الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠ الصفحة 40

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠

وَيَنْقَسِمُ اللَّفْظِيُّ قِسْمَيْنِ:

أَوَّلُهُمَا: مَا يُحَسُّ بِالْبَصَرِ، كَمَا سَبَقَ.

وَثَانِيهِمَا: مَا يُحَسُّ بِالسَّمْعِ، نَحْوُ حَدِيثٍ لِعَاصِمٍ الأَْحْوَل رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَال وَاصِلٌ الأَْحْدَبُ فَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ تَصْحِيفِ السَّمْعِ، لاَ مِنْ تَصْحِيفِ الْبَصَرِ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لاَ يُشْتَبَهُ مِنْ حَيْثُ الْكِتَابَةُ وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِيهِ السَّمْعُ مِمَّنْ رَوَاهُ كَذَلِكَ.

وَأَمَّا التَّحْرِيفُ الْمَعْنَوِيُّ: فَهُوَ مَا يَقَعُ فِي الْمَعْنَى بِحَمْل اللَّفْظِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ، قَصْدًا أَوْ بِدُونِ قَصْدٍ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَ بِحَدِيثٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى إِلَى عَنَزَةٍ (١) . فَقَال: نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا شَرَفٌ، صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا. وَإِنَّمَا الْعَنَزَةُ هُنَا: حَرْبَةٌ نُصِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَصَلَّى إِلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ قَبِيلَةَ عَنَزَةَ. قَال ابْنُ الصَّلاَحِ: وَأَظْرَفُ مِنْ هَذَا أَنَّ أَعْرَابِيًّا زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى نُصِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاةٌ. أَيْ صَحَّفَهَا إِلَى عَنْزَةٍ بِإِسْكَانِ النُّونِ (٢) .

حُكْمُ التَّحْرِيفِ وَالتَّصْحِيفِ:

التَّحْرِيفُ إِمَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الأَْحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ، أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ الْكَلاَمِ:

_________

(١) حديث " صلى النبي ﷺ إلى عنزة " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٤٦٣ - ط السلفية) .

(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨٤، وكشاف اصطلاحات الفنون ص ٨٣٦، وشرح ألفية العراقي ٢ / ٢٩٦ - ٢٩٨.

أ - التَّحْرِيفُ لِكَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى:

٥ - ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَ كِتَابَهُ مِنَ التَّبْدِيل وَالتَّحْرِيفِ فِي أَلْفَاظِهِ وَمَبَانِيهِ حَتَّى يَبْقَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا أُنْزِل، قَال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فَعَزَل الشَّيَاطِينَ عَنِ اسْتِمَاعِهِ، وَرَجَمَهُمْ عِنْدَ الْبَعْثَةِ بِالشُّهُبِ، وَجَعَل الْقُرْآنَ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٢) وَلَمْ يَجْعَل اللَّهُ تَعَالَى لأَِحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يُبَدِّل كَلاَمَهُ أَوْ يُغَيِّرَ فِيهِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُل مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٣) وَدَعَتِ الشَّرِيعَةُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ وَتِلاَوَتِهِ وَضَبْطِهِ، فَقَامَتِ الأُْمَّةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ بِذَلِكَ خَيْرَ قِيَامٍ، بِحَيْثُ أُمِنَ أَنْ يَتَبَدَّل مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ بَدَّل أَحَدٌ حَرْفًا وَاحِدًا مِنْهُ لَوَجَدَ الْعَشَرَاتِ بَل الْمِئَاتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كِبَارًا وَصِغَارًا مِمَّنْ يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ التَّحْرِيفَ، وَيَنْفُونَ ذَلِكَ التَّبْدِيل.

وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مَا فَعَلَهُ أَهْل الْكِتَابِ، مِنْ تَحْرِيفٍ لِمَا لَدَيْهِمْ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ بِالزِّيَادَةِ أَوِ الْحَذْفِ أَوِ التَّغْيِيرِ، فَقَال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ

_________

(١) سورة الحجر / ٩.

(٢) سورة عبس / ١٣ - ١٦.

(٣) سورة يونس / ١٥.

لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) وَقَال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وَقَال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٣) وَقَال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ (٤)

وَلأَِجْل الأَْمْنِ مِنْ أَيِّ تَحْرِيفٍ أَوْ تَغْيِيرٍ فِي كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى الْتَزَمَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الأُْمَّةِ رَسْمَ خَطِّ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ دُونَ تَغْيِيرٍ فِيهِ، مَهْمَا تَغَيَّرَ اصْطِلاَحُ الْكِتَابَةِ فِي الْعُصُورِ اللاَّحِقَةِ. قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَيْفَ اُتُّفِقَ، بَل عَلَى أَمْرٍ عِنْدَهُمْ قَدْ تَحَقَّقَ. وَقَال أَبُو الْبَقَاءِ فِي كِتَابِ اللُّبَابِ: ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْل اللُّغَةِ إِلَى كِتَابَةِ الْكَلِمَةِ عَلَى لَفْظِهَا، إِلاَّ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ، فَإِنَّهُمُ اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ مَا وَجَدُوهُ فِي الْمُصْحَفِ الإِْمَامِ. وَقَال أَشْهَبُ: سُئِل مَالِكٌ ﵀: هَل تَكْتُبُ الْمُصْحَفَ عَلَى مَا أَخَذَهُ النَّاسُ مِنَ الْهِجَاءِ؟ فَقَال: لاَ، إِلاَّ عَلَى الْكَتْبَةِ

_________

(١) سورة آل عمران / ٧٨.

(٢) سورة البقرة / ٧٥.

(٣) سورة المائدة / ١٣.

(٤) سورة المائدة / ٤١.

الأُْولَى. رَوَاهُ الدَّانِيُّ، ثُمَّ قَال: وَلاَ مُخَالِفَ لَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الأُْمَّةِ، وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: تَحْرُمُ مُخَالَفَةُ خَطِّ مُصْحَفِ عُثْمَانَ " أَيْ رَسْمِهِ " فِي يَاءٍ أَوْ وَاوٍ أَوْ أَلِفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ: اتِّبَاعُ حُرُوفِ الْمُصْحَفِ عِنْدَنَا كَالسُّنَّةِ الْقَائِمَةِ الَّتِي لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّاهَا (١) إِلاَّ أَنَّ لِلإِْمَامِ الشَّوْكَانِيِّ فِي ذَلِكَ رَأْيًا مُخَالِفًا بَيَّنَهُ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ (٢) مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: قَال: وَقَدْ كَتَبُوهُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ، وَهَذَا مُجَرَّدُ اصْطِلاَحٍ لاَ يَلْزَمُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذِهِ النُّقُوشَ الْكِتَابِيَّةَ أُمُورٌ اصْطِلاَحِيَّةٌ لاَ يُشَاحُّ فِي مِثْلِهَا، إِلاَّ فِيمَا كَانَ يَدُل بِهِ عَلَى الْحَرْفِ الَّذِي كَانَ فِي أَصْل الْكَلِمَةِ وَنَحْوِهِ. قَال: وَعَلَى كُل حَالٍ فَرَسْمُ الْكَلِمَةِ وَحَمْل نَقْشِهَا الْكِتَابِيِّ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ بِهَا هُوَ الأَْوْلَى (٣)

أَمَّا التَّغْيِيرُ فِي الْقِرَاءَةِ بِمَا يَخْرُجُ عَنْ رَسْمِ الْمُصْحَفِ فَلاَ يَجُوزُ أَيْضًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّغْيِيرُ عَمَّا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ مِنَ الْوُجُوهِ وَلَوِ

_________

(١) البرهان في علوم القرآن ١ / ٣٧٦ - ٣٨٠، القاهرة، عيسى الحلبي، ١٣٧٦ هـ، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٢ / ١٦٧، القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٥٤ هـ.

(٢) سورة البقرة / ٢٧٥.

(٣) فتح القدير للشوكاني ١ / ٢٦٥ القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٤٩ هـ.

احْتَمَلَهَا رَسْمُ الْمُصْحَفِ الإِْمَامِ.

وَيَحْصُل الأَْمْنُ مِنْ تَحْرِيفِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ بِالتَّلَقِّي مِنْ أَفْوَاهِ الْقُرَّاءِ الْعَالِمِينَ بِالْقِرَاءَةِ، وَلاَ يَنْبَغِي الاِكْتِفَاءُ بِتَعَلُّمِهَا بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ فِي الْمُصْحَفِ.

أَمَّا تَغْيِيرُ الْمَعْنَى بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُرَادِ بِهِ، فَهُوَ نَوْعٌ شَدِيدٌ مِنَ التَّحْرِيفِ.

وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْوَاجِبَ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ إِمَّا بِالْقُرْآنِ، وَإِمَّا بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَإِمَّا بِمُقْتَضَى لِسَانِ الْعَرَبِ لِلْعَالِمِينَ بِهِ. وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ فَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ شَرْعًا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ مَنْ قَال فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ (١)

وَإِذَا كَانَ التَّحْرِيفُ لِمُوَافَقَةِ الْهَوَى وَتَأْيِيدِهِ كَانَ فَاعِلُهُ أَشَدَّ ضَلاَلًا وَإِضْلاَلًا، فَإِنَّ الإِْيمَانَ بِكِتَابِ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنْ يُتَّخَذَ الْكِتَابُ مَتْبُوعًا، يَأْتَمِرُ الْمُؤْمِنُونَ بِأَمْرِهِ وَيَقِفُونَ عِنْدَ نَهْيِهِ، لاَ أَنْ يُجْعَل تَابِعًا لِلأَْهْوَاءِ كَمَا اتَّخَذَتْهُ بَعْضُ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ.

هَذَا فِيمَا قَدْ يَصْنَعُهُ الْمُفَسِّرُ مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّحْرِيفِ لِلْمَعْنَى عَنْ عَمْدٍ، وَأَمَّا التَّفْسِيرُ الْمُغَيِّرُ، خَطَأٌ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْذَرَ مِنْهُ فَلاَ يَتَصَدَّى لِلتَّفْسِيرِ إِلاَّ عَالِمٌ بِالْقُرْآنِ عَالِمٌ بِالسُّنَنِ وَالْعَرَبِيَّةِ،

_________

(١) حديث: " من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ " رواه الترمذي (٥ / ٢٠٠ - ط الحلبي) وقال: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل بن أبي حزم.

قَدْ تَعَلَّمَ أُصُول التَّفْسِيرِ، وَعَرَفَ نَاسِخَ الْقُرْآنِ مِنْ مَنْسُوخِهِ، وَعَرَفَ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لاَ بُدَّ مِنْهُ لِلْمُفَسِّرِ (١) .

ب - التَّحْرِيفُ وَالتَّصْحِيفُ لِلأَْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ:

حُكْمُ التَّصْحِيفِ:

٦ - يَقُول الْمُحَدِّثُونَ: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ صُورَةِ الْحَدِيثِ مَتْنًا أَوْ إِسْنَادًا، إِلاَّ لِعَالِمٍ بِمَدْلُولاَتِ الأَْلْفَاظِ، عَالِمٍ بِمَا يُحِيل الْمَعْنَى، فَلَهُ أَنْ يُغَيِّرَ عَلَى أَنْ يَتَجَنَّبَ تَحْوِيل الْمَعْنَى. وَالتَّصْحِيفُ الْمَقْصُودُ نَوْعٌ مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى (٢) .

أَمَّا مَا يَقَعُ مِنَ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ عَلَى سَبِيل الْخَطَأِ، فَإِنَّ مَنْ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ أَشْيَاءُ مِنْ ذَلِكَ فَاحِشَةٌ، فَيُقَال فِيهِ: إِنَّهُ سَيِّئُ الضَّبْطِ، وَيُتْرَكُ حَدِيثُهُ فَلاَ يُؤْخَذُ بِهِ، نَقَل أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيِّ أَنَّ الْغَفْلَةَ الَّتِي يُرَدُّ بِهَا حَدِيثُ الرَّجُل الرِّضَا الَّذِي لاَ يَعْرِفُ الْكَذِبَ هِيَ أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِهِ غَلَطٌ، فَيُقَال لَهُ فِي ذَلِكَ، فَيُحَدِّثُ بِمَا قَالُوهُ وَيُغَيِّرُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِمْ، لاَ يُعْرَفُ فَرْقُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، أَوْ يُصَحِّفُ تَصْحِيفًا فَاحِشًا يَقْلِبُ الْمَعْنَى لاَ يَعْقِل ذَلِكَ. وَنُقِل عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَال: مَنْ

_________

(١) الإتقان في علوم القرآن ٢ / ١٧٥ وما بعدها.

(٢) شرح نخبة الفكر للشيخ علي القاري الحنفي ص ١٤٥.

حَدَّثَكَ وَهُوَ لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ (١) .

عَلَى أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل النُّدْرَةِ أَوِ الْقِلَّةِ - وَلاَ يَكُونُ فَاحِشًا - فَلاَ يَقْدَحُ فِي الرَّاوِي، قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: وَمَنْ يَعْرَى عَنِ الْخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ؟ (٢)

أَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ التَّصْحِيفُ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْمَتْنِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْوَضْعِ، وَمَا كَانَ فِي السَّنَدِ فَإِنَّهُ يُصَيِّرُهُ ضَعِيفًا بِذَلِكَ السَّنَدِ (٣) .

إِصْلاَحُ التَّصْحِيفِ:

٧ - فِي مُقَدِّمَةِ ابْنِ الصَّلاَحِ، وَالْبَاعِثِ الْحَثِيثِ: إِذَا لَحَنَ الشَّيْخُ فَالصَّوَابُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ السَّامِعُ عَلَى الصَّوَابِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالْجُمْهُورِ.

وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ يَرْوِيهِ كَمَا سَمِعَهُ مَلْحُونًا. قَال ابْنُ الصَّلاَحِ: وَهَذَا غُلُوٌّ فِي مَذْهَبِ اتِّبَاعِ اللَّفْظِ.

وَقَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَل أَنْ يَنْقُلُوا الرِّوَايَةَ كَمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُغَيِّرُوا فِي كُتُبِهِمْ، كَمَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ

_________

(١) تصحيفات المحدثين ١ / ١٢.

(٢) تدريب الراوي ص ٣٨٤، وشرح مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨٢.

(٣) كشاف اصطلاحات الفنون ص ٨٣٦.

وَالْمُوَطَّأِ، لَكِنَّ أَهْل الْمَعْرِفَةِ يُنَبِّهُونَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَوَاشِي. وَمِنْهُمْ مَنْ جَسَرَ عَلَى تَغْيِيرِ الْكُتُبِ وَإِصْلاَحِهَا. وَالأَْوْلَى سَدُّ بَابِ التَّغْيِيرِ وَالإِْصْلاَحِ، لِئَلاَّ يَجْسُرَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لاَ يُحْسِنُهُ.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصْلِحُ الْخَطَأَ الْفَاحِشَ، وَيَسْكُتُ عَنِ الْخَفِيِّ السَّهْل.

وَقَال ابْنُ كَثِيرٍ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ مَلْحُونًا عَنِ الشَّيْخِ تَرَكَ رِوَايَتَهُ، لأَِنَّهُ إِنِ اتَّبَعَهُ فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ فِي كَلاَمِهِ، وَإِنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَلَى الصَّوَابِ فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ كَذَلِكَ (١) .

التَّصْحِيفُ وَالتَّحْرِيفُ لِغَيْرِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ:

٨ - التَّصْحِيفُ وَالتَّحْرِيفُ الْمُتَعَمَّدُ فِي الْوَثَائِقِ وَالسِّجِلاَّتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ التَّزْوِيرِ، وَحُكْمُهُ التَّحْرِيمُ إِنْ أَسْقَطَ بِهِ حَقًّا لِغَيْرِهِ، أَوْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْحَقِّ مَا لَيْسَ لَهُ، أَوْ أَلْحَقَ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ضَرَرًا بِغَيْرِ حَقٍّ. وَمَنْ فَعَلَهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ (٢) . (ر: تَزْوِيرٌ) .

_________

(١) الباعث الحثيث لابن كثير ص ١٤٥ ط ٣، القاهرة، محمد علي صبيح، وشرح ألفية العراقي ص ١٧٥ - ١٨٢.

(٢) ابن عابدين ٤ / ٣٩٥، القليوبي ٤ / ٢٠٥.

تَوَقِّي التَّحْرِيفِ وَالتَّصْحِيفِ:

٩ - بَيَّنَ أَهْل الْحَدِيثِ الطُّرُقَ الَّتِي يُتَوَقَّى بِهَا التَّحْرِيفُ وَالتَّصْحِيفُ، وَمِنْ ذَلِكَ:

أَوَّلًا: أَخْذُ الْعِلْمِ مِنْ أَفْوَاهِ الْعَارِفِينَ بِهِ الْمُتْقِنِينَ لَهُ، فَإِنَّ التَّصْحِيفَ كَثِيرًا مَا يَنْشَأُ عَنْ تَشَابُهِ الْحُرُوفِ فِي الصُّورَةِ، فَتُقْرَأُ الْكَلِمَةُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنْ أَخَذَهَا الرَّاوِي عَنْ فَمِ الشَّيْخِ أَخَذَهَا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ (١) .

ثَانِيًا: كِتَابَةُ الْعِلْمِ الْمَرْوِيِّ وَضَبْطُ الْمَكْتُوبِ لِئَلاَّ يَخْتَلِطَ بِغَيْرِهِ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الاِعْتِمَادَ عَلَى الذَّاكِرَةِ وَحْدَهَا لاَ يَكْفِي، وَقَدْ قَال بَعْضُ السَّلَفِ: قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ.

ثَالِثًا: اسْتِكْمَال نَقْطِ الإِْعْجَامِ فِي الْكِتَابِ، لِتُفَرِّقَ بَيْنَ الْحُرُوفِ الْمُتَشَابِهَةِ كَالْبَاءِ وَالتَّاءِ وَالثَّاءِ وَالنُّونِ وَالْيَاءِ، وَكَالْفَاءِ وَالْقَافِ. وَاسْتِعْمَال الضَّبْطِ بِالشَّكْل حَيْثُ يُخْشَى التَّحْرِيفُ، وَرُبَّمَا اُحْتِيجَ إِلَى الضَّبْطِ بِالْكَلِمَاتِ، كَقَوْلِهِمُ " الْبِرُّ: بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ".

رَابِعًا: إِتْقَانُ عُلُومِ اللُّغَةِ، فَإِنَّهَا كَثِيرًا مَا تَكْشِفُ التَّحْرِيفَ وَالتَّصْحِيفَ (٢) .

وَقَدْ أَفْرَدَ الْعُلَمَاءُ لِبَيَانِ ضَبْطِ مَا يَقْبَل أَنْ يَدْخُل

_________

(١) الباعث الحثيث ص ١٤٥، ومقدمة ابن الصلاح ص ٢٢٩.

(٢) شرح ألفية العراقي له ٢ / ١٧٤ فاس، المطبعة الجديدة ١٣٥٤ هـ.

التَّحْرِيفُ وَالتَّصْحِيفُ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ مِنَ الْحَدِيثِ وَأَسْمَاءِ رِجَال الأَْسَانِيدِ وَغَيْرِهَا كُتُبًا خَاصَّةً، إِذَا قَرَأَهَا طَالِبُ الْعِلْمِ أَمِنَ الْغَلَطَ وَالتَّحْرِيفَ (١) .

وَأَفْرَدُوا كُتُبًا أُخْرَى لِبَيَانِ مَا وَقَعَ فِعْلًا مِنَ الأَْوْهَامِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ (٢)

وَحَذَّرُوا فِي تَآلِيفِهِمْ فِي عِلْمِ أُصُول الْحَدِيثِ مِنَ التَّصْحِيفِ، وَذَكَرُوا أَمْثِلَةً مِمَّا وَقَعَ مِنْهُ كَثِيرَةً يَحْصُل بِهَا التَّنَبُّهُ لِلْمَزَالِقِ فِي هَذَا الْبَابِ (٣) . كَمَا حَذَّرُوا مِنْ أَنْ يَرْوِيَ الشَّيْخُ حَدِيثَهُ بِقِرَاءَةِ اللَّحَّانِ وَالْمُصَحِّفِ (٤) .

وَبَيَّنُوا الطُّرُقَ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُمْ بِاسْتِقْرَاءِ مَا وَرَدَ عَنْ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ لِكَيْفِيَّةِ ضَبْطِ الرِّوَايَةِ وَالسَّمَاعِ وَالنَّقْل مِنَ الْكُتُبِ، وَكِتَابَةِ التَّسْمِيعِ، وَالْمُقَابَلَةِ بِالأُْصُول، وَضَوَابِطِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ ضَبْطُ الرِّوَايَةِ لِئَلاَّ

_________

(١) من ذلك: مشارق الأنوار للقاضي عياض، وتقييد المهمل لأبي علي الغساني.

(٢) من ذلك: التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الأصفهاني، وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف للعسكري، وتصحيفات المحدثين له أيضا، وإصلاح خطأ المحدثين للخطابي.

(٣) انظر في ذلك مثلا: الباعث الحثيث ص ١٧٠ - ١٧٤، والكفاية للبغدادي ص ١٤٦، ١٤٩ وغيرهما من الكتب المعزو إليها في هذا البحث.

(٤) شرح ألفية العراقي ٢ / ١٧٤.