل كَالصَّيْدِ وَالنِّسَاءِ، فَيَتَجَنَّبُ الأَْشْيَاءَ الَّتِي مَنَعَهُ الشَّرْعُ مِنْهَا كَالطِّيبِ وَالنِّكَاحِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالأَْصْل فِيهِ الْمَنْعُ، فَكَأَنَّ الْمُحْرِمَ مُمْتَنِعٌ مِنْ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الصَّلاَةِ: تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ (١) فَكَأَنَّ الْمُصَلِّيَ بِالتَّكْبِيرِ وَالدُّخُول فِي الصَّلاَةِ صَارَ مَمْنُوعًا مِنَ الْكَلاَمِ وَالأَْفْعَال الْخَارِجَةِ عَنْ كَلاَمِ الصَّلاَةِ وَأَفْعَالِهَا، فَقِيل لِلتَّكْبِيرِ: تَحْرِيمٌ لِمَنْعِهِ الْمُصَلِّيَ مِنْ ذَلِكَ.
_________
(١) حديث الصلاة " تحريمها التكبير ". أخرجه الترمذي (١ / ٩ - ط الحلبي) والحاكم (١ / ١٣٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
وَالإِْحْرَامُ أَيْضًا بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ. يُقَال: أَحْرَمَهُ وَحَرَّمَهُ بِمَعْنًى (١) .
وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: خِطَابُ اللَّهِ الْمُقْتَضِي الْكَفَّ عَنِ الْفِعْل اقْتِضَاءً جَازِمًا، بِأَنْ لَمْ يُجَوِّزْ فِعْلَهُ (٢) .
هَذَا فِي اصْطِلاَحِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْل الأُْصُول، أَمَّا أُصُولِيُّو الْحَنَفِيَّةِ فَيُعَرِّفُونَهُ: بِأَنَّهُ طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْل بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ (٣) . كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤) . فَقَدْ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ وَالأَْمْرُ بِالْكَفِّ بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الْقَاطِعِ.، وَكَتَحْرِيمِ الرِّبَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٥) .
وَأَوْرَدَ الْبِرْكِيُّ فِي تَعْرِيفَاتِهِ الْفِقْهِيَّةِ تَعْرِيفَ التَّحْرِيمِ فَقَال: هُوَ جَعْل الشَّيْءِ مُحَرَّمًا.، وَإِنَّمَا خُصَّتِ التَّكْبِيرَةُ الأُْولَى فِي الصَّلاَةِ بِالتَّحْرِيمَةِ، لأَِنَّهَا تُحَرِّمُ الأُْمُورَ الْمُبَاحَةَ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الصَّلاَةِ دُونَ سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ (٦) .
هَذَا وَلِلتَّحْرِيمِ إِطْلاَقٌ آخَرُ حِينَ يَصْدُرُ مِنْ
_________
(١) لسان العرب، ومختار الصحاح مادة: " حرم ".
(٢) جمع الجوامع ١ / ٨٠.
(٣) شرح مسلم الثبوت للأنصاري ١ / ٨٥.
(٤) سورة المائدة / ٩٠.
(٥) سورة البقرة / ٢٧٥.
(٦) التعريفات الفقهية للبركي - الرسالة الرابعة ص ٢٢١.
غَيْرِ الشَّارِعِ، كَتَحْرِيمِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ تَحْرِيمِ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ بِيَمِينٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَمَعْنَاهُ هُنَا: الْمَنْعُ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْكَرَاهَةُ:
٢ - الْكَرَاهَةُ، وَالْكَرَاهِيَةُ: خِطَابُ الشَّارِعِ الْمُقْتَضِي الْكَفَّ عَنِ الْفِعْل اقْتِضَاءً غَيْرَ جَازِمٍ.
كَالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ إِذَا دَخَل أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ (١) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ لاَ تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِْبِل فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ (٢) .
وَالتَّحْرِيمُ وَكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ يَتَشَارَكَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ بِتَرْكِ الْكَفِّ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ التَّحْرِيمَ: مَا تُيُقِّنَ الْكَفُّ عَنْهُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ.
_________
(١) حديث: " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٨ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤١٥ - ط الحلبي) .
(٢) جمع الجوامع ١ / ٨٠، وشرح مسلم الثبوت للأنصاري ١ / ٥٨ وحديث: " لا تصلوا في أعطان الإبل. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٣٣١ - ط عزت عبيد دعاس) وابن ماجه (١ / ٢٥٣ - ط الحلبي) . وصححه مغلطاي كما في فيض القدير (٤ / ٢٠٠ - المكتبة التجارية) .
وَالْمَكْرُوهُ مَا تَرَجَّحَ الْكَفُّ عَنْهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ (١) .
وَفِي مَرَاقِي الْفَلاَحِ: الْمَكْرُوهُ: مَا كَانَ النَّهْيُ فِيهِ بِظَنِّيٍّ.، وَهُوَ قِسْمَانِ: مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا وَهُوَ مَا كَانَ إِلَى الْحِل أَقْرَبَ، وَمَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا وَهُوَ مَا كَانَ إِلَى الْحَرَامِ أَقْرَبَ، فَالْفِعْل إِنْ تَضَمَّنَ تَرْكَ وَاجِبٍ فَمَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، وَإِنْ تَضَمَّنَ تَرْكَ سُنَّةٍ فَمَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، لَكِنْ تَتَفَاوَتُ كَرَاهَتُهُ فِي الشِّدَّةِ وَالْقُرْبِ مِنَ التَّحْرِيمِ بِحَسَبِ تَأَكُّدِ السُّنَّةِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
تَحْرِيمُ الشَّارِعِ يُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهِ إِلَى الْمُصْطَلَحِ الأُْصُولِيِّ.
أَمَّا تَحْرِيمُ الْمُكَلَّفِ مَا هُوَ حَلاَلٌ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَلِي مِنَ الأَْحْكَامِ:
أَوَّلًا - تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ:
٣ - مَنْ قَال لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يُسْأَل عَنْ نِيَّتِهِ، فَإِنْ قَال: أَرَدْتُ الْكَذِبَ، فَهُوَ كَمَا قَال، لأَِنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلاَمِهِ. وَقِيل: لاَ يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ، لأَِنَّهُ يَمِينٌ ظَاهِرًا؛ لأَِنَّ تَحْرِيمَ الْحَلاَل يَمِينٌ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَل اللَّهُ لَكَ﴾ (٣) إِلَى
_________
(١) شرح مسلم الثبوت للأنصاري ١ / ٥٧ - ٥٨، والتعريفات للجرجاني ٢٢٨.
(٢) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ١٨٨ - ١٨٩.
(٣) سورة التحريم / ١.
قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) فَلاَ يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ فِي نِيَّتِهِ خِلاَفُ الظَّاهِرِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَمَل وَالْفَتْوَى.
وَإِنْ قَال: أَرَدْتُ الطَّلاَقَ، فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ الثَّلاَثَ.
وَإِنْ قَال: أَرَدْتُ الظِّهَارَ فَهُوَ ظِهَارٌ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَال مُحَمَّدٌ: لَيْسَ بِظِهَارٍ، لاِنْعِدَامِ التَّشْبِيهِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَهُوَ الرُّكْنُ فِيهِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ أَطْلَقَ الْحُرْمَةَ، وَفِي الظِّهَارِ نَوْعُ حُرْمَةٍ، وَالْمُطْلَقُ يَحْتَمِل الْمُقَيَّدَ.
وَإِنْ قَال: أَرَدْتُ التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ أُرِدْ بِهِ شَيْئًا، فَهُوَ يَمِينٌ يَصِيرُ بِهِ مُولِيًا، وَصَرَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لَفْظَةَ التَّحْرِيمِ إِلَى الطَّلاَقِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ بِحُكْمِ الْعُرْفِ ْ؛ لأَِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ الطَّلاَقَ. قَال بِذَلِكَ أَبُو اللَّيْثِ (٢) .
وَإِنْ قَال لَهَا: أَنَا عَلَيْكِ حَرَامٌ وَيَنْوِي الطَّلاَقَ: فَهِيَ طَالِقٌ (٣) .
وَإِنْ قَال لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى بِهِ طَلاَقًا أَوْ إِيلاَءً: لَمْ يَكُنْ إِلاَّ ظِهَارًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالاَ: هُوَ عَلَى مَا نَوَى لأَِنَّ التَّحْرِيمَ يَحْتَمِل كُل ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ إِذَا
_________
(١) سورة التحريم / ٢.
(٢) فتح القدير ٣ / ١٩٦ - ١٩٧ ط دار صادر.
(٣) فتح القدير ٣ / ٧١.
نَوَى الطَّلاَقَ لاَ يَكُونُ ظِهَارًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونَانِ جَمِيعًا، وَلأَِبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ فَلاَ يَحْتَمِل غَيْرَهُ (١) .
أَمَّا إِذَا كَانَ بِلَفْظِ الظِّهَارِ صَرِيحًا كَأَنْ قَال لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَلاَ يَنْصَرِفُ لِغَيْرِ الظِّهَارِ، وَبِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ، فَلاَ يَحِل لَهُ وَطْؤُهَا وَلاَ مَسُّهَا وَلاَ تَقْبِيلُهَا، حَتَّى يُكَفِّرَ عَنْ ظِهَارِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٢) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٣) .
فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْل أَنْ يُكَفِّرَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْكَفَّارَةِ الأُْولَى، وَلاَ يَعُودُ حَتَّى يُكَفِّرَ، لِقَوْلِهِ ﵊ لِلَّذِي وَاقَعَ فِي ظِهَارِهِ قَبْل الْكَفَّارَةِ: فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ عَنْكَ (٤) وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ وَاجِبًا لَنَبَّهَ عَلَيْهِ (٥) .
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٢٣١.
(٢) سورة المجادلة / ٣.
(٣) سورة المجادلة / ٤.
(٤) حديث: " فاعتزلها حتى تكفر عنك " أخرجه أبو داود (٢ / ٦٦٦ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في الفتح (٩ / ٤٣٣ - ط السلفية) .
(٥) فتح القدير ٣ / ٢٢٦ - ٢٢٨، ٢٣٣.
وَلَوْ قَال: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي يَحْتَمِل الطَّلاَقَ وَالظِّهَارَ.
فَإِنْ قَال: أَرَدْتُ الظِّهَارَ أَوِ الطَّلاَقَ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى، لأَِنَّهُ يَحْتَمِل الْوَجْهَيْنِ: الظِّهَارَ لِمَكَانِ التَّشْبِيهِ، وَالطَّلاَقَ لِمَكَانِ التَّحْرِيمِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ: فَعَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ إِيلاَءٌ، وَعَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ ظِهَارٌ (١) .
هَذَا وَتَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ بِأَرْبَعَةِ طُرُقٍ: الطَّلاَقِ، وَالإِْيلاَءِ، وَاللِّعَانِ، وَالظِّهَارِ. وَهَذَا مَا قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ (٢) .
٤ - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَوْ قَال لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَهُوَ الْبَتَاتُ (الْبَيْنُونَةُ الْكُبْرَى) (٣) .
وَلَوْ قَال لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَكُل شَيْءٍ حَرَّمَهُ الْكِتَابُ، فَإِنَّهُ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَال لَهَا: أَنْتِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، فَيَلْزَمُهُ الْبَتَاتُ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ نَافِعٍ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: قَال رَبِيعَةُ: مَنْ قَال: أَنْتِ مِثْل كُل شَيْءٍ حَرَّمَهُ الْكِتَابُ، فَهُوَ مُظَاهِرٌ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ (٤) .
٥ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا قَال لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٢٣١.
(٢) فتح القدير ٣ / ١٨٢ - ١٨٤ ط دار صادر.
(٣) جواهر الإكليل ١ / ٣٤٦، ومواهب الجليل ٤ / ٥٧، ٥٨.
(٤) الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٤٤٢ - ٤٤٤.
حَرَامٌ أَوْ حَرَّمْتُكِ، وَنَوَى طَلاَقًا أَوْ ظِهَارًا حَصَل الْمَنْوِيُّ، وَهُمْ كَالْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا إِذَا نَوَى الطَّلاَقَ يَكُونُ طَلاَقًا إِلاَّ أَنَّهُ يَكُونُ رَجْعِيًّا. فَإِنْ نَوَى عَدَدًا فَإِنَّهُ يَقَعُ مَا نَوَاهُ وَهُمْ كَرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا نَوَى الظِّهَارَ يَكُونُ ظِهَارًا عِنْدَهُمْ، كَمَا هُوَ ظِهَارٌ عِنْدَهُ.
فَإِنْ نَوَاهُمَا: أَيِ الطَّلاَقَ وَالظِّهَارَ مَعًا تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ مِنْهُمَا. وَقِيل: الْوَاقِعُ طَلاَقٌ لأَِنَّهُ أَقْوَى بِإِزَالَتِهِ الْمِلْكَ، وَقِيل: ظِهَارٌ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَلاَ يَثْبُتَانِ جَمِيعًا لأَِنَّ الطَّلاَقَ يُزِيل النِّكَاحَ، وَالظِّهَارَ يَسْتَدْعِي بَقَاءَهُ.
وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا أَوْ فَرْجِهَا أَوْ وَطْئِهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (١) .
إِنْ أَطْلَقَ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقَوْلاَنِ:
أَظْهَرُهُمَا: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ. وَقَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ صَرِيحٌ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ.
وَالثَّانِي: لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا اللَّفْظُ كِنَايَةٌ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ (٢) .
وَإِنْ قَال لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى التَّحْرِيمَ. فَإِنْ قَال ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ
_________
(١) منهاج الطالبين وحاشية قليوبي عليه ٣ / ٣٢٦، وروضة الطالبين ٨ / ٢٨، ٢٤٣ المكتب الإسلامي، والمغني لابن قدامة ٧ / ١٥٦ - ١٥٧، ٣٤٣.
(٢) روضة الطالبين ٨ / ٢٩.
قَالَهُ فِي مَجَالِسَ وَنَوَى التَّأْكِيدَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ قَالَهُ فِي مَجَالِسَ وَنَوَى الاِسْتِئْنَافَ تَعَدَّدَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الأَْصَحِّ، وَقِيل: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فَقَطْ.
وَإِنْ أَطْلَقَ فَقَوْلاَنِ (١) .
وَلَوْ قَال: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَقَال: أَرَدْتُ الطَّلاَقَ أَوِ الظِّهَارَ صُدِّقَ، وَإِنْ نَوَى التَّحْرِيمَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّهُ كَالْحَرَامِ فَيَكُونُ عَلَى الْخِلاَفِ (٢) .
٦ - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا قَال لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَأَطْلَقَ، فَهُوَ ظِهَارٌ، لأَِنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلزَّوْجَةِ بِغَيْرِ طَلاَقٍ، فَوَجَبَ بِهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، كَمَا لَوْ قَال: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي.
وَإِنْ نَوَى غَيْرَ الظِّهَارِ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ: أَنَّهُ ظِهَارٌ، نَوَى الطَّلاَقَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ.
وَقِيل: إِذَا نَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِذَا حَرَّمَ الرَّجُل عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَل اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ
_________
(١) روضة الطالبين ٨ / ٣٠ - ٣١.
(٢) روضة الطالبين ٨ / ٣١.
(٣) سورة الأحزاب / ٢١.