الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 31

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

الأَْرْبَابِ فِي الْخَرَاجِ؛ لأَِنَّ الْبُغَاةَ مُقَاتِلَةٌ، وَهُمْ مَصْرِفُ الْخَرَاجِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَكَذَلِكَ فِي الْعُشْرِ إِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ، أَمَّا إِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ فَقَدْ أَفْتَوْا بِالإِْعَادَةِ، وَذَلِكَ فِي زَكَاةِ الأَْمْوَال كُلِّهَا (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَادَ بَلَدُ الْبُغَاةِ إِلَى أَهْل الْعَدْل، فَادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى أَهْل الْبَغْيِ قُبِل قَوْلُهُ. وَفِي اسْتِحْلاَفِهِ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَال أَحْمَدُ: لاَ يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ.

وَإِنِ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ؛ لأَِنَّهَا عِوَضٌ، فَلَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ، كَالْمُسْتَأْجِرِ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الأُْجْرَةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُحْتَمَل قَبُول قَوْلِهِمْ إِذَا مَضَى الْحَوْل؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبُغَاةَ لاَ يَدَّعُونَ الْجِزْيَةَ لَهُمْ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُمْ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُمْ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا مَضَى لِذَلِكَ سُنُونَ كَثِيرَةٌ شَقَّ عَلَيْهِمْ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مُدَّعِيهِمْ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى تَغْرِيمِهِمُ الْجِزْيَةَ مَرَّتَيْنِ.

وَإِنِ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ أَنَّهُ دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَل قَوْلُهُ؛ لأَِنَّهُ مُسْلِمٌ، فَقُبِل قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ لِمَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ. وَالثَّانِي: لاَ يُقْبَل؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ ثَمَنٌ أَوْ أُجْرَةٌ، فَلَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالأُْجْرَةِ فِي الإِْجَارَةِ (٢) .

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٤١٣.

(٢) المهذب ٢ / ٢٢١.

وَيَصِحُّ تَفْرِيقُهُمْ سَهْمَ الْمُرْتَزِقَةِ عَلَى جُنُودِهِمْ؛ لاِعْتِقَادِهِمُ التَّأْوِيل الْمُحْتَمَل، فَأَشْبَهَ الْحَكَمَ بِالاِجْتِهَادِ؛ وَلِمَا فِي عَدَمِ الاِعْتِدَادِ بِهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالرَّعِيَّةِ؛ وَلأَِنَّ جُنْدَهُمْ مِنْ جُنْدِ الإِْسْلاَمِ، وَرُعْبُ الْكُفَّارِ قَائِمٌ بِهِمْ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الزَّكَاةُ مُعَجَّلَةً أَمْ لاَ، وَاسْتَمَرَّتْ شَوْكَتُهُمْ عَلَى وُجُوبِهَا أَمْ لاَ، وَقِيل: لاَ يُعْتَدُّ بِتَفْرِقَتِهِمْ لِئَلاَّ يَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَيْنَا (١)، وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ ذِمِّيًّا فَهُوَ كَالْجِزْيَةِ؛ لأَِنَّهُ عِوَضٌ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ (٢) .

ب - قَضَاءُ الْبُغَاةِ وَحُكْمُ نَفَاذِهِ:

٣٦ - لَوْ ظَهَرَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ فَوَلَّوْا فِيهِ قَاضِيًا مِنْ أَهْلِهِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ صَحَّ اتِّفَاقًا، وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْحُدُودَ. أَمَّا إِنْ كَانَ مِنْهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ أَهْل الْعَدْل عَلَى هَذَا الْبَلَدِ، فَرُفِعَتْ أَقْضِيَتُهُ إِلَى قَاضِي أَهْل الْعَدْل نَفَذَ مِنْهَا مَا هُوَ عَدْلٌ، وَكَذَا مَا قَضَاهُ بِرَأْيِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ؛ لأَِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِرَأْيِ قَاضِي أَهْل الْعَدْل (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْبَاغِي مُتَأَوِّلًا، وَأَقَامَ قَاضِيًا، فَحَكَمَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ، وَلاَ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ، بَل تُحْمَل عَلَى الصِّحَّةِ، وَيَرْتَفِعُ بِهَا

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٥، والمغني٨ / ١١٩.

(٢) المغني ٨ / ١١٩، وكشاف القناع ٦ / ١٦٦.

(٣) الفتح ٤ / ٤١٦، والبدائع ٧ / ١٤٢، والمغني ٨ / ١١٩.

الْخِلاَفُ. قَال الْمَوَّاقُ: هَذَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. أَمَّا غَيْرُ الْمُتَأَوِّل فَأَحْكَامُهُ تُتَعَقَّبُ. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ يَجُوزُ قَضَاؤُهُمْ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُ دِمَاءَ أَهْل الْعَدْل وَأَمْوَالَهُمْ لَمْ تَنْفُذْ أَحْكَامُهُ؛ لأَِنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ الْعَدَالَةَ وَالاِجْتِهَادَ، وَهَذَا لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلاَ مُجْتَهِدٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَسْتَبِيحُ ذَلِكَ نَفَذَ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ حُكْمِ أَهْل الْعَدْل؛ لأَِنَّ لَهُمْ تَأْوِيلًا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ، فَلَمْ يُنْقَضْ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَسُوغُ الاِجْتِهَادُ فِيهِ؛ وَلأَِنَّهُ اخْتِلاَفٌ فِي الْفُرُوعِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَفْسُقْ كَاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ، وَإِذَا حَكَمَ بِمَا لاَ يُخَالِفُ إِجْمَاعًا نَفَذَ حُكْمُهُ، وَإِنْ خَالَفَ الإِْجْمَاعَ نُقِضَ، وَإِنْ حَكَمَ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ أَهْل الْبَغْيِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَال الْحَرْبِ جَازَ حُكْمُهُ؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ قَبْل الْحَرْبِ لَمْ يَنْفُذْ؛ لأَِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلإِْجْمَاعِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَى أَهْل الْعَدْل بِالضَّمَانِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَال الْحَرْبِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلإِْجْمَاعِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ نَفَذَ حُكْمُهُ (٢) .

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٠، التاج والإكليل ٦ / ٢٧٩، الشرح الصغير ٤ / ٤٣٠، ومنح الجليل ١ / ٣٣٦.

(٢) المهذب ٢ / ٢٢١، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٤، والمغني ٨ / ١١٩ - ٢٢٠.

ج - كِتَابُ قَاضِي الْبُغَاةِ إِلَى قَاضِي أَهْل الْعَدْل:

٣٧ - لاَ يَقْبَل قَاضِي أَهْل الْعَدْل كِتَابَ قَاضِي الْبُغَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ فَسَقَةٌ (١) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِمْ إِلَيْنَا بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي الأَْصَحِّ، وَيُسْتَحَبُّ عَدَمُ تَنْفِيذِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ، اسْتِخْفَافًا بِهِمْ حَيْثُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. فَإِنْ قَبِلَهُ جَازَ؛ لأَِنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، فَجَازَ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِ، كَقَاضِي أَهْل الْعَدْل؛ لأَِنَّهُ حُكْمٌ وَالْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِهِ. بَل لَوْ كَانَ الْحُكْمُ لِوَاحِدٍ مِنَّا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَالْمُتَّجَهُ وُجُوبُ التَّنْفِيذِ. وَقِيل: لاَ يَجُوزُ اعْتِبَارُ كِتَابِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْلاَءٍ لِمَنْصِبِهِ (٢) .

وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا، لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْقَاضِي الَّذِي يُقْبَل كِتَابُهُ: الْعَدَالَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَ تَوَلَّى الْقَضَاءَ مِنْ قِبَل الْوَالِي الْمُتَغَلِّبِ أَوْ مِنْ قِبَل الْكَافِرِ، رِعَايَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، مِمَّا يُفِيدُ جَوَازَ قَبُول كِتَابِ قَاضِي أَهْل الْبَغْيِ (٣) .

د - إِقَامَتُهُمْ لِلْحَدِّ، وَوُجُوبُهُ عَلَيْهِمْ:

٣٨ - الْحَدُّ الَّذِي يُقِيمُهُ إِمَامُ أَهْل الْبَغْيِ يَقَعُ

_________

(١) الفتح ٤ / ٤١٦، والبدائع ٧ / ١٤٢.

(٢) المهذب ٢ / ٢٢١، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٨٤، والمغني ٨ / ١٢٠، وكشاف القناع ٦ / ١٦٦.

(٣) التاج والإكليل٦ / ١٤٣.

مَوْقِعَهُ، وَيَكُونُ مُجْزِئًا، وَلاَ يُعَادُ ثَانِيًا عَلَى الْمَحْدُودِ إِنْ كَانَ غَيْرَ قَتْلٍ، وَلاَ دِيَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ قَتْلًا، لأَِنَّ عَلِيًّا ﵁ قَاتَل أَهْل الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يُلْغِ مَا فَعَلُوهُ؛ لأَِنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، فَوَجَبَ إِمْضَاؤُهُ، وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْقَاضِي الَّذِي أَقَامَهُ إِمَامُ أَهْل الْبَغْيِ مِنْ أَهْل الْبَلَدِ الَّتِي تَغَلَّبُوا عَلَيْهَا، وَلَيْسَ مِنَ الْبُغَاةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ وَأَجْزَأَ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، وَكَانُوا امْتَنَعُوا بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْحَدَّ لاَ يَجِبُ؛ إِذِ الْفِعْل لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا أَصْلًا لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ دَارِ الإِْسْلاَمِ؛ لِعَدَمِ الْوِلاَيَةِ عَلَى مَكَانِ وُقُوعِ الْجَرِيمَةِ وَقْتَ وُقُوعِهَا. وَلَوْ رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا. وَعَلَى هَذَا لَوْ تَغَلَّبْنَا عَلَيْهِمْ لاَ يُقَامُ. وَلَوْ كَانُوا أَقَامُوهُ فَإِنَّهُ لاَ تَجِبْ إِعَادَتُهُ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ أَصْلًا (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا ارْتَكَبُوا حَال امْتِنَاعِهِمْ مَا يُوجِبُ حَدًّا، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ - وَلَمْ يَكُنْ أُقِيمَ الْحَدُّ - أُقِيمَتْ فِيهِمْ حُدُودُ اللَّهِ،

_________

(١) الشرح الصغير ٤ / ٤٣٠، والتاج والإكليل ٦ / ٢٧٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٠، والمهذب ٢ / ٢٢١، والمغني ٨ / ١١٨.

(٢) الفتح ٤ / ١١٥، ١١٦، والبدائع ٧ / ١٣١.

وَلاَ تَسْقُطُ الْحُدُودُ بِاخْتِلاَفِ الدَّارِ. وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمُنْذِرِ لِعُمُومِ الآْيَاتِ وَالأَْخْبَارِ؛ وَلأَِنَّ كُل مَوْضِعٍ تَجِبُ فِيهِ الْعِبَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا تَجِبُ الْحُدُودُ فِيهِ عِنْدَ وُجُودِ أَسْبَابِهَا كَدَارِ أَهْل الْعَدْل؛ وَلأَِنَّهُ زَانٍ أَوْ سَارِقٌ لاَ شُبْهَةَ فِي زِنَاهُ وَسَرِقَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الْعَدْل (١) .

شَهَادَةُ الْبُغَاةِ:

٣٩ - الأَْصْل قَبُول شَهَادَتِهِمْ. فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى قَبُول شَهَادَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ إِنْ كَانُوا عُدُولًا فِي أَهْوَائِهِمْ، إِلاَّ بَعْضَ الرَّافِضَةِ كَالْخَطَّابِيَّةِ، وَمَنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُ تُكَفِّرُ، أَوْ كَانَ صَاحِبَ عَصَبِيَّةٍ، أَوْ فِيهِ مَجَانَةٌ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لاَ تُقْبَل لِكُفْرِهِ وَلِفِسْقِهِ (٢) .

وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: تُقْبَل شَهَادَةُ الْبُغَاةِ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُبْتَدِعِينَ، وَلاَ تُقْبَل إِذَا كَانُوا مُبْتَدِعِينَ وَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الأَْدَاءِ (٣) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَل شَهَادَةُ الْبُغَاةِ لِتَأْوِيلِهِمْ، إِلاَّ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَشْهَدُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ، فَلاَ تُقْبَل حِينَئِذٍ لِبَعْضِهِمْ (٤) .

_________

(١) المغني ٨ / ١٢٠.

(٢) البدائع ٦ / ٢٦٩.

(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ١٦٥، والتبصرة ٢ / ١٩٦.

(٤) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٤.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْبُغَاةُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل الْبِدَعِ لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ يُخْطِئُونَ فِي تَأْوِيلِهِمْ، فَهُمْ كَالْمُجْتَهِدِينَ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَدْلًا. وَنُقِل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ يَفْسُقُونَ بِالْبَغْيِ وَخُرُوجِهِمْ عَلَى الإِْمَامِ، وَلَكِنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ؛ لأَِنَّ فِسْقَهُمْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ فَلاَ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ (١) .

بَغْيٌ

انْظُرْ: بُغَاة

_________

(١) المغني ٨ / ١١٧ - ١١٨.

بَقَرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْبَقَرُ: اسْمُ جِنْسٍ. قَال ابْنُ سِيدَهْ: وَيُطْلَقُ عَلَى الأَْهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ، وَعَلَى الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، وَوَاحِدُهُ بَقَرَةٌ، وَقِيل: إِنَّمَا دَخَلَتْهُ الْهَاءُ لأَِنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ. وَالْجَمْعُ: بَقَرَاتٌ، وَقَدْ سَوَّى الْفُقَهَاءُ الْجَامُوسَ بِالْبَقَرِ فِي الأَْحْكَامِ، وَعَامَلُوهُمَا كَجِنْسٍ وَاحِدٍ (١) .

زَكَاةُ الْبَقَرِ:

٢ - زَكَاةُ الْبَقَرِ وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.

أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَوْ وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ - أَوْ كَمَا حَلَفَ - مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ أَتَى بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا

_________

(١) المصباح المنير ولسان العرب والقاموس المحيط في المادة.

حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ. (١) وَمَا رَوَى النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، وَمِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُل ثَلاَثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُل أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً. (٢)

وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الأَْنْعَامِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، وَالْبَقَرُ صِنْفٌ مِنَ الأَْنْعَامِ، فَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِيهَا كَالإِْبِل وَالْغَنَمِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْخِلاَفُ فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ كَمَا سَيَأْتِي (٣) .

شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ:

٣ - يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ شُرُوطٌ عَامَّةٌ تَفْصِيلُهَا فِي الزَّكَاةِ، وَهُنَاكَ شُرُوطٌ خَاصَّةٌ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:

اشْتِرَاطُ السَّوْمِ:

٤ - الْمُرَادُ بِالسَّوْمِ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ: أَنْ تَرْعَى الْمَاشِيَةُ أَكْثَرَ أَيَّامِ السَّنَةِ فِي كَلأٍَ مُبَاحٍ، سَوَاءٌ

_________

(١) حديث: " والذي نفسي بيده. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٢٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٦٨٦ـ ط الحلبي) .

(٢) حديث: " بعث معاذا إلى اليمن. . . " أخرجه النسائي (٥ / ٢٦ـ ط المكتبة التجارية) والحاكم (١ / ٣٩٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

(٣) المغني لابن قدامة٢ / ٥٩١.

أَكَانَتْ تَرْعَى بِنَفْسِهَا أَمْ بِرَاعٍ يَرْعَاهَا، هَذَا وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ السَّوْمُ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، وَمِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْمَاشِيَةِ الْبَقَرُ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا السَّوْمُ أَيْضًا، وَأَمَّا الْبَقَرُ الْعَوَامِل وَالْمَعْلُوفَةُ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا؛ لاِنْتِفَاءِ السَّوْمِ.

وَقَال الإِْمَامُ مَالِكٌ: لاَ يُشْتَرَطُ السَّوْمُ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ، فَالْبَقَرُ الْعَوَامِل وَالْمَعْلُوفَةُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ عِنْدَهُ.

اسْتَدَل الإِْمَامُ مَالِكٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِالإِْطْلاَقِ فِي الأَْحَادِيثِ الْمُوجِبَةِ لِزَكَاةِ الْبَقَرِ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ، وَعَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ أَحَدُ أُصُول الْمَالِكِيَّةِ (١) .

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِاشْتِرَاطِ السَّوْمِ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَال الرَّاوِي أَحْسَبُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَدَقَةِ الْبَقَرِ قَال: وَلَيْسَ فِي الْعَوَامِل شَيْءٌ (٢)، وَأَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِل شَيْءٌ (٣) وَقَدْ حَمَل الْجُمْهُورُ النُّصُوصَ الْمُطْلَقَةَ فِي

_________

(١) الدسوقي ١ / ٤٣٢، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٧٦.

(٢) حديث: " ليس في العوامل شيء " أخرجه أبو داود (٢ / ٢٢٩ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث علي بن أبي طالب وحسنه النووي كما في نصب الراية (٢ / ٣٢٨ - ط المجلس العلمي) .

(٣) حديث: " ليس في البقر العوامل شيء. . . " أخرجه الدارقطني (٢ / ١٠٣ - ط شركة الطباعة الفنية) وأعله الزيلعي بأن فيه غالب بن عبيد الله، قال ابن معين: لا يحتج به. (نصب الراية٢ / ٣٩٠ - ط المجلس العلمي) .