الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠ الصفحة 38

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠

ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَتَحَرَّى فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ.

وَقَال أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ: لاَ يُصَلِّي فِي شَيْءٍ مِنْهَا، كَقَوْلِهِمَا فِي الأَْوَانِي (١) .

ج - اخْتِلاَطُ الْمُذَكَّاةِ بِالْمَيْتَةِ:

٩ - إِذَا اخْتَلَطَتِ الْمُذَكَّاةُ بِالْمَيْتَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي حَالَةِ الاِضْطِرَارِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمُذَكَّاةِ أَمْ لِلْمَيْتَةِ أَوْ تَسَاوَيَا.

وَفِي حَالَةِ الاِخْتِيَارِ لاَ يَجُوزُ التَّحَرِّي إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْحَلاَل.

وَأَمَّا الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمُ التَّحَرِّي مُطْلَقًا فِي هَذَا الْمَجَال (٢) .

د - التَّحَرِّي فِي الْحَيْضِ:

١٠ - إِذَا نَسِيَتِ امْرَأَةٌ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَمَوْضِعَهَا، وَاشْتَبَهَ عَلَيْهَا حَالُهَا فِي الْحَيْضِ

_________

(١) المبسوط ١٠ / ٢٠٠، وابن عابدين ٥ / ٢٢١، ٤٦٩، وحاشية الدسوقي ١ / ٧٩، والحطاب ١ / ١٦٠، ونهاية المحتاج ٢ / ١٧، ١٨، والمغني ١ / ٦٣، وانظر مصطلح: (اشتباه) .

(٢) المبسوط ١٠ / ١٩٦، ١٩٧، ١٩٨، وابن عابدين ٥ / ٢٢١، والفروق للقرافي ١ / ٢٢٦، ونهاية المحتاج ١ / ٩٩، وأسنى المطالب ١ / ٢٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ١ / ١٠٦، والقواعد لابن رجب ٢٤١.

وَالطُّهْرِ فَالْمُتَبَادَرُ مِنْ أَقْوَال جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَتَحَرَّى، فَإِنْ وَقَعَ أَكْبَرُ رَأْيِهَا عَلَى أَنَّهَا حَائِضٌ أُعْطِيَتْ حُكْمَهُ، وَإِنْ وَقَعَ أَكْبَرُ رَأْيِهَا عَلَى أَنَّهَا طَاهِرَةٌ أُعْطِيَتْ حُكْمَ الطَّاهِرَاتِ؛ لأَِنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مِنَ الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَأَمَّا إِذَا تَحَيَّرَتْ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا شَيْءٌ، فَهِيَ الْمُتَحَيِّرَةُ أَوِ الْمُضَلَّةُ، فَعَلَيْهَا الأَْخْذُ بِالأَْحْوَطِ فِي الأَْحْكَامِ (١) .

وَلِتَفْصِيل أَحْكَامِهَا يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (حَيْضٌ، اسْتِحَاضَةٌ) .

ثَانِيًا: مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ بِالاِسْتِدْلاَل وَالتَّحَرِّي:

١١ - إِنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، وَكَانَ بِمَكَّةَ وَفِي حَال مُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ وَمُعَايَنَتِهِ لَهَا، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عَلَيْهِ التَّوَجُّهَ إِلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ، وَمُقَابَلَةَ ذَاتِهَا.

وَإِنْ كَانَ نَائِيًا عَنِ الْكَعْبَةِ غَائِبًا عَنْهَا: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِيهِ اسْتِقْبَال جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِاجْتِهَادٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ.

وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ تَلْزَمُهُ إِصَابَةُ الْعَيْنِ (٢) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٩٠، ومغني المحتاج ١ / ٣٤٦، والمغني ١ / ٣٢١.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ١١٨ ط دار الكتاب العربي بيروت، والحطاب ١ / ٥٠٨ ط دار الفكر بيروت، ونهاية المحتاج ١ / ٤٢٤ وما بعدها - ط مصطفى البابي الحلبي، والمغني ١ / ٤٣٩ ط مكتبة الرياض الحديثة.

وَلاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مَعَ وُجُودِ مَحَارِيبِ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ مَحَارِيبُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تَكَرَّرَتِ الصَّلَوَاتُ إِلَيْهَا.

كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ إِذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ مِنْ أَهْل الْمَكَانِ الْعَالِمِ بِهَا، بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَقْبُول الشَّهَادَةِ، فَالذِّمِّيُّ وَالْجَاهِل وَالْفَاسِقُ وَالصَّبِيُّ لاَ يُعْتَدُّ بِإِخْبَارِهِ فِي هَذَا الْمَجَال.

فَإِذَا عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنْ إِصَابَةِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى جِهَتِهَا اسْتِدْلاَلًا بِالْمَحَارِيبِ الْمَنْصُوبَةِ الْقَدِيمَةِ، أَوْ سُؤَال مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِالْقِبْلَةِ، مِمَّنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ مِنْ أَهْل الْمَكَانِ: فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ، فَعَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ. وَالْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ هُوَ: الْعَالِمُ بِأَدِلَّتِهَا وَهِيَ: النُّجُومُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَالرِّيَاحُ، وَالْجِبَال، وَالأَْنْهَارُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِل وَالْمَعَالِمِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ. فَإِنَّ كُل مَنْ عَلِمَ بِأَدِلَّةِ شَيْءٍ كَانَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ، وَإِنْ جَهِل غَيْرَهُ.

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَدِلَّتِهَا، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَهُوَ مُقَلِّدٌ وَإِنْ عَلِمَ غَيْرَهَا (١) .

فَالْمُصَلِّي الْقَادِرُ عَلَى الاِجْتِهَادِ إِنْ صَلَّى بِغَيْرِ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٢٩٠ ط دار إحياء التراث العربي، والمبسوط ١٠ / ١٩٠ - ١٩٢ ط دار المعرفة، والحطاب ١ / ٥٠٩، دار الفكر، والدسوقي ١ / ٢٢٦ ط دار الفكر، ونهاية المحتاج ١ / ٤٤٠، ٤٤١، ٤٤٢، ٤٤٣ ط مصطفى البابي الحلبي، والمغني ١ / ٤٤٠، ٤٤١ ط، مكتبة الرياض الحديثة.

اجْتِهَادٍ، فَالْمُتَبَادَرُ مِنْ أَقْوَال جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ صَلاَتُهُ، وَإِنْ وَقَعَتْ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَدَّاهُ الاِجْتِهَادُ إِلَى جِهَةٍ فَصَلَّى إِلَى غَيْرِهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ، فَصَلاَتُهُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، كَمَا لَوْ صَلَّى ظَانًّا أَنَّهُ مُحْدِثٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ (١) .

وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (اسْتِقْبَالٌ) .

١٢ - مَنْ عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ بِالاِسْتِدْلاَل، بِأَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الأَْدِلَّةُ لِحَبْسٍ أَوْ غَيْمٍ، أَوِ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ أَوْ تَعَارَضَتْ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُخْبِرُهُ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ التَّحَرِّيَ وَتَصِحُّ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَالإِْمْكَانِ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إِلاَّ التَّحَرِّي.

وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُصَلِّي كَيْفَ كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ أَمْ لاَ، وَيَقْضِي لِنُدْرَةِ حُصُول ذَلِكَ (٢) .

_________

(١) المراجع السابقة في المذاهب الأربعة.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٨٩، وبدائع الصنائع ١ / ١١٨، وفتح القدير ٢٣٤، ٢٣٧ ط دار إحياء التراث العربي، والمغني ١٠ / ٤٤٤ ط مكتبة الرياض الحديثة، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٢٧، ونهاية المحتاج ١ / ٤٤٣ ط مصطفى البابي الحلبي.

وَالأَْصْل فِي هَذَا الْبَابِ مَا رُوِيَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَال: كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُل رَجُلٍ مِنَّا عَلَى خَيَالِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَنَزَل قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١) وَقَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قِبْلَةُ الْمُتَحَرِّي جِهَةُ قَصْدِهِ.

ثَالِثًا: التَّحَرِّي فِي الصَّلاَةِ:

١٣ - مَنْ شَكَّ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ الشَّكُّ كَثِيرًا فِي الصَّلاَةِ، وَكَانَ لَهُ رَأْيٌ تَحَرَّى، وَبَنَى عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ شَكَّ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَبْنِي عَلَى الأَْقَل، وَيَأْتِي بِمَا شَكَّ فِيهِ مُطْلَقًا.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ فَعَلَيْهِ الأَْخْذُ بِالأَْقَل، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلاَمِ فَقَوْلاَنِ عِنْدَهُمْ: أَحَدُهُمَا:

_________

(١) سورة البقرة / ١١٥. وحديث عامر بن ربيعة أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٢٦ - ط الحلبي) وذكر ابن كثير الأحاديث في ذلك في تفسيره ثم قال: وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضها (تفسير ابن كثير ١ / ٢٧٨ - ط الأندلس) .

(٢) حديث. " من شك في الصلاة فليتحر الصواب ". تقدم تخريجه (ف ٣) .

أَنْ يَقُومَ إِلَى التَّدَارُكِ، كَأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُسْرِ.

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ. فَمَنْ كَانَ إِمَامًا وَشَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى تَحَرَّى وَبَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ (الأَْقَل)، وَفِي رِوَايَةٍ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ كَالإِْمَامِ، هَذَا إِذَا كَانَ لَهُ رَأْيٌ، أَمَّا إِذَا اسْتَوَى عِنْدَهُ الأَْمْرَانِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ إِمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا (١) .

رَابِعًا: التَّحَرِّي فِي الصَّوْمِ:

١٤ - مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا أَوْ كَانَ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي النَّائِيَةِ عَنِ الأَْمْصَارِ، أَوْ بِدَارِ حَرْبٍ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُهُ التَّعَرُّفُ عَلَى الأَْشْهُرِ بِالْخَبَرِ وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَرِّي وَالاِجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ، لأَِنَّهُ أَمْكَنَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضٍ بِالتَّحَرِّي وَالاِجْتِهَادِ، فَلَزِمَهُ كَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ.

فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَنْ أَمَارَةٍ تَقُومُ فِي نَفْسِهِ دُخُول شَهْرِ رَمَضَانَ صَامَهُ، ثُمَّ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ شَهْرَ رَمَضَانَ، أَوْ لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ الْحَال أَجْزَأَهُ فِي قَوْل عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِالاِجْتِهَادِ، وَأَدْرَكَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّحَرِّي.

وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَامَ شَهْرًا قَبْلَهُ، فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ

_________

(١) فتح القدير ١ / ٤٥٢، والدسوقي ١ / ٢٧٥، ونهاية المحتاج ١ / ٧٩، والوجيز ١ / ٥١، والمغني ٢ / ١٧، ١٨.

الثَّلاَثَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ، لأَِنَّهُ أَدَّى الْعِبَادَةَ قَبْل وُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهَا فَلَمْ تُجْزِئْهُ كَمَنْ صَلَّى قَبْل الْوَقْتِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ فِي الْقَدِيمِ فِي حَالَةِ تَبَيُّنِ الأَْمْرِ بَعْدَ رَمَضَانَ أَنَّهُ يُجْزِئُ، لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ تُفْعَل فِي السَّنَةِ مَرَّةً، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ فَرْضُهَا بِالْفِعْل قَبْل الْوَقْتِ عِنْدَ الْخَطَأِ.

أَمَّا إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَامَ شَهْرًا بَعْدَهُ، جَازَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ: إِكْمَال الْعِدَّةِ، وَتَبْيِيتُ النِّيَّةِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، لأَِنَّهُ قَضَاءٌ، وَفِي الْقَضَاءِ يُعْتَبَرُ هَذَانِ الشَّرْطَانِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ أَدَاءٌ لِلْعُذْرِ؛ لأَِنَّ الْعُذْرَ قَدْ يَجْعَل غَيْرَ الْوَقْتِ وَقْتًا كَمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ.

وَعَلَى هَذَا فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ نَاقِصًا، وَرَمَضَانُ الَّذِي صَامَهُ النَّاسُ تَامًّا، صَامَ يَوْمًا؛ لأَِنَّ صَوْمَ شَهْرٍ آخَرَ بَعْدَهُ يَكُونُ قَضَاءً، وَالْقَضَاءُ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْفَائِتِ.

وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ - بِأَنَّهُ يَقَعُ أَدَاءً - يُجْزِئُهُ وَلَوْ صَامَهُ نَاقِصًا وَصَامَ النَّاسُ رَمَضَانَ تَامًّا؛ لأَِنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ مَا بَيْنَ الْهِلاَلَيْنِ. وَكَذَلِكَ إِنْ وَافَقَ بَعْضَ رَمَضَانَ دُونَ بَعْضٍ، فَمَا وَافَقَ رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَمَا وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ.

وَأَمَّا إِنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُل فَصَامَ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَوْ أَصَابَ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي دُخُولِهِ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ.

وَإِنْ صَامَ مَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الأَْشْهُرُ بِلاَ اجْتِهَادٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَبِلاَ تَحَرٍّ، لاَ يُجْزِئُهُ كَمَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ (١) .

وَمَنْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَلَمْ يَتَحَرَّ لاَ يَحِل لَهُ الْفِطْرُ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ النَّهَارِ (٢) .

خَامِسًا: التَّحَرِّي فِي مَعْرِفَةِ مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ:

١٥ - مَنْ شَكَّ فِي حَال مَنْ يَدْفَعُ لَهُ الزَّكَاةَ لَزِمَهُ التَّحَرِّي: فَإِنْ وَقَعَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ فَقِيرٌ دَفَعَ إِلَيْهِ، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ جَازَ بِالاِتِّفَاقِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ غَنِيًّا فَكَذَلِكَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ الأَْوَّل، وَفِي قَوْلِهِ الآْخَرِ تَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ بِاجْتِهَادٍ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ فِي الْوَاقِعِ كَغَنِيٍّ، أَوْ كَافِرٍ مَعَ ظَنِّهِ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ، لَمْ تُجْزِهِ.

أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَرِوَايَتَانِ:

_________

(١) المبسوط ٣ / ٥٩ ط دار المعرفة، والدسوقي ١ / ٥١٩ ط دار الفكر، والحطاب ٢ / ٤١٧ ط دار الفكر، ونهاية المحتاج ٣ / ١٦٢، ١٦٣ ط مصطفى البابي الحلبي، والمغني ٣ / ١٦١، ١٦٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٠٧، ٣٠٨ ط عالم الكتب.

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٠٦، ١١٤ ط دار إحياء التراث العربي، ونهاية المحتاج ٣ / ١٦٢، ١٦٣ ط مصطفى البابي الحلبي، والمغني ٣ / ١٦٢ ط مكتبة الرياض الحديثة.

إِحْدَاهُمَا يُجْزِئُهُ، وَالأُْخْرَى لاَ يُجْزِئُهُ (١) .

وَلِمَعْرِفَةِ تَفْصِيل أَحْكَامِ ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ) .

سَادِسًا: التَّحَرِّي بَيْنَ الأَْقْيِسَةِ الْمُتَعَارِضَةِ:

١٦ - إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ لِتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، وَلَمْ يَقَعِ اخْتِيَارُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْعَمَل بِهِ، فَيَجِبُ التَّحَرِّي، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ يَقُول: لاَ يَجِبُ التَّحَرِّي، بَل لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَل بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلاَفِ، التَّحَرِّي فِي قَوْل صَحَابِيَّيْنِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِحُجِّيَّةِ قَوْل الصَّحَابِيِّ (٢)، وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

١٧ - وَرَدَ ذِكْرُ التَّحَرِّي فِي فُصُولٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْهَا: كِتَابُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، وَسَجْدَةِ السَّهْوِ، وَأَبْوَابُ الْحَيْضِ وَالطَّهَارَةِ، وَالصَّوْمِ، وَخَصَّصَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ لِلتَّحَرِّي كِتَابًا مُسْتَقِلًّا بِعِنْوَانِ (كِتَابُ التَّحَرِّي) (٣)، كَمَا أَنَّهُ يُرْجَعُ لِتَفْصِيل أَحْكَامِهِ إِلَى مُصْطَلَحَاتِ (اسْتِقْبَالٌ، وَاسْتِحَاضَةٌ، وَاشْتِبَاهٌ) .

_________

(١) المبسوط ١ / ١٨٧، ١٨٩، والدسوقي ١ / ٥٠١، والمغني ٣ / ٦٦٧، ٦٦٨.

(٢) مسلم الثبوت ٢ / ١٩٣.

(٣) المبسوط ١٠ / ١٨٥.

تَحْرِيشٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّحْرِيشُ فِي اللُّغَةِ: إِغْرَاءُ الإِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ لِيَقَعَ بِقِرْنِهِ، أَيْ نَظِيرِهِ. يُقَال: حَرَّشَ بَيْنَ الْقَوْمِ إِذَا أَفْسَدَ بَيْنَهُمْ، وَأَغْرَى بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ.

قَال الْجَوْهَرِيُّ: التَّحْرِيشُ: الإِْغْرَاءُ بَيْنَ الْقَوْمِ، أَوِ الْبَهَائِمِ، كَالْكِلاَبِ وَالثِّيرَانِ وَغَيْرِهِمَا، بِتَهْيِيجِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَفِي التَّحْرِيشِ تَسْلِيطٌ لِلْمُحَرَّشِ عَلَى غَيْرِهِ (١) . وَيُقَال فِي تَسْلِيطِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ نَحْوَهُ عَلَى الصَّيْدِ: إِشْلاَءٌ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلتَّحْرِيشِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

التَّحْرِيضُ:

٢ - التَّحْرِيضُ: الْحَثُّ عَلَى الْقِتَال وَغَيْرِهِ، وَهُوَ يَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَيَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا

_________

(١) لسان العرب مادة: " حرش ".