الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

- أَحَدُ الْوَكِيلِينَ أَوِ الْوَصِيِّينَ أَوِ النَّاظِرِينَ إِذَا بَاعَ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ (إِذَا كَانَ مَشْرُوطًا اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ) .

- بَيْعُ الْمَعْتُوهِ مَوْقُوفٌ. (١)

حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:

٥ - حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ هُوَ أَنَّهُ يَقْبَل الإِْجَازَةَ عِنْدَ تَوَافُرِ الشُّرُوطِ الآْتِيَةِ:

أ - وُجُودُ الْبَائِعِ حَيًّا، لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالإِْجَازَةِ، وَلاَ تَلْزَمُ إِلاَّ حَيًّا.

ب - وُجُودُ الْمُشْتَرِي حَيًّا لِيَلْزَمَهُ الثَّمَنُ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لاَ يَلْزَمُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ لَزِمَهُ حَال أَهْلِيَّتِهِ.

ج - وُجُودُ الْمَبِيعِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِل فِيهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِل بَعْدَ الإِْجَازَةِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِل بَعْدَ الْهَلاَكِ.

وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمَبِيعِ قَائِمًا، أَنْ لاَ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ شَيْئًا آخَرَ، فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ ثَوْبَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَصَبَغَهُ الْمُشْتَرِي، فَأَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ

_________

(١) البحر الرائق ٦ / ٧٥، ٧٦، وانظر: حاشية ابن عابدين ٤ / ١٣٩ ط بولاق، وحاشية الطحطاوي على الدر ٣ / ٦٣، وحاشية أبي السعود على شرح الكنز لمنلا مسكين ٢ / ٥٦٥، ودرر الحكام في شرح غرر الأحكام ٢ / ١٧٦، ١٧٧ ط مطبعة أحمد كامل ١٣٣٠ هـ، والفتاوى الخانية بهامش الهندية ٢ / ١٧٢ وما بعدها، وحاشية الدسوقي ٣ / ١١، ١٢ ط الحلبي، والخرشي ٥ / ١٧، ١٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨٥، ٢٨٦ ط دار الكتب العلمية.

جَازَ، وَلَوْ قَطَعَهُ وَخَاطَهُ ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ.

د - وُجُودُ الثَّمَنِ فِي يَدِ الْبَائِعِ إِذَا كَانَ عَيْنًا كَالْعُرُوضِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْفُلُوسِ فَوُجُودُ الثَّمَنِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.

هـ - وُجُودُ الْمَالِكِ؛ لأَِنَّ الإِْجَازَةَ تَكُونُ مِنْهُ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ قَبْل إِجَازَتِهِ الْبَيْعَ لاَ يَجُوزُ بِإِجَازَةِ وَرَثَتِهِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ انْتِقَال حَقِّ إِجَازَةِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ إِلَى الْوَارِثِ. (١)

هَذَا، وَلِلتَّوَسُّعِ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الإِْجَازَةُ وَسَائِرُ الْمَسَائِل الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا (ر: إِجَازَة)

وَإِذَا أُجِيزَ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ يَسْتَنِدُ أَثَرُهُ (أَيْ يَسْرِي مُنْذُ الْعَقْدِ) عَلَى مَا سَيَأْتِي.

أَثَرُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:

٦ - الْبَيْعُ النَّافِذُ يُفِيدُ الْحُكْمَ فِي الْحَال، وَهُوَ مَلَكِيَّةُ الْبَائِعِ لِلثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ، وَتَصَرُّفُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِي ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، سَوَاءٌ أَذُكِرَ فِي الْعَقْدِ تَمَلُّكُ الْبَائِعِ لِلثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ أَمْ لَمْ يُذْكَرْ؛ لأَِنَّ النَّصَّ

_________

(١) درر الحكام في شرح غرر الأحكام ٢ / ١٧٧ ط مطبعة أحمد كامل، وانظر: فتح القدير ٦ / ١٩١ ط دار إحياء التراث العربي، وبدائع الصنائع ٥ / ١٥١، ١٥٢، والخرشي ٥ / ١٧.

عَلَى الْمُقْتَضَى بَعْدَ حُصُول الْمُوجِبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. (١)

وَيُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مَالِكًا لِلْمَبِيعِ، أَوْ وَكِيلًا لِمَالِكِهِ أَوْ وَصِيِّهِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ فِي الْمَبِيعِ حَقٌّ آخَرُ.

وَإِذَا تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ مَوْقُوفًا فَلاَ يُفِيدُ الْحُكْمَ إِلاَّ عِنْدَ إِجَازَةِ صَاحِبِ الشَّأْنِ، فَإِنْ أَجَازَ نَفَذَ وَإِلاَّ بَطَل. (٢)

فَقَبْل أَنْ تَصْدُرَ الإِْجَازَةُ مِمَّنْ يَمْلِكُهَا لاَ يَظْهَرُ أَثَرُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ، وَيَكُونُ ظُهُورُ أَثَرِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ، فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ مَثَلًا لاَ يَنْفُذُ ابْتِدَاءً لاِنْعِدَامِ الْمِلْكِ وَالْوِلاَيَةِ، لَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَجَازَ يَنْفُذْ وَإِلاَّ يَبْطُل. (٣) (ر: بَيْعُ الْفُضُولِيِّ)

وَكَذَلِكَ إِذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِلاَ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ - فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ، إِنْ أَجَازَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَهُ نَفَذَ، وَإِذَا نَفَذَ الْبَيْعُ بِإِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ انْتَقَل حَقُّهُ إِلَى بَدَلِهِ. (٤)

وَلِلتَّفْصِيل (ر: رَهْن) .

_________

(١) فتح القدير ٦ / ١٩١ ط دار إحياء التراث العربي، وجامع الفصولين ١ / ٢٣١ ط بولاق ١٣٠٠ هـ.

(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ١١٢.

(٣) الجوهرة النيرة ١ / ١٩٦ ط المطبعة الخيرية ١٣٢٢ هـ.

(٤) الكفاية شرح الهداية ٦ / ١٩١ ط دار إحياء التراث العربي.

هَذَا، وَيَنْبَغِي التَّنْوِيهُ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ لاَ يَتَوَقَّفُ دَائِمًا نَفَاذُهُ، وَظُهُورُ أَثَرِهِ عَلَى إِجَازَةِ شَخْصٍ غَيْرِ الْعَاقِدِ، بَل هَذَا هُوَ الأَْغْلَبُ، فَقَدْ يَكُونُ مُتَوَقِّفَ النَّفَاذِ لاَ عَلَى إِجَازَةِ أَحَدٍ، بَل عَلَى زَوَال حَالَةٍ أَوْجَبَتْ عَدَمَ النَّفَاذِ، كَمَا فِي بَيْعِ الْمُرْتَدِّ عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنَّ نَفَاذَ بَيْعِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَوْدَتِهِ إِلَى الإِْسْلاَمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (١) .

التَّصَرُّفَاتُ الْوَاقِعَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَثْنَاءَ التَّوَقُّفِ:

٧ - التَّصَرُّفَاتُ الْوَاقِعَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ أَثْنَاءَ التَّوَقُّفِ مِنْهَا مَا يَسْتَنِدُ أَثَرُهُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا مَا يَبْدَأُ أَثَرُهُ مِنْ حِينِ الإِْجَازَةِ. فَالإِْجَازَةُ تَارَةً تَكُونُ إِنْشَاءً، وَتَارَةً تَكُونُ إِظْهَارًا.

وَفِيمَا يَلِي أَمْثِلَةٌ لِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ.

أَوَّلًا: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ:

أ - إِذَا أُجِيزَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ لِمَال الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ نَافِذًا مُسْتَنِدًا حُكْمُهُ إِلَى وَقْتِ إِنْشَاءِ الْعَقْدِ، فَيَصِيرُ الْمَبِيعُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنُ مِلْكًا لِلْمَالِكِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ، لأَِنَّ الإِْجَازَةَ اللاَّحِقَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ. فَإِذَا هَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْفُضُولِيِّ قَبْل الإِْجَازَةِ، ثُمَّ أُجِيزَ

_________

(١) الفتاوى الخانية بهامش الهندية ٢ / ١٨٥.

الْعَقْدُ لَمْ يَضْمَنْهُ كَالْوَكِيل، وَكَذَلِكَ إِذَا حَطَّ الْبَائِعُ الْفُضُولِيَّ مِنَ الثَّمَنِ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ يَثْبُتُ الْبَيْعُ وَالْحَطُّ، سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْبَائِعُ بِالْحَطِّ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ بِالْحَطِّ بَعْدَ الإِْجَازَةِ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفُضُولِيَّ يَصِيرُ بِالإِْجَازَةِ كَوَكِيلٍ، وَلَوْ حَطَّهُ الْوَكِيل لاَ يَتَمَكَّنُ الْمُوَكِّل مِنْ مُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي بِهِ، كَذَا هَذَا. (١)

ب - إِذَا أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ، فَإِنْ مَلَكَ الْمَبِيعَ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ، وَيَثْبُتُ لَهُ بِالتَّالِي الْحَقُّ فِي كُل مَا يَحْدُثُ بِالْمَبِيعِ قَبْل الإِْجَازَةِ مِنْ نَمَاءٍ أَوْ زِيَادَةٍ، كَالْكَسْبِ وَالْوَلَدِ وَالأَْرْشِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ. (٢)

ثَانِيًا: التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي يَقْتَصِرُ حُكْمُهَا عَلَى وَقْتِ صُدُورِ الإِْجَازَةِ:

أ - لاَ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْل صُدُورِ الإِْجَازَةِ، سَوَاءٌ أَقَبَضَهُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهُ. (٣) فَإِذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ الْمَبِيعَ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ لاَ يَنْفُذُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفُضُولِيِّ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، (٤) لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنَ الْفُضُولِيِّ لَمْ يَمْلِكْ

_________

(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١ / ٣٣٣، ٣٤٠.

(٢) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١ / ٣٢٨، ٣٤١، ومنحة الخالق بهامش البحر الرائق ٥ / ٢٨١.

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٨، والخرشي ٥ / ١٨.

(٤) درر الحكام في شرح غرر الأحكام ٢ / ٢٥٦، والفتاوى الخانية بهامش الهندية ٢ / ١٧٧.

مَا اشْتَرَاهُ إِلاَّ بَعْدَ الإِْجَازَةِ، فَبَيْعُهُ وَقَعَ عَلَى مَا لَمْ يَمْلِكْ.

ب - إِذَا بَاعَ الْفُضُولِيُّ شَيْئًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي بَاعَهُ يَكُونُ وَقْتَ الإِْجَازَةِ. (١)

_________

(١) حاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ٤٨٦، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٠.

بَيْعٌ وَشَرْطٌ

١ - وَرَدَتْ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ نُصُوصٌ شَرْعِيَّةٌ تُقَرِّرُ لِلْعُقُودِ آثَارَهَا، وَوَرَدَتْ فِيهَا نُصُوصٌ أُخْرَى، بَعْضُهَا عَامٌّ، وَبَعْضُهَا خَاصٌّ، فِيمَا يَتَّصِل بِمَبْلَغِ حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي تَعْدِيل آثَارِ الْعُقُودِ، بِالإِْضَافَةِ عَلَيْهَا، أَوِ النَّقْصِ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ يَشْتَرِطَانِهَا فِي عُقُودِهِمَا.

فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَرَدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . (٢)

وَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَرَدَ حَدِيثُ:. . . الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلًا وَفِي رِوَايَةٍ: عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، (٣)

_________

(١) سورة المائدة / ١.

(٢) سورة النساء / ٢٩.

(٣) حديث: " المسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا. . . " وفي رواية: " عند شروطهم " أخرجه الترمذي (٣ / ٦٢٥ ط عيسى الحلبي)، وهو صحيح لطرقه. (التلخيص الحبير لابن حجر ٣ / ٢٣ ط شركة الطباعة الفنية) .

وَحَدِيثُ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ، (١) وَحَدِيثُ: مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ (٢) أَيْ لَيْسَ فِيمَا كَتَبَهُ اللَّهُ وَأَوْجَبَهُ فِي شَرِيعَتِهِ الَّتِي شَرَعَهَا. وَحَدِيثُ: عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. (٣)

فَهَذِهِ النُّصُوصُ - فِي مَجْمُوعِهَا - تُشِيرُ إِلَى أَنَّ هُنَاكَ: شُرُوطًا مُبَاحَةً لِلْمُتَعَاقِدِينَ، يَتَخَيَّرُونَ مِنْهَا مَا يَشَاءُونَ لِلاِلْتِزَامِ بِهَا فِي عُقُودِهِمَا، وَشُرُوطًا مَحْظُورَةً، لاَ حَقَّ لأَِحَدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي عُقُودِهِمَا، لِمَا أَنَّهَا تُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ، أَوْ تُخَالِفُ الْقَوَاعِدَ الْعَامَّةَ الشَّرْعِيَّةَ، أَوْ تُصَادِمُ مَقْصِدًا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.

وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ، كُل مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ لِلاِخْتِلاَفِ الشَّدِيدِ بَيْنَهَا فِي ذَلِكَ.

_________

(١) حديث: " مقاطع الحقوق عند الشروط. . . " هذا من قول عمر. علقه البخاري (فتح الباري ٩٠ / ٢١٧ ط السلفية) ووصله سعيد بن منصور في سننه (٣ / ٦٦٢) وإسناده صحيح. (تغليق التعليق لابن حجر ٤ / ٤١٩ ط المكتب الإسلامي) .

(٢) حديث: " ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. . . . " أخرجه البخاري (٥ / ٣٢٦ فتح الباري ط السلفية) .

(٣) حديث: " نهى عن بيع وشرط. . . " أخرجه الطبراني في الأوسط، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعفه (نصب الراية ٤ / ١٨ ط المجلس العلمي) وانظر العناية ٦ / ٧٨، وبدائع الصنائع ٥ / ١٧٥، وفتح القدير ٦ / ٧٦، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١٧٧.

أَوَّلًا: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ:

٢ - وَضَعَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الضَّابِطَ لِلشَّرْطِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، الَّذِي يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَهُوَ: كُل شَرْطٍ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَلاَ يُلاَئِمُهُ وَفِيهِ نَفْعٌ لأَِحَدِهِمَا، أَوْ لأَِجْنَبِيٍّ، أَوْ لِمَبِيعٍ هُوَ مِنْ أَهْل الاِسْتِحْقَاقِ، وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِهِ. وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِجَوَازِهِ (١) .

٣ - أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، أَيْ يَجِبُ بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَإِنَّهُ يَقَعُ صَحِيحًا، وَلاَ يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ. (٢) كَمَا إِذَا اشْتَرَى بِشَرْطِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمَبِيعَ، أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الثَّمَنَ، أَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، أَوِ اشْتَرَى عَلَى أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِ الْمَبِيعُ، أَوِ اشْتَرَى دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ، أَوْ حِنْطَةً فِي سُنْبُلِهَا وَشَرَطَ الْحَصَادَ عَلَى الْبَائِعِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لأَِنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَكَانَ ذِكْرُهَا فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ تَقْرِيرًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلاَ تُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ. (٣)

_________

(١) رد المحتار ٤ / ١٢١، وانظر بدائع الصنائع ٥ / ١٦٩، والهداية وشروحها ٦ / ٧٧، وتبيين الحقائق ٤ / ٥٧.

(٢) رد المحتار ٤ / ٢١ نقلا عن البحر، وانظر الهداية بشروحها ٦ / ٧٧.

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٧١، وانظر في بعض هذه الأمثلة أيضا الهداية بشروحها ٦ / ٧٧، وتبيين الحقائق ٤ / ٥٧، والدر المختار ٤ / ١٢٢.

٤ - وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مُلاَئِمًا لِلْعَقْدِ، بِأَنْ يُؤَكِّدَ مُوجَبَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَلَوْ كَانَ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، لأَِنَّهُ يُقَرِّرُ حُكْمَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَيُؤَكِّدُهُ، فَيُلْتَحَقُ بِالشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ، كَشَرْطِ رَهْنٍ مَعْلُومٍ بِالإِْشَارَةِ أَوِ التَّسْمِيَةِ، وَشَرْطِ كَفِيلٍ حَاضِرٍ قَبْل الْكَفَالَةِ، أَوْ غَائِبٍ فَحَضَرَ وَقَبِلَهَا قَبْل التَّفَرُّقِ. (١)

وَاشْتِرَاطُ الْحَوَالَةِ كَالْكَفَالَةِ، فَلَوْ بَاعَ عَلَى أَنْ يُحِيل الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى غَيْرِهِ بِالثَّمَنِ، قَالُوا: فَسَدَ قِيَاسًا، وَجَازَ اسْتِحْسَانًا (٢) .

لَكِنَّ الْكَاسَانِيَّ اعْتَبَرَ شَرْطَ الْحَوَالَةِ مُفْسِدًا، لأَِنَّهُ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَلاَ يُقَرِّرُ مُوجَبَهُ؛ لأَِنَّ الْحَوَالَةَ إِبْرَاءٌ عَنِ الثَّمَنِ وَإِسْقَاطٌ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُلاَئِمًا لِلْعَقْدِ، بِخِلاَفِ الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنِ (٣) .

٥ - وَيَشْمَل شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَهُمْ مَا يَأْتِي:

أ - أَنْ يَكُونَ شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ: كَمَا إِذَا بَاعَ دَارًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا الْبَائِعُ شَهْرًا، ثُمَّ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَةً، أَوْ دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا شَهْرًا، أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ أُسْبُوعًا، أَوْ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ الْمُشْتَرِي قَرْضًا، أَوْ عَلَى أَنْ يَهَبَهُ هِبَةً، أَوْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، أَوْ يَبِيعَ مِنْهُ كَذَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَخِيطَهُ

_________

(١) رد المحتار ٤ / ١٢١، ١٢٢، وبدائع الصنائع ٥ / ١٧١، ١٧٢، وانظر تبيين الحقائق ٤ / ٥٧.

(٢) رد المحتار ٤ / ١٢٢، ١٢٣.

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٧٢.