الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: جَازَ الذَّبْحُ فِي الإِْبِل، وَالنَّحْرُ فِي غَيْرِهَا لِلضَّرُورَةِ.
ثُمَّ النَّحْرُ - كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ - هُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ فِي أَسْفَل الْعُنُقِ عِنْدَ الصَّدْرِ، أَمَّا الذَّبْحُ فَقَطْعُهَا فِي أَعْلاَهُ تَحْتَ اللَّحْيَيْنِ.
وَالسُّنَّةُ نَحْرُهَا قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى، قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا (١) وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُنْحَرُ قَائِمَةً.
وَكَيْفِيَّتُهُ: أَنْ يَطْعَنَهَا بِالْحَرْبَةِ فِي الْوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أَصْل الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ. (٣)
ج - الدِّيَاتُ: الدِّيَةُ بَدَل النَّفْسِ:
٩ - وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الدِّيَةِ فِي: الإِْبِل وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَيْل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (دِيَة) .
_________
(١) حديث عبد الرحمن بن سابط: " أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٣٧١ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الرحمن بن سابط مرسلا مقرونا بحديث جابر بن عبد الله متصلا، وله أصل في صحيح البخاري (الفتح ٣ / ٥٥٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٥٨ ط الحلبي)
(٢) سورة الحج / ٣٦
(٣) ابن عابدين ٥ / ١٩٢، والدسوقي ٢ / ١٠٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٧١، وكشاف القناع ٣ / ٧، والمواق بهامش الحطاب ٣ / ٢٢٠.
بَدْوٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبَادِيَةُ: خِلاَفُ الْحَاضِرَةِ. قَال اللَّيْثُ: الْبَادِيَةُ اسْمٌ لِلأَْرْضِ الَّتِي لاَ حَضَرَ فِيهَا، وَالْبَادِي: هُوَ الْمُقِيمُ فِي الْبَادِيَةِ، وَمَسْكَنُهُ الْمَضَارِبُ وَالْخِيَامُ، وَلاَ يَسْتَقِرُّ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ. وَالْبَدْوُ: سُكَّانُ الْبَادِيَةِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْعَرَبِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَمَّا الأَْعْرَابُ فَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ خَاصَّةً. وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ بَدَا جَفَا (١) أَيْ: مَنْ نَزَل الْبَادِيَةَ صَارَ فِيهِ جَفَاءُ الأَْعْرَابِ (٢) .
وَلاَ يَخْتَلِفُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَدْوِ:
٢ - الأَْصْل فِي الشَّرْعِ أَنَّ الأَْحْكَامَ تَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَكَانِ سُكْنَاهُ، وَبِذَلِكَ تَسْتَوِي أَحْكَامُ الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ، إِلاَّ مَا وَرَدَ عَلَى
_________
(١) حديث: " من بدا جفا. . " أخرجه أبو داود (٣ / ٢٧٨ - ط عزت عبيد دعاس)، والترمذي (٤ / ٥٢٣ ط الحلبي) وحسنه
(٢) لسان العرب، والنهاية في غريب الحديث، ومفردات الراغب الأصبهاني، الاخيتار ٥ / ٨٥، وقليوبي وعميرة ٣ / ١٢٥، والمغني ٧ / ٥٢٧
سَبِيل الاِسْتِثْنَاءِ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، بِسَبَبِ اخْتِلاَفِ طَبِيعَةِ حَيَاةِ الْبَدْوِ عَنْ طَبِيعَةِ حَيَاةِ الْحَضَرِ، فَتَبَعًا لِهَذَا الاِخْتِلاَفِ تَخْتَلِفُ بَعْضُ الأَْحْكَامِ، وَسَيَأْتِي أَهَمُّهَا.
أ - الأَْذَانُ فِي الْبَادِيَةِ:
٣ - يُسَنُّ لِلْبَادِي الأَْذَانُ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ فِي بَادِيَتِهِ، لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَِبِي سَعِيدٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ. فَإِذَا دَخَل وَقْتُ الصَّلاَةِ فَأَذِّنْ، وَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) (ر: أَذَان) .
ب - سُقُوطُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ:
٤ - لاَ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى أَهْل الْبَادِيَةِ. وَلَوْ أَقَامُوهَا فِي بَادِيَتِهِمْ لاَ تَصِحُّ جُمُعَةٌ لِعَدَمِ الاِسْتِيطَانِ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا الْبَدْوُ مِمَّنْ كَانُوا حَوْل الْمَدِينَةِ وَلاَ قَبَائِل الْبَادِيَةِ مِمَّنْ أَسْلَمُوا، وَلاَ أَقَامُوهَا، وَلَوْ أَقَامُوهَا لَنُقِل ذَلِكَ، بَل لاَ تُجْزِئُهُمْ عَنِ الظُّهْرِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانُوا مُقِيمِينَ بِمَوْضِعٍ يَسْمَعُونَ فِيهِ نِدَاءَ الْحَضَرِ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ. (٢)
_________
(١) الجمل على شرح المناهج ١ / ٢٩٨، والإنصاف ١ / ٤١٨، والمغني ٢ / ٣٢٧، ٣٣١، وابن عابدين ١ / ٢٦١، والمجموع ٤ / ٣٧٥، وأسنى المطالب ١ / ٢٧٩: وحديث: " إنك رجل تحب الغنم والبادية ". أخرجه البخاري ٢ / ٨٧، ٨٨ط السلفية
(٢) ابن عابدين ١ / ٢٥٣، ٥٤٦، وجواهر الإكليل ١ / ٩٢، وروضة الطالبين ٢ / ٣٨، والمغني ٢ / ٣٢٧
ج - وَقْتُ الأُْضْحِيَّةِ:
٥ - يَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّ وَقْتَ الأُْضْحِيَّةِ لِلْبَدْوِ كَوَقْتِهِ لِلْحَضَرِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا: لَمَّا كَانَتْ لاَ تَجِبُ عَلَى الْبَدْوِ صَلاَةُ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا أَضَاحِيَّهُمْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ، فِي حِينِ لاَ يَجُوزُ لأَِهْل الْحَضَرِ أَنْ يَذْبَحُوا أَضَاحِيَّهُمْ إِلاَّ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِيدِ؛ لأَِنَّ صَلاَةَ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ. (١)
د - عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِمُ الْعَطَاءَ:
٦ - يَخْتَصُّ أَهْل الْحَاضِرَةِ بِالْعَطَاءِ، أَمَّا الْبَدْوُ فَلاَ يُفْرَضُ لَهُمْ فَرِيضَةٌ رَاتِبَةٌ تَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَال، لاَ أَعْطِيَةَ الْمُقَاتِلَةِ، وَلاَ أَرْزَاقَ الذُّرِّيَّةِ، حَتَّى قَال أَبُو عُبَيْدٍ: فَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلاَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الأَْئِمَّةِ بَعْدَهُ أَنَّهُ فَعَل ذَلِكَ - أَيْ أَعْطَى الْبَدْوَ عَطَاءَ الْجُنْدِ وَأَرْزَاقَ الذُّرِّيَّةِ - إِلاَّ بِأَهْل الْحَاضِرَةِ، الَّذِينَ هُمْ أَهْل الْغَنَاءِ عَنِ الإِْسْلاَمِ. وَلِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا. ثُمَّ قَال: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيل اللَّهِ. قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ. اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا،
_________
(١) فتح القدير ٨ / ٧٢ طبع بولاق، وحلية العلماء للقفال ٣ / ٣٢٠ طبعة أولى ١٤٠٠هـ، والإفصاح ١ / ٢٠٢ طبع المطبعة الحلبية، وآثار محمد بن الحسن ص ١٣٥، وآثار أبي يوسف ص ٦٣
وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَلٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ. ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ. ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّل مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ. فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ. إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ. فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْل حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَل لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلاَ تَجْعَل لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِيِّهِ. وَلَكِنِ اجْعَل لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ. فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْل حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ. (١)
وَلَكِنْ لأَِهْل الْبَادِيَةِ عَلَى الإِْمَامِ وَعَلَى
_________
(١) حديث بريدة: " إذا لقيت عدوك من المشركين. . . . . " أخرجه مسلم ٣ / ١٣٧٥ ط الحلبي
الْمُسْلِمِينَ نَصْرُهُمْ وَالدَّفْعُ عَنْهُمْ بِالأَْبْدَانِ وَالأَْمْوَال إِنِ اعْتُدِيَ عَلَيْهِمْ، وَالْمَئُونَةُ وَالْمُوَاسَاةُ إِذَا نَزَلَتْ بِهِمْ جَائِحَةٌ أَوْ جَدْبٌ (١) .
هـ - عَدَمُ دُخُول الْبَدْوِ فِي عَاقِلَةِ الْحَضَرِ وَعَكْسُهُ:
٧ - لاَ يَدْخُل الْبَدَوِيُّ فِي عَاقِلَةِ الْقَاتِل الْحَضَرِيِّ، وَلاَ الْحَضَرِيُّ فِي عَاقِلَةِ الْبَدَوِيِّ الْقَاتِل، لِعَدَمِ التَّنَاصُرِ بَيْنَهُمَا، كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ. (٢)
وَلِلتَّفْصِيل (ر: عَاقِلَة)
و إِمَامَةُ الْبَدَوِيِّ:
٨ - تُكْرَهُ إِمَامَةُ الأَْعْرَابِيِّ فِي الصَّلاَةِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمُ الْجَهْل بِالأَْحْكَامِ. (٣) وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ، بَابِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ. (ر: إِمَامَةُ الصَّلاَةِ، وَصَلاَةُ الْجَمَاعَةِ)
ز - نَقْل اللَّقِيطِ إِلَى الْبَادِيَةِ وَحُكْمُهُ:
٩ - إِذَا وَجَدَ حَضَرِيٌّ أَوْ بَدَوِيٌّ لَقِيطًا فِي الْحَضَرِ فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى الْبَادِيَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ عَلَيْهِ بِفَوَاتِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالصَّنْعَةِ، أَمَّا إِنْ
_________
(١) الأموال لأبي عبيد ص ٢٢٧ وما بعدها طبع مصطفى محمد
(٢) الشرح الصغير ٢ / ٤٠٢ طبع دار المعارف
(٣) الاختيار ٥ / ٥٨ طبع بيروت دار المعارف
وَجَدَهُ فِي الْبَادِيَةِ فَلَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى الْحَاضِرَةِ؛ لأَِنَّ فِي نَقْلِهِ مَصْلَحَةً لَهُ. وَلَهُ أَنْ يُبْقِيَهُ فِي الْبَادِيَةِ. كَمَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِذَلِكَ، وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل فِي (لَقِيط) (١)
ح - شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْحَضَرِيِّ:
١٠ - اخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْحَضَرِيِّ، فَأَجَازَهَا الْجُمْهُورُ، وَمَنَعَهَا الْمَالِكِيَّةُ (٢) . لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ (٣) وَلأَِنَّهُمْ فِي الْغَالِبِ لاَ يَضْبِطُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا.
ط - عَدَمُ الاِحْتِكَامِ إِلَى عَادَاتِهِمْ فِيمَا يَحِل أَكْلُهُ:
١١ - يُقْتَصَرُ عَلَى الْعَرَبِ مِنَ الْحَاضِرَةِ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - فِي تَحْدِيدِ مَنْ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي مَعْرِفَةِ الْمُسْتَخْبَثِ وَالطَّيِّبِ، مِمَّا لَمْ يُنَصَّ عَلَى حُكْمِهِ مِنَ الطَّعَامِ. قَال النَّوَوِيُّ: يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعَرَبِ مِنْ أَهْل الرِّيفِ وَالْقُرَى وَأَهْل الْيَسَارِ وَالْغِنَى، دُونَ الأَْجْلاَفِ مِنْ أَهْل الْبَادِيَةِ وَالْفُقَرَاءِ
_________
(١) حاشية قليوبي ٥ / ١٢٥، وأسنى المطالب ٢ / ٤٩٧
(٢) المغني ٩ / ١٦٧
(٣) حديث: " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية. . . ". أخرجه أبو داود ٤ / ٢٦ ط عزت عبيد دعاس. والحاكم ٤ / ٩٩ ط دائرة المعارف العثمانية، وقال ابن دقيق العيد: رجاله إلى منتهاه رجال الصحيح (الإلمام ص ٥٢٠ ط دار الثقافة الإسلامية. الرياض)
وَأَهْل الضَّرُورَةِ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَالْمَجَاعَةِ يَأْكُلُونَ مَا وَجَدُوا. (١)
ي - حُكْمُ ارْتِحَال الْمُعْتَدَّةِ مِنْ أَهْل الْبَادِيَةِ:
١٢ - لَمَّا كَانَ الأَْصْل فِي حَيَاةِ الْبَدْوِ الاِنْتِقَال لاِنْتِجَاعِ مَوَاقِعِ الْكَلأَِ، فَإِنَّ الْبَدَوِيَّةَ الْمُعْتَدَّةَ إِذَا ارْتَحَل أَهْلُهَا عَنْ مَوَاقِعِهِمْ تَرْتَحِل مَعَهُمْ، وَلاَ تَكُونُ آثِمَةً بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ مِنَ الْحَرَجِ إِقَامَتُهَا وَحْدَهَا دُونَ أَهْلِهَا؛ وَلأَِنَّ الرِّحْلَةَ مِنْ طَبِيعَةِ حَيَاتِهِمْ، وَقَدْ فَصَّل ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْعِدَّةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. (٢)
ك - تَحَوُّل الْبَدَوِيِّ إِلَى حَضَرِيٍّ:
١٣ - إِذَا اسْتَوْطَنَ الْبَدَوِيُّ الْحَاضِرَةَ أَصْبَحَ مِنْ أَهْلِهَا، وَسَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْحَضَرِ.
_________
(١) المجموع ٩ / ٢٥ ط المنيرية، والمغني ٨ / ٥٨٥ ط الرياض
(٢) المغني ٧ / ٥٢٧ الطبعة الثالثة
بَذْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبَذْرُ لُغَةً: إِلْقَاءُ الْحَبِّ فِي الأَْرْضِ لِلزِّرَاعَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَصْدَرُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُبْذَرُ، فَيَكُونُ مِنْ إِطْلاَقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُول. (١) وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ عَنْ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الأَْصْل فِي إِلْقَاءِ الْبَذْرِ فِي الأَْرْضِ لِلزِّرَاعَةِ الإِْبَاحَةُ فِيمَا هُوَ مُبَاحَةٌ زِرَاعَتُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢)
فَالآْيَةُ تَدُل عَلَى إِبَاحَةِ الزَّرْعِ مِنْ جِهَةِ الاِمْتِنَانِ بِهِ. وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا بِقَصْدِ التَّصَدُّقِ لِقَوْلِهِ ﷺ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُل مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلاَّ
_________
(١) لسان العرب، والكليات في مادة " بذر "، وطلبة الطلبة ص ٢٠، والفتاوى البزازية - بهامش الفتاوى الهندية ٦ / ٨٨
(٢) سورة الواقعة / ٦٣ـ ٦٥
كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ (١) . وَقَدْ يَكُونُ، وَاجِبًا إِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ. وَقَدْ يَكُونُ إِلْقَاءُ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْبُذُورِ حَرَامًا، مِثْل إِلْقَاءِ حَبٍّ لِزَرْعٍ يَضُرُّ بِالنَّاسِ، كَالْحَشِيشَةِ وَالأَْفْيُونِ؛ لأَِنَّ هَذَا وَمَا يُمَاثِلُهُ يُؤَدِّي إِلَى الضَّرَرِ وَفِعْل الْحَرَامِ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْحَرَامِ فَهُوَ حَرَامٌ (٢) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنِ الْبَذْرِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالزَّكَاةِ وَالْغَصْبِ فِي مَوَاطِنَ مُعَيَّنَةٍ:
فَمِنَ الْمُزَارَعَةِ: تَعْيِينُ مَنْ عَلَيْهِ الْبَذْرُ فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ لِصِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ أَوْ فَسَادِهَا، عِنْدَ مَنِ اعْتَبَرَهَا مِنَ الْفُقَهَاءِ، كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٣) وَلُزُومُ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ بِوَضْعِ الْبَذْرِ فِي الأَْرْضِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَةِ (٤) .
وَمِنَ الزَّكَاةِ: مَسْأَلَةُ الْخَارِجِ مِنَ الزَّارِعَةِ بِشُرُوطِهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ (٥) .
_________
(١) حديث: " ما من مسلم يغرس غرسا. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣ - ط السلفية)
(٢) ابن عابدين ٢ / ٤٢٤، ٣ / ١٦٥ - ١٦٦
(٣) ابن عابدين ٥ / ١٧٦، الهداية ٤ / ٤، وجواهر الإكليل٢ / ٢٤، ٢٥، ٣٦، وقليوبي وعميرة ٣ / ٦١، والمغني ٥ / ٣٣٨ ط السعودية
(٤) ابن عابدين ٥ / ١٧٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١٢٣، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٧٢
(٥) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٥ والإقناع ١ / ٢٥٧ - ٢٥٨