الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١
تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ وَهَذَا يَمْنَعُ قَصْرَهُ عَلَى الْمَجْلِسِ (١) .
وَمَا تَقَدَّمَ هُوَ فِي الْحَاضِرَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُخَيَّرَةُ غَائِبَةً فَلاَ يَخْتَلِفُ الْحَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) . وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ عَدَمُ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْغَائِبَةِ وَالْحَاضِرَةِ، فَالْخُلْعُ - عَلَى الأَْصَحِّ - طَلاَقٌ، وَمَجْلِسُ الْعِلْمِ فِيهِ كَمَجْلِسِ التَّوَاجُبِ (٣) . وَكَمَا يُجْرَى الْخِلاَفُ فِي الْمُخَيَّرَةِ الْحَاضِرَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُجْرَى أَيْضًا فِي الْمُخَيَّرَةِ الْغَائِبَةِ عَلَى طَرِيقَةِ اللَّخْمِيِّ. وَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يَبْقَى التَّخْيِيرُ فِي يَدِهَا مَا لَمْ يَطُل أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ، كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ رِضَاهَا بِالإِْسْقَاطِ، وَمَا لَمْ تُوقَفْ أَمَامَ حَاكِمٍ، أَوْ تُوطَأْ طَائِعَةً (٤) .
وَاخْتِلاَفُ الْمَجْلِسِ فِي الْمُخَيَّرَةِ كَاخْتِلاَفِهِ فِي الْبَيْعِ (٥) .
تَكْرَارُ الطَّلاَقِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ:
٢١ - لَوْ قَال لِمَدْخُولٍ بِهَا وَمَنْ فِي حُكْمِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَنَوَى تَكْرَارَ الْوُقُوعِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ ثَلاَثًا عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، وَلاَ
_________
(١) الخرشي ٣ / ٢١٥ ط الأزهرية، والفروق ٣ / ١٧٣، وتسهيل منح الجليل ٣ / ٣٥٨، والمغني مع الشرح ٨ / ٢٩٥، وحديث: (إني ذاكر لك أمرا. . .) رواه الشيخان وغيرهما (صحيح مسلم ٢ / ١١٠٣ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، والفتح الكبير ١ / ٤٥٢)
(٢) جامع الفصولين ١ / ٢٩١، والبحر الرائق ٥ / ٢٩٤
(٣) الشرواني على التحفة ٧ / ٤٧٩، ٤٨١
(٤) منح الجليل ٢ / ٢٩٢
(٥) منح الجليل ٢ / ٢٩٠، وجامع الفصولين ١ / ٢٩١
تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (١) . وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَزْمٍ (٢)؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَال: أُخْبِرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَغَضِبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَال: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَلاَ أَقْتُلُهُ؟ . (٣)
وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْل الظَّاهِرِ تَقَعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً (٤) . وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ وَطَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ، لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَال: كَانَ الطَّلاَقُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ طَلاَقُ الثَّلاَثِ وَاحِدَةً، فَقَال عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ. (٥)
وَإِنْ أَرَادَ التَّأْكِيدَ أَوِ الإِْفْهَامَ فَإِنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةً.
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٤١٩، ٤٥٥، والفتاوى الهندية ١ / ٣٥٦، وجواهر الإكليل ١ / ٣٤٨، والعدوي على الخرشي ٤ / ٥٠، ومنح الجليل ٢ / ٢٣٨، ونهاية المحتاج ٦ / ٤٥١، والشرواني على التحفة ٨ / ٥٢، ٥٣، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٣٠ ط الرياض، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ١٤١ ط أنصار السنة.
(٢) المحلى ١٠ / ١٧٤ ط المنيرية.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٣ / ١٢٤ وحديث: " أيلعب بكتاب الله. . . " رواه النسائي باختلاف يسير. (سنن النسائي ٦ / ١٤٢ ط المصرية بالأزهر) ورجال إسناده ثقات. وفيه مخرمة لم يسمع من أبيه، كما ذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب. (جامع الأصول ٧ / ٥٨٩ ط الملاح)
(٤) الإنصاف ٨ / ٤٥٥
(٥) ابن عابدين ٢ / ٤١٩ وحديث ابن عباس مروي باختلاف يسير. (صحيح مسلم ٢ / ١٠٩٩ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي)
وَتُقْبَل نِيَّةُ التَّأْكِيدِ دِيَانَةً لاَ قَضَاءً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَتُقْبَل قَضَاءً وَإِفْتَاءً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ فَيَقَعُ ثَلاَثًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ التَّأْكِيدِ (١) .
وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأَِنَّ التَّأْكِيدَ مُحْتَمَلٌ، فَيُؤْخَذُ بِالْيَقِينِ. وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَزْمٍ (٢) .
وَمِثْل: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، فِي وُقُوعِ الطَّلاَقِ وَتَعَدُّدِهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ، وَفِي إِرَادَةِ التَّأْكِيدِ وَالإِْفْهَامِ. أَمَّا عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلاَقُ ثَلاَثًا فِي الأُْولَى، وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَةِ (٣) .
الْفَصْل بَيْنَ الطَّلاَقِ وَعَدَدِهِ:
٢٢ - لاَ تَضُرُّ سَكْتَةُ التَّنَفُّسِ، وَالْعِيِّ فِي الاِتِّصَال بَيْنَ الطَّلاَقِ وَعَدَدِهِ. فَإِنْ كَانَ السُّكُوتُ فَوْقَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضُرُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ تَقَعُ مَعَهُ نِيَّةُ التَّأْكِيدِ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ. وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ إِلاَّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا (٤) . وَفِي الْمَدْخُول بِهَا
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٤٦٠، ونهاية المحتاج ٦ / ٤٤٩، والخرشي ٤ / ٥٠، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ١٤١
(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٤٤٩، والمحلى ١٠ / ١٧٤
(٣) ابن عابدين ٢ / ٤٥٥، والخرشي ٤ / ٥٠، ونهاية المحتاج ٦ / ٤٤٩، والشرواني على التحفة ٨ / ٥٥، والمغني ٧ / ٢٣٠، ٢٣٢ ط الرياض، شرح منتهى الإرادات ٣ / ١٤١
(٤) ابن عابدين ٢ / ٤٥٦، والشرواني على التحفة ٨ / ٥٢، ٥٣، ومنح الجليل ٢ / ٢٣٩، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ١٤١
يَحْصُل التَّأْكِيدُ بِدُونِ نَسَقٍ (أَيْ عَطْفِهِ بِالْفَاءِ أَوْ بِالْوَاوِ أَوْ ثُمَّ) .
تَكْرَارُ طَلاَقِ غَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا:
٢٣ - لِلْعُلَمَاءِ فِي تَكْرِيرِ الطَّلاَقِ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
أ - الأَْوَّل: وُقُوعُ الطَّلاَقِ وَاحِدَةً، اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَمْ تَعَدَّدَ.
وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ حَزْمٍ؛ لأَِنَّهَا بَانَتْ بِالأُْولَى وَصَارَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ، وَطَلاَقُ الأَْجْنَبِيَّةِ بَاطِلٌ (١) .
الثَّانِي: وُقُوعُ الطَّلاَقِ ثَلاَثًا إِنْ نَسَّقَهُ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَ كَلاَمِهِ فَهِيَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ (٢) .
الثَّالِثُ: وُقُوعُ الطَّلاَقِ ثَلاَثًا إِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ شَتَّى وَقَعَ مَا كَانَ فِي الْمَجْلِسِ الأَْوَّل فَقَطْ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ (٣) .
اسْتَدَل أَصْحَابُ الرَّأْيِ الأَْوَّل بِمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَتَّابِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا وَلَمْ يَكُنْ دَخَل بِهَا، قَال: هِيَ ثَلاَثٌ، فَإِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ ثَنَّى ثُمَّ ثَلَّثَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِالأُْولَى. وَصَحَّ هَذَا عَنْ خِلاَسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٤٥٥، ونهاية المحتاج ٦ / ٤٥١، والمحلى ١٠ / ١٧٥.
(٢) الخرشي ٤ / ٥٠، والمغني مع الشرح الكبير ٨ / ٤٠٤، ٤٠٥ ط المنار
(٣) المحلى ١٠ / ١٧٥
وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ (١) . وَدَلِيل الثَّانِي مَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَنْ قَال لِغَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَهَا مُتَّصِلَةً، لَمْ تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. فَإِنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَال. أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ، بَانَتْ بِالأُْولَى وَلَمْ تَكُنِ الأُْخْرَيَانِ شَيْئًا، وَمِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ (٢) .
وَدَلِيل الْقَوْل الثَّالِثِ مَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَال قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَال: قَال لِي مَنْصُورٌ: حُدِّثْتُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: إِذَا قَال لِلَّتِي لَمْ يَدْخُل بِهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، فَلاَ تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. فَإِنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَ طَلْقَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ طَلَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ (٣) .
تَكْرَارُ الطَّلاَقِ مَعَ الْعَطْفِ:
٢٤ - التَّكْرَارُ مَعَ الْعَطْفِ كَعَدَمِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فِي تَعَدُّدِ الطَّلاَقِ، وَفِي نِيَّةِ التَّأْكِيدِ وَالإِْفْهَامِ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ،
_________
(١) المرجع السابق
(٢) المحلى ١٠ / ١٧٥
(٣) المرجع السابق
وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ وَالْفَاءِ وَثُمَّ (١) .
وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ، وَلاَ تُقْبَل نِيَّةُ التَّوْكِيدِ مَعَ الْفَاءِ وَثُمَّ، وَفِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ مَا يُفِيدُ أَنَّ التَّأْكِيدَ بِثُمَّ كَالتَّأْكِيدِ بِالْوَاوِ، كَمَا فِي الْعُبَابِ (٢) .
وَلاَ تُقْبَل نِيَّةُ التَّأْكِيدِ مَعَ الْعَطْفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣)، وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَلاَ يَتَأَتَّى مَعَهَا التَّأْكِيدُ (٤)، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ وَثُمَّ (٥) .
تَكَرُّرُ الإِْيلاَءِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ:
٢٥ - الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ يَمِينَ الإِْيلاَءِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَنَوَى التَّأْكِيدَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إِيلاَءً وَاحِدًا وَيَمِينًا وَاحِدَةً، حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا فِي الْمُدَّةِ طَلُقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ قَرَبَهَا فِيهَا لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ التَّأْكِيدَ أَوْ أَطْلَقَ، فَالْيَمِينُ وَاحِدَةٌ، وَالإِْيلاَءُ ثَلاَثٌ (٦) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَتَكَرَّرُ الإِْيلاَءُ إِنْ نَوَى التَّأْكِيدَ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَمْ فِي مَجَالِسَ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَالْيَمِينُ وَاحِدَةٌ إِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ (٧) .
وَلَمْ يَتَكَلَّمِ الْحَنَابِلَةُ عَنِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ فِي الإِْيلاَءِ (٨) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٥٥، ٤٦٠
(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٤٥٠
(٣) الخرشي ٤ / ٤٩
(٤) المغني مع الشرح الكبير ٨ / ٤٠٣
(٥) نهاية المحتاج ٦ / ٤٥٠
(٦) ابن عابدين ٢ / ٥٥٦
(٧) الشرواني على التحفة ٨ / ١٧٦، ١٧٧
(٨) مطالب أولي النهى ٥ / ٤٠٨
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَكْرَارِ الإِْيلاَءِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَهُ يَمِينًا. وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَهُمْ لاَ تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْيَمِينِ مَا لَمْ يَنْوِ التَّكْرَارَ (١) .
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الظِّهَارِ:
٢٦ - لَيْسَ لاِتِّحَادِ الْمَجْلِسِ أَثَرٌ إِلاَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إِذَا كَرَّرَ الظِّهَارَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَأَرَادَ التَّأْكِيدَ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ قَضَاءً، وَلاَ تَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ، وَلَكِنَّهَا تَتَعَدَّدُ إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَنَوَى التَّكْرَارَ، أَوْ أَطْلَقَ (٢) .
وَلاَ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَكْرَارِ الظِّهَارِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مَا لَمْ يَنْوِ الاِسْتِئْنَافَ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَمْ فِي مَجَالِسَ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا بِعَدَمِ التَّعَدُّدِ بِتَكْرَارِ الظِّهَارِ وَلَوْ نَوَى الاِسْتِئْنَافَ؛ لأَِنَّ تَكْرِيرَهُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ لِتَحْرِيمِهَا بِالْقَوْل الأَْوَّل. وَقَاسُوهُ عَلَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى (٤) .
اتِّزَار
انْظُرْ: ايتِزَار.
_________
(١) الشرح الصغير ٢ / ٢١٧ ط دار المعارف، وجواهر الإكليل ١ / ٣٦٥ ط مصطفى الحلبي.
(٢) ابن عابدبن ٢ / ٥٧٧
(٣) الخرشي ٤ / ١٠٨، والتاج والإكليل بهامش الحطاب ٤ / ١٢٢، والشرواني على التحفة ٨ / ١٨٧
(٤) شرح منتهى الإرادات ٣ / ١٩٩
اتِّصَال
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِتِّصَال عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ: عَدَمُ الاِنْقِطَاعِ، وَهُوَ ضِدُّ الاِنْفِصَال (١)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ لَفْظَيِ اتِّصَالٍ وَمُوَالاَةٍ: أَنَّ الاِتِّصَال هُوَ أَنْ يُوجَدَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِقَاءٌ وَمُمَاسَّةٌ، أَمَّا الْمُوَالاَةُ، فَلاَ يُشْتَرَطُ لِقَاءٌ وَلاَ مُمَاسَّةٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بَل أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَتَابُعٌ (٢) .
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الاِتِّصَال فِي الأَْعْيَانِ وَفِي الْمَعَانِي.
فَفِي الاِتِّصَال فِي الأَْعْيَانِ يَقُولُونَ: اتِّصَال الصُّفُوفِ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ، وَالزَّوَائِدُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالسِّمَنِ وَالصِّبْغِ.
وَفِي الاِتِّصَال فِي الْمَعَانِي يَقُولُونَ: اتِّصَال الإِْيجَابِ بِالْقَبُول، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ لَفْظَيِ اتِّصَالٍ وَوَصْلٍ أَنَّ الاِتِّصَال هُوَ الأَْثَرُ لِلْوَصْل.
الْحُكْمُ الْعَامُّ:
٢ - مِنِ اسْتِقْرَاءِ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا اتَّصَل مِنَ الزَّوَائِدِ بِالأَْصْل اتِّصَال قَرَارٍ شَمِلَهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ فِي الْجُمْلَةِ.
_________
(١) لسان العرب " والمفردات في غريب القرآن، مادة (وصل)، والكليات، مادة (اتصال)
(٢) المفردات في غريب القرآن (وصل) .
فَالزَّوَائِدُ الْمُتَّصِلَةُ تَدْخُل فِي الْمَبِيعِ تَبَعًا، وَكَذَا مَا اتَّصَل اتِّصَال قَرَارٍ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ (١) . (كَمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ) وَلاَ يَجُوزُ إِفْرَادُهَا بِالرَّهْنِ (كَمَا نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ)
كَمَا يَرَى الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَعَانِيَ الأَْلْفَاظِ غَيْرَ الْمُتَّصِلَةِ لاَ تَلْحَقُ الأَْصْل. وَمِنْ هُنَا وَجَبَ الاِتِّصَال فِي الاِسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ وَالنِّيَّةِ فِي كِنَايَاتِ الطَّلاَقِ، وَفِي الْعِبَادَاتِ (٢) . وَفِي بَعْضِ هَذِهِ خِلاَفٌ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي أَبْوَابِ الإِْقْرَارِ وَالْبَيْعِ وَالطَّلاَقِ وَالأَْيْمَانِ وَالصَّلاَةِ.
الْحُكْمُ الْعَامُّ لِلْوَصْل:
٣ - لَمَّا كَانَتِ الصِّلَةُ وَثِيقَةً بَيْنَ الاِتِّصَال وَالْوَصْل نَاسَبَ بَيَانُ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلْوَصْل، فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، كَوَصْل الْقَبْضِ بِالْعَقْدِ فِي الصَّرْفِ، وَقَدْ يَكُونُ جَائِزًا كَوَصْل الاِسْتِعَاذَةِ بِالْبَسْمَلَةِ بِأَوَّل السُّورَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مَمْنُوعًا كَأَنْ يُوصَل بِالْعِبَادَاتِ مَا لَيْسَ مِنْهَا (٣) . وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الصَّلاَةِ وَالأَْذَانِ وَالْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ، وَوَصْل الْبَسْمَلَةِ بِآخِرِ السُّورَةِ كَمَا يُفَصَّل فِي التَّجْوِيدِ، وَوَصْل الصِّيَامِ بِالصِّيَامِ مِنْ غَيْرِ إِفْطَارٍ، وَهُوَ (صِيَامُ الْوِصَال)، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٨، ٣١، ٣٣ ط بولاق، وجواهر الإكليل ٢ / ٥٩ ط الحلبي، والمغني ٤ / ٧٥ وما بعدها، ط الثالثة، والفروق للقرافي ٣ / ٢٨٣ طبع دار إحياء الكتب العربية، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ٢ / ٩٦ ط الميمنية
(٢) انظر المغني ١ / ٤٦٩، ٥ / ١٤٦ وفيه الاتجاهات الفقهية في ذلك، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٤٩٤، ٤ / ١٢٠، ومنهاج الطالبين بحاشية القليوبي ١ / ١٧٠ ط الحلبي.
(٣) حاشية القليوبي ١ / ٨٧٠، وابن عابدين ٥ / ٢٤٤
ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَا يُكْرَهُ مِنَ الصِّيَامِ.
اتِّكَاء
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الاِتِّكَاءِ فِي اللُّغَةِ: الاِعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﵇: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ (١) وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا: الْمَيْل فِي الْقُعُودِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الاِسْتِنَادُ: فِي اللُّغَةِ يَأْتِي بِمَعْنَى الاِتِّكَاءِ بِالظَّهْرِ لاَ غَيْرُ، (٤) فَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِتِّكَاءِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الأَْوَّل عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ. وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ تَبَعًا لِلاِسْتِعْمَالاَتِ الْفِقْهِيَّةِ، فَالاِتِّكَاءُ فِي الصَّلاَةِ مُطْلَقًا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِهِ،
_________
(١) سورة طه / ١٨
(٢) المصباح المنير، والنهاية لابن الأثير ١ / ١٩٣، ٥ / ٢١٨ ط الحلبي، وتاج العروس مادة (وكأ)
(٣) ابن عابدين ٥ / ٤٨٢ ط بولاق، والمجموع ٥ / ٢٧٩ نشر محمد نجيب المطيعي، والدسوقي ٤ / ٧٢ ط دار الفكر.
(٤) الكليات لأبي البقاء ١ / ٣٧ ط دمشق ١٩٧٤ م