الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠
ب - التَّقْدِيرُ:
٣ - التَّقْدِيرُ مِنَ الْقَدْرِ، وَقَدْرُ الشَّيْءِ وَمِقْدَارُهُ: مِقْيَاسُهُ، فَالتَّقْدِيرُ: وَضْعُ قَدْرٍ لِلشَّيْءِ أَوْ قِيَاسُهُ، أَوِ التَّرَوِّي وَالتَّفْكِيرُ فِي تَسْوِيَةِ أَمْرٍ وَتَهْيِئَتِهِ، وَمِنْهُ: تَقْدِيرُ الْقَاضِي الْعُقُوبَةَ الرَّادِعَةَ فِي التَّعْزِيرِ بِحَيْثُ تَتَنَاسَبُ مَعَ الْجَرِيمَةِ وَالْمُجْرِمِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - تَحْدِيدُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْعُقُودِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْعَقَارِ بِحَيْثُ تَنْتَفِي الْجَهَالَةُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ. وَتَحْدِيدُ الْمُدَّعِي شَرْطٌ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى إِذَا كَانَ عَقَارًا؛ لأَِنَّ الْعَقَارَ لاَ يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ فَتَعَذَّرَ تَعْرِيفُهُ بِالإِْشَارَةِ، فَيُعْرَفُ بِالْحُدُودِ، فَيَذْكُرُ الْمُدَّعِي الْحُدُودَ الأَْرْبَعَةَ، وَيَذْكُرُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْحُدُودِ وَأَنْسَابَهُمْ، وَيَذْكُرُ الْمَحَلَّةَ وَالْبَلَدَ، وَإِلاَّ لاَ تَصِحُّ الدَّعْوَى (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ تَحْدِيدَ الْمُدَّعِي فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، وَتَحْدِيدَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهَا.
_________
(١) لسان العرب مادة: " قدر "، وابن عابدين ٣ / ١٧٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٩٦، والمهذب ٢ / ٢٨٩، والمغني ٨ / ٣٢٤.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٤٢١، والاختيار ٢ / ١١٠، وتكملة فتح القدير ٧ / ١٥٢.
تَحَرُّفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي التَّحَرُّفِ فِي اللُّغَةِ: الْمَيْل، وَالْعُدُول عَنِ الشَّيْءِ.
يُقَال: حَرَّفَ عَنِ الشَّيْءِ يُحَرِّفُ حَرْفًا وَتَحَرَّفَ: عَدَل، وَإِذَا مَال الإِْنْسَانُ عَنْ شَيْءٍ يُقَال: تَحَرَّفَ (١) . وَاصْطِلاَحًا: يُطْلَقُ عَلَى التَّحَرُّفِ فِي الْقِتَال بِمَعْنَى تَرْكِ الْمَوْقِفِ إِلَى مَوْقِفٍ أَصْلَحَ لِلْقِتَال مِنْهُ، حَسَبَ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَال، أَوْ لِلتَّوَجُّهِ إِلَى قِتَال طَائِفَةٍ أُخْرَى أَهَمَّ مِنْ هَؤُلاَءِ، أَوْ مُسْتَطْرِدًا لِقِتَال عَدُوِّهِ بِطَلَبِ عَوْرَةٍ لَهُ يُمْكِنُهُ إِصَابَتُهَا، فَيَكُرُّ عَلَيْهِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - إِذَا الْتَقَى جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ وَكَانَ عَدَدُ
_________
(١) لسان العرب، والصحاح، والمصباح المنير مادة: " حرف ".
(٢) تفسير روح المعاني ٩ / ١٨١ ط إدارة الطباعة المنيرية بمصر، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٥٥١، ٥٥٢ ط المنار بمصر الطبعة الأولى، وشرح الزرقاني ٣ / ١١٥ ط دار الفكر / بيروت.
الْكُفَّارِ مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَقَل يَحْرُمُ الْفِرَارُ وَالاِنْصِرَافُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ، فَيَجُوزُ لَهُ الاِنْصِرَافُ بِقَصْدِ التَّحَرُّفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١) .
وَالْمُتَحَرِّفُ هُوَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ جِهَةٍ إِلَى أُخْرَى حَسْبَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال، فَلَهُ أَنْ يَنْتَقِل مِنْ مَكَان ضَيِّقٍ إِلَى مَكَانٍ أَرْحَبَ مِنْهُ، لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إِلَى مُتَّسَعٍ سَهْلٍ لِلْقِتَال، أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ مَكْشُوفٍ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ غَيْرِ مَكْشُوفٍ لِيَكْمُنَ فِيهِ وَيَهْجُمَ، أَوْ عَنْ مَحَلِّهِ لأَِصْوَنَ مِنْهُ عَنْ نَحْوِ رِيحٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ عَطَشٍ، أَوْ يَفِرَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِتُنْتَقَضَ صُفُوفُهُمْ وَيَجِدَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أَوْ لِيَسْتَنِدَ إِلَى جَبَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْل الْحَرْبِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا فِي خُطْبَتِهِ إِذْ قَال: " يَا سَارِيَةَ بْنَ زُنَيْمٍ الْجَبَل "، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ سَارِيَةَ إِلَى نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ لِغَزْوِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ ذَلِكَ الْجَيْشُ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ لاَقَوْا عَدُوَّهُمْ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، فَسَمِعُوا صَوْتَ عُمَرَ فَتَحَيَّزُوا إِلَى الْجَبَل، فَنَجَوْا مِنْ عَدُوِّهِمْ فَانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ.
_________
(١) سورة الأنفال / ١٥، ١٦.
وَالتَّحَرُّفُ جَائِزٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَجَازُوهُ لِغَيْرِ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَالإِْمَامِ. أَمَّا هُمَا فَلَيْسَ لَهُمَا التَّحَرُّفُ؛ لِمَا يَحْصُل بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الْخَلَل وَالْمَفْسَدَةِ (١) .
وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (جِهَادٌ) .
_________
(١) تفسير القرطبي ٧ / ٣٨٠، وتفسير روح المعاني ٩ / ١٨٠ - ١٨٣، وتفسير الطبري ٩ / ٢٠٠، ٢٠١، وبدائع الصنائع ٧ / ٩٩ - الطبعة الأولى (الجمالية) مصر، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٢، ٦٣، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٤٧، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٥٥١، ٥٥٢، وكشاف القناع ٣ / ٤٦، وشرح الزرقاني ٣ / ١١٥ ط دار الفكر / بيروت، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ١٧٨، ١٧٩ ط دار الفكر.
تَحَرِّي
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحَرِّي فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ وَالاِبْتِغَاءُ، كَقَوْل الْقَائِل: أَتَحَرَّى مَسَرَّتَكَ، أَيْ أَطْلُبُ مَرْضَاتَكَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ (١)
أَيْ قَصَدُوا طَرِيقَ الْحَقِّ وَتَوَخَّوْهُ. وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ: تَحَرُّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ. . . الْحَدِيثَ (٢) . أَيِ اعْتَنُوا بِطَلَبِهَا (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: بَذْل الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْمَقْصُودِ، أَوْ طَلَبُ الشَّيْءِ بِغَالِبِ الظَّنِّ عِنْدَ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ (٤) .
_________
(١) سورة الجن / ١٤.
(٢) حديث: " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٥٩ - ط السلفية) .
(٣) المصباح المنير ولسان العرب، وتاج العروس، ومتن اللغة، والصحاح مادة: " حرى "، والمبسوط ١٠ / ١٨٥ ط دار المعرفة، والقرطبي ١٩ / ١٦.
(٤) ابن عابدين ١ / ١٩٠، ٢ / ٦٧، والمبسوط ٧ / ١٨٥ ط مصطفى البابي الحلبي، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٥.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِجْتِهَادُ:
٢ - الاِجْتِهَادُ وَالتَّحَرِّي لَفْظَانِ مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى، وَمَعْنَاهُمَا: بَذْل الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْمَقْصُودِ، إِلاَّ أَنَّ لَفْظَ الاِجْتِهَادِ صَارَ فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ مَخْصُوصًا بِبَذْل الْمُجْتَهِدِ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَبَذْل الْمَجْهُودِ فِي تَعَرُّفِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ مِنَ الدَّلِيل.
أَمَّا التَّحَرِّي فَقَدْ يَكُونُ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ شَهَادَةِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ (١) . فَكُل اجْتِهَادٍ تَحَرٍّ، وَلَيْسَ كُل تَحَرٍّ اجْتِهَادًاٌ.
ب - التَّوَخِّي:
٣ - التَّوَخِّي مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَخْيِ، بِمَعْنَى الْقَصْدِ، فَالتَّحَرِّي وَالتَّوَخِّي سَوَاءٌ، إِلاَّ أَنَّ لَفْظَ التَّوَخِّي يُسْتَعْمَل فِي الْمُعَامَلاَتِ. كَمَا قَال ﷺ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا فِي الْمَوَارِيثِ: اذْهَبَا وَتَوَخَّيَا، وَاسْتَهِمَا، وَلْيُحْلِل كُل وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ (٢) .
وَأَمَّا التَّحَرِّي فَيُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي
_________
(١) المستصفى للغزالي ٢ / ٣٥٠، والفروق في اللغة ٦٩ - ٧٠، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٩٠ ط دار التراث العربي بيروت.
(٢) حديث: " اذهبا وتوخيا، واستهما. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٣٢٠ - ط الميمنية) وأبو داود (٤ / ١٤ - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده حسن.
الْعِبَادَاتِ (١) . كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ (٢)
ج - الظَّنُّ:
٤ - الظَّنُّ: هُوَ إِدْرَاكُ الطَّرَفِ الرَّاجِحِ مَعَ احْتِمَال النَّقِيضِ، فَفِي الظَّنِّ يَكُونُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الأَْمْرَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَيَكُونُ التَّرْجِيحُ فِي التَّحَرِّي بِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَهُوَ دَلِيلٌ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى طَرَفِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ لاَ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى مَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل الظَّنُّ بِمَعْنَى الْيَقِينِ (٣) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ (٤) .
د - الشَّكُّ:
٥ - الشَّكُّ: تَرَدُّدٌ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ، أَيْ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ عِنْدَ الشَّاكِّ (٥) . فَالتَّحَرِّي وَسِيلَةٌ لإِزَالَةِ الشَّكِّ.
_________
(١) المبسوط ١٠ / ١٨٦ ط دار المعرفة، ومتن اللغة مادة: " وخى ".
(٢) حديث: " إذا شك أحدكم في الصلاة فليتحر الصواب " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٠٤ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٠٠ - ط الحلبي) .
(٣) المبسوط ١٠ / ١٨٦ ط د دار المعرفة، والتعريفات للجرجاني، والمصباح المنير مادة: " ظن ".
(٤) سورة البقرة / ٤٦.
(٥) المصباح المنير، والتعريفات للجرجاني مادة: " شك "، والمبسوط ١٠ / ١٨٦.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - التَّحَرِّي مَشْرُوعٌ وَالْعَمَل بِهِ جَائِزٌ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَعْقُول:
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) .
وَذَلِكَ يَكُونُ بِالتَّحَرِّي وَغَالِبِ الرَّأْيِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَالْحَدِيثَانِ السَّابِقَانِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ التَّوَخِّي.
وَأَمَّا مَا يَدُل عَلَيْهِ مِنَ الْمَعْقُول: فَهُوَ أَنَّ الاِجْتِهَادَ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ جَائِزٌ لِلْعَمَل بِهِ، وَذَلِكَ عَمَلٌ بِغَالِبِ الرَّأْيِ، ثُمَّ جُعِل مَدْرَكًا مِنْ مَدَارِكِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَتِ الأَْحْكَامُ لاَ تَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً، فَكَذَلِكَ التَّحَرِّي مَدْرَكٌ مِنْ مَدَارِكِ التَّوَصُّل إِلَى أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ وَإِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ لاَ تَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً (٢) .
هَذَا، وَالتَّحَرِّي فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَرَدَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهِ:
_________
(١) سورة الممتحنة / ١٠.
(٢) المبسوط ١٠ / ١٨٥، ١٨٦.
أَوَّلًا: التَّحَرِّي لِمَعْرِفَةِ الطَّاهِرِ مِنْ غَيْرِهِ حَالَةَ الاِخْتِلاَطِ:
أ - اخْتِلاَطُ الأَْوَانِي:
٧ - إِذَا اخْتَلَطَتِ الأَْوَانِي الَّتِي فِيهَا مَاءٌ طَاهِرٌ بِالأَْوَانِي الَّتِي فِيهَا مَاءٌ نَجِسٌ، وَاشْتَبَهَ الأَْمْرُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ سِوَى ذَلِكَ، وَلاَ يُعْرَفُ الطَّاهِرُ مِنَ النَّجِسِ:
فَإِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلأَْوَانِي الطَّاهِرَةِ، يَتَحَرَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ، وَبِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ لَزِمَهُ اسْتِعْمَال الْمَاءِ الطَّاهِرِ، وَإِصَابَتُهُ بِتَحَرِّيهِ مَأْمُولَةٌ، وَلأَِنَّ جِهَةَ الإِْبَاحَةِ قَدْ تَرَجَّحَتْ.
وَإِنْ كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلأَْوَانِي النَّجِسَةِ أَوْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى إِلاَّ لِلشُّرْبِ حَالَةَ الضَّرُورَةِ، إِذْ لاَ بَدِيل لَهُ، بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ لَهُ بَدِيلًا (١) .
وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ عَدَمُ جَوَازِ التَّحَرِّي، وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُ الأَْوَانِي الطَّاهِرَةِ (٢) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْحَالَيْنِ، فَيَتَوَضَّأُ بِالأَْغْلَبِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلاَةِ، فَجَازَ التَّحَرِّي مِنْ أَجْلِهِ كَالْقِبْلَةِ (٣) .
_________
(١) المبسوط ١٠ / ٢٠١، وابن عابدين ٥ / ٢٢١، ٤٦٩، ٤٧٠، والمغني ١ / ٦٠، ٦١.
(٢) المغني ١ / ٦٠، ٦١.
(٣) نهاية المحتاج ١ / ٨٨، ٨٩، ٩٠، ٩١.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ ثَلاَثَةُ أَوَانٍ نَجِسَةٍ أَوْ مُتَنَجِّسَةٍ وَاثْنَانِ طَهُورَانِ، وَاشْتَبَهَتْ هَذِهِ بِهَذِهِ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ ثَلاَثَةَ وُضُوءَاتٍ مِنْ ثَلاَثَةِ أَوَانٍ عَدَدَ الأَْوَانِي النَّجِسَةِ، وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءًا رَابِعًا مِنْ إِنَاءٍ رَابِعٍ، وَيُصَلِّي بِكُل وُضُوءٍ صَلاَةً (١) .
وَحَكَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْوَانِي وُضُوءًا وَيُصَلِّي بِهِ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اشْتِبَاهٌ) .
ب - اخْتِلاَطُ الثِّيَابِ:
٨ - إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَى الشَّخْصِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ، وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا، وَلَيْسَ مَعَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ غَيْرَهَا، وَلاَ مَا يَغْسِلُهَا بِهِ، وَلاَ يَعْرِفُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ، وَاحْتَاجَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مَا عَدَا الْمُزَنِيَّ، وَيُصَلِّي فِي الَّذِي يَقَعُ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلثِّيَابِ النَّجِسَةِ أَمِ الطَّاهِرَةِ، أَوْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ التَّحَرِّي، وَيُصَلِّي فِي ثِيَابٍ مِنْهَا بِعَدَدِ النَّجِسِ مِنْهَا، وَيَزِيدُ صَلاَةً فِي ثَوْبٍ آخَرَ. وَقَال
_________
(١) الدسوقي ١ / ٨٢.
(٢) المغني ١ / ٦٠، ٦١.