الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨ الصفحة 24

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨

لِلإِْجَارَةِ، لاَ تُمْلَكُ الأُْجْرَةُ وَيَجِبُ رَدُّهَا؛ لأَِنَّ أَخْذَهَا حَرَامٌ، وَتُعْتَبَرُ مِنْ أَكْل الأَْمْوَال بِالْبَاطِل. (١)

وَلاَ يُمْلَكُ الاِسْتِمْتَاعُ بِالْبُضْعِ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي النِّكَاحِ الْبَاطِل. (٢)

وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُل الْعُقُودِ الْبَاطِلَةِ عَلَى وَجْهِ الإِْجْمَال، مَعَ تَفْصِيلاَتٍ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا. لَكِنَّ وُجُودَ الْعَقْدِ الْبَاطِل كَصُورَةٍ قَدْ يُنْتِجُ أَثَرًا، وَذَلِكَ إِذَا حَدَثَ فِيهِ تَسْلِيمٌ وَامْتَنَعَ الرَّدُّ لِلْفَوَاتِ، فَهَل يَكُونُ فِيهِ الضَّمَانُ أَوْ لاَ يَكُونُ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

الضَّمَانُ:

٢٦ - رَغْمَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ لاَ يُفَرِّقُونَ فِي قَوَاعِدِهِمُ الْعَامَّةِ بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ إِلاَّ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الأَْحْكَامِ نَجِدُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا.

وَالضَّمَانُ مِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

فِي قَاعِدَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ كُل عَقْدٍ اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالْبَيْعِ فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ يَقْتَضِي الضَّمَانَ، وَإِنِ اقْتَضَى صَحِيحُهُ عَدَمَ الضَّمَانِ كَالْقِرَاضِ فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ لاَ يَقْتَضِي الضَّمَانَ.

لَكِنَّ عَدَمَ اقْتِضَاءِ الضَّمَانِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ

_________

(١) أشباه ابن نجيم ص ٣٣٧، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٥٩، ومنح الجليل ٣ / ٧٧٨، وقليوبي ٣ / ٨٦.

(٢) المغني ٦ / ٤٥٦، والبدائع ٢ / ٣٣٥، ومنح الجليل٢ / ٩.

الْقَبْضُ صَحِيحًا، بِأَنْ كَانَ الإِْذْنُ فِي قَبْضِهِ صَادِرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَيَكُونُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحِيحًا، وَحِينَئِذٍ فَلاَ ضَمَانَ مَعَ فَسَادِ الْقَبْضِ.

أَمَّا إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِذْنٌ أَصْلًا، أَوْ صَدَرَ وَلَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، لِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، أَوْ فِي ظِل الإِْكْرَاهِ، فَإِنَّ الْقَبْضَ يَكُونُ بَاطِلًا، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الضَّمَانُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ صَحِيحُهُ لاَ ضَمَانَ فِيهِ، أَمْ كَانَ فِيهِ الضَّمَانُ.

جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: فَاسِدُ كُل عَقْدٍ صَدَرَ مِنْ رَشِيدٍ كَصَحِيحِهِ، فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ إِنِ اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالْبَيْعِ وَالإِْعَارَةِ فَفَاسِدُهُ أَوْلَى.

وَإِنِ اقْتَضَى صَحِيحُهُ عَدَمَ الضَّمَانِ كَالرَّهْنِ، وَالْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ ثَوَابٍ، وَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ لاَ يَقْتَضِي الضَّمَانَ. (١)

وَمِثْل ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الْجَمَل وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ. (٢)

٢٧ - وَاعْتِبَارُ عَدَمِ الضَّمَانِ مَعَ الْبُطْلاَنِ فِي عُقُودِ التَّصَرُّفَاتِ وَالأَْمَانَاتِ لِوُجُودِ الإِْذْنِ الصَّادِرِ مِنْ أَهْلِهِ، وَالضَّمَانِ إِنْ كَانَ الإِْذْنُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، هُوَ

_________

(١) نهاية المحتاج ٥ / ٢٢٨، ٢٢٩، ٤ / ٢٧٤، ٢٧٥، والجمل على المنهج ٣ / ٥١٧، وأشباه السيوطي / ٣٠٩ ط عيسى الحلبي، وأسنى المطالب ٤ / ٤٧٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٢٦، والمغني ٤ / ٤٢٥ و٥ / ٧٣، والقواعد لابن رجب / ٦٧ و١٥٣

(٢) الجمل على شرح المنهج ٣ / ٢٩١.

أَيْضًا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، مَعَ الاِخْتِلاَفِ فِيمَنْ يُعْتَبَرُ أَهْلًا لِلإِْذْنِ، وَمَنْ لاَ يُعْتَبَرُ كَالسَّفِيهِ، وَمَعَ الاِخْتِلاَفِ أَيْضًا فِي الْعُقُودِ الْمَضْمُونَةِ فِي صَحِيحِهَا، أَوْ غَيْرِ الْمَضْمُونَةِ كَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ. (١)

وَيَعْتَبِرُ أَبُو حَنِيفَةَ الْمَبِيعَ فِي الْبَيْعِ الْبَاطِل إِذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي أَمَانَةً، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ هَلَكَ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ إِذَا بَطَل بَقِيَ مُجَرَّدُ الْقَبْضِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَهُوَ لاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي، وَالْقَائِلُونَ بِالضَّمَانِ يُعَلِّلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ أَدْنَى مِنَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ. (٢)

وَيُفَرِّقُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ بَيْنَ مَا قُبِضَ عَلَى جِهَةِ التَّمَلُّكِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا، وَمَا قُبِضَ عَلَى جِهَةِ الأَْمَانَةِ فَلاَ ضَمَانَ فِيهِ.

جَاءَ فِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: كُل مَبِيعٍ فَاسِدٍ قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ قَبْضًا مُسْتَمِرًّا بَعْدَ بَتِّ الْبَيْعِ فَضَمَانُهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ؛ لأَِنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى جِهَةِ التَّمَلُّكِ، لاَ عَلَى جِهَةِ الأَْمَانَةِ. (٣)

وَمِثْل ذَلِكَ فِي الشَّرِكَةِ: لَوِ اشْتَرَكَ مَنْ لاَ يُعْتَبَرُ

_________

(١) القواعد والفوائد الأصولية ص ١١٢، والهداية ٤ / ١٣٤، وأشباه ابن نجيم ص ٣٣٧، وجامع أحكام الصغار ١ / ١٧٢، والبدائع ٥ / ١٧٣، وفتح القدير والعناية والكفاية عليه ٥ / ٤٩٠، وابن عابدين ٤ / ٤٠.

(٢) ابن عابدين ٤ / ١٠٥، البدائع ٥ / ٣٠٥، وينظر جامع الفصوليين٢ / ٨١.

(٣) الفواكه الدواني٢ / ١٢٩.

إِذْنُهُ، كَصَبِيٍّ غَيْرِ مَأْذُونٍ أَوْ سَفِيهٍ، فَلاَ ضَمَانَ. (١)

أَثَرُ الْبُطْلاَنِ فِي النِّكَاحِ:

٢٨ - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ، وَيُتَابِعُهُمُ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ النِّكَاحِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ عِنْدَهُمْ. إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُعَبِّرُونَ عَنِ النِّكَاحِ غَيْرِ الصَّحِيحِ بِالْبَاطِل أَحْيَانًا، وَبِالْفَاسِدِ أَحْيَانًا أُخْرَى. وَيُرِيدُونَ بِهِمَا مَا قَابَل الصَّحِيحَ.

لَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِالْفَاسِدِ مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، كَالنِّكَاحِ بِدُونِ شُهُودٍ، حَيْثُ يُجِيزُ الْمَالِكِيَّةُ الْعَقْدَ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ الإِْشْهَادَ قَبْل الدُّخُول، وَيُجِيزُهُ أَيْضًا أَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ. وَكَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ، وَالنِّكَاحِ بِدُونِ وَلِيٍّ، حَيْثُ يُجِيزُهُمَا الْحَنَفِيَّةُ. وَكَنِكَاحِ الشِّغَارِ يُصَحِّحُهُ الْحَنَفِيَّةُ وَيُلْغُونَ الشَّرْطَ، وَيُوجِبُونَ مَهْرَ الْمِثْل لِكُلٍّ مِنَ الْمَرْأَتَيْنِ.

وَيَقْصِدُونَ بِالْبَاطِل: مَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، كَنِكَاحِ الْخَامِسَةِ، أَوِ الْمُتَزَوِّجَةِ مِنَ الْغَيْرِ، أَوِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا، أَوْ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ. (٢)

_________

(١) الدسوقي ٣ / ٣٤٨.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٣٣٥، وفتح القدير ٤ / ١٤٧، وابن عابدين ٢ / ٣٥٠، ٣٥١، ٦٠٧، ٦٠٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٤١ - ٢٤٨، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨٥، ومنح الجليل ٢ / ٤٩ـ ٥٢، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٢٠، والمهذب ٢ / ٣٦، ٦٣، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٧، ١٤٨، المغني ٦ / ٤٥٤ـ ٤٥٦، ومنتهى الإرادات ٣ / ٨٢، ٨٣، ٢١٧.

وَالنِّكَاحُ الْبَاطِل أَوِ الْفَاسِدُ وَاجِبُ الْفَسْخِ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ، وَعِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْفَسَادِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ، إِلاَّ إِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ، فَلاَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ.

وَالتَّفْرِيقُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ لَيْسَ طَلاَقًا بِالإِْجْمَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ أَوْ مُتَارَكَةٌ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، فَفِي اعْتِبَارِ التَّفْرِيقِ طَلاَقًا أَمْ لاَ اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ. (١) ر: (طَلاَق - فُرْقَة - فَسْخ) .

وَلاَ حُكْمَ لِلنِّكَاحِ الْبَاطِل أَوِ الْفَاسِدِ قَبْل الدُّخُول فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَا سَيُعْرَفُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ حَقِيقَةً؛ لاِنْعِدَامِ مِلْكِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ بِالْعَقْدِ الْبَاطِل أَوِ الْفَاسِدِ.

أَمَّا بَعْدَ الدُّخُول فَيَتَعَلَّقُ بِالْفَاسِدِ بَعْضُ الأَْحْكَامِ؛ لاِعْتِبَارِهِ مُنْعَقِدًا ضَرُورَةً فِي حَقِّ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ. (٢) وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ أَهَمِّ الأَْحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِ:

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٣١٥، والفتاوى الهندية ١ / ٢٧٩، ٣٣٠، والبدائع ٢ / ٢٦٣، والفواكه الدواني ٢ / ٣٥، والقوانين الفقهية ص ١٤٠، والمهذب ٢ / ٣٦، ٤٧، وروضة الطالبين٧ / ٥١، ومنتهى الإرادات ٣ / ٨٤، والمغني ٦ / ٤٥٠.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٣٣٥.

الْمَهْرُ:

٢٩ - لاَ يُسْتَحَقُّ الْمَهْرُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُطْلَقًا - سَوَاءٌ اتُّفِقَ عَلَى فَسَادِهِ أَمْ لاَ - إِذَا حَصَل التَّفْرِيقُ قَبْل الدُّخُول بِاتِّفَاقٍ فِي الْجُمْلَةِ، أَوْ قَبْل الْخَلْوَةِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (١)

هَذَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْمَسَائِل الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا نِصْفُ الْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَقُولُهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَنَّ سَبَبَ الْفَسَادِ إِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ خَلَلًا فِي الْمَهْرِ، كَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ، فَفِيهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ بِالطَّلاَقِ، وَجَمِيعُهُ بِالْمَوْتِ.

وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ الْفَاسِدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِوُقُوعِ صَدَاقِهِ أَقَل مِنَ الصَّدَاقِ الشَّرْعِيِّ، وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ إِتْمَامِهِ (وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِنِكَاحِ الدِّرْهَمَيْنِ؛ لأَِنَّهُمَا أَقَل مِنَ الصَّدَاقِ الشَّرْعِيِّ) فَفِيهِ نِصْفُ الدِّرْهَمَيْنِ بِفَسْخِهِ قَبْل الدُّخُول. (٢)

وَمِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ قَبْل الدُّخُول رَضَاعًا مُحَرَّمًا بِلاَ بَيِّنَةٍ، وَكَذَّبَتْهُ الزَّوْجَةُ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. (٣)

وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٣٣٥، وفتح القدير ٣ / ٢٤٣، والفتاوى الهندية ١ / ٣٣٠، والدسوقي ٢ / ٢٤٠، والمنثور في القواعد ٣ / ٩، منتهى الإرادات ٣ / ٨٣، والمغني ٦ / ٤٥٥.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٥، ومنح الجليل ٢ / ٣٥.

(٣) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٥، المغني ٧ / ٥٦٠، ومنتهى الإرادات ٣ / ٢٤٣.

النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُطْلَقًا بِالدُّخُول (أَيْ بِالْوَطْءِ) لَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَل بِهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا (١) جَعَل النَّبِيُّ ﷺ لَهَا مَهْرَ الْمِثْل فِيمَا لَهُ حُكْمُ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَعَلَّقَهُ بِالدُّخُول، فَدَل أَنَّ وُجُوبَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجِبُ الْمَهْرُ كَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالْخَلْوَةِ. قَال فِي مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: نَصًّا لِمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَل مِنْ فَرْجِهَا. (٢)

إِلاَّ أَنَّ ابْنَ قُدَامَةَ ذَكَرَ فِي الْمُغْنِي أَنَّ الْخَلْوَةَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لاَ يَجِبُ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ الْوَطْءُ وَلَمْ يُوجَدْ، ثُمَّ قَال: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ فِيهِ كَالصَّحِيحِ، فَيَتَقَرَّرُ بِهِ الْمَهْرُ كَالصَّحِيحِ، وَالأَْوَّل أَوْلَى. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُتَلَذَّذَ بِهَا مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ تُعَوَّضُ وُجُوبًا بِالاِجْتِهَادِ، سَوَاءٌ أَكَانَ النِّكَاحُ مُخْتَلَفًا فِيهِ أَمْ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ. (٣)

_________

(١) حديث: " أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها. . " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٦٦ - ط عزت عبيد دعاس) وأحمد (٦ / ٤٧ - ط الميمنية) وحسنه الترمذي (٣ / ٤٠٨ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " فلها المهر بما استحل من فرجها. . . " تقدم تخريجه آنفا.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٣٣٥، وفتح القدير ٣ / ٢٤٣، وابن عابدين ٢ / ٣٥٠، ٣٥١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٤٠، ٢٤١، ٣١٧، جواهر الإكليل ١ / ٢٨٥، ومنح الجليل ٢ / ٣٥، ٥١، ٥٢، والمهذب ٢ / ٣٦، ٦٣، وروضة الطالبين ٧ / ٤٢، ٥١ ونهاية المحتاج ٦ / ٢٢٠، المنثور ٣ / ٩، ومنتهى الإرادات ٣ / ٨٣، ونيل المآرب ٢ / ٢٠٠، المغني ٦ / ٧٢٧.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَاجِبِ مِنَ الْمَهْرِ، هَل هُوَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْل؟ .

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - غَيْرِ زُفَرَ - لَهَا الأَْقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَمِنَ الْمُسَمَّى. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَهَا الْمُسَمَّى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى - كَنِكَاحِ الشِّغَارِ - فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْل، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لَهَا مَهْرُ الْمِثْل، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَهَا الْمُسَمَّى فِي الْفَاسِدِ وَمَهْرُ الْمِثْل فِي الْبَاطِل. (١)

وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ تُنْظَرُ فِي (مَهْر، صَدَاق، نِكَاح) .

ب - الْعِدَّةُ وَالنَّسَبُ:

٣٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، كَالنِّكَاحِ بِدُونِ شُهُودٍ، أَوْ بِدُونِ وَلِيٍّ، وَكَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ، وَنِكَاحِ الشِّغَارِ. وَيَزِيدُ الْحَنَابِلَةُ ثُبُوتَهُمَا بِالْخَلْوَةِ؛ لأَِنَّهُ يَنْفُذُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَشْبَهَ الصَّحِيحَ.

وَيَتَّفِقُونَ كَذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ فِي النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ بِالْوَطْءِ كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ، وَزَوْجَةِ الْغَيْرِ وَالْمَحَارِمِ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْحَدَّ، بِأَنْ كَانَ لاَ يَعْلَمُ بِالْحُرْمَةِ

_________

(١) المراجع السابقة.

؛ وَلأَِنَّ الأَْصْل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ كُل نِكَاحٍ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ فَالْوَلَدُ لاَحِقٌ بِالْوَاطِئِ.

أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْحَدَّ، بِأَنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ، فَلاَ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ حَيْثُ وَجَبَ الْحَدُّ فَلاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ يَثْبُتُ النَّسَبُ لأَِنَّ الْعَقْدَ شُبْهَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الشُّبْهَةَ تَنْتَفِي إِذَا كَانَ النِّكَاحُ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَالْمَنْكُوحَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ، كَالأُْمِّ وَالأُْخْتِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ عِنْدَهُمَا فِي الْمُحَرَّمَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي بَابِ الْمَهْرِ عَنِ الْعَيْنِيِّ وَمَجْمَعِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لَهُمَا، إِلاَّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَال سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ لِشُبْهَةٍ حُكْمِيَّةٍ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ. هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلنَّسَبِ فِي النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ.

وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِدَّةِ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْقَائِلِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِثُبُوتِ النَّسَبِ فَإِنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ وَتُسَمَّى اسْتِبْرَاءً،

وَلاَ يَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ. (١)

_________

(١) البدائع ٢ / ٣٣٥، ٧ / ٣٥، ٣٦، ابن عابدين ٢ / ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٢، ٦٠٧، ٦٠٨، ٣ / ١٥٣، ١٥٤، وفتح القدير ٣ / ٢٤٣ـ ٢٤٥ و٤ / ١٤٧ و٥ / ٤٠ـ٤٢، والفتاوى الهندية ١ / ٢٧٩، ٢٨٠، والزيلعي ٢ / ١٥٣، وحاشية الدسوقي٢ / ٢١٩، ٤٧١، ٤٧٥، وجواهر الإكليل ١ / ٣٨٦، ومنح الجليل٢ / ٣٧٥، ٣٨١، القوانين الفقهية لابن جزي ص ١٤٠، ونهاية المحتاج٧ / ١١٩، ١٢٠، ١٦٨، وشرح روض الطالب ٣ / ١٢١، ١٥٠، وروضة الطالبين٧ / ٤٢، ٥١، ١٠ / ٩٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٧، ١٤٨، والمهذب ٢ / ١٤٦، ١٥١، ٢٦٩، والوجيز ٢ / ١١، وأشباه السيوطي ص ٥٠٧، والمنثور في القواعد ٣ / ٣٢٩، والمغني ٦ / ٤٥٥، ٤٥٦، ٥٧٧، ٧ / ٤٥٠، ٤٨٤، منتهى الإرادات ٣ / ٢١٦، ٢١٧.

هَذَا مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْعِدَّةِ وَهَل تُعْتَبَرُ وَقْتَ التَّفْرِيقِ أَوْ مِنْ آخَرِ الْوَطَآتِ.

وَهَل تَتَدَاخَل الْعِدَدُ أَوْ لاَ تَتَدَاخَل، بَل تُسْتَأْنَفُ.

وَهَل يُعْتَبَرُ النَّسَبُ مِنْ وَقْتِ الدُّخُول أَوْ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ.

وَهَل تَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الْبَاطِل حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ أَوْ لاَ تَثْبُتُ. وَهَل يَثْبُتُ بِهِ الإِْرْثُ أَوْ لاَ يَثْبُتُ؟

فَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا.

بَعْضٌ

انْظُرْ: بَعْضِيَّة.