الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١

بِمَعْنَيَيْهِ لأَِهْل الأَْعْذَارِ (١) .

أَمَّا لِغَيْرِ أَهْل الأَْعْذَارِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي الْفَرِيضَةِ، وَيَجُوزُ فِي النَّافِلَةِ (٢) .

وَالاِتِّكَاءُ عَلَى الْقَبْرِ كَالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ (٣) . وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا بِجَوَازِهِ (٤) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٤ - يُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الاِتِّكَاءِ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ مَكْرُوهَاتِ الصَّلاَةِ (٥)، وَيُفَصِّلُونَ حُكْمَ الاِتِّكَاءِ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ (٦) . وَحُكْمَ الاِتِّكَاءِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ، عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ آدَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (٧)، وَحُكْمَ الاِتِّكَاءِ عِنْدَ الأَْكْل فِي أَبْوَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ (٨)، وَحُكْمَ الاِتِّكَاءِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَسَاجِدِ (٩)، وَحُكْمَ

_________

(١) الخانية مع الهندية ١ / ١١٨ ط بولاق ١٣١٠ هـ، والمجموع ٤ / ١٨٤ - ١٨٨، وكشاف القناع ١ / ٤٦١ وما بعدها ط أنصار السنة ١٣٦٦ هـ، والمدونة ١ / ٧٤ ط السعادة.

(٢) نفس المصادر السابقة.

(٣) البدائع ٢ / ٧٩٨ ط الإمام، وحاشية القليوبي ١ / ٣٤٢ مصطفى الحلبي ١٣٥٣ هـ، والمغني ٢ / ٤٢٤ ط المنار ١٣٤٥ هـ.

(٤) مواهب الجليل ٢ / ٢٥٣ مكتبة النجاح - ليبيا.

(٥) الهندية ١ / ١٠٦، والمدونة ١ / ٧٤، والمجموع ٤ / ١٨٤ وما بعدها، وكشاف القناع ١ / ٥٨٨ طبعة الملك.

(٦) البدائع ٢ / ٧٩٨، ومواهب الجليل ٢ / ٢٥٣، وحاشية القليوبي ١ / ٣٤٢، والمغني ٢ / ٤٢٤

(٧) مواهب الجليل ١ / ٢٦٩

(٨) ابن عابدين ٥ / ٤٨٢، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ١٧٠ ط المنار.

(٩) الدسوقي ٤ / ٧٢

الاِتِّكَاءِ عَلَى شَيْءٍ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ كَالْمِخَدَّةِ وَغَيْرِهَا فِي أَبْوَابِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْوَلِيمَةِ (١) .

إِتْلاَف

١ - جَاءَ فِي الْقَامُوسِ: تَلِفَ كَفَرِحَ: هَلَكَ، وَأَتْلَفَهُ: أَفْنَاهُ (٢) .

وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ اسْتِعْمَالاَتُ الْفُقَهَاءِ. يَقُول الْكَاسَانِيُّ: إِتْلاَفُ الشَّيْءِ إِخْرَاجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ مَنْفَعَةً مَطْلُوبَةً مِنْهُ عَادَةً (٣) .

٢ - الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْهْلاَكُ:

قَدْ يَقَعُ الإِْهْلاَكُ وَالإِْتْلاَفُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. فَفِي مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ: الْهَلاَكُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: افْتِقَادُ الشَّيْءِ عَنْكَ وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِكَ مَوْجُودٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (٤) وَهَلاَكُ الشَّيْءِ بِاسْتِحَالَةٍ وَفَسَادٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل﴾ (٥) وَكَقَوْلِكَ: هَلَكَ الطَّعَامُ. وَهَلَكَ: بِمَعْنَى مَاتَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٦) وَبِمَعْنَى بُطْلاَنِ

_________

(١) المهذب ٢ / ٦٥ ط مصطفى الحلبي ١٣٧٩ هـ

(٢) القاموس المحيط (تلف)

(٣) البدائع ٧ / ١٦٤ ط الأولى

(٤) سورة الحاقة / ٢٩

(٥) سورة البقرة / ٢٠٥

(٦) سورة النساء / ١٧٦

الشَّيْءِ مِنَ الْعَالَمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (١)

ب - التَّلَفُ:

وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الإِْتْلاَفِ؛ لأَِنَّهُ كَمَا يَكُونُ نَتِيجَةَ إِتْلاَفِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَتِيجَةَ آفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْقَلْيُوبِيِّ إِدْخَال الإِْتْلاَفِ فِي عُمُومِ التَّلَفِ، إِذْ قَال: إِنَّ الْعَارِيَّةَ تُضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ لاَ بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَلَوْ بِإِتْلاَفِ الْمَالِكِ (٢) .

ج - التَّعَدِّي:

جَاءَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: تَعَدَّى الْحَقَّ: جَاوَزَهُ، وَاعْتَدَى فُلاَنٌ عَنِ الْحَقِّ؛ أَيْ جَازَ عَنْهُ إِلَى الظُّلْمِ. وَقَدْ يَكُونُ مِنْ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ مَا هُوَ جَوْرٌ وَاعْتِدَاءٌ (٣) .

د - الإِْفْسَادُ:

جَاءَ فِي الْقَامُوسِ: أَفْسَدَهُ: أَخْرَجَهُ عَنْ صَلاَحِيَتِهِ الْمَطْلُوبَةِ. وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ مُرَادِفًا لِلإِْتْلاَفِ (٤) .

هـ - الْجِنَايَةُ:

يُقَال: جَنَى جِنَايَةً؛ أَيْ أَذْنَبَ ذَنْبًا يُؤَاخَذُ بِهِ. وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ غَلَبَتْ عَلَى الْجَرْحِ وَالْقَطْعِ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ هِيَ تَحَقُّقُ الْمُؤَاخَذَةِ فِي بَعْضِ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ، كَمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْجِنَايَةِ.

والإِْضْرَارُ:

إِيقَاعُ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ، وَقَدْ يُرَادُ مِنْهُ أَيُّ نَقْصٍ يَدْخُل عَلَى الأَْعْيَانِ. وَقَدْ يَتَحَقَّقُ هَذَا فِي بَعْضِ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ.

_________

(١) سورة القصص / ٨٨

(٢) حاشية القليوبي على منهاج الطالبين ٣ / ٢٠ ط الحلبي

(٣) لسان العرب (عدو)

(٤) القاموس المحيط (فسد)

ز - الْغَصْبُ:

وَهُوَ أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ، وَعَلَى وَجْهٍ يُزِيل يَدَهُ أَوْ يُقَصِّرُ يَدَهُ.

فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الإِْتْلاَفِ وَالْغَصْبِ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمَالِكِ. وَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ الْغَصْبَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِزَوَال يَدِهِ أَوْ تَقْصِيرِ يَدِهِ. أَمَّا الإِْتْلاَفُ فَقَدْ يَتَحَقَّقُ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ. كَمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الآْثَارِ مِنْ حَيْثُ الْمَشْرُوعِيَّةُ وَتَرَتُّبُ الضَّمَانِ (١) .

صِفَةُ الإِْتْلاَفِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):

٣ - الأَْصْل فِي الإِْتْلاَفِ: الْحَظْرُ، إِذَا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا، كَإِتْلاَفِ الْمَالِكِ مَالَهُ الْمُنْتَفَعَ بِهِ شَرْعًا وَطَبْعًا.

وَقَدْ يَكُونُ الإِْتْلاَفُ وَاجِبًا إِذَا كَانَ مَأْمُورًا مِنَ الشَّارِعِ بِإِتْلاَفِهِ كَإِتْلاَفِ خِنْزِيرٍ لِمُسْلِمٍ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَإِتْلاَفِ مَا اسْتَغْنَى عَنْهُ مَالِكُهُ وَلَمْ يَجِدْ وَجْهًا لاِنْتِفَاعِهِ هُوَ أَوْ غَيْرِهِ بِهِ.

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَظْرِ حُكْمُهُ الأُْخْرَوِيُّ وَهُوَ الإِْثْمُ.

هَذَا وَلاَ تَلاَزُمَ بَيْنَ الإِْثْمِ وَالضَّمَانِ، فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الآْخَرِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنِ الضَّمَانِ فِي مَوْطِنِهِ.

أَنْوَاعُ الإِْتْلاَفِ:

٤ - الإِْتْلاَفُ نَوْعَانِ؛ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَقَعَ عَلَى الْعَيْنِ أَوْ عَلَى الْمَنْفَعَةِ. وَعَلَى كُلٍّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِتْلاَفًا لِلْكُل أَوْ لِلْجُزْءِ، سَوَاءٌ فِي الْعَيْنِ أَوِ الْمَنْفَعَةِ.

وَهَذَانِ النَّوْعَانِ الإِْتْلاَفُ فِيهِمَا حَقِيقِيٌّ.

وَقَدْ يَكُونُ الإِْتْلاَفُ مَعْنَوِيًّا، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْعُ

_________

(١) فتح القدير ٧ / ٣٦١ وما بعدها ط الأميرية

تَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمُسْتَعَارَةِ لِلْمُعِيرِ بَعْدَ طَلَبِهَا مِنْهُ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْعَارَةِ.

يَقُول الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ الَّذِي يُغَيِّرُ حَال الْمُسْتَعَارِ مِنَ الأَْمَانَةِ إِلَى الضَّمَانِ هُوَ الْمُغَيِّرُ لِحَال الْوَدِيعَةِ، وَهُوَ الإِْتْلاَفُ حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَبِتَرْكِ الْحِفْظِ، وَبِالْخِلاَفِ (١)، أَيِ اسْتِعْمَال الْعَيْنِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهَا فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ فِيهِ صَاحِبُهَا. فَقَدِ اعْتُبِرَ هَذَا إِتْلاَفًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَمُوجِبًا لِلضَّمَانِ، كَمَا قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ خَلْطَ الْوَدَائِعِ خَلْطًا يَمْنَعُ التَّمْيِيزَ بَيْنَهَا يُعْتَبَرُ إِتْلاَفًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لِخَلْطِ الدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ (٢) .

الإِْتْلاَفُ الْمَشْرُوعُ وَغَيْرُ الْمَشْرُوعِ

أَوَّلًا - الإِْتْلاَفُ الْمَشْرُوعُ الْمُتَّفَقُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ:

٥ - مِنْ صُوَرِ الإِْتْلاَفِ الْمَشْرُوعِ مَعَ تَرَتُّبِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْعَقِدُ عَلَى إِتْلاَفِ الْعَيْنِ ذَاتِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمَنَافِعُ مِمَّا يَقْتَضِي اسْتِيفَاؤُهَا إِتْلاَفَ الْعَيْنِ، كَالشَّمْعَةِ لِلإِْضَاءَةِ، وَالظِّئْرِ لِلإِْرْضَاعِ، وَاسْتِئْجَارِ الشَّجَرِ لِلثَّمَرِ (٣)، عَلَى التَّفْصِيل

_________

(١) البدائع ٦ / ٢١٧

(٢) البدائع ٧ / ١٦٥ - ١٦٦، والمغني والشرح الكبير ٥ / ٤٤٥ طبع المنار ١٣٤٧ هـ، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٢٠، ٤٣٦ ط عيسى الحلبي، وشرح الروض ٢ / ٢٣٨ ط الميمنية، والشروانى على التحفة ٧ / ١٢٣ ط الميمنية.

(٣) البدائع ٤ / ١٧٥، والهداية ٣ / ٢٤١، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٥٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٦، ٢٠، وبداية المجتهد ٢ / ٢٤٥، ٤١٩، والشرح الصغير ٤ / ٣١، والمهذب ١ / ٣٩٤ - ٣٩٥، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٩٢، والمغني ٥ / ٤٠٤ طبع مكتبة القاهرة، ٦ / ٧٤، ١٣٣ طبع المنار ١٣٤٧

وَالْخِلاَفِ الْمُبَيَّنِ فِي مُصْطَلَحِ إِجَارَةٍ. فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ إِتْلاَفٌ لِلْعَيْنِ بِاسْتِهْلاَكِهَا، وَهُوَ إِتْلاَفٌ مَشْرُوعٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ.

٦ - وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِتْلاَفُ مَال الْغَيْرِ عَنْ طَرِيقِ أَكْلِهِ دُونَ إِذْنٍ مِنْهُ فِي حَال الْمَخْمَصَةِ، فَإِنَّهُ إِتْلاَفٌ مُرَخَّصٌ فِيهِ مِنَ الشَّارِعِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذِ التَّنَاوُل حَال الْمَخْمَصَةِ رُخْصَةٌ لاَ إِبَاحَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَإِذَا اسْتَوْفَاهُ ضَمِنَهُ كَمَا يَقُول الْبَزْدَوِيُّ، وَيَقُول ابْنُ رَجَبٍ: مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا لِدَفْعِ الأَْذَى عَنْ نَفْسِهِ ضَمِنَ، أَمَّا مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا لِدَفْعِ أَذَاهُ لَهُ لَمْ يَضْمَنْ.

لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ فِي غَيْرِ الأَْظْهَرِ يُسْقِطُونَ عَنْهُ الضَّمَانَ أَيْضًا؛ لأَِنَّ الدَّفْعَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمَالِكِ، وَالْوَاجِبُ لاَ يُؤْخَذُ لَهُ عِوَضٌ (١) .

٧ - وَمِنَ الإِْتْلاَفِ الْمَشْرُوعِ دُونَ تَرَتُّبِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ إِتْلاَفُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَوْ لِذِمِّيٍّ، لِعَدَمِ التَّقَوُّمِ، بِدَلِيل أَنَّهُ لاَ يَحِل بَيْعُهُ (٢) .

٨ - وَمِنْهُ أَيْضًا مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَقَعُ فِي يَدِ أَمِيرِ الْجَيْشِ مِنْ أَمْوَال أَهْل الْحَرْبِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ نَقْلُهُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ يَجُوزُ لَهُ إِتْلاَفُهُ، فَيَذْبَحُ الْحَيَوَانَاتِ ثُمَّ يُحَرِّقُهَا؛ لأَِنَّ ذَبْحَهَا جَائِزٌ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَلاَ غَرَضَ أَصَحَّ مِنْ كَسْرِ شَوْكَةِ الأَْعْدَاءِ. وَأَمَّا إِحْرَاقُهَا فَلِتَنْقَطِعَ

_________

(١) البدائع ٧ / ١٦٨، وكشف الأسرار ٤ / ١٥١٩ - ١٥٢١، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٩٢ والفروق للقرافي ١ / ١٩٦، الفرق ٣٢، ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٨، والقواعد الفقهية لابن رجب ص ٢٨٦ ضمن القاعدة ١٢٧

(٢) البدائع ٧ / ١٦٧، والشرح الكبير مع المغني ٥ / ٣٧٨

مَنْفَعَةُ الْكُفَّارِ بِهَا، كَمَا يُحَرِّقُ الأَْسْلِحَةَ وَالأَْمْتِعَةَ الَّتِي يَتَعَذَّرُ نَقْلُهَا، وَمَا لاَ يَحْتَرِقُ يُدْفَنُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَقِفُ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ. وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمِينَ (١) .

٩ - وَمِنْهُ إِتْلاَفُ بِنَاءِ أَهْل الْحَرْبِ وَشَجَرِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَال وَالظَّفَرِ بِهِمْ، أَوْ لِعَدَمِ رَجَاءِ حُصُولِهَا لَنَا، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَنَّهُ ﷺ قَطَعَ نَخْل بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَهُ. (٢)

١٠ - وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالُوهُ فِي إِتْلاَفِ كُتُبِ السِّحْرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَكَيْفِيَّةُ إِتْلاَفِهَا أَنَّهُ يُمْحَى مِنْهَا اسْمُ اللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَيُحَرَّقُ الْبَاقِي. وَلاَ بَأْسَ بِأَنْ تُلْقَى فِي مَاءٍ جَارٍ، أَوْ تُدْفَنَ كَمَا هِيَ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَكَذَا جَمِيعُ الْكُتُبِ إِذَا بَلِيَتْ وَخَرَجَتْ عَنِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا (٣) . وَنَقَل عَمِيرَةُ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَكُتُبُ الْكُفْرِ وَالسِّحْرِ وَنَحْوِهَا يَحْرُمُ بَيْعُهَا وَيَجِبُ إِتْلاَفُهَا (٤) .

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي دَفْعِ الصَّائِل مِنْ أَنَّ مَنْ صَالَتْ عَلَيْهِ بَهِيمَةٌ فَلَمْ تَنْدَفِعْ إِلاَّ بِالْقَتْل

_________

(١) الفتح ٤ / ٣٠٨، والبحر الرائق ٥ / ٩٠، وابن عابدين ٣ / ٢٣٠، وبداية المجتهد ١ / ٣٩٦، والوجبز ٢ / ٢٩١، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٢٠، والأحكام السلطانية لأبي يعلي ٢٧ - ٣٤، والقواعد الفقهية لابن رجب ص ٢٠٦ القاعدة ٩٠

(٢) حاشية القليوبي ٤ / ٢٢٠ وحديث: " قطع نخل بني النضير وحرقه " رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر وغيره بألفاظ متقاربة. (فتح الباري ٨ / ٥١٠ ط عبد الرحمن محمد، وصحيح مسلم ٣ / ١٣٦٥ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي) .

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٧١

(٤) حاشية عميرة على شرح منهاج الطالبين ٢ / ١٥٨

فَقَتَلَهَا لَمْ يَضْمَنْ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ بِدَفْعٍ جَائِزٍ (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ وَبَيَانُ الأَْقْوَال فِيهِ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ صِيَال.

ثَانِيًا: إِتْلاَفٌ مَشْرُوعٌ، وَفِي تَرَتُّبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ خِلاَفٌ:

١١ - إِتْلاَفُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُتْلِفُ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا. أَمَّا لَوْ كَانَتِ الْخَمْرُ مَمْلُوكَةً لِذِمِّيٍّ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ بِالضَّمَانِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهَا لاَ تُضْمَنُ، لاِنْتِفَاءِ تَقَوُّمِهَا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ إِلاَّ إِذَا انْفَرَدَ الذِّمِّيُّونَ بِمَحَلَّةٍ وَلَمْ يُخَالِطْهُمْ مُسْلِمٌ فَإِنَّهَا لاَ تُرَاقُ عَلَيْهِمْ لإِقْرَارِهِمْ عَلَيْهَا. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِذَا غُصِبَتْ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَانَتْ مُحْتَرَمَةً - وَهِيَ الَّتِي عُصِرَتْ لاَ بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ، وَإِنَّمَا بِقَصْدِ التَّخْلِيل (صَيْرُورَتِهَا خَلًّا) فَإِنَّهَا لاَ تُرَاقُ أَيْضًا، وَإِنَّمَا تُرَدُّ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ لَهُ إِمْسَاكَهَا لِتَصِيرَ خَلًّا (٢) .

١٢ - وَمَنْ أَتْلَفَ طَبْل الْغُزَاةِ وَالصَّيَّادِينَ وَالدُّفَّ الَّذِي يُبَاحُ فِي الْعُرْسِ، ضَمِنَ اتِّفَاقًا. أَمَّا لَوْ أَتْلَفَ عَلَى إِنْسَانٍ آلَةً مِنْ آلاَتِ اللَّهْوِ وَالْفَسَادِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ (الصَّاحِبَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةَ وَالشَّافِعِيَّةَ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ) يَرَوْنَ عَدَمَ الضَّمَانِ؛ لأَِنَّهَا آلاَتُ لَهْوٍ وَفَسَادٍ، فَلَمْ تَكُنْ مُتَقَوِّمَةً، كَالْخَمْرِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَحِل

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٨٢، ومواهب الجليل ٦ / ٣٢٣، وحاشية القليوبي ٢ / ٢١١، والمهذب ٢ / ٢٢٥، والإقناع ٤ / ٢٩٠

(٢) البدائع ٧ / ١٦٧، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٢، وتبيين الحقائق ٥ / ٢٣٤، والحطاب ٥ / ٢٨٠، والشرح الصغير ٤ / ٤٧٤، وحاشية القليوبي على منهاج الطالبين ٣ / ٣٠ - ٣٥، الشرح الكبير مع المغني ٥ / ٣٧٦، ونهاية المحتاج ٥ / ١٦٥

بَيْعُهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَالْمَيْتَةِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (١) وَقَال: بُعِثْتُ بِمَحْقِ الْقَيْنَاتِ وَالْمَعَازِفِ (٢) كَمَا أَنَّ مَنْفَعَتَهَا مُحَرَّمَةٌ، وَالْمُحَرَّمُ لاَ يُقَابَل بِشَيْءٍ، مَعَ وُجُوبِ إِبْطَالِهَا عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ (٣) .

وَيَرَى الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - وَهُوَ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا غَيْرَ مَصْنُوعَةٍ؛ لأَِنَّهَا كَمَا تَصْلُحُ لِلَّهْوِ وَالْفَسَادِ فَإِنَّهَا تَصْلُحُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَكَانَ مَالًا مُتَقَوِّمًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (٤) . وَيُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ فِي السَّرِقَةِ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْقَوْل بِالضَّمَانِ، إِذْ قَالُوا: وَلاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ كَطُنْبُورٍ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُتَخَلِّفُ مِنْهُ بَعْدَ الْكَسْرِ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ حَدَّ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ (٥) .

وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ مَنْ أَتْلَفَهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَصْنُوعَةٍ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.

_________

(١) حديث " إن الله حرم بيع الخمر. . . " رواه الشيخان وغيرهما عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولا عام الفتح بمكة: " إن الله ورسوله حرم. . . " الحديث، وفيه زيادة (جامع الأصول ١ / ٤٤٧، ٤٤٨)

(٢) رواه أحمد والحارث ابن أبي أسامة بلفظ " وأمرني أن أمحو المزامير والمعازف ورواه بنحوه الطيالسي (مسند أحمد ٥ / ٢٥٧، ٢٦٨ ط الميمنية، وكف الرعاع مع الزواجر ١ / ٩ ط المطبعة الأزهرية. وتفسيرالقرطبي ١٤ / ٥٣)

(٣) البدائع ٧ / ١٦٧ - ١٦٨ وابن عابدين ٥ / ١٤٦، ونهاية المحتاج ٥ / ١٦٦ - ١٦٧، والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٤٤٥ - ٤٤٦

(٤) البدائع ٧ / ١٦٧

(٥) الشرح الصغير ٤ / ٤٧٤، والحطاب ٧ / ٣٠٧

وَيَقُول النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الأَْصْنَامُ وَآلاَتُ الْمَلاَهِي لاَ يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيْءٌ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهَا لاَ تُكْسَرُ الْكَسْرَ الْفَاحِشَ، بَل تُفْصَل لِتَعُودَ كَمَا كَانَتْ قَبْل التَّأْلِيفِ. فَإِنْ عَجَزَ الْمُنْكِرُ عَنْ رِعَايَةِ هَذَا الْحَدِّ فِي الإِْنْكَارِ لِمَنْعِ صَاحِبِ الْمُنْكَرِ، أَبْطَلَهُ كَيْفَ تَيَسَّرَ. وَعَلَّقَ الرَّمْلِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ أَحْرَقَهَا وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الإِْحْرَاقُ وَسِيلَةً لإِفْسَادِهَا، غَرِمَ قِيمَتَهَا مَكْسُورَةً بِالْحَدِّ الْمَشْرُوعِ، لِتَمَوُّل رُضَاضِهَا - أَيْ مَا تَبَقَّى مِنْهَا - وَاحْتِرَامِهِ (١) .

١٣ - وَبِالنِّسْبَةِ لآِنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنَّ مَنْ قَال بِجَوَازِ اقْتِنَائِهَا قَال بِالضَّمَانِ، أَمَّا مَنْ مَنَعَ اقْتِنَاءَهَا فَإِنَّهُ لاَ يُوجِبُ ضَمَانَ الصَّنْعَةِ، وَضَمِنَ مَا يُتْلِفُهُ مِنَ الْعَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: يَضْمَنُ الصَّنْعَةَ أَيْضًا (٢)، عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ (آنِيَة) .

ثَالِثًا: إِتْلاَفٌ مُخْتَلَفٌ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ:

١٤ - صَرَّحَتْ بَعْضُ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي أَكْل زَوَائِدِ الرَّهْنِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ أَتْلَفَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلاَ يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنَ الدَّيْنِ وَيَكُونُ الإِْتْلاَفُ مَشْرُوعًا بِنَاءً عَلَى الإِْذْنِ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْضِعُهُ (الرَّهْنُ) .

١٥ - وَهُنَاكَ اتِّجَاهٌ بِأَنَّ هَذَا إِتْلاَفٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِرَغْمِ الإِْذْنِ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الدُّرِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنِ التَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ

_________

(١) نهاية المحتاج ٥ / ١٦٦، ١٦٧، وحاشية القليوبي ٣ / ٣٠ - ٣٥

(٢) الحطاب ١٢٨، ونهاية المحتاج ١ / ٩١، والمغني مع الشرح ١ / ٦٤

(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٣٦، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٤ / ٢٧٣ - ٢٧٤، والأم ٧ / ١١٧ مطبعة الكليات الأزهرية