الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠

يَكُونُ الْحَثُّ فِيهِ لِطَرَفٍ، أَمَّا التَّحْرِيشُ فَيَكُونُ فِيهِ الْحَثُّ لِطَرَفَيْنِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٣ - التَّحْرِيشُ بَيْنَ النَّاسِ بِقَصْدِ الإِْفْسَادِ حَرَامٌ، لأَِنَّهُ وَسِيلَةٌ لإِفْسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَمِنْ صُوَرِ التَّحْرِيشِ: النَّمِيمَةُ. قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَل مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَال: صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ (١)

أَمَّا تَحْرِيشُ الْحَيَوَانِ - بِمَعْنَى الإِْغْرَاءِ وَالتَّسْلِيطِ وَالإِْرْسَال بِقَصْدِ الصَّيْدِ - فَمُبَاحٌ كَإِرْسَال الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ.

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حُرْمَةِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ، بِتَحْرِيضِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَتَهْيِيجِهِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ سَفَهٌ وَيُؤَدِّي إِلَى حُصُول الأَْذَى لِلْحَيَوَانِ، وَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى إِتْلاَفِهِ بِدُونِ غَرَضٍ مَشْرُوعٍ (٢) .

_________

(١) حديث: " ألا أخبركم. . . " رواه الترمذي (٤ / ٦٦٣) وقال: حديث صحيح. ثم قال: ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا أقول: تمحلق الشعر، ولكن تحلق الدين ".

(٢) عون المعبود ٢ / ٣٣١، وحاشية عميرة على المحلي ٣ / ٢٠٤، والآداب الشرعية ٣ / ٣٥٧، وأسنى المطالب ٤ / ٢٢٨.

وَجَاءَ فِي الأَْثَرِ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ (١) .

وَيَحْرُمُ التَّحْرِيشُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِقَصْدِ الإِْفْسَادِ وَإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ بَيْنَهُمْ. وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ (٢) .

أَمَّا الإِْغْرَاءُ عَلَى فِعْلٍ مَشْرُوعٍ فَيُسَمَّى تَحْرِيضًا، وَمِنْهُ التَّحْرِيضُ عَلَى رُكُوبِ الْخَيْل، وَالتَّدَرُّبُ عَلَى الرَّمْيِ، وَفُنُونِ الْقِتَال وَهُوَ جَائِزٌ.

وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (تَحْرِيضٌ) .

_________

(١) حديث: " نهى عن التحريش بين البهائم " أخرجه أبو داود (٣ / ٥٦ - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤ / ٢١٠ - ط الحلبي) وأعله بالإرسال، وفيه ضعف.

(٢) حديث: " إن الشطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢١٦٦ - ط الحلبي) .

(٣) الآداب الشرعية ٣ / ٣٥٧، وروضة الطالبين ١٠ / ٣٥٤، وأسنى المطالب ٤ / ٢٢٩.

تَحْرِيضٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّحْرِيضُ فِي اللُّغَةِ: التَّحْضِيضُ وَالْحَثُّ عَلَى الْقِتَال وَغَيْرِهِ وَالإِْحْمَاءُ عَلَيْهِ. وَجَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿فَقَاتِل فِي سَبِيل اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَقَرِيبٌ مِنَ التَّحْرِيضِ الْحَثُّ وَالتَّحْرِيشُ وَالإِْغْرَاءُ وَالتَّهْيِيجُ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّثْبِيطُ:

٢ - التَّثَبُّطُ مَصْدَرُ ثَبَّطَهُ عَنِ الأَْمْرِ تَثْبِيطًا: شَغَلَهُ عَنْهُ وَعَوَّقَهُ. وَنَحْوُهُ التَّخْذِيل، وَهُوَ: حَمْل أَنْصَارِ الشَّخْصِ عَلَى تَرْكِ عَوْنِهِ وَتَثْبِيطِهِ عَنْ نُصْرَتِهِ. فَالتَّثْبِيطُ ضِدُّ التَّحْرِيضِ (٣) .

_________

(١) سورة النساء / ٨٤.

(٢) لسان العرب مادة: " حرض ".

(٣) مختار الصحاح.

ب - الإِْرْجَافُ:

٣ - الإِْرْجَافُ مَصْدَرُ: أَرْجَفَ فِي الشَّيْءِ: خَاضَ فِيهِ، وَأَرْجَفَ الْقَوْمُ: إِذَا خَاضُوا فِي الأَْخْبَارِ السَّيِّئَةِ وَذِكْرِ الْفِتَنِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (١) وَهُمُ الَّذِينَ يُوَلِّدُونَ الأَْخْبَارَ الْكَاذِبَةَ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا اضْطِرَابٌ فِي النَّاسِ (٢) . فَالإِْرْجَافُ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِل التَّثْبِيطِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ التَّحْرِيضِ.

ج - التَّحْرِيشُ:

٤ - التَّحْرِيشُ: إِغْرَاءُ الإِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ لِيَقَعَ بِقِرْنِهِ أَيْ نَظِيرِهِ. وَلاَ يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ إِلاَّ فِي الشَّرِّ، وَهُوَ فِيمَا يَكُونُ الْحَثُّ فِيهِ لِطَرَفَيْنِ. أَمَّا التَّحْرِيضُ فَيَكُونُ الْحَثُّ فِيهِ لِطَرَفٍ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّحْرِيضِ بِاخْتِلاَفِ مَوْضُوعِهِ:

فَالتَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَال فِي الْجِهَادِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَكَذَلِكَ التَّحْرِيضُ عَلَى الْبِرِّ وَالإِْحْسَانِ، كَإِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ وَالأَْيْتَامِ.

وَالتَّحْرِيضُ فِي الْفَسَادِ، وَأَنْوَاعِ الْمُنْكَرِ حَرَامٌ.

وَتَحْرِيضُ السَّبُعِ الضَّارِي، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ

_________

(١) سورة الأحزاب / ٦٠.

(٢) لسان العرب مادة: " رجف ".

عَلَى إِنْسَانٍ مَعْصُومِ الدَّمِ أَوْ مَالٍ مُحْتَرَمٍ حَرَامٌ وَمُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، بِتَفْصِيلٍ يَأْتِي.

تَحْرِيضُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقِتَال:

٦ - يُسَنُّ لِلإِْمَامِ وَالأَْمِيرِ إِذَا جَهَّزَ جَيْشًا أَوْ سَرِيَّةً لِلْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ أَنْ يُحَرِّضَهُمْ عَلَى الْقِتَال وَعَلَى الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِل فِي سَبِيل اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَال﴾ (٣) وَتَفْصِيلُهُ فِي بَابِ الْجِهَادِ.

التَّحْرِيضُ عَلَى الْمُسَابَقَةِ:

٧ - يُسَنُّ تَحْرِيضُ الرِّجَال عَلَى الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ وَرُكُوبِ الْخَيْل. وَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَدْفَعَ الْعِوَضَ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَمِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ، كَمَا يَجُوزُ لِلأَْفْرَادِ أَيْضًا أَنْ يَدْفَعُوهُ، لأَِنَّهُ بَذْلٌ فِي طَاعَةٍ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ (٤) . لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الإِْعْدَادِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل﴾ (٥)

_________

(١) روض الطالب ٤ / ١٨٨.

(٢) سورة النساء / ٨٤.

(٣) سورة الأنفال / ٦٥.

(٤) روضة الطالبين ١٠ / ٣٥٤، وأسنى المطالب ٤ / ٢٢٨، المغني ٨ / ٦٥٢.

(٥) سورة الأنفال / ٦٠.

وَلِخَبَرِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا عَلَى قَوْمٍ يَتَنَاضَلُونَ فَقَال: ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيل فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا (١) وَلِخَبَرِ: أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ (٢)، وَلِخَبَرِ: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِل الْجَنَّةَ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاَثَةً: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنَبِّلَهُ. إِلَخْ (٣)

وَالتَّفْصِيل فِي (السِّبَاقِ) .

تَحْرِيضُ الْحَيَوَانِ:

٨ - إِذَا حَرَّضَ حَيَوَانًا فَجَنَى عَلَى إِنْسَانٍ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ لِتَسَبُّبِهِ، هَذَا رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٤) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ وَاسِعٍ كَالصَّحْرَاءِ فَقَتَلَهُ فَلاَ ضَمَانَ، لأَِنَّهُ لَمْ يُلْجِئْهُ إِلَى قَتْلِهِ، وَالَّذِي وُجِدَ مِنْهُ لَيْسَ بِمُهْلِكٍ. أَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ، أَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ ضَارِيًا شَدِيدَ الْعَدْوِ لاَ يَتَأَتَّى الْهَرَبُ مِنْهُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إِذَا قُتِل فِي الْحَال (٥) .

_________

(١) حديث: " ارموا بني إسماعيل. . " أخرجه البخاري (٦ / ٩١ - الفتح - ط السلفية) من حديث سلمة بن الأكوع.

(٢) حديث: " إلا إن القوة الرمي. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٢٢ - ط الحلبي) من حديث عقبة بن عامر.

(٣) حديث: " إن الله يدخل الجنة بالسهم الواحد. . " أخرجه أحمد (٤ / ١٤٤ - ط الميمنية) والحاكم (٢ / ٩٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

(٤) مطالب أولي النهى ٤ / ٧٤، وحاشية العدوي على الخرشي ٨ / ٨.

(٥) روضة الطالبين ٩ / ١٤٣، والوجيز ٢ / ١٢٤.

وَعِنْدَ الأَْحْنَافِ: لاَ يَضْمَنُ.

وَالتَّفْصِيل فِي (الْجِنَايَاتُ) (١) .

تَحْرِيضُ الْمُحْرِمِ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ:

٩ - إِذَا حَرَّضَ مُحْرِمٌ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ ضَمِنَ، كَحَلاَلٍ فِي الْحَرَمِ بِجَامِعِ التَّسَبُّبِ فِيهِمَا (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي (الإِْحْرَامُ) .

تَحْرِيفٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّحْرِيفُ لُغَةً: مَصْدَرُ حَرَّفَ الشَّيْءَ: إِذَا جَعَلَهُ عَلَى جَانِبٍ، أَوْ أَخَذَ مِنْ جَانِبِهِ شَيْئًا، وَتَحْرِيفُ الْكَلاَمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ تَغْيِيرُهُ وَالْعُدُول بِهِ عَنْ جِهَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فِي الْيَهُودِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٣) أَيْ يُغَيِّرُونَهُ (٤) .

وَالتَّحْرِيفُ فِي الاِصْطِلاَحِ: التَّغْيِيرُ فِي الْكَلِمَةِ بِتَبْدِيلٍ فِي حَرَكَاتِهَا، كَالْفُلْكِ وَالْفَلَكِ، وَالْخَلْقِ وَالْخُلُقِ. أَوْ تَبْدِيل حَرْفٍ بِحَرْفٍ، سَوَاءٌ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٩٠، وفتح القدير ٩ / ٢٦٤.

(٢) أسنى المطالب ١ / ٥١٤، وروضة الطالبين ٣ / ١٤٨.

(٣) سورة النساء / ٤٦.

(٤) انظر المصباح المنير ومختار الصحاح مادة: " حرف "، وتفسير الجلالين عند قوله تعالى:﴾ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴿، وحاشية الصاوي على الجلالين ١ / ٣٩ طبع بيروت.

اشْتَبَهَا فِي الْخَطِّ أَمْ لاَ، أَوْ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ نَحْوِ (سَرَى بِالْقَوْمِ) (وَسَرَى فِي الْقَوْمِ) أَوْ بِالزِّيَادَةِ فِي الْكَلاَمِ أَوِ النَّقْصِ مِنْهُ، أَوْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ.

وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ فِي عِلْمِ أُصُول الْحَدِيثِ بِتَبْدِيل الْكَلِمَةِ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى تُشَابِهُهَا فِي الْخَطِّ وَالنَّقْطِ، وَتُخَالِفُهَا فِي الْحَرَكَاتِ، كَتَبْدِيل الْخَلْقِ بِالْخُلُقِ، وَالْقَدَمِ بِالْقِدَمِ، وَهَذَا اصْطِلاَحُ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى ظَاهِرِ مَا فِي نُخْبَةِ الْفِكْرِ وَشَرْحِهَا (١)، جَعَلَهُ مُقَابِلًا لِلتَّصْحِيفِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّصْحِيفُ:

٢ - التَّصْحِيفُ هُوَ تَغْيِيرُ اللَّفْظِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ، وَأَصْلُهُ الْخَطَأُ، يُقَال: صَحَّفَهُ فَتَصَحَّفَ، أَيْ غَيَّرَهُ فَتَغَيَّرَ حَتَّى الْتَبَسَ (٢) .

وَالتَّصْحِيفُ فِي الاِصْطِلاَحِ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

قِيل: هُوَ كُل تَغْيِيرٍ فِي الْكَلِمَةِ سَوَاءٌ بِسَبَبِ اخْتِلاَفِ النَّقْطِ أَوِ الشَّكْل أَوْ بِتَبْدِيل حَرْفٍ بِحَرْفٍ أَوْ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ، وَهَذَا الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ اصْطِلاَحُ أَغْلَبِ الْمُحَدِّثِينَ قَبْل ابْنِ حَجَرٍ، مِنْهُمُ

_________

(١) تصحيفات المحدثين للعسكري، المقدمة ص ٤٠، ولقط الدرر على شرح نخبة الفكر ص ٨٢ القاهرة، مطبعة عبد الحميد حنفي.

(٢) المصباح المنير مادة: " صحف ".

الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ، وَالْحَاكِمُ فِي مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَالنَّوَوِيُّ فِي التَّقْرِيبِ، وَابْنُ الصَّلاَحِ وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنَ التَّحْرِيفِ، إِلاَّ أَنَّ التَّحْرِيفَ أَشْمَل، إِذْ يَدْخُل فِيهِ تَغْيِيرُ الْمَعْنَى مَعَ بَقَاءِ اللَّفْظِ عَلَى حَالِهِ.

فَيَكُونُ التَّصْحِيفُ هُوَ التَّحْرِيفَ فِي نَقْطِ الْكَلِمَةِ أَوْ شَكْلِهَا أَوْ حُرُوفِهَا. وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ التَّحْرِيفُ فِي الْمَعْنَى.

أَمَّا ابْنُ حَجَرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ التَّصْحِيفَ خَاصٌّ بِتَبْدِيل الْكَلِمَةِ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى تُشَابِهُهَا فِي الْخَطِّ وَتُخَالِفُهَا فِي النَّقْطِ، وَهُوَ اصْطِلاَحُ الْعَسْكَرِيِّ فِي كِتَابِهِ (شَرْحُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ) وَذَلِكَ كَتَبْدِيل الْغَدْرِ بِالْعُذْرِ، وَالْخَطْبِ بِالْحَطَبِ.

وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّحْرِيفِ تَصْحِيفًا لأَِنَّ الآْخِذَ عَنِ الصَّحِيفَةِ قَدْ لاَ يُمْكِنُهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْكَلِمَةِ الْمُرَادَةِ وَالْكَلِمَةِ الَّتِي تَلْتَبِسُ بِهَا لِمُشَابَهَتِهَا فِي الصُّورَةِ، بِخِلاَفِ الآْخِذِ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْل الْعِلْمِ (١) . وَكَانَ هَذَا الاِلْتِبَاسُ كَثِيرًا قَبْل اخْتِرَاعِ النَّقْطِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ، وَقَل

_________

(١) نخبة الفكر، ولقط الدرر ص ٨٣، والتقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للحافظ العراقي ص ٢٨٢ - ٢٨٤ بيروت دار الفكر، ١٤٠١ هـ، والكفاية في أصول الرواية للخطيب البغدادي ص ١٤٦، ١٤٩، وتدريب الراوي شرح تقريب النواوي ص ٣٨٤ المدينة المنورة، المكتبة العلمية ١٣٧٩ هـ، وتصحيفات المحدثين المقدمة ص ٤٠.

بَعْدَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَنْعَدِمْ حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَلْتَزِمُ بِهِ؛ لأَِنَّ النُّقَطَ قَدْ تَسْقُطُ، وَقَدْ تَنْتَقِل عَنْ مَكَانِهَا، فَيَحْصُل الاِلْتِبَاسُ.

ب - التَّزْوِيرُ:

٣ - الزُّورُ لُغَةً: الْكَذِبُ، وَالتَّزْوِيرُ: تَزْيِينُ الْكَذِبِ (١) .

وَاصْطِلاَحًا: كُل قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ يُرَادُ بِهِ تَزْيِينُ الْبَاطِل حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ حَقٌّ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْقَوْل كَشَهَادَةِ الزُّورِ، أَمِ الْفِعْل كَمُحَاكَاةِ الْخُطُوطِ أَوِ النُّقُودِ بِقَصْدِ إِثْبَاتِ الْبَاطِل.

فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّحْرِيفِ أَنَّ التَّزْوِيرَ يَحْدُثُ بِهِ تَغْيِيرٌ مَقْصُودٌ، أَمَّا التَّحْرِيفُ فَقَدْ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْوَاقِعُ وَقَدْ لاَ يَتَغَيَّرُ، وَقَدْ يَكُونُ التَّحْرِيفُ مَقْصُودًا أَوْ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَفِيهِمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ.

أَنْوَاعُ التَّحْرِيفِ وَالتَّصْحِيفِ:

٤ - التَّحْرِيفُ إِمَّا لَفْظِيٌّ وَإِمَّا مَعْنَوِيٌّ:

فَاللَّفْظِيُّ يَكُونُ فِي السَّنَدِ، كَمَا صَحَّفَ الطَّبَرِيُّ اسْمَ عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ فَقَال فِيهِ: ابْنُ الْبَذْرِ.

وَيَكُونُ فِي الْمَتْنِ كَمَا صَحَّفَ ابْنُ لَهِيعَةَ حَدِيثَ احْتَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ (٢) فَقَال فِيهِ احْتَجَمَ فِي الْمَسْجِدِ.

_________

(١) مختار الصحاح مادة. " زور ".

(٢) حديث: " احتجر النبي ﷺ في المسجد ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥١٧ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٣٩ - ط الحلبي) . ورواية التصحيف في مسند أحمد (٥ / ١٨٥ - ط الميمنية) .