الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١
وَوَقْتُهُ مَا بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول.
وَمَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ لاَ يَضُرُّ الْفَصْل بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ مَا لَمْ يُشْعِرْ بِالإِْعْرَاضِ عَنِ الإِْيجَابِ؛ لأَِنَّ الْقَابِل يَحْتَاجُ إِلَى التَّأَمُّل، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَوْرِ لاَ يُمْكِنُهُ التَّأَمُّل (١) .
وَيَضُرُّ الْفَصْل الطَّوِيل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
خِيَارُ الْقَبُول مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ:
١٠ - يَثْبُتُ خِيَارُ الْقَبُول لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا دَامَا جَالِسَيْنِ وَلَمْ يَتِمَّ الْقَبُول، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقُّ الرُّجُوعِ مَا لَمْ يَقْبَل الآْخَرُ (٣) .
وَلاَ يُخَالِفُهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ عِنْدَهُمْ يَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ وَاحِدًا، فَخِيَارُ الْقَبُول مُنْدَرِجٌ تَحْتَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ (٤) .
وَلاَ خِيَارَ لِلْقَبُول عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ بَعْدَ الْقَبُول مَا دَامَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ، وَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَلَوْ قَبْل الاِرْتِبَاطِ بَيْنَهُمَا إِلاَّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الإِْيجَابُ أَوِ الْقَبُول بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ ثُمَّ يَدَّعِي الْقَابِل أَوِ الْمُوجِبُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْبَيْعَ فَيَحْلِفُ وَيُصَدَّقُ (٥) .
_________
(١) البحر الرائق ٥ / ٢٨٤، والحطاب ٤ / ٢٤٠، ٢٤١، والمغني مع الشرح ٤ / ٤
(٢) شرح الروض ٢ / ٥، والشرواني على التحفة ٤ / ٢٢٣
(٣) البحر الرائق ٥ / ٢٨٤
(٤) مطالب أولي النهى ٣ / ٨٥
(٥) البجيرمي على الخطيب ٣ / ٢٦، ٢٧ ط الحلبي، والخرشي ٥ / ٧ ط دار صادر
بِمَ يَنْقَطِعُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ؟
١١ - يَنْقَطِعُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ بِالإِْعْرَاضِ عَنِ الإِْيجَابِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الأُْمُورِ الَّتِي يَحْصُل مَعَهَا الإِْعْرَاضُ، فَالشَّافِعِيَّةُ جَعَلُوا الاِشْتِغَال بِأَجْنَبِيٍّ خَارِجٍ عَنِ الْعَقْدِ إِبْطَالًا لَهُ، وَكَذَلِكَ السُّكُوتُ الطَّوِيل بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، لَكِنَّ الْيَسِيرَ لاَ يَضُرُّ (١) .
وَجَعَل الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْعُرْفَ هُوَ الضَّابِطَ لِذَلِكَ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَنْقَطِعُ بِاخْتِلاَفِ الْمَجْلِسِ، فَلَوْ قَامَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَذْهَبْ بَطَل الإِْيجَابُ، إِذْ لاَ يَبْقَى الْمَجْلِسُ مَعَ الْقِيَامِ. وَإِنْ تَبَايَعَا وَهُمَا يَسِيرَانِ، وَلَوْ كَانَا عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَصِحَّ لاِخْتِلاَفِ الْمَجْلِسِ. وَاخْتَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَالطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إِنْ أَجَابَ عَلَى فَوْرِ كَلاَمِهِ مُتَّصِلًا جَازَ. وَفِي الْخُلاَصَةِ عَنِ النَّوَازِل إِذَا أَجَابَ بَعْدَمَا مَشَى خُطْوَةً أَوْ خُطْوَتَيْنِ جَازَ.
وَكَذَلِكَ يَخْتَلِفُ الْمَجْلِسُ بِالاِشْتِغَال بِالأَْكْل وَتُغْتَفَرُ اللُّقْمَةُ الْوَاحِدَةُ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ كُوزٌ فَشَرِبَ ثُمَّ أَجَابَ جَازَ.
وَلَوْ نَامَا جَالِسَيْنِ فَلاَ يَتَبَدَّل الْمَجْلِسُ، وَلَوْ مُضْطَجِعَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَهِيَ فُرْقَةٌ (٣) .
وَهَذِهِ الصُّوَرُ الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا الْحَنَفِيَّةُ لَمْ تُغْفِلْهَا كُتُبُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، غَيْرَ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا عَنْهَا أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَنِ الْمَجْلِسِ لاَ فِي الْكَلاَمِ عَنِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ؛
_________
(١) شرح الروض ٢ / ٥ ط الميمنية
(٢) الحطاب ١ / ٢٤٥، ومطالب أولي النهى ٣ / ٦
(٣) فتح القدير ٥ / ٧٨، وابن عابدين ٤ / ٢١
لأَِنَّهُ اصْطِلاَحٌ خَاصٌّ بِالْحَنَفِيَّةِ، وَمَوْطِنُ تَفْصِيلِهَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
١٢ - وَغَيْرُ الْبَيْعِ مِثْلُهُ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) وَالْحَنَابِلَةِ (٢)، وَالْمَالِكِيَّةِ (٣)، غَيْرَ أَنَّ الْمُتَتَبِّعَ لِعُقُودِ الْمَالِكِيَّةِ يَجِدُ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ الْفَوْرِيَّةَ فِي الْوَكَالَةِ وَالنِّكَاحِ (٤) .
وَلاَ تَخْتَلِفُ أَيْضًا الْعُقُودُ اللاَّزِمَةُ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْفَوْرِيَّةِ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول (٥) . أَمَّا غَيْرُ اللاَّزِمَةِ فَلاَ يَضُرُّ التَّرَاخِي فِيهَا بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول.
ثَانِيًا - التَّقَابُضُ فِي الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ:
١٣ - إِذَا بِيعَ رِبَوِيٌّ بِمِثْلِهِ اشْتُرِطَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ جِنْسُ الْمَبِيعِ أَوِ اخْتَلَفَ، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا
_________
(١) جاء في البحر الرائق " ولهذا تتحد الأقوال المتفرقة في النكاح والبيع وسائر العقود باتحاد المجلس، وكذلك التلاوات المتعددة ١ / ٣٨
(٢) كشف المخدرات ٢ / ٢٦٨ ط السلفية، والروض الندي ص ٢٥٥ ط السلفية، ومطالب لأولي النهى ٣ / ١٢٩، ٥٥٩، ٥٨٢ و٤ / ٧٣٣، المغني مع الشرح ٥ / ٢٠٢ وما بعدها.
(٣) لقول القرافي: جزء السبب لا يجوز تأخير كالقبول بعد الإيجاب في البيع والهبة والإجارة، فلا يجوز التأخير إلى ما يدل على الإعراض عنهما. (الفروق ٣ / ١٧٣ ط دار إحياء الكتب العربية)، بلغة السالك ٢٦ / ٢٥٦، ٢٦٤ ط الحلبي.
(٤) منح الجليل ٣ / ٣٥٩ ط ليبيا، والدسوقي ٢ / ٢٢١ ط عيسى الحلبي.
(٥) شرح الروض ٢ / ٢٣٠، ٣٨٣ ط الميمنية.
بِيَدٍ (١) وَبَيَانُ الرِّبَوِيِّ مِنْ غَيْرِهِ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الرِّبَا.
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي السَّلَمِ:
١٤ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ رَأْسِ مَال السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، إِذْ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ فِي مَعْنَى بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (٢)، وَلأَِنَّ السَّلَمَ عَقْدُ غَرَرٍ فَلاَ يُضَمُّ إِلَيْهِ غَرَرٌ آخَرُ، وَلأَِنَّ السَّلَمَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْتِلاَمِ رَأْسِ الْمَال، أَيْ تَعْجِيلِهِ، وَأَسْمَاءُ الْعُقُودِ الْمُشْتَقَّةُ مِنَ الْمَعَانِي لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ تَحَقُّقِ تِلْكَ الْمَعَانِي.
وَلاَ يَخْتَلِفُ مَجْلِسُ السَّلَمِ عَنْ مَجْلِسِ الْبَيْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُخَالِفُ مَجْلِسُ السَّلَمِ مَجْلِسَ الْبَيْعِ، فَمَجْلِسُ الْبَيْعِ يَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ ارْتِبَاطِ الإِْيجَابِ بِالْقَبُول، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الآْثَارُ. أَمَّا السَّلَمُ فَيَعْتَرِيهِ الْفَسْخُ إِنْ لَمْ يَتِمَّ قَبْضُ رَأْسِ الْمَال فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول (٣)؛ لأَِنَّهُ شَرْطُ بَقَاءٍ عَلَى الصِّحَّةِ وَلَيْسَ شَرْطَ انْعِقَادٍ (٤) .
_________
(١) الهداية ٣ / ٦١، ٦٢، وبلغة السالك ٢ / ١٥، ونهاية المحتاج ٣ / ٤١٠، ٤١١، والكافي لابن قدامة ٢ / ٥٦ ط المكتب الإسلامي، وحديث: " الذهب بالذهب. . . " رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن عبادة بن الصامت وفيه: ". . . يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف. . . " الحديث (فيض القدير ٣ / ٥٧١، ٥٧٢)
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ١٧٩، وحديث: " من أسلف. . . " رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن عباس بلفظ: " من أسلف في شيء. . . " الحديث. (فيض القدير ٦ / ٦١)
(٣) شرح الروض وحواشيه ٢ / ١٢٢، والكافي ٢ / ١١٥
(٤) ابن عابدين ٤ / ٢٠٨
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِتَأْخِيرِهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ؛ لأَِنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يَأْخُذُ حُكْمَهُ، وَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَهُوَ نَقْدٌ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُول بِالْفَسَادِ؛ لأَِنَّهُ ضَارَعَ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول بِالصِّحَّةِ؛ لأَِنَّهُ تَأْخِيرٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَهَذَا مَا لَمْ تَبْلُغِ الزِّيَادَةُ إِلَى حُلُول الْمُسَلَّمِ فِيهِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى حُلُول أَجَل السَّلَمِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَإِنَّهُ لاَ يَخْتَلِفُ فِي فَسَادِهِ (١) .
وَلاَ يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢)، وَيَدْخُلُهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ الْخِيَارِ فِي السَّلَمِ إِنْ شَرَطَ وَلَمْ يَنْقُدْ رَأْسَ الْمَال فِي زَمَنِ الْخِيَارِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ نَقَدَ وَتَمَّ السَّلَمُ لَكَانَ فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، لإِعْطَاءِ الْمُسَلَّمِ إِلَيْهِ سِلْعَةً مَوْصُوفَةً لأَِجَلٍ عَمَّا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ فَسْخِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ:
١٥ - لِلْعُلَمَاءِ فِي ارْتِبَاطِ الإِْيجَابِ بِالْقَبُول فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
الأَْوَّل: اشْتِرَاطُ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ لَمْ يَنْعَقِدْ كَمَا لَوْ أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا فَقَامَ الآْخَرُ أَوِ اشْتَغَل بِعَمَلٍ آخَرَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْفَوْرُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ
_________
(١) الخرشي ٥ / ٢٠٣
(٢) البدائع ٥ / ٢٠١ ط الجمالية، والبجيرمي، على الخطيب ٣ / ٥٥، ٥٦، والمغني ٣ / ٥٠٥ ط مكتبة القاهرة.
(٣) البجيرمي على الخطيب ٣ / ٥٥، ٥٦، والمغني ٣ / ٥٠٥ ط مكتبة القاهرة.
الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَا فِي الْمِعْيَارِ عَنِ الْبَاجِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (١) .
الثَّانِي: اشْتِرَاطُ الْفَوْرِيَّةِ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ عَدَا مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْبَاجِيِّ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اغْتَفَرُوا فِيهِ الْفَاصِل الْيَسِيرَ. وَضَبَطَ الْقَفَّال الْفَاصِل الْكَثِيرَ بِأَنْ يَكُونَ زَمَنًا لَوْ سَكَتَا فِيهِ لَخَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِهِ جَوَابًا. وَالأَْوْلَى ضَبْطُهُ بِالْعُرْفِ (٢) .
الثَّالِثُ: صِحَّةُ الْعَقْدِ مَعَ اخْتِلاَفِ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ. وَعَلَيْهَا لاَ يَبْطُل النِّكَاحُ مَعَ التَّفَرُّقِ (٣) .
وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ الْحَقِيقِيِّ، أَمَّا مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ الْحُكْمِيِّ فَلاَ يَخْتَلِفُ الأَْمْرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُول فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٤) .
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ الْفَوْرِيَّةَ فِي الإِْيجَابِ حِينَ الْعِلْمِ (٥) . وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابَةِ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَبَلَغَهُ الإِْيجَابُ مِنْ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ. وَإِذَا صَحَّحْنَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَيُشْتَرَطُ الْقَبُول فِي مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ وَعَلَى الْفَوْرِ (٦) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٢٦٦، والدسوقي ٢ / ٢٢١، والفروع ٢ / ٤٢٤ ومطالب أولي النهى ٥ / ٥٠
(٢) الدسوقي ٢ / ٢٢١، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٠٢
(٣) مطالب أولي النهى ٥ / ٥٠
(٤) ابن عابدين ٢ / ٢٦٦، ٢٦٧، والمغني مع الشرح ٧ / ٤٣١، ومطالب أولي النهى ٣ / ٧، ٨
(٥) الرهوني ٣ / ١٩١
(٦) روضة الطالبين ٧ / ٣٦
تَدَاخُل الْفِدْيَةِ فِي الإِْحْرَامِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ:
١٦ - لاَ يَحْصُل التَّدَاخُل فِي الْمَحْظُورَاتِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ إِلاَّ إِنِ اتَّحَدَ النَّوْعُ، وَأَمَّا مَعَ اخْتِلاَفِ النَّوْعِ وَالْجِنْسِ فِي الْمَحْظُورَاتِ فَلاَ اعْتِبَارَ لاِتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ حِينَئِذٍ بِاتِّحَادِ السَّبَبِ (١) .
وَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ لَهُ أَثَرُهُ فِي تَدَاخُل فِدْيَةِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، غَيْرَ فِدْيَةِ الإِْتْلاَفِ فَإِنَّهَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُتْلَفِ، وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ جَزَاءَ عَلَى الْعَائِدِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَحْظُورُ إِتْلاَفًا أَمْ غَيْرَهُ (٢) .
وَالتَّدَاخُل مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ يَخْتَلِفُ فِي فِدْيَةِ الْجِمَاعِ عَنْهُ فِي بَقِيَّةِ مَحْظُورَاتِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ.
تَدَاخُل فِدْيَةِ غَيْرِ الْجِمَاعِ:
١٧ - لَوْ تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ بِأَنْوَاعِ الطِّيبِ، أَوْ لَبِسَ أَنْوَاعًا كَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ وَالسَّرَاوِيل وَالْخُفِّ، أَوْ نَوْعًا وَاحِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَعَلَى التَّوَالِي فَفِيهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لاِتِّحَادِ الْمَجْلِسِ (٣) .
وَالْحَنَفِيَّةُ - غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ مَا ذُكِرَ فِي مَكَانَيْنِ تَعَدَّدَتِ الْفِدْيَةُ (٤) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٢٠١، والبدائع ٢ / ١٩٤، والدسوقي ٢ / ٦٦، والفروق ٢ / ٢١٠، والجمل ٢ / ٥٠٢، وكتاب القناع ٢ / ٤١٢، والكافي ١ / ٥٦٤، والمغني مع الشرح ٣ / ٥٤٣
(٢) البدائع ٢ / ٢٠١، والجمل ٢ / ٥٠٢، والفروق ٢ / ٢٠٩، وكشاب القناع ٢ / ٤١٢
(٣) البدائع ٢ / ١٩٤، وابن عابدين ٢ / ٢٠١، والجمل على المنهج ٢ / ٥٢٦، والمغني مع الشرح الكبير ٣ / ٥٢٧، والإنصاف ٣ / ٥٢٦ ط الأولى.
(٤) البدائع ٢ / ١٩٤، وابن عابدين ٢ / ٢٠١، والجمل على المنهج ٢ / ٥٠٢، وكشاف القناع ٢ / ٤١١، والإنصاف ٣ / ٥٢٦
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَعَلَيْهِ الأَْصْحَابُ أَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةً وَاحِدَةً إِنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الأَْوَّل؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْسْبَابِ لاَ بِاخْتِلاَفِ الأَْوْقَاتِ وَالأَْجْنَاسِ.
وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِنْ نَوَى التَّكْرَارَ (١) .
تَدَاخُل فِدْيَةِ الْجِمَاعِ فِي الإِْحْرَامِ:
١٨ - لِلْفُقَهَاءِ فِي تَعَدُّدِ الْفِدْيَةِ وَتَدَاخُلِهَا بِتَكَرُّرِ الْجِمَاعِ مِنَ الْمُحْرِمِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
أ - اتِّحَادُ الْفِدْيَةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ (٢) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الأَْوَّل. وَيُكَفِّرُ عَنِ الأَْخِيرِ إِنْ كَانَ كَفَّرَ لِلسَّابِقِ (٣) .
ب - اتِّحَادُ الْفِدْيَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَوِ اخْتَلَفَ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلْوَطْءِ الأَْوَّل، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ (٤) .
ج - تَكَرُّرُ الْفِدْيَةِ بِتَكَرُّرِ الْجِمَاعِ؛ لأَِنَّهُ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ فَأَوْجَبَهَا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٥) .
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الْخُلْعِ:
١٩ - الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ خَالَعَ
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٤١١، والفروع ٥ / ٣٥٧ والإنصاف ٢ / ٥٢٥ ط أنصار السنة " والجمل ٢ / ٥٠٢، وابن عابدين ٢ / ٢٠١، والدسوقي ٢ / ٦٦
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣٤٥
(٣) المغني مع الشرح الكبير ٣ / ٣١٨، ٣١٩
(٤) الدسوقي على الدردير ٢ / ٦٩
(٥) الجمل على المنهج ٢ / ٥٠٣، والمغني مع الشرح ٣ / ٣١٨، ٣١٩
امْرَأَتَهُ فَإِنَّ الْقَبُول يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، غَيْرَ أَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِمَجْلِسِ الزَّوْجَةِ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ فِيهِ، وَمَا لَمْ تَبْدَأِ الزَّوْجَةُ بِهِ، وَلاَ يَصِحُّ رُجُوعُ الزَّوْجِ وَلَوْ قَبْل قَبُولِهَا، وَيَصِحُّ رُجُوعُهَا مَا لَمْ يَقْبَل إِنْ كَانَتْ هِيَ الْبَادِئَةَ (١) .
وَالْعِبْرَةُ عِنْدَ بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ بِمَجْلِسِ الْمُتَخَالِعَيْنِ مَعًا، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ هِيَ الْمُوجِبَةَ، وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَطَا الْخِيَارَ فِيهِ، وَالْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ فِي الإِْيجَابِ وَالْقَبُول كَالْبَيْعِ عِنْدَهُمْ. وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ التَّعْلِيقِ (٢) .
وَلاَ يُشْتَرَطُ الْقَبُول فِي الْمَجْلِسِ فِي صِيغَةِ التَّعْلِيقِ إِلاَّ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ هِيَ الْبَادِئَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ نَظَرًا لِلْمُعَاوَضَةِ.
وَإِنَّمَا يَكُونُ الْقَبُول فِي صِيغَةِ التَّعْلِيقِ عِنْدَ حُصُول مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ (٣) .
وَمَجْلِسُ الْعِلْمِ كَمَجْلِسِ التَّوَاجُبِ فِي الْخُلْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (٤)، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَلَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ صِيغَةَ الْخُلْعِ كَصِيغَةِ الْبَيْعِ، وَفِي كَلاَمِهِمْ عَنِ الْخُلْعِ
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٢٥٨، ٢٥١، وجامع الفصولين ١ / ٢٩١ ط الأزهرية.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٢٥٨، و٢٥٩، والحطاب ٤ / ٣٧، والعدوي على خليل ٤ / ٢٤، ومنح الجليل ٢ / ١٩٨، والشرواني على التحفة ٧ / ٤٨٠، ٤٨١، ٤٨٣، ومطالب أولي النهى ٥ / ٣٠٧، والكافي ٢ / ٧٧١
(٣) المراجع السابقة.
(٤) ابن عابدين ٢ / ٥٥٨، ٨٥٩، والشرواني على التحفة ٧ / ٤٨١
مَعَ غَيْبَةِ الزَّوْجَةِ لَمْ يَأْتُوا بِجَدِيدٍ يُخَالِفُ حُضُورَ الزَّوْجَةِ، وَلَمْ يَخُصُّوا الْوَكِيل بِجَدِيدٍ كَذَلِكَ (١) .
اتِّحَادُ مَجْلِسِ الْمُخَيَّرَةِ:
٢٠ - الْمُخَيَّرَةُ هِيَ الَّتِي مَلَّكَهَا زَوْجُهَا طَلاَقَهَا بِقَوْلِهِ لَهَا مَثَلًا: اخْتَارِي نَفْسَكِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَوْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَعَل أَمْرَهَا بِيَدِهَا، فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا - قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ طَال يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ - فَلَوْ قَامَتْ أَوْ أَخَذَتْ فِي عَمَلٍ آخَرَ خَرَجَ الأَْمْرُ مِنْ يَدِهَا لأَِنَّهُ دَلِيل الإِْعْرَاضِ وَالتَّخْيِيرُ يَبْطُل بِصَرِيحِ الإِْعْرَاضِ فَكَذَلِكَ بِمَا يَدُل عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِمَجْلِسِ الزَّوْجَةِ لاَ بِمَجْلِسِ الزَّوْجِ؛ لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ، وَالْعِبْرَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِمَجْلِسِهِمَا مَعًا (٢) .
وَالشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الأَْصَحِّ - وَالْحَنَابِلَةُ يَشْتَرِطُونَ الْفَوْرِيَّةَ فِي الْمَجْلِسِ، وَالاِعْتِدَادُ بِمَجْلِسِهِمَا مَعًا، فَلَوْ قَامَ أَحَدُهُمَا بَطَل خِيَارُهَا. رَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَال: قَضَى عُمَرُ وَعُثْمَانُ فِي الرَّجُل يُخَيِّرُ امْرَأَتَهُ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا (٣) .
وَجَعَل الْمَالِكِيَّةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْخِيَارَ لَهَا خَارِجَ الْمَجْلِسِ مَا لَمْ تَقِفْ أَمَامَ حَاكِمٍ أَوْ تُوطَأْ طَائِعَةً. وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ لَمَّا خَيَّرَهَا: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلاَ عَلَيْكِ أَلاَّ
_________
(١) الحطاب ٢٤ / ٤، ٣٢، ٣٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٣١٤، والكافي ٢ / ٧٧٠، والإنصاف ٨ / ٤٩٦
(٢) البحر الرائق ٥ / ٢٩٤، وجامع الفصولين ١ / ٢٩١، والفروق ٣ / ١٧٣، وتسهيل منح الجليل ٣ / ٣٥٨
(٣) نهاية المحتاج ٦ / ٤٢٩، والمغني مع الشرح الكبير ٨ / ٢٩٤، وروضة الطالبين ٨ / ٤٦