الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١
وَيَنْفَرِدُ التَّدَاخُل فِي الأَْسْبَابِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مُسَبَّبٌ وَاحِدٌ، كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالشُّرْبِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. وَيَنْفَرِدُ الاِتِّحَادُ فِي نَحْوِ الإِْتْلاَفَيْنِ يَجِبُ فِيهِمَا ضَمَانَانِ، وَإِنِ اتَّحَدَا سَبَبًا (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - إِذَا وَرَدَ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ، وَاخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا، كَمَا إِذَا قَال: أَطْعِمْ فَقِيرًا، وَاكْسُ فَقِيرًا تَمِيمِيًّا، لَمْ يُحْمَل الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. وَنَقَل الْغَزَالِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ الْحَمْل عِنْدَ اتِّحَادِ السَّبَبِ، وَمَثَّل لَهُ بِالْيَدِ، أُطْلِقَتْ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢) وَقُيِّدَتْ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ بِالْغَايَةِ إِلَى الْمَرَافِقِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٣) فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّهَا تُمْسَحُ فِي التَّيَمُّمِ إِلَى الْمَرَافِقِ.
وَإِنِ اتَّحَدَ الْحُكْمُ مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ، فَإِنْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ عُمِل بِهِمَا اتِّفَاقًا، وَلاَ يُحْمَل أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَعَارُضَ، لإِمْكَانِ الْعَمَل بِهِمَا، كَمَا تَقُول فِي الظِّهَارِ: لاَ تُعْتِقْ مُكَاتَبًا، وَلاَ تُعْتِقْ مُكَاتَبًا كَافِرًا، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْعَمَل بِالْكَفِّ عَنْهُمَا.
وَإِنْ كَانَا مُثْبَتَيْنِ (أَيْ فِي حَال اتِّحَادِ الْحُكْمِ مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ) حُمِل الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ مُطْلَقًا، عِنْدَ
_________
(١) الفروق للقرافي ٢ / ٢٩
(٢) المائدة / ٦
(٣) المائدة / ٦
الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، أَيْ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ جُهِل الْحَال، وَإِنَّمَا حَمَلُوهُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
وَقِيل: إِنْ وَرَدَا مَعًا حُمِل الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لأَِنَّ السَّبَبَ الْوَاحِدَ لاَ يُوجِبُ الْمُتَنَافِيَيْنِ، وَالْمَعِيَّةُ قَرِينَةُ الْبَيَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ (١) مَعَ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ الَّتِي اشْتُهِرَتْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَمِنْ ذَلِكَ أَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ وُجُوبَ التَّتَابُعِ فِي صِيَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَإِنْ عُلِمَ تَأَخُّرُ الْمُقَيَّدِ فَهُوَ نَاسِخٌ لِلْمُطْلَقِ نَسْخًا جُزْئِيًّا، وَقِيل: يُحْمَل الْمُقَيَّدُ عَلَى الْمُطْلَقِ بِأَنْ يُلْغَى الْقَيْدُ (٢) .
وُقُوعُ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ:
٥ - الْمُخْتَارُ جَوَازُ وُقُوعُ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، إِثْبَاتًا، كَالسَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ، وَالْغُرْمِ حِينَ يَتْلَفُ الْمَسْرُوقُ عِنْدَ مَنْ يَرَى الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالضَّمَانِ. أَوْ نَفْيًا، كَالْقَتْل عِلَّةٌ لِلْحِرْمَانِ مِنَ الإِْرْثِ وَالْوَصِيَّةِ.
وَقِيل: يَمْتَنِعُ تَعْلِيل حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ فِيهَا؛ لأَِنَّ مُنَاسَبَتَهَا لِحُكْمٍ تُحَصِّل الْمَقْصُودَ مِنْهَا، فَلَوْ نَاسَبَتْ آخَرَ لَزِمَ تَحْصِيل الْحَاصِل. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ ذَلِكَ.
_________
(١) سورة المائدة / ٨٩
(٢) شرح مسلم الثبوت ١ / ٣٦٢، ٣٦٤، وشرح جمع الجوامع ٢ / ٤٩، ٥٠
وَالْقَوْل الثَّالِثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيل حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ إِنْ لَمْ يَتَضَادَّا بِخِلاَفِ مَا إِذَا تَضَادَّا، كَالتَّأْبِيدِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَبُطْلاَنِ الإِْجَارَةِ (١) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ اتِّحَادَ السَّبَبِ - أَوِ اتِّحَادَ الْعِلَّةِ - فِي الطَّهَارَةِ فِي الْوُضُوءِ (٢)، وَالْغُسْل (٣)، وَفِي الصَّوْمِ (كَفَّارَةُ الصِّيَامِ) (٤) وَفِي الإِْحْرَامِ (مُحَرَّمَاتُهُ) وَفِي الإِْقْرَارِ (تَكْرَارُ الإِْقْرَارِ) (٥) وَفِي الْحُدُودِ (تَكْرَارُ الْقَذْفِ، وَالزِّنَى، وَالشُّرْبِ، وَالسَّرِقَةِ) (٦) وَفِي الأَْيْمَانِ (كَفَّارَةُ الْيَمِينِ) (٧) وَفِي الْجِنَايَاتِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا.
وَعِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ يُذْكَرُ اتِّحَادُ السَّبَبِ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ (٨) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) شرح جمع الجوامع ٣ / ٢٤٧
(٢) ابن عابدين ١ / ٨١ ط الأولى.
(٣) الفروق ٢ / ٢٩
(٤) المرجع السابق، والبحر الرائق ٢ / ٢٩٨ ط الأولى، وشرح الروض ٤ / ١٥٢، ١٥٣، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢٠٩ ط المكتب الإسلامي.
(٥) ابن عابدين ٤ / ٤٥٧
(٦) الفروق ٢ / ٣٠، والخرشي ٨ / ٩١ ط بولاق، والبدائع ٩ / ٤٢٠١ ط الإرشاد بجدة، وشرح الروض ٤ / ١٥٢، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢٠٩
(٧) الفروق ٢ / ٣٠
(٨) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ١ / ٣٦١، ٣٦٢
اتِّحَاد الْعِلَّةِ
انْظُرْ: اتِّحَاد السَّبَبِ.
اتِّحَاد الْمَجْلِسِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِتِّحَادُ لُغَةً: صَيْرُورَةُ الذَّاتَيْنِ وَاحِدَةً، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْعَدَدِ مِنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا (١)، وَالْمَجْلِسُ هُوَ مَوْضِعُ الْجُلُوسِ (٢) .
وَيُرَادُ بِهِ الْمَجْلِسُ الْوَاحِدُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ يَسْتَعْمِلُهُ الْحَنَفِيَّةُ دُونَ غَيْرِهِمْ بِمَعْنَى تَدَاخُل مُتَفَرِّقَاتِ الْمَجْلِسِ (٣) . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَجْلِسِ مَوْضِعَ الْجُلُوسِ، بَل هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ يَحْصُل اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ مَعَ الْوُقُوفِ، وَمَعَ تَغَايُرِ الْمَكَانِ وَالْهَيْئَةِ.
٢ - وَالأَْصْل إِضَافَةُ الأَْحْكَامِ إِلَى أَسْبَابِهَا، كَقَوْلِهِمْ: كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، أَوْ: سَجْدَةُ السَّهْوِ، وَقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ وَتُضَافُ إِلَى غَيْرِ الأَْسْبَابِ، كَالْمَجْلِسِ لِلضَّرُورَةِ، كَمَا
_________
(١) التعريفات للجرجاني
(٢) المصباح المنير (جلس)
(٣) البحر الرائق ١ / ٣٨ ط العلمية، وابن عابدين ٤ / ٢٠ ط بولاق.
فِي سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ إِذَا تَكَرَّرَتْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ لِلْعُرْفِ، كَمَا فِي الأَْقَارِيرِ، أَوْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَمَا فِي الإِْيجَابِ وَالْقَبُول (١) .
وَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ يُؤَثِّرُ فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ مُنْفَرِدًا، وَأَحْيَانًا لاَ يُؤَثِّرُ إِلاَّ مَعَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ نَحْوُ اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ النَّوْعِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ فِي تَدَاخُل فِدْيَةِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ (٢) .
وَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: حَقِيقِيٌّ بِأَنْ يَكُونَ الْقَبُول فِي مَجْلِسِ الإِْيجَابِ، وَحُكْمِيٌّ إِذَا تَفَرَّقَ مَجْلِسُ الْقَبُول عَنْ مَجْلِسِ الإِْيجَابِ كَمَا فِي الْكِتَابَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ، فَيَتَّحِدَانِ حُكْمًا (٣) .
وَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الْحَجِّ يُرَادُ بِهِ اتِّحَادُ الْمَكَانِ وَلَوْ تَغَيَّرَتِ الْحَال، وَفِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ عَدَمُ تَخَلُّل زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَوْ عَدَمُ الْفَصْل بِأَدَاءِ قُرْبَةٍ، كَمَا تَدُل عَلَى ذَلِكَ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ.
اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الْعِبَادَاتِ:
٣ - تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ:
تَكَلَّمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
الأَْوَّل: الْكَرَاهَةُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، لِلإِْسْرَافِ،
_________
(١) البحر الرائق ١ / ٣٨
(٢) البدائع ٢ / ١٩٤ ط المطبوعات العلمية، وابن عابدين ٢ / ٢٥١، والجمل على المنهج ٢ / ٥٠٢ ط إحياء التراث، وكشاف القناع ٢ / ٤١١ ط أنصار السنة.
(٣) فتح القدير ٥ / ٧٨ ط بولاق، ومطالب أولي النهى ٣ / ٧ ط المكتب الإسلامي، والرهوني ٣ / ١٩١ ط بولاق، وروضة الطالبين ٧ / ٣٦ ط المكتب الإسلامي.
وَهُوَ مَا نُقِل عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ - وَوَصَفُوهُ بِالْغَرَابَةِ - إِذَا وَصَلَهُ بِالْوُضُوءِ الأَْوَّل وَلَمْ يَمْضِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّجْدِيدِ زَمَنٌ يَقَعُ بِمِثْلِهِ تَفْرِيقٌ؛ لأَِنَّهُمْ اعْتَبَرُوهُ بِمَثَابَةِ غَسْلَةٍ رَابِعَةٍ (١)
الثَّانِي: اسْتِحْبَابُ التَّجْدِيدِ مَرَّةً وَاحِدَةً مُطْلَقًا، تَبَدَّل الْمَجْلِسُ أَمْ لاَ، وَهُوَ قَوْل عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، لِحَدِيثِ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ. (٢)
الثَّالِثُ: الْكَرَاهَةُ إِذَا تَكَرَّرَ مِرَارًا فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَانْتِفَاؤُهَا إِذَا أَعَادَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهُوَ مَا وَفَّقَ بِهِ صَاحِبُ النَّهْرِ بَيْنَ مَا جَاءَ فِي التَّتَارْخَانِيَّةِ وَمَا فِي السِّرَاجِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ.
هَذَا وَأَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ لِكُل صَلاَةٍ، وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ أَوْ تَعَدُّدِهِ، وَذَلِكَ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
تَكَرُّرُ الْقَيْءِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ:
٤ - لَوْ قَاءَ الْمُتَوَضِّئُ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ صَارَ مِلْءَ الْفَمِ فَإِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ وَالسَّبَبُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنِ اتَّحَدَ السَّبَبُ فَقَطِ انْتَقَضَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ دُونَ السَّبَبِ انْتَقَضَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لأَِنَّ الْمَجْلِسَ يَجْمَعُ مُتَفَرِّقَاتِهِ.
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٨١، والمجموع ١ / ٤٧٠ ط المنيرية.
(٢) ابن عابدين ١ / ٦٣، ٨١، وجواهر الإكليل ١ / ٢٣ ط الحلبي، والقليوبي ١ / ٦٧ ط مصطفى الحلبي، المغني مع الشرح ١ / ١٣٣ ط المنار. وحديث: " من توضأ على طهر. . . " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر، وسنده ضعيف. (فيض القدير ٦ / ١٠٩ - ١١٠ ط التجارية)
وَلَمْ يُشَارِكِ الْحَنَفِيَّةَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْقَيْءِ إِلاَّ الْحَنَابِلَةُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا إِلَى اتِّحَادِ السَّبَبِ أَوِ الْمَجْلِسِ، بَل رَاعَوْا قِلَّةَ الْقَيْءِ وَكَثْرَتِهِ، تَكَرَّرَ السَّبَبُ وَالْمَجْلِسُ أَوْ لاَ (١) .
سُجُودُ التِّلاَوَةِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ يَسْجُدُ لِلتِّلاَوَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ أَوْ سَمَاعِ آيَةِ السَّجْدَةِ، أَمَّا إِذَا تَكَرَّرَتْ قِرَاءَتُهَا فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ يَسْجُدُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ سَجْدَةٍ وَلَوْ كَرَّرَهَا، لِتَعَدُّدِ السَّبَبِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
وَلاَ يَتَكَرَّرُ السُّجُودُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ وَالآْيَةُ، حَتَّى وَلَوِ اجْتَمَعَ سَبَبَا الْوُجُوبِ، وَهُمَا التِّلاَوَةُ وَالسَّمَاعُ، بِأَنْ تَلاَهَا ثُمَّ سَمِعَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ تَكَرَّرَ أَحَدُهُمَا. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ إِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلأُْولَى. وَمَنْ تَكَرَّرَ مَجْلِسُهُ مِنْ سَامِعٍ أَوْ تَالٍ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ (٣) .
اخْتِلاَفُ الْمَجْلِسِ وَأَنْوَاعُهُ:
٦ - مَا لَهُ حُكْمُ الْمَكَانِ الْوَاحِدِ كَالْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ لاَ يَنْقَطِعُ فِيهِ الْمَجْلِسُ بِالاِنْتِقَال إِلاَّ إِنِ اقْتَرَنَ بِعَمَلٍ أَجْنَبِيٍّ كَالأَْكْل وَالْعَمَل الْكَثِيرَيْنِ، وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ.
_________
(١) البحر الرائق ١ / ٣٨، وابن عابدين ١ / ٩٤، ٩٥، والفروع ١ / ١٠٠ ط الأولى، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ١٧٩
(٢) التاج والإكليل ٢ / ٦١، ٦٥ ط ليبيا، وكشاف القناع ١ / ٤١٣، ٤١٤، ونهاية المحتاج ٢ / ٩٧ ط الحلبي.
(٣) ابن عابدين ١ / ٥١٩ ونهاية المحتاج ٢ / ٩٧
وَاخْتِلاَفُ الْمَجْلِسِ عَلَى نَوْعَيْنِ:
حَقِيقِيٌّ، بِأَنْ يَنْتَقِل مِنَ الْمَكَانِ إِلَى آخَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ خُطْوَتَيْنِ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثٍ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَحُكْمِيٌّ، وَذَلِكَ بِمُبَاشَرَةِ عَمَلٍ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ قَاطِعًا لِمَا قَبْلَهُ، هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَمَّا غَيْرُهُمْ فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُمْ بِالسَّبَبِ اتِّحَادًا وَتَعَدُّدًا لاَ لِلْمَجْلِسِ (١) .
سُجُودُ السَّامِعِ:
٧ - لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْقَارِئِ وَالسَّامِعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي سُجُودِ التِّلاَوَةِ، وَيَأْخُذُ الْمُسْتَمِعُ لاَ السَّامِعُ حُكْمَ الْقَارِئِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ (٢)
وَرَبَطَ الْمَالِكِيَّةُ سُجُودَ الْمُسْتَمِعِ الَّذِي جَلَسَ لِلثَّوَابِ وَالأَْجْرِ وَالتَّعْلِيمِ بِسُجُودِ الْقَارِئِ، فَلاَ يَسْجُدُ إِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْقَارِئُ، فَإِنْ سَجَدَ فَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ (٣) .
الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ:
٨ - لِلْفُقَهَاءِ آرَاءٌ عَدِيدَةٌ فِي حُكْمِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كُلَّمَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْمَجْلِسِ مِنْهَا ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٥٢٠، وحاشية الشرواني على التحفة ٤ / ٢٢٣، ٢٢٤ ط الميمنية.
(٢) كشاف القناع ١ / ٤١١، وابن عابدين ١ / ٥١٩ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٢ / ٩٧، والفرق بين السامع والمستمع هو أن السامع من سمع عرضا بلا قصد والمستمع قاصد السماع، وحديث ابن عمر رواه الشيخان وغيرهما (المغني ١ / ٦٢٤ ط الرياض) .
(٣) التاج والإكليل ٢ / ٦١، ٦٥
الأَْوَّل: أَنَّهَا تَجِبُ كُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُهُ ﷺ وَلَوِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، وَبِهِ قَال جَمْعٌ، مِنْهُمْ الطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالطُّرْطُوشِيُّ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَالْفَاكِهَانِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ وَأَبُو حَامِدٍ الإِْسْفَرَايِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَابْنُ بَطَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (١)، لِحَدِيثِ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَل عَلَيَّ فَدَخَل النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ (٢)
الثَّانِي: وُجُوبُ الصَّلاَةِ مَرَّةً فِي كُل مَجْلِسٍ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ النَّسَفِيُّ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَال فِي بَابِ التِّلاَوَةِ: وَهُوَ كَمَنْ سَمِعَ اسْمَهُ مِرَارًا، لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّلاَةُ إِلاَّ مَرَّةً فِي الصَّحِيحِ؛ لأَِنَّ تَكْرَارَ اسْمِهِ ﷺ لِحِفْظِ سُنَّتِهِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الشَّرِيعَةِ، فَلَوْ وَجَبَتِ الصَّلاَةُ بِكُل مَرَّةٍ لأَفْضَى إِلَى الْحَرَجِ.
وَهُوَ قَوْل أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ إِنْ كَانَ السَّامِعُ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٤٦، والفتوحات الربانية ٣ / ٣٢٧ ط المكتبة الإسلامية، وتفسير القرطبي ١٤ / ٢٣٣ ط دار الكتب المصرية، وتفسير الألوسي ٢٢ / ٨١ ط المنيرية، وجلاء الأفهام ٢٦٤ ط المنيرية.
(٢) حديث: " من ذكرت عنده. . . " أورده هكذا القرطبي ولم يعزه إلى شيء من كتب الحديث، ولم نجده بهذا اللفظ، لكن روي بألفاظ أخرى لا تخلو من كلام ويغني عنها حديث الحاكم وصححه وأقره الذهبي وهو: ". . . إن جبريل ﵊ عرض لي فقال: بعدا لمن أدرك ر
غَافِلًا فَيَكْفِيهِ مَرَّةٌ فِي آخَرِ الْمَجْلِسِ (١)
الثَّالِثُ: نَدْبُ التَّكْرَارِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ فِي تَحْصِيلِهِ لآِرَاءِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَبَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول بِالنَّدْبِ مُطْلَقًا، اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَمِ اخْتَلَفَ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُذْكَرُ فِي مَبْحَثِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ:
أَوَّلًا - مَا يَتِمُّ بِهِ التَّعَاقُدُ فِي الْجُمْلَةِ:
٩ - وَيُرَادُ بِهِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: أَلاَّ يَشْتَغِل أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ بِعَمَلٍ غَيْرِ مَا عُقِدَ لَهُ الْمَجْلِسُ، أَوْ بِمَا هُوَ دَلِيل الإِْعْرَاضِ عَنِ الْعَقْدِ (٢) . وَهُوَ شَرْطٌ لِلاِنْعِقَادِ عِنْدَهُمْ (٣) . وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يُعْتَبَرُ شَرْطًا فِي الصِّيغَةِ عِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ (٤) .
وَهُوَ يَدْخُل فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٥) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٤٦، والفتوحات الربانية ٣ / ٣٢٧، وشرح ميارة الصغير ١ / ١٥ ط مصطفى الحلبي، وجلاء الأفهام ص ٢٦٤ - ٢٦٧
(٢) البحر الرائق ٥ / ٢٩٣، وفتح القدير ٥ / ٧٨، وابن عابدين ٤ / ٢١
(٣) البحر الرائق ٥ / ٢٧٩
(٤) الحطاب ٤ / ٢٤٠ ط ليبيا، والشرواني على التحفة ٤ / ٢٢٣، ٢٢٤، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٤ ط المنار، والفروع ٢ / ٤٤٢ ط المنار.
(٥) الشرواني على التحفة ٧ / ٤٨١