الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
حُرُمَاتِ الْبَيْتِ، وَذَلِكَ فِي رَجُلٍ وُجِدَ فِي بَيْتِ رَجُلٍ بَعْدَ الْعَتَمَةِ مُلَفَّفًا، فَضَرَبَهُ عُمَرُ مِائَةَ جَلْدَةٍ (١) .
وَكَمَا يَحْرُمُ الدُّخُول بِلاَ اسْتِئْذَانٍ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى دَاخِل الْبُيُوتِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ (٢)
إِبَاحَةُ دُخُول الْبَيْتِ:
١١ - أَبَاحَ اللَّهُ عَدَمَ الاِسْتِئْذَانِ فِي كُل بَيْتٍ لاَ يَسْكُنُهُ أَحَدٌ، فَقَال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ (٣) ذَلِكَ لأَِنَّ الْعِلَّةَ فِي الاِسْتِئْذَانِ إِنَّمَا هِيَ لأَِجْل خَوْفِ الاِطِّلاَعِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِذَا زَالَتِ الْعِلَّةُ زَال الْحُكْمُ (٤) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (اسْتِئْذَان) .
_________
(١) مصنف عبد الرزاق ٧ / ٤٠١.
(٢) حديث: " لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٤٣) ط السلفية. ومسلم (٣ / ١٦٩٩) ط عيسى البابي، واللفظ للبخاري.
(٣) سورة النور / ٢٩.
(٤) والمراد بالمتاع جميع الانتفاع، لأن الداخل فيها إنما هو لما له من الانتفاع، ويكون المراد بالبيوت غير المسكونة المدارس لطلب العلم، والفنادق والدكان، والخلاء، وكل يؤتى على وجهه من بابه (تفسير القرطبي ١٢ / ٢٢١) .
وَلاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْذَنَ فِي بَيْتِهَا إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، أَوْ بِغَلَبَةِ ظَنِّهَا بِأَنَّهُ يَرْضَى بِذَلِكَ لِحَاجَةٍ مَشْرُوعَةٍ (١) لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يَحِل لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَلاَ تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ. (٢)
دُعَاءُ دُخُول الْمَرْءِ بَيْتَهُ، وَدُعَاءُ الْخُرُوجِ مِنْهُ:
١٢ - مِنَ الآْدَابِ الَّتِي سَنَّهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ الدُّعَاءُ عِنْدَ دُخُول الْبَيْتِ وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ. مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَال: بِاسْمِ اللَّهِ، وَتَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِل، أَوْ أُضَل، أَوْ أَزِل أَوْ أُزَل، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَل أَوْ يُجْهَل عَلَيَّ. (٣)
وَجَاءَ فِي دُعَاءِ دُخُول الْبَيْتِ مَا رَوَاهُ أَبُو مَالِكٍ الأَْشْعَرِيُّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا وَلَجَ الرَّجُل بَيْتَهُ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ، وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِاسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا، وَبِاسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا
_________
(١) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٥٨، وشرح فتح القدير ٤ / ٤٠٧.
(٢) حديث: " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا. . . . " أخرجه البخاري في صحيحه (الفتح ٥ / ٢٩٥) ط السلفية.
(٣) حديث: " كان إذا خرج من بيته قال بسم الله وتوكلت على الله. . " أخرجه أبو داود (٥ / ٣٢٧) ط عبيد الدعاس. والترمذي (٥ / ٤٩٠) ط مصطفى البابي. وقال: حسن صحيح.
تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ. (١)
صَلاَةُ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ الْفَرِيضَةَ فِي الْبَيْتِ:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ أَدَاءِ صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ فِي الْبَيْتِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الرَّجُل يَأْثَمُ إِنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ مُنْفَرِدًا فِي الْبَيْتِ، مَعَ صِحَّةِ صَلاَتِهِ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الرِّجَال الأَْحْرَارِ الْقَادِرِينَ عَلَيْهَا، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، مَعَ اتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلاَةِ، إِلاَّ عَلَى قَوْل ابْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ صَلاَةَ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِ مُنْفَرِدًا فِي الْبَيْتِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَل مِنْ صَلاَةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ
_________
(١) حديث: " إذا ولج الرجل بيته. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٣٢٨) ط عبيد الدعاس. وفي سنده انقطاع بين شرح ابن عبيد الحضرمي وبين أبي مالك راوي الحديث، فالحديث ضعيف انظر (تهذيب التهذيب ٤ / ٣٢٨ـ ٣٢٩) ط دار صادر.
وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (١) وَفِي رِوَايَةٍ: بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً.
أَمَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَإِنَّ صَلاَتَهُنَّ فِي الْبَيْتِ أَفْضَل؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ (٢) وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: صَلاَةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلاَتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهَا فِي بَيْتِهَا (٣) وَعَنْ أُمِّ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّةِ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الصَّلاَةَ مَعَكَ، فَقَال ﷺ: قَدْ عَلِمْتُ. وَصَلاَتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلاَةٌ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلاَتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاَتُكِ فِي
_________
(١) حديث: " صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٣١) ط السلفية. ومسلم (١ / ٤٤٩) ط عيسى البابي الحلبي واللفظ له.
(٢) حديث أم سلمة: " خير مساجد النساء. . " أخرجه أحمد (٦ / ٢٩٧ـ ط الميمنية) . نقل المناوي في الفيض عن الذهبي أنه قال: إسناده صويلح. فيض القدير (٣ / ٤٩١ - ط المكتبة التجارية) .
(٣) حديث: " صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها. . " أخرجه أبو داود (١ / ٣٨٣) ط عبيد الدعاس. قال النووي في المجموع (٤ / ١٩٨ ط إدارة الطباعة المنيرية) رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم.
مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ. (١)
قَال النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْذَنَ لِزَوْجَتِهِ فِي شُهُودِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلاَتٌ. (٢) أَيْ تَارِكَاتٌ لِلطِّيبِ. وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْل إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ. (٣)
غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ حُضُورُ جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى خُرُوجِهَا مِنَ الْبَيْتِ وَحُضُورِهَا الْجَمَاعَةَ فِتْنَةٌ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ يَأْثَمُ. وَحُمِل النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى نَهْيِ التَّنْزِيهِ؛ لأَِنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي مُلاَزَمَةِ الْبَيْتِ وَاجِبٌ، فَلاَ
_________
(١) حديث: " أم حميد. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٣٧١ - ط الميمنية) . وحسنه ابن حجر كما في نيل الأوطار (٣ / ١٦١ - ط دار الجيل) .
(٢) حديث: " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن. . . . " أخرجه أبو داود (١ / ٣٨١) ط عبيد الدعاس. وقال النووي في المجموع (٤ / ١٩٩) ط إدارة الطباعة المنيرية: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. والشطر الأول منه أخرجه مسلم (١ / ٣٢٧) ط عيسى الحلبي.
(٣) حديث: " إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٤٧) ط السلفية. ومسلم (١ / ٣٢٧) ط عيسى البابي الحلبي.
تَتْرُكُهُ لِلْفَضِيلَةِ (١) .
صَلاَةُ النَّافِلَةِ فِي الْبَيْتِ (٢):
١٤ - مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُصَلَّى النَّوَافِل فِي الْبَيْتِ. فَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَل صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ. (٣) وَوَجْهُ أَفْضَلِيَّتِهَا: أَنَّ الصَّلاَةَ فِي الْبَيْتِ أَقْرَبُ إِلَى الإِْخْلاَصِ، وَأَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْسْرَارِ بِالْعَمَل الصَّالِحِ، وَهُوَ أَفْضَل مِنَ الإِْعْلاَنِ بِهِ.
وَقَدْ جَاءَ تَعْلِيل أَدَاءِ النَّافِلَةِ فِي الْبَيْتِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ، وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا (٤) فَالْبَيْتُ الَّذِي لاَ يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، وَلاَ تُقَامُ فِيهِ الصَّلاَةُ، يَكُونُ كَالْقَبْرِ الْخَرِبِ. بَل مِنَ الْخَيْرِ أَنْ يَجْعَل الْمَرْءُ نَصِيبًا مِنْ صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، حَتَّى يُعَمِّرَهُ بِالذِّكْرِ
_________
(١) روضة الطالبين ١ / ٣٤١، والشرح الصغير ١ / ٤٢٤، والاختيار ١ / ٥٧، وكشاف القناع ١ / ٤٥٥، والمجموع ٤ / ١٨٩، ١٩٩.
(٢) المجموع ٣ / ٤٩١.
(٣) حديث: " صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة. . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢١٤) ط السلفية. وانظر المغني لابن قدامة ٢ / ١٤١.
(٤) حديث: " اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٦٢) ط السلفية. ومسلم (١ / ٥٣٨) ط عيسى البابي الحلبي.
وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ ﷾. وَجَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلاَةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَل لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلاَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلاَتِهِ خَيْرًا (١) .
الاِعْتِكَافُ فِي الْبَيْتِ:
١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمَعْزُول الْمُهَيَّأُ الْمُتَّخَذُ لِلصَّلاَةِ فِي الْبَيْتِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا كَذَلِكَ. مُسْتَدِلِّينَ بِالأَْثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُئِل عَنِ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا - أَيْ نَذَرَتْ - أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، فَقَال: بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ الْبِدَعُ، فَلاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلاَةُ وَلأَِنَّ مَسْجِدَ الْبَيْتِ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلاَ حُكْمًا. وَلَوْ جَازَ لَفَعَلَتْهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ مَرَّةً، تَبْيِينًا لِلْجَوَازِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا؛ لأَِنَّ مَوْضِعَ الاِعْتِكَافِ فِي حَقِّهَا هُوَ
_________
(١) حديث: " إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته. . . " أخرجه مسلم (١ / ٥٣٩) ط عيسى البابي الحلبي.
الْمَوْضِعُ الَّذِي تَكُونُ صَلاَتُهَا فِيهِ أَفْضَل، كَمَا فِي حَقِّ الرَّجُل، وَصَلاَتُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا أَفْضَل، فَكَانَ مَوْضِعُ الاِعْتِكَافِ مَسْجِدَ بَيْتِهَا. كَمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهَا فِي الْبَيْتِ إِلَى نَفْسِ الْبَيْتِ. كَمَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ (١) .
حُكْمُ الْحَلِفِ عَلَى سُكْنَى الْبَيْتِ:
١٦ - لَوْ حَلَفَ لاَ يَسْكُنُ بَيْتًا، وَلاَ نِيَّةَ لَهُ، فَسَكَنَ بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ أَوْ فُسْطَاطًا أَوْ خَيْمَةً، لَمْ يَحْنَثْ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الأَْمْصَارِ، وَحَنِثَ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْبَادِيَةِ؛ لأَِنَّ الْبَيْتَ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ يُبَاتُ فِيهِ، وَالْيَمِينُ تَتَقَيَّدُ بِمَا عُرِفَ مِنْ مَقْصُودِ الْحَالِفِ، وَأَهْل الْبَادِيَةِ يَسْكُنُونَ الْبُيُوتَ الْمُتَّخَذَةَ مِنَ الشَّعْرِ، فَإِذَا كَانَ الْحَالِفُ بَدَوِيًّا يَحْنَثُ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْل الأَْمْصَارِ (٢) .
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٣٠٩، والشرح الصغير ١ / ٧٢٥، والمجموع ٦ / ٤٨٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٥٢.
(٢) المبسوط للسرخسي ٨ / ١٦٧ (ر: المساكنة) .
الْبَيْتُ الْحَرَامُ
١ - يُطْلَقُ الْبَيْتُ الْحَرَامُ عَلَى الْكَعْبَةِ، وَسَمَّى اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فِي مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿جَعَل اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (١)
وَيُقَال لِلْكَعْبَةِ أَيْضًا: بَيْتُ اللَّهِ، إِعْظَامًا لَهَا وَتَشْرِيفًا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢) وَيُطْلَقُ عَلَى: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَعَلَى حَرَمِ مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا إِلَى الأَْعْلاَمِ الْمَعْرُوفَةِ (٣) .
٢ - وَالْبَيْتُ الْحَرَامُ أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ فِي الأَْرْضِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ
_________
(١) سورة المائدة / ٩٧.
(٢) سورة الحج / ٢٦.
(٣) القرطبي ٨ / ١٠٤ في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ الآية من سورة التوبة / ٢٨. ودستور العلماء ٢ / ٣٠، ٣١، وإعلام الساجد للزركشي ص ٥٨، ٥٩، وتفسير القرطبي ٤ / ١٣٧ وما بعدها لقوله تعالى ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة﴾ سورة آل عمران / ٩٧، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٥٧، ١٥٨.
لِلنَّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةِ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَْرْضِ قَال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ (٢)
وَلِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ كُلٍّ مِنَ الْكَعْبَةِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ر: (الْكَعْبَة. الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) .
بَيْتُ الْخَلاَءِ.
انْظُرْ: قَضَاءُ الْحَاجَةِ.
_________
(١) سورة آل عمران / ٩٦.
(٢) حديث أبي ذر قال: " سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد. . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٤١٧ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٧٠ ط الحلبي) .