الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ زَمَنٍ يَسَعُ الْكُل. وَفَرَّقُوا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ؛ إِذْ يَجِبُ فِعْلُهَا لِمَنْ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ؛ لأَِنَّ السَّبَبَ فِيهَا الْجُزْءُ الْمُتَّصِل بِأَدَائِهَا، فَوُجِدَتِ الأَْهْلِيَّةُ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَالسَّبَبُ فِيهِ الْجُزْءُ الأَْوَّل وَالأَْهْلِيَّةُ مُنْعَدِمَةٌ فِيهِ، وَبِهَذَا عَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ.
هَذَا وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمُغْنِي أَنَّ الأَْوْزَاعِيَّ كَانَ يَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا بَلَغَ أَثْنَاءَ شَهْرِ رَمَضَانَ، يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الأَْيَّامِ الَّتِي سَبَقَتْ بُلُوغَهُ مِنَ الشَّهْرِ، إِنْ كَانَ قَدْ أَفْطَرَهَا، وَهُوَ خِلاَفُ مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ. (١)
رَابِعًا: الزَّكَاةُ:
٣٥ - اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِهَا؛ لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمَال.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَجِبُ؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَلْزَمُ الشَّخْصَ الْمُكَلَّفَ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّكْلِيفِ. فَعَلَى هَذَا إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَبْدَأُ حَوْل زَكَاتِهِ مِنْ حِينِ بُلُوغِهِ، إِنْ كَانَ يَمْلِكُ نِصَابًا. أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ: فَالْحَوْل الَّذِي بَدَأَ قَبْل الْبُلُوغِ مُمْتَدٌّ بَعْدَهُ.
_________
(١) المراجع السابقة
وَعِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ كَذَلِكَ يَلْزَمُ الصَّبِيَّ إِذَا بَلَغَ رَاشِدًا أَدَاءُ الزَّكَاةِ، لِمَا مَضَى مِنَ الأَْعْوَامِ، مُنْذُ دَخَل الْمَال فِي مِلْكِهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيُّهُ يُخْرِجُ عَنْهُ الزَّكَاةَ. (١)
أَمَّا إِنْ بَلَغَ سَفِيهًا، فَاسْتَمَرَّ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُؤَدِّيهَا بِنَفْسِهِ لاِشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، وَلاَ يَقُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي ذَلِكَ. قَالُوا: غَيْرَ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْقَاضِي إِلَيْهِ قَدْرَ الزَّكَاةِ لِيُفَرِّقَهَا، لَكِنْ يَبْعَثُ مَعَهُ أَمِينًا، كَيْ لاَ يَصْرِفَهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهَا، بِخِلاَفِ النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَى السَّفِيهِ لأَِقَارِبِهِ مَثَلًا، فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَتَوَلَّى دَفْعَهَا لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا. (٢)
أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَدْ قَال الرَّمْلِيُّ: لاَ يُفَرِّقُ السَّفِيهُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ إِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ، وَعَيَّنَ الْمَدْفُوعَ لَهُ، صَحَّ صَرْفُهُ، كَمَا يَجُوزُ لِلأَْجْنَبِيِّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَفْرِيقُهُ الزَّكَاةَ بِحَضْرَةِ الْوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ؛ لاِحْتِمَال تَلَفِ الْمَال لَوْ خَلاَ بِهِ السَّفِيهُ، أَوْ دَعْوَاهُ صَرْفَهَا كَاذِبًا. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِ الْوَلِيِّ يُخْرِجُهَا أَوْ يُؤَخِّرُهَا إِلَى الرُّشْدِ. (٣)
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ كَلاَمِهِمْ.
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٤، والمغني ٢ / ٦٢٢، والزرقاني ٢ / ١٤١.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٩٤، وفتح القدير والعناية ٨ / ١٩٨.
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٣٦١.
خَامِسًا: الْحَجُّ:
٣٦ - إِذَا حَجَّ الصَّغِيرُ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، هِيَ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَلاَ تُجْزِئُهُ الْحَجَّةُ الَّتِي حَجَّهَا قَبْل الْبُلُوغِ. نَقَل الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجَدِّدَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ عَهْدًا: أَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ قَبْل أَنْ يَعْتِقَ فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ، وَإِنْ عَتَقَ قَبْل أَنْ يَمُوتَ فَلْيَحُجَّ، وَأَيُّمَا غُلاَمٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ قَبْل أَنْ يُدْرِكَ، فَقَدْ قَضَى حَجَّتَهُ، وَإِنْ بَلَغَ فَلْيَحْجُجْ (١)، وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَعَلَهَا قَبْل وَقْتِ الْوُجُوبِ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَهَا عَلَيْهِ فِي وَقْتِهَا. قَال الرَّمْلِيُّ: وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ الْحَجَّ وَظِيفَةُ الْعُمُرِ، لاَ تَكْرَارَ فِيهِ، فَاعْتُبِرَ وُقُوعُهُ فِي حَالَةِ الْكَمَال. (٢)
٣٧ - إِذَا بَلَغَ الْمُرَاهِقُ (أَوِ الْمُرَاهِقَةُ) وَهُوَ مُحْرِمٌ بَعْدَ أَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ، فَإِنْ كَانَ بُلُوغُهُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، أَوْ قَبْل الْوُقُوفِ، أَوْ كَانَ بُلُوغُهُ بَعْدَ
_________
(١) حديث: " أيما مملوك حج به أهله فمات. . . " أخرجه الشافعي (بدائع المنن ١ / ٢٩٠ - ط دار الأنوار) والطحاوي (٢ / ٢٥٧ - ط مطبعة الأنوار المحمدية)، موقوفا على ابن عباس، وصححه ابن حجر في الفتح (٤ / ٧٠ - ط السلفية) .
(٢) المغني ٣ / ٢٤٨، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٣٣، وشرح فتح القدير ٢ / ٣٣٢.
الْوُقُوفِ، وَلَكِنْ رَجَعَ فَوَقَفَ بِعَرَفَاتٍ قَبْل الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَتَمَّ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، فَهَل تُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ؟
مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ، وَلاَ يُجَدِّدُ لِحَجَّتِهِ تِلْكَ إِحْرَامًا، لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال: إِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ، فَإِنْ عَتَقَ بِجَمْعٍ - يَعْنِي الْمُزْدَلِفَةَ - لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَحْرَمَ غَيْرُهُ مِنَ الْبَالِغِينَ الأَْحْرَارِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ إِذَا أَتَمَّ مَنَاسِكَهُ، فَكَذَلِكَ مَنْ بَلَغَ بِعَرَفَةَ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ بِشَرْطِ أَنْ يُجَدِّدَ إِحْرَامًا بَعْدَ بُلُوغِهِ قَبْل الْوُقُوفِ، فَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ إِحْرَامًا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لأَِنَّ إِحْرَامَهُ انْعَقَدَ نَفْلًا، فَلاَ يَنْقَلِبُ فَرْضًا. قَالُوا: وَالإِْحْرَامُ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا لِلْحَجِّ إِلاَّ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالرُّكْنِ، فَاعْتَبَرْنَا شَبَهَ الرُّكْنِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ - كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ - أَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ دَمًا، أَيْ لأَِنَّهُ كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ أَصْلًا. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ إِحْرَامَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ. وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى إِحْرَامِهِ
الَّذِي احْتَلَمَ فِيهِ، وَلاَ يُجْزِئْهُ مِنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. (١)
٣٨ - إِذَا تَجَاوَزَ الصَّبِيُّ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، ثُمَّ بَلَغَ، فَأَحْرَمَ مِنْ مَكَانٍ دُونَ الرُّجُوعِ إِلَى الْمِيقَاتِ: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ؛ لأَِنَّهُ كَالْمَكِّيِّ وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمِيقَاتِ دَمًا؛ لأَِنَّهُ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ دُونَ إِحْرَامٍ. (٢)
سَادِسًا: خِيَارُ الْبُلُوغِ:
تَخْيِيرُ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فِي الصِّغَرِ:
٣٩ - يَرَى أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الصَّغِيرَ أَوِ الصَّغِيرَةَ - وَلَوْ ثَيِّبًا - إِنْ زَوَّجَهُمَا غَيْرُ الأَْبِ وَالْجَدِّ، كَالأَْخِ أَوِ الْعَمِّ، مِنْ كُفْءٍ وَبِمَهْرِ الْمِثْل، صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَكِنْ لَهُمَا خِيَارُ الْفَسْخِ بِالْبُلُوغِ، إِذَا عَلِمَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ قَبْل الْبُلُوغِ أَوْ عِنْدَهُ، أَوْ عَلِمَا بِالنِّكَاحِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، بِأَنْ بَلَغَا وَلَمْ يَعْلَمَا بِهِ ثُمَّ عَلِمَا بَعْدَهُ، فَإِنِ
_________
(١) المغني ٣ / ٢٤٨، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٣٣، والأم ٢ / ١٣٠، ومختصر المزني ١ / ٧٠، وشرح فتح القدير وحواشيه ٢ / ٣٣٢، والمدونة ١ / ٣٨١.
(٢) شرح فتح القدير ٣ / ٢٧٣، والفتاوى الهندية ١ / ٢١٧، والمدونة ١ / ٣٨٠، ٣٨١، والأم للشافعي ٢ / ١٣٠، والمغني ٣ / ٢٦٨.
اخْتَارَ الْفَسْخَ لاَ يَتِمُّ الْفَسْخُ إِلاَّ بِالْقَضَاءِ؛ لأَِنَّ فِي أَصْلِهِ ضَعْفًا، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْقَضَاءِ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ خِيَارَ لَهُمَا، اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ زَوَّجَهُمَا الأَْبُ وَالْجَدُّ، وَيَبْطُل خِيَارُ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ لَوْ مُخْتَارَةً عَالِمَةً بِأَصْل النِّكَاحِ، وَلاَ يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ مَجْلِسِ بُلُوغِهَا أَوْ عِلْمِهَا بِالنِّكَاحِ. أَيْ إِذَا بَلَغَتْ وَهِيَ عَالِمَةٌ بِالنِّكَاحِ، أَوْ عَلِمَتْ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهَا، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْفَسْخِ فِي حَال الْبُلُوغِ أَوِ الْعِلْمِ، فَلَوْ سَكَتَتْ - وَلَوْ قَلِيلًا - بَطَل خِيَارُهَا، وَلَوْ قَبْل تَبَدُّل الْمَجْلِسِ. وَكَذَا لاَ يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ مَجْلِسِ بُلُوغِهَا أَوْ عِلْمِهَا بِالنِّكَاحِ، بِأَنْ جَهِلَتْ بِأَنَّ لَهَا خِيَارَ الْبُلُوغِ، أَوْ بِأَنَّهُ لاَ يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ مَجْلِسِ بُلُوغِهَا، فَلاَ تُعْذَرُ بِدَعْوَى جَهْلِهَا أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ؛ لأَِنَّ الدَّارَ دَارُ إِسْلاَمٍ، فَلاَ تُعْذَرُ بِالْجَهْل، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَال مُحَمَّدٌ: إِنَّ خِيَارَهَا يَمْتَدُّ إِلَى أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ لَهَا خِيَارًا،
وَخِيَارُ الصَّغِيرِ إِذَا بَلَغَ وَالثَّيِّبُ - سَوَاءٌ أَكَانَتْ ثَيِّبًا فِي الأَْصْل، أَوْ كَانَتْ بِكْرًا، ثُمَّ دَخَل بِهَا، ثُمَّ بَلَغَتْ - لاَ يَبْطُل بِالسُّكُوتِ بِلاَ صَرِيحِ الرِّضَا، أَوْ دَلاَلَةٍ عَلَى الرِّضَا، كَقُبْلَةٍ وَلَمْسٍ وَدَفْعِ مَهْرٍ، وَلاَ يَبْطُل بِقِيَامِهَا عَنِ الْمَجْلِسِ؛ لأَِنَّ وَقْتَهُ الْعُمُرُ،
فَيَبْقَى الْخِيَارُ حَتَّى يُوجَدَ الرِّضَا. (١)
وَإِذَا زَوَّجَ الْقَاضِي صَغِيرَةً مِنْ كُفْءٍ، وَكَانَ أَبُوهَا أَوْ جَدُّهَا فَاسِقًا، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ. (٢)
٤٠ - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِذَا عَقَدَ لِلصَّغِيرِ وَلِيُّهُ - أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - عَلَى شُرُوطٍ شُرِطَتْ حِينَ الْعَقْدِ، وَكَانَتْ تَلْزَمُ إِنْ وَقَعَتْ مِنْ مُكَلَّفٍ - كَأَنِ اشْتَرَطَ لَهَا فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ إِنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَهِيَ، أَوِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا طَالِقٌ - أَوْ زَوَّجَ الصَّغِيرُ نَفْسَهُ بِالشُّرُوطِ وَأَجَازَهَا وَلِيُّهُ، ثُمَّ بَلَغَ وَكَرِهَ بَعْدَ بُلُوغِهِ تِلْكَ الشُّرُوطَ - وَالْحَال أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل بِهَا، لاَ قَبْل الْبُلُوغِ وَلاَ بَعْدَهُ - عَالِمًا بِهَا، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْتِزَامِهَا وَثُبُوتِ النِّكَاحِ، وَبَيْنَ عَدَمِ الْتِزَامِهَا وَفَسْخِ النِّكَاحِ بِطَلاَقٍ، وَمَحَل ذَلِكَ مَا لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ بِإِسْقَاطِ الشُّرُوطِ.
وَالصَّغِيرَةُ فِي هَذَا حُكْمُهَا حُكْمُ الصَّغِيرِ. وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ (الْوِلاَيَةِ) مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. (٣)
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار مع الحاشية ٢ / ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٩، ٣١٠، ٣١١ ط دار إحياء التراث العربي ببيروت، وجامع الفصولين ١ / ٢٨، ٢٩، وأنفع الوسائل إلى تحرير المسائل للطرسوسي ص ١٤، ١٥ مطبعة الشرق.
(٢) جمع الفصولين ١ / ٢٩، طبعة أولى بالمطبعة الأزهرية.
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٤١، ٢٤٢، والخرشي على مختصر خليل ٣ / ١٩٩.
وَإِنْ زَوَّجَ الصَّغِيرُ نَفْسَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، فَلِوَلِيِّهِ فَسْخُ عَقْدِهِ بِطَلاَقٍ، لأَِنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ، غَايَةُ الأَْمْرِ أَنَّهُ غَيْرُ لاَزِمٍ. وَقَال ابْنُ الْمَوَّازِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِذَا لَمْ يُرِدِ الْوَلِيُّ نِكَاحَ الصَّبِيِّ - وَالْحَال أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي رَدِّهِ - حَتَّى كَبِرَ وَخَرَجَ مِنَ الْوِلاَيَةِ جَازَ النِّكَاحُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِل النَّظَرُ إِلَيْهِ فَيُمْضِيَ أَوْ يَرُدَّ، وَمُفَادُهُ أَنَّ لِلصَّغِيرِ حَقَّ الاِخْتِيَارِ بَعْدَ بُلُوغِهِ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ (الْوِلاَيَةِ) .
٤١ - وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الصَّغِيرَ إِذَا زَوَّجَهُ أَبُوهُ امْرَأَةً مَعِيبَةً بِعَيْبٍ صَحَّ النِّكَاحُ، وَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ - إِذَا بَلَغَ - وَلاَ يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ لأَِنَّهُ خِلاَفُ الْغِبْطَةِ. (٢)
وَالصَّغِيرُ إِنْ زَوَّجَهُ أَبُوهُ مَنْ لاَ تُكَافِئُهُ، فَفِي الأَْصَحِّ أَنَّ نِكَاحَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَائِزٌ؛ لأَِنَّ الرَّجُل لاَ يَتَعَيَّرُ بِاسْتِفْرَاشِ مَنْ لاَ تُكَافِئُهُ، وَلَكِنْ لَهُ الْخِيَارُ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ وِلاَيَةُ مَصْلَحَةٍ، وَلَيْسَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي تَزْوِيجِهِ مِمَّنْ لاَ تُكَافِئُهُ. (٣)
وَإِنْ زَوَّجَ الأَْبُ أَوِ الْجَدُّ الصَّغِيرَةَ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ؛ لِوُقُوعِ النِّكَاحِ
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٤١.
(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٢٥٥ ط المكتبة الإسلامية بالرياض.
(٣) نهاية المحتاج ٦ / ٢٥٦.
عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ صَحِيحًا عَلَى خِلاَفِ الأَْظْهَرِ، وَالنَّقْصُ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ يَقْتَضِي الْخِيَارَ. وَعَلَى الأَْظْهَرِ: التَّزْوِيجُ بَاطِلٌ. (١)
٤٢ - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الأَْبِ تَزْوِيجُ الصَّغِيرَةِ، فَإِنْ زَوَّجَهَا الأَْبُ فَلاَ خِيَارَ لَهَا، وَإِنْ زَوَّجَهَا غَيْرُ الأَْبِ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: يَصِحُّ تَزْوِيجُ غَيْرِ الأَْبِ، وَتُخَيَّرُ إِذَا بَلَغَتْ، كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيل: تُخَيَّرُ إِذَا بَلَغَتْ تِسْعًا. فَإِنْ طَلُقَتْ قَبْلَهُ وَقَعَ الطَّلاَقُ وَبَطَل خِيَارُهَا. وَكَذَا يَبْطُل خِيَارُهَا إِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ أَنْ تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ وَلَمْ تُخَيَّرْ. (٢)
وَلَيْسَ لِوَلِيِّ صَغِيرٍ تَزْوِيجُهُ بِمَعِيبَةٍ بِعَيْبٍ يُرَدُّ بِهِ فِي النِّكَاحِ، وَكَذَا لَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ تَزْوِيجُهَا بِمَعِيبٍ بِعَيْبٍ يُرَدُّ بِهِ فِي النِّكَاحِ؛ لِوُجُوبِ نَظَرِهِ لَهُمَا بِمَا فِيهِ الْحَظُّ وَالْمَصْلَحَةُ، وَلاَ حَظَّ لَهُمَا فِي هَذَا الْعَقْدِ، فَإِنْ فَعَل وَلِيُّ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَالْمُكَلَّفَةِ بِأَنْ زَوَّجَهُ بِمَعِيبٍ يُرَدُّ بِهِ - عَالِمًا بِالْعَيْبِ - لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ عَقَدَ لَهُمَا عَقْدًا لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْوَلِيُّ أَنَّهُ مَعِيبٌ صَحَّ الْعَقْدُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْفَسْخُ إِذَا عَلِمَ. وَهَذَا خِلاَفًا لِمَا وَرَدَ فِي الْمُنْتَهَى فِيمَا يُوهِمُ إِبَاحَةَ الْفَسْخِ، وَمِنَ الْحَنَابِلَةِ مَنْ قَال:
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ٢٤٩.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ١٨٥ ط مكتبة دار العروبة ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ٥ / ١٣٩.
لاَ يُفْسَخُ، وَيُنْتَظَرُ الْبُلُوغُ لاِخْتِيَارِهِمَا. (١)
وَتَفْصِيل مَا ذُكِرَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي بَابِ (النِّكَاحِ، وَالْوِلاَيَةِ) .
سَابِعًا - انْتِهَاءُ الْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ بِالْبُلُوغِ:
٤٣ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: تَنْتَهِي الْوِلاَيَةُ عَلَى النَّفْسِ بِالنِّسْبَةِ لِوِلاَيَةِ الإِْنْكَاحِ فِي الْحُرَّةِ بِالتَّكْلِيفِ (الْبُلُوغِ وَالْعَقْل) فَيَصِحُّ نِكَاحُ حُرَّةٍ مُكَلَّفَةٍ بِلاَ رِضَى وَلِيٍّ، وَتَتَرَتَّبُ الأَْحْكَامُ مِنْ طَلاَقٍ وَتَوَارُثٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَتَنْتَهِي الْحَضَانَةُ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ بِبُلُوغِهَا بِمَا تَبْلُغُ بِهِ النِّسَاءُ مِنَ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ، وَيَضُمُّهَا الأَْبُ إِلَى نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا الْفَسَادَ، لَوْ كَانَتْ حَدِيثَةَ السِّنِّ، وَالأَْخُ وَالْعَمُّ كَذَلِكَ عِنْدَ فَقْدِ الأَْبِ مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا مِنْهُمَا، فَيَنْظُرُ الْقَاضِي امْرَأَةً ثِقَةً فَتُسَلَّمُ إِلَيْهَا، وَتَنْتَهِي وِلاَيَةُ الأَْبِ عَلَى الأُْنْثَى إِذَا كَانَتْ مُسِنَّةً، وَاجْتَمَعَ لَهَا رَأْيٌ، فَتَسْكُنُ حَيْثُ أَحَبَّتْ حَيْثُ لاَ خَوْفَ عَلَيْهَا، وَإِنْ ثَيِّبًا لاَ يَضُمُّهَا إِلاَّ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَأْمُونَةً عَلَى نَفْسِهَا، فَلِلأَْبِ وَالْجَدِّ الضَّمُّ، لاَ لِغَيْرِهِمَا كَمَا فِي الاِبْتِدَاءِ.
وَتَنْتَهِي وِلاَيَةُ الأَْبِ عَلَى الْغُلاَمِ إِذَا بَلَغَ وَعَقَل وَاسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ، إِلاَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا عَلَى
_________
(١) المغني ٦ / ٤٨٩، ٤٩٠، ٥٣٦، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ٥ / ١٥٤.