الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ . (١)
مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تُجَاهَ أَهْل الْبِدْعَةِ:
٣٥ - يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُولِي الأَْمْرِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَأْمُرُوا أَهْل الْبِدَعِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحُضُّوهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالإِْقْلاَعِ عَنِ الْبِدْعَةِ وَالْبُعْدِ عَنْهَا. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) .
٣٦ - مَرَاحِل الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ لِمَنْعِ الْبِدْعَةِ:
أ - التَّعْرِيفُ بِبَيَانِ الصَّوَابِ مِنَ الْخَطَأِ بِالدَّلِيل.
ب - الْوَعْظُ بِالْكَلاَمِ الْحَسَنِ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيل رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ . (٤)
ج - التَّعْنِيفُ وَالتَّخْوِيفُ مِنَ الْعِقَابِ الدُّنْيَوِيِّ وَالأُْخْرَوِيِّ، بَيَانُ أَحْكَامِ ذَلِكَ فِي أَمْرِ بِدْعَتِهِ.
_________
(١) سورة آل عمران / ١٠٠.
(٢) سورة آل عمران / ١٠٤
(٣) سورة التوبة / ٧١.
(٤) سورة النحل / ١٢٥.
د - الْمَنْعُ بِالْقَهْرِ، مِثْل كَسْرِ الْمَلاَهِي وَتَمْزِيقِ الأَْوْرَاقِ وَفَضِّ الْمَجَالِسِ.
هـ - التَّخْوِيفُ وَالتَّهْدِيدُ بِالضَّرْبِ الَّذِي يَصِل إِلَى التَّعْزِيرِ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِلإِْمَامِ (١) أَوْ بِإِذْنِهِ؛ لِئَلاَّ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا ضَرَرٌ أَكْبَرُ مِنْهَا. وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) .
مُعَامَلَةُ الْمُبْتَدِعِ وَمُخَالَطَتُهُ:
٣٧ - إِذَا كَانَ الْمُبْتَدِعُ غَيْرَ مُجَاهِرٍ بِبِدْعَتِهِ يُنْصَحُ، وَلاَ يُجْتَنَبُ وَلاَ يُشَهَّرُ بِهِ، لِحَدِيثِ الرَّسُول ﷺ: مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ. (٢)
وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُجَاهِرًا بِشَيْءٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ مِنَ الْبِدَعِ الاِعْتِقَادِيَّةِ أَوِ الْقَوْلِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّةِ - وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ يُسَنُّ هَجْرُهُ، وَقَدِ اشْتَهَرَ هَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تُجَالِسُوا أَهْل الْقَدَرِ، وَلاَ تُفَاتِحُوهُمْ (٣) وَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ
_________
(١) إحياء علوم الدين ٢ / ٣٠٦، ٣١٥، وفتاوى ابن تيمية ٢٨ / ٢١٩، والسياسة الشرعية ص ١٠٢.
(٢) حديث: " من ستر مسلما ستره الله " أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٦ - ط الحلبي) .
(٣) حديث: " لا تجالسوا أهل القدر ولا. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٨٤ - ط عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة. (عون المعبود ٤ / ٣٦٥ - نشر دار الكتاب العربي) .
أَحَبَّ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلْيَعْتَزِل مُخَالَطَةَ الشَّيْطَانِ وَمُجَالَسَةَ أَصْحَابِ الأَْهْوَاءِ، فَإِنَّ مَجَالِسَهُمْ أَلْصَقُ مِنَ الْحَرْبِ (١) .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: لاَ تُجَالِسُوا أَهْل الْقَدَرِ وَلاَ تُنَاكِحُوهُمْ.
وَعَنْ أَبِي قِلاَبَةَ " لاَ تُجَالِسُوا أَهْل الأَْهْوَاءِ، فَإِنِّي لاَ آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلاَلاَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُونَ " (٢) وَقَدْ هَجَرَ أَحْمَدُ مَنْ قَالُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. (٣)
قَال ابْنُ تَيْمِيَةَ: يَنْبَغِي لأَِهْل الْخَيْرِ وَالدِّينِ أَنْ يَهْجُرُوا الْمُبْتَدِعَ حَيًّا وَمَيِّتًا، إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَفٌّ لِلْمُجْرِمِينَ، فَيَتْرُكُوا تَشْيِيعَ جِنَازَتِهِ. (٤)
إِهَانَةُ الْمُبْتَدِعِ:
٣٨ - صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِجَوَازِ إِهَانَةِ الْمُبْتَدِعِ بِعَدَمِ الصَّلاَةِ خَلْفَهُ، أَوْ الصَّلاَةِ عَلَى جِنَازَتِهِ، وَكَذَلِكَ لاَ يُعَادُ إِذَا مَرِضَ، عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ.
بَدَلٌ
انْظُرْ: إِبْدَال
_________
(١) الاعتصام للشاطبي ١ / ٢٧٨ ط المعرفة.
(٢) الاعتقاد على مذاهب السلف ص ١١٨.
(٣) الآداب الشرعية ١ / ٢٥٨ - ٢٦١، والاعتقاد على مذاهب السلف ص١١٧.
(٤) الفتاوى لابن تيمية ٢٨ / ١٧ - ١٨
بَدَنَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبَدَنَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الإِْبِل خَاصَّةً، وَيُطْلَقُ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، وَالْجَمْعُ الْبُدْنُ. وَسُمِّيَتْ بَدَنَةً لِضَخَامَتِهَا.
قَال فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ: وَالْبَدَنَةُ قَالُوا: هِيَ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ، وَزَادَ الأَْزْهَرِيُّ: أَوْ بَعِيرٌ ذَكَرٌ. قَال: وَلاَ تُطْلَقُ الْبَدَنَةُ عَلَى الشَّاةِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْبَدَنَةُ اسْمٌ تَخْتَصُّ بِهِ الإِْبِل، إِلاَّ أَنَّ الْبَقَرَةَ لَمَّا صَارَتْ فِي الشَّرِيعَةِ فِي حُكْمِ الْبَدَنَةِ قَامَتْ مَقَامَهَا، وَذَلِكَ لِمَا قَال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (١) فَصَارَ الْبَقَرُ فِي حُكْمِ الْبُدْنِ مَعَ تَغَايُرِهِمَا لِوُجُودِ الْعَطْفِ بَيْنَهُمَا، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ. (٢)
_________
(١) حديث: جابر بن عبد الله: " نحرنا مع رسول الله ﷺ. . " أخرجه مسلم (٢ / ٩٥٥ - ط الحلبي) .
(٢) الفروق في اللغة ص ٣٠٠ بيروت، والمصباح المنير، والمغرب مادة: " بدن ".
وَمَعَ هَذَا فَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ " الْبَدَنَةَ " عَلَى الإِْبِل وَالْبَقَرِ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
تَتَعَلَّقُ بِالْبُدْنِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ مِنْهَا:
أ - بَوْل الْبُدْنِ وَرَوْثُهَا:
٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَجَاسَةِ بَوْل وَرَوْثِ الْحَيَوَانِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُؤْكَل لَحْمُهُ أَمْ لاَ، وَمِنَ الْحَيَوَانِ: الْبُدْنُ. لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا جِيءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَنْجِيَ بِهَا، أَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَدَّ الرَّوْثَةَ، وَقَال: هَذَا رِكْسٌ (٢) وَالرِّكْسُ: النَّجَسُ.
وَأَمَّا نَجَاسَةُ الْبَوْل فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْل، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ (٣) حَيْثُ يَدْخُل فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الأَْبْوَال.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى طَهَارَةِ بَوْل وَرَوْثِ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ، لأَِنَّهُ ﷺ أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِإِبِل الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا (٤) وَالنَّجَسُ لاَ يُبَاحُ شُرْبُهُ، وَلأَِنَّهُ ﷺ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٠٠
(٢) حديث: " هذا ركس " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٢٥٦ - ط السلفية) .
(٣) حديث: " تنزهوا من البول. . . " أخرجه الدارقطني (١ / ١٢٧ـ ط شركة الطباعة الفنية) من طريقين، وقال: لا بأس به
(٤) حديث: " أن النبي ﷺ أمر العرنين. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٣٣٥ - ط السلفية) . ومسلم (٣ / ١٢٩٦ - ط الحلبي) .
كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَأَمَرَ بِالصَّلاَةِ فِيهَا. (١)
ب - نَقْضُ الْوُضُوءِ:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ أَكْل لَحْمِ الْجَزُورِ - وَهُوَ لَحْمُ الإِْبِل - لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ لاَ مِمَّا دَخَل (٢)، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ قَال: كَانَ آخِرُ الأَْمْرَيْنِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ (٣) وَلأَِنَّهُ مَأْكُولٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَأْكُولاَتِ.
وَهَذَا الْقَوْل مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي طَلْحَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ، وَبِهِ قَال جُمْهُورُ التَّابِعِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢١٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٥١، ومغني المحتاج ١ / ٧٩، وكشاف القناع ١ / ١٩٤. وحديث: " أن النبي ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤١ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " الوضوء مما خرج لا مما دخل. . . " أخرجه الدارقطني (١ / ١٥١ - ط شركة الطباعة الفنية) وقال ابن حجر: وفي إسناده الفضل بن المختار، وهو ضعيف جدا، ونقل عن ابن عدي أنه قال: الأصل في هذا الحديث أنه موقوف
(٣) حديث جابر: " كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار " أخرجه أبو داود (١ / ١٣٣ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه ابن خزيمة (١ / ٢٨ - ط المكتب الإسلامي)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ أَكْل لَحْمِ الْجَزُورِ عَلَى كُل حَالٍ، نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا.
وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى. وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو طَلْحَةَ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى تَرْجِيحِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الإِْبِل، فَقَال: تَوَضَّئُوا مِنْهَا، وَسُئِل عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، فَقَال: لاَ يُتَوَضَّأُ مِنْهَا (١) وَبِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الإِْبِل، وَلاَ تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ. (٢)
أَمَّا أَلْبَانُ الإِْبِل، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِشُرْبِهَا:
إِحْدَاهُمَا: يُنْقَضُ الْوُضُوءُ؛ لِمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ
_________
(١) حديث: " سئل عن لحوم الإبل ولحوم الغنم. . " أخرجه أبو دواد (١ / ١٢٨ - ط عزت عبيد دعاس) وابن خزيمة (١ / ٢٢ - ط المكتب الإسلامي) . وقال: لم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه
(٢) حديث: " توضئوا من لحوم الإبل. . . . " أخرجه ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (١ / ١٦٦) وفي إسناده بقية بن الوليد وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة، ورجاله ثقات، وخالد بن عمر مجهول الحال
حُضَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الإِْبِل وَأَلْبَانِهَا. (١)
وَالثَّانِيَةُ: لاَ وُضُوءَ فِيهِ؛ لأَِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي اللَّحْمِ، وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْل صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ. (٢)
ج - سُؤْرُ الْبَدَنَةِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِ الْبَدَنَةِ، وَسَائِرِ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَلاَ كَرَاهَةَ فِي أَسْآرِهَا مَا لَمْ تَكُنْ جَلاَّلَةً. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ سُؤْرَ مَا أُكِل لَحْمُهُ يَجُوزُ شُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ بِهِ. (٣)
د - الصَّلاَةُ فِي أَعْطَانِ الإِْبِل وَمَرَابِضِ الْبَقَرِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ فِي مَعَاطِنِ الإِْبِل. وَقَدْ أَلْحَقَ الْحَنَفِيَّةُ بِالإِْبِل الْبَقَرَ فِي الْكَرَاهَةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْبَقَرَ كَالْغَنَمِ فِي
_________
(١) حديث: توضئوا من لحوم الإبل وألبانها رواه أحمد (٤ / ٣٥٢ - ط الميمنية) وابن ماجه (١ / ١٦٦ - ط الحلبي) وقال البوصيري: إسناده ضعيف لضعف حجاج بن أرطأة وتدليسه.
(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٤٧ - ٤٨، وحاشية الدسوقي ١ / ١٢٣، وشرح الروض ١ / ٥٥، والمجموع ٢ / ٥٧ وما بعدها، والمغني ١ / ١٨٧، ١٩٠، وكشاف القناع ١ / ١٣٠
(٣) المغني ١ / ٥٠ وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٧
جَوَازِ الصَّلاَةِ فِي مَرَابِضِهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ فِي أَعْطَانِ الإِْبِل، وَهِيَ: مَا تُقِيمُ فِيهِ وَتَأْوِي إِلَيْهِ. أَمَّا مَوَاضِعُ نُزُولِهَا فِي سَيْرِهَا فَلاَ بَأْسَ بِالصَّلاَةِ فِيهِ. (١)
هـ - الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ:
٦ - تُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ فِي حَالَتَيِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، وَفِي الأُْضْحِيَّةِ، وَفِي فِعْل بَعْضِ الْمَحْظُورَاتِ أَوْ تَرْكِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ حَال الإِْحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَتَجِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بَدَنَةٌ كَامِلَةٌ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ إِذَا طَافَتَا.
كَمَا تَجِبُ بَدَنَةٌ كَامِلَةٌ إِذَا قَتَل الْمُحْرِمُ صَيْدًا كَبِيرًا، كَالزَّرَافَةِ وَالنَّعَامَةِ، عَلَى التَّخْيِيرِ الْمُفَصَّل فِي مَوْضِعِهِ.
وَتَجِبُ أَيْضًا عَلَى مَنْ جَامَعَ حَال الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَبْل التَّحَلُّل الأَْصْغَرِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ التَّالِيَةِ: (إِحْرَام، وَحَجّ، وَهَدْي، وَصَيْد) .
وَالْهَدْيُ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ سُنَّةٌ، وَلاَ يَجِبُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ. وَيَكُونُ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ،
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٥٤ - ٢٥٥، وحاشية الدسوقي ١ / ١٨٨ - ١٨٩، ومغني المحتاج ١ / ٢٠٣، وكشاف القناع ١ / ٢٩٤ - ٢٩٥
وَلاَ يُجْزِئُ إِلاَّ الثَّنِيُّ مِنَ الإِْبِل، وَهُوَ مَا كَمَّل خَمْسَ سِنِينَ وَدَخَل فِي السَّادِسَةِ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ ﷺ أَهْدَى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِائَةَ بَدَنَةٍ (١) . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَا يُهْدِيهِ سَمِينًا حَسَنًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢) فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِالاِسْتِسْمَانِ وَالاِسْتِحْسَانِ. وَيُسْتَحَبُّ تَقْلِيدُ الْبَدَنَةِ فِي الْهَدْيِ (٣) .
وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حَجّ، وَهَدْي، وَإِحْرَام، وَقِرَان، وَتَمَتُّع) .
ز - ذَكَاةُ الْبَدَنَةِ:
٨ - تَخْتَصُّ الإِْبِل - وَمِنْهَا الْبَدَنَةُ - بِالنَّحْرِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى سُنِّيَّةِ نَحْرِ الإِْبِل. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ نَحْرِهَا، وَأَلْحَقُوا بِهَا الزَّرَافَةَ.
وَأَمَّا ذَبْحُهَا، فَقَدْ قَال بِجَوَازِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَكَرِهَهُ الْحَنَفِيَّةُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ أَبِي السُّعُودِ عَنِ الدِّيرِيِّ.
_________
(١) حديث: " أنه ﷺ أهدى في حجة الوداع مائة بدنة " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٥٧ - ط السلفية)
(٢) سورة الحج / ٣٢.
(٣) ابن عابدين ٢ / ٢٩٤، والدسوقي ٢ / ٨٢ وما بعدها، وشرح الروض ١ / ٥٣٢، ما بعدها، وكشاف القناع ٢ / ٥٢٩، وما بعدها. وتقليد البدنة هو: وضع علامة في رقبتها ليعلم أنها هدي