الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩ الصفحة 47

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٩

مَحَلِّهَا مَوْجُودَةٌ، فَيَكُونُ مَشْرُوعًا، لَكِنْ لَمْ تُوجَدِ الْمُبَادَلَةُ التَّامَّةُ، فَأَصْل الْمُبَادَلَةِ حَاصِلٌ، لاَ وَصْفُهَا، وَهُوَ كَوْنُهَا تَامَّةً. (١)

وَهَذَا بِخِلاَفِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالأَْجِنَّةِ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَلاَ مُتَقَوَّمَةً، فَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ أَصْلًا.

وَفِيمَا يَلِي أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْبَاطِل - مِنْ وَجِهَةِ نَظَرِ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ قَرَّرُوهُ - ثُمَّ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، ثُمَّ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ.

أَوَّلًا: أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْبَاطِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:

١٥١ - لاَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ الْبَاطِل أَصْلًا، وَلَيْسَ لَهُ وُجُودٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا، وَإِذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ فَلاَ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ.

قَال الْكَاسَانِيُّ: وَلاَ حُكْمَ لِهَذَا الْبَيْعِ أَصْلًا؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلْمَوْجُودِ، وَلاَ وُجُودَ لِهَذَا الْبَيْعِ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ؛ لأَِنَّ التَّصَرُّفَ الشَّرْعِيَّ لاَ وُجُودَ لَهُ بِدُونِ الأَْهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ شَرْعًا، إِذْ لاَ وُجُودَ لِلتَّصَرُّفِ الْحَقِيقِيِّ إِلاَّ مِنَ الأَْهْل فِي الْمَحَل حَقِيقَةً، وَذَلِكَ نَحْوُ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْعَذِرَةِ وَالْبَوْل وَبَيْعِ الْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ وَكُل مَا لَيْسَ بِمَالٍ.

وَإِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَفِي ضَمَانِهِ خِلاَفٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:

_________

(١) مرآة الأصول ١ / ٣٣٠، وانظر التوضيح والتلويح ١ / ٢٢٠ و٢٢١.

أ - قِيل: لاَ يُضْمَنُ، لأَِنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعَقْدَ إِذَا بَطَل بَقِيَ مُجَرَّدُ الْقَبْضِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَهُوَ لاَ يُضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الدُّرَرِ.

وَقِيل: إِنَّ هَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (١) .

ب - وَقِيل: يَكُونُ مَضْمُونًا، لأَِنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ.

وَاخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْمِثْل أَوْ بِالْقِيمَةِ، لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ أَدْنَى حَالًا مِنَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ.

وَقِيل: إِنَّ هَذَا قَوْل الصَّاحِبِينَ. وَفِي الْقُنْيَةِ: أَنَّهُ الصَّحِيحُ، لِكَوْنِهِ قَبَضَهُ لَنَفْسِهِ فَشَابَهُ الْغَصْبُ، وَفِي الدُّرِّ: قِيل: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (٢) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ: (الْبَيْعُ الْبَاطِل) .

ثَانِيًا: أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ:

١٥٢ - يَنْبَنِي عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عِدَّةُ آثَارٍ هِيَ: انْتِقَال الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْفَسْخِ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَعَدَمُ طِيبِ الرِّبْحِ النَّاشِئِ مِنَ الْمَبِيعِ، وَقَبُولُهُ لِلتَّصْحِيحِ، وَضَمَانُ الْمَبِيعِ بِالْهَلاَكِ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذِهِ الآْثَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي مُصْطَلَحِ: (الْبَيْعُ الْفَاسِدُ) .

هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٣٠٥، ورد المحتار ٤ / ١٠٥.

(٢) رد المحتار على الدر المختار ٤ / ١٠٥.

أَمَّا أَحْكَامُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَهِيَ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْبَاطِل لِعَدَمِ تَفْرِقَتِهِمْ بَيْنَهُمَا، وَانْظُرْ فِي مُصْطَلَحِ: (الْبَيْعُ الْبَاطِل) .

ثَالِثًا: أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ:

١٥٣ - حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ: الْمَنْعُ شَرْعًا وَتَرَتُّبُ الإِْثْمِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ هَذَا صَحِيحٌ. لأَِنَّ النَّهْيَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى مُجَاوِرٍ لِلْبَيْعِ، لاَ فِي صُلْبِهِ، وَلاَ فِي شَرَائِطِ صِحَّتِهِ، وَمِثْل هَذَا النَّهْيِ لاَ يُوجِبُ الْفَسَادَ، بَل الْكَرَاهِيَةَ.

فَالْبَيْعُ عِنْدَ الأَْذَانِ لِلْجُمُعَةِ، وَبَيْعُ النَّجْشِ، وَبَيْعُ الإِْنْسَانِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَسَوْمُهُ عَلَى سَوْمِهِ، وَنَحْوُهَا بُيُوعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَهِيَ - كَمَا يَقُول الْحَصْكَفِيُّ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، لَكِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَيْسَتْ بَاطِلَةً، مَعَ النَّهْيِ عَنْهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِلاَّ فِي رِوَايَاتٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّهْيَ لاَ يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلاَ إِلَى شَرَائِطِ الصِّحَّةِ، بَل إِلَى مَعْنًى يَقْتَرِنُ بِهِ. (١)

_________

(١) رد المحتار ٤ / ١٣١، وشرح المنهاج للمحلي بحاشية القليوبي ٢ / ١٨١ وما بعدها، وانظر الهداية بشروحها ٦ / ١٠٨، والإنصاف ٤ / ٣٣١ وما بعدها و٣٢٣، ٣٢٤. فقد قرر المرداوي أن المذهب، والصحيح الذي عليه جماهير الأصحاب: هو أن البيع عند الأذان ليس صحيحا.

١٥٤ - وَمِنْ أَهَمِّ أَحْكَامِ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ:

- أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.

- وَأَنَّهُ يُمْلَكُ فِيهِ الْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِهِ.

- وَأَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الثَّمَنُ، لاَ الْقِيمَةُ.

- وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ فَسْخُهُ.

وَقِيل: إِنَّ فَسْخَهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، صَوْنًا لَهُمَا عَنِ الْمَحْظُورِ، وَلأَِنَّ رَفْعَ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ.

وَوَفَّقَ ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهَا دِيَانَةً. بِخِلاَفِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُمَا إِذَا أَصَرَّا عَلَيْهِ يَفْسَخُهُ الْقَاضِي جَبْرًا عَلَيْهَا، وَوَجَّهَهُ أَنَّ الْبَيْعَ هُنَا صَحِيحٌ، فَلاَ يَلِي الْقَاضِي فَسْخَهُ لِحُصُول الْمِلْكِ الصَّحِيحِ. (١)

لَكِنْ قَرَّرَ ابْنُ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْظُورٍ خَارِجٍ عَنْ بَابِ الْبُيُوعِ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي مَوْضِعٍ مَغْصُوبٍ، فَهَذَا لاَ يُفْسَخُ، فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ.

وَإِذَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ، وَلَمْ يُخَل فِيهِ بِشَرْطٍ مُشْتَرَطٍ فِي صِحَّةِ الْبُيُوعِ، كَالْبَيْعِ وَقْتَ الْجُمُعَةِ، وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَتَلَقِّي الْجَلَبِ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ: فَقِيل يُفْسَخُ. وَقِيل: لاَ يُفْسَخُ، وَقِيل: يُفْسَخُ إِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً. (٢)

_________

(١) رد المحتار ٤ / ١٣١، ١٣٤ نقلا عن الدرر.

(٢) القوانين الفقهية (١٧٢) .

الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْبَيْعُ: مُبَادَلَةُ الْمَال بِالْمَال. (١)

وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ " وَقَفَ " يُقَال: وَقَفَتِ الدَّابَّةُ وُقُوفًا سَكَنَتْ، وَوَقَفْتُهَا أَنَا وَقْفًا: جَعَلْتُهَا تَقِفُ. وَوَقَفْتُ الدَّارَ وَقْفًا حَبَسْتُهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، وَوَقَفْتُ الأَْمْرَ عَلَى حُضُورِ زَيْدٍ: عَلَّقْتُ الْحُكْمَ عَلَى حُضُورِهِ، وَوَقَفْتُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ إِلَى الْوَضْعِ: أَخَّرْتُهَا حَتَّى تَضَعَ الْحُبْلَى. (٢)

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ.

وَأَمَّا الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ، فَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ أَجَازُوهُ بِأَنَّهُ: الْبَيْعُ الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، وَيُفِيدُ الْمِلْكَ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ، وَلاَ يُفِيدُ تَمَامَهُ

_________

(١) القاموس المحيط ولسان العرب مادة: " بيع "، ومجلة الأحكام مادة: (١٠٥)، والبحر الرائق ٥ / ٢٧٧.

(٢) المصباح المنير مادة: " وقف ".

لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، وَهُوَ مِنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ. (١)

وَيُقَابِلُهُ الْبَيْعُ النَّافِذُ، وَهُوَ: الْبَيْعُ الصَّحِيحُ الَّذِي لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ. وَيُفِيدُ الْحُكْمَ فِي الْحَال. فَالنَّافِذُ هُوَ ضِدُّ الْمَوْقُوفِ، فَمَتَى قِيل: بَيْعٌ نَافِذٌ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ بَيْعٌ غَيْرُ مَوْقُوفٍ (٢) .

مَشْرُوعِيَّةُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:

٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ - كَمَا حُكِيَ عَنِ الْجَدِيدِ أَيْضًا - مَشْرُوعِيَّةَ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ وَاعْتِبَارَهُ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، لِعُمُومَاتِ الْبَيْعِ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)

وَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَاتِ: أَنَّ اللَّهَ ﷾ شَرَعَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالتِّجَارَةَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، بَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْمَالِكِ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْوَكِيل فِي الاِبْتِدَاءِ، أَوْ بَيْنَ مَا إِذَا وُجِدَتِ الإِْجَازَةُ مِنَ

_________

(١) مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر ٢ / ٤٧، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ١ / ٩٤، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٠٠ ط بولاق.

(٢) درر الحكام ١ / ٩٥، ٣٤٠.

(٣) سورة البقرة / ٢٧٥.

(٤) سورة النساء / ٢٩.

الْمَالِكِ فِي الاِنْتِهَاءِ وَبَيْنَ وُجُودِ الرِّضَا فِي التِّجَارَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِعُمُومِهَا إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ.

وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ دَفَعَ دِينَارًا إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، ثُمَّ بَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَقَال ﵊: بَارَكَ اللَّهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ (١) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِبَيْعِ الشَّاةِ، فَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ، لَمَا بَاعَ وَلَمَا دَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ عَلَى مَا فَعَل، وَلأَنْكَرَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْبَاطِل يُنْكَرُ.

كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَلاَ يَلْغُو، كَمَا لَوْ حَصَل مِنَ الْمَالِكِ، وَكَالْوَصِيَّةِ بِالْمَال مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَالْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ مِمَّنْ لاَ دَيْنَ عَلَيْهِ.

وَالتَّصَرُّفُ إِذَا صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ تَحَقَّقَ بِهِ وُجُودُهُ، ثُمَّ قَدْ يَمْتَنِعُ نَفَاذُهُ شَرْعًا لِمَانِعٍ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى زَوَال ذَلِكَ الْمَانِعِ، وَبِالإِْجَازَةِ يَزُول الْمَانِعُ، وَهُوَ عَدَمُ رِضَا الْمَالِكِ بِهِ.

وَلأَِنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ يُفِيدُ الْمِلْكِيَّةَ بِدُونِ قَبْضٍ تَمَامًا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، فَالْبَيْعُ

_________

(١) حديث: " بارك الله في صفقة يمينك. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٥٥٠ ط الحلبي) وأعله ابن حجر بجهالة أحد رواته. (التلخيص ٣ / ٥ ط شركة الطباعة الفنية) .

الْمَوْقُوفُ هُوَ بَيْعٌ صَحِيحٌ لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ وَحُكْمِهِ عَلَيْهِ. وَانْعِقَادُ هَذَا الْبَيْعِ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ لاَ يُنَافِي كَوْنَهُ صَحِيحًا. (١)

٣ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ إِلَى بُطْلاَنِ الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَأْتِينِي الرَّجُل يَسْأَلُنِي مِنَ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي، أَأَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ثُمَّ أَبِيعُهُ مِنْهُ؟ قَال: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. (٢)

كَمَا احْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ بَيْعَ وَلاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ (٣)

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٨ - ١٤٩ ط الجمالية، والمبسوط للسرخسي ١٣ / ١٥٤، ومجمع الأنهر ٢ / ٤٧، ودرر الحكام ١ / ٩٤ - ٩٥ نشر مكتبة النهضة، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٠٠ ط بولاق، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٦٢ ط دار القلم، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٠ - ١١ نشر دار الفكر، ومواهب الجليل ٤ / ٣٤٦ ط مكتبة النجاح - ليبيا، ومغني المحتاج ٢ / ١٥ نشر دار إحياء التراث العربي، والمجموع ٩ / ٢٥٩ ط مطبعة التضامن الأخوي بمصر، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٢٧٤، والإنصاف ٤ / ٢٦٧، ٢٨٣ ط دار إحياء التراث العربي.

(٢) حديث: " لا تبع ما ليس عندك. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٧٦٩ ط عزت عبيد دعاس)، والترمذي (٣ / ٥٢٥ ط الحلبي)، وقال: حديث حسن.

(٣) حديث: " لا بيع ولا طلاق ولا عتاق. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٦٤٠ ط عزت عبيد دعاس)، والترمذي (٣ / ٤٧٧ ط الحلبي) . وقال: حديث حسن. واللفظ لأبي داود.

وَلأَِنَّ وُجُودَ السَّبَبِ بِكَمَالِهِ بِدُونِ آثَارِهِ يَدُل عَلَى فَسَادِهِ.

وَيَقِيسُونَ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ عَلَى الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ (١)

أَنْوَاعُ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ:

٤ - عَقْدُ الْبَيْعِ يَكُونُ مَوْقُوفًا إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِلْكَ الْغَيْرِ أَوْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ حَقٌّ فِي الْمَبِيعِ. (٢)

وَقَدْ حَصَرَ صَاحِبُ " الْخُلاَصَةِ " أَنْوَاعَ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا، وَأَوْصَلَهَا صَاحِبُ " النَّهْرِ " إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَثَلاَثِينَ نَوْعًا، وَذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي " الْبَحْرِ الرَّائِقِ " تِسْعًا وَعِشْرِينَ صُورَةً لِلْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ أَهَمُّهَا:

- بَيْعُ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الأَْبِ أَوِ الْوَصِيِّ.

- بَيْعُ غَيْرِ الرَّشِيدِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْقَاضِي.

- بَيْعُ الْمَرْهُونِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ.

- بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ.

_________

(١) تهذيب الفروق والقواعد السنية ٣ / ٢٤١ ط دار المعرفة، والمجموع ٩ / ١٥٥، ٢٥٨ ط مطبعة التضامن الأخوي، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٢٧٤، والإنصاف ٤ / ٢٦٧، ٢٨٣ ط دار إحياء التراث العربي.

(٢) البحر الرائق ٦ / ٧٥.

- بَيْعُ مَا فِي مُزَارَعَةِ الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَزَارِعِ.

- بَيْعُ الْبَائِعِ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُشْتَرِي الأَْوَّل.

- بَيْعُ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَوْبَتِهِ مِنَ الرِّدَّةِ.

- بَيْعُ الشَّيْءِ بِرَقْمِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ.

- الْبَيْعُ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلاَنٌ وَالْمُشْتَرِي لاَ يَعْلَمُ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْمَجْلِسِ.

- الْبَيْعُ بِمِثْل مَا يَبِيعُ النَّاسُ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ.

- الْبَيْعُ بِمِثْل مَا أَخَذَ بِهِ فُلاَنٌ مَوْقُوفٌ عَلَى تَبَيُّنِ الثَّمَنِ.

- بَيْعُ الْمَالِكِ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِقْرَارِ الْغَاصِبِ، أَوِ الْبُرْهَانِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ.

- بَيْعُ مَال الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَتِهِ (وَهُوَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ) .

- بَيْعُ الشَّرِيكِ نَصِيبَهُ مِنْ مُشْتَرَكٍ بِالْخَلْطِ الاِخْتِيَارِيِّ، أَوِ الاِخْتِلاَطِ بِغَيْرِ فِعْل الْمَالِكِينَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ شَرِيكِهِ.

- بَيْعُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ وَلَوْ كَانَ بِمِثْل الْقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.

- بَيْعُ الْوَارِثِ التَّرِكَةَ الْمُسْتَغْرَقَةَ بِالدَّيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْغُرَمَاءِ.