الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
بَطَالَةٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الْبَطَالَةُ لُغَةً: التَّعَطُّل عَنِ الْعَمَل. يُقَال: بَطَل الْعَامِل، أَوِ الأَْجِيرُ عَنِ الْعَمَل فَهُوَ بَطَّالٌ بَيِّنُ الْبَطَالَةِ (بِفَتْحِ الْبَاءِ) وَحَكَى بَعْضُ شَارِحِي الْمُعَلَّقَاتِ الْبِطَالَةَ (بِالْكَسْرِ) وَقَال: هُوَ أَفْصَحُ، وَيُقَال: بَطَل الأَْجِيرُ مِنَ الْعَمَل، يَبْطُل بَطَالَةً وَبِطَالَةً: تَعَطَّل فَهُوَ بَطَّالٌ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
حُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْبَطَالَةِ تَبَعًا لِلأَْحْوَال الَّتِي تَكُونُ فِيهَا كَالآْتِي:
الْبَطَالَةُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ لِلتَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَل، وَالْحَاجَةِ إِلَى الْكَسْبِ لَقُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ يَعُولُهُ تَكُونُ حَرَامًا، لِخَبَرِ إِنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ الرَّجُل الْبَطَّال (٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: إِنَّ اللَّهَ
_________
(١) المصباح المنير ولسان العرب ومفردات الراغب الأصفهاني مادة: " بطل ".
(٢) حيث: " إن الله يكره الرجل البطال ". قال الزركشي: لم أجده، ومثله في اللالئ (كشف الخفاء للعجلوني ١ / ٢٩١ - ط مؤسسة الرسالة) .
يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْمُحْتَرِفَ (١) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَال: إِنِّي لأَمْقُتُ الرَّجُل فَارِغًا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَل دُنْيَا وَلاَ آخِرَةٍ (٢) وَفِي الشُّعَبِ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سُئِل: مَا شَرُّ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ؟ فَقَال: الْبَطَالَةُ.
وَالْبَطَالَةُ تَهَاوُنًا وَكَسَلًا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ لِلْكَسْبِ مَكْرُوهَةٌ أَيْضًا، وَتُزْرِي بِصَاحِبِهَا. أَمَّا الْبَطَالَةُ لِعُذْرٍ - كَزَمَانَةٍ وَعَجْزٍ لِعَاهَةٍ - فَلاَ إِثْمَ فِيهَا وَلاَ كَرَاهَةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ . (٣)
التَّوَكُّل لاَ يَدْعُو إِلَى الْبَطَالَةِ:
٣ - التَّوَكُّل لاَ يَدْعُو إِلَى الْبَطَالَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَاجِبٌ، وَلَكِنْ يَجِبُ مَعَهُ الأَْخْذُ بِالأَْسْبَابِ. وَوَرَدَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: أُرْسِل نَاقَتِي وَأَتَوَكَّل؟ فَقَال ﷺ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّل (٤) وَقَال ﵊:
_________
(١) حديث: " إن الله يحب العبد المؤمن المحترف " أورده الهيثمي في المجتمع وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عاصم بن عبد الله وهو ضعيف. (مجمع الزوائد ٤ / ٦٢ - ط القدسي) .
(٢) أثر ابن مسعود: " إني لأكره الرجل فارغا. . . . " أورده. الهيثمي في المجمع وقال " رواه الطبرانى في الكبير، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات " مجمع الزوائد (٤ / ٦٣ - ط القدسي) .
(٣) سورة البقرة / ٢٨٦.
(٤) حديث: " اعقلها وتوكل " أخرجه الترمذي (٤ / ٦٦٨ - ط الحلبي) من حديث أنس، وابن حبان (موارد الظمآن - ص ٦٣٣ - ط السلفية) من حديث عمرو بن أمية. وقال العراقي: إسناده جيد. فيض القدير (٢ / ٨ - ط المكتبة التجارية) .
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُؤْمِنَ الْمُحْتَرِفَ. (١)
وَمَرَّ عُمَرُ ﵁ بِقَوْمٍ فَقَال: مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا مُتَوَكِّلُونَ قَال: لاَ بَل أَنْتُمْ مُتَأَكِّلُونَ، إِنَّمَا الْمُتَوَكِّل مَنْ أَلْقَى حَبَّةً فِي الأَْرْضِ، وَتَوَكَّل عَلَى رَبِّهِ. فَلَيْسَ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ وَالْمُضِيِّ فِي الأَْسْبَابِ عَلَى تَدْبِيرِ اللَّهِ تَرْكُ التَّفْوِيضِ، وَالتَّوَكُّل إِنَّمَا هُوَ بِالْقَلْبِ، وَتَرْكُ التَّوَكُّل يَكُونُ إِذَا غَفَل عَنِ اللَّهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَْسْبَابِ وَنَسِيَ مُسَبِّبَهَا، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ إِذَا نَظَرَ إِلَى ذِي سِيمَا سَأَل: أَلَهُ حِرْفَةٌ؟ فَإِنْ قِيل: لاَ، سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ.
الْعِبَادَةُ لَيْسَتْ مُسَوِّغًا لِلْبَطَالَةِ:
٤ - يَرَى الْفُقَهَاءُ: أَنَّ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ مُسَوِّغًا لِلْبَطَالَةِ، وَأَنَّ الإِْسْلاَمَ لاَ يُقِرُّ الْبَطَالَةَ مِنْ أَجْل الاِنْقِطَاعِ لِلْعِبَادَةِ؛ لأَِنَّ فِي هَذَا تَعْطِيلًا لِلدُّنْيَا الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالسَّعْيِ فِيهَا، قَال تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٢) وَقَال
_________
(١) الحديث سبق تخريجه (ف / ٢) .
(٢) سورة الملك / ١٥.
جَل شَأْنُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وَأَعْقَبَهَا بِقَوْلِهِ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَْرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل اللَّهِ﴾ (١)
وَوَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى شَخْصٍ، قَالُوا لَهُ عَنْهُ إِنَّهُ كَانَ يَقُومُ اللَّيْل وَيَصُومُ النَّهَارَ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ لِلْعِبَادَةِ انْقِطَاعًا كُلِّيًّا، فَسَأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَمَّنْ يَعُولُهُ؟ فَقَالُوا: كُلُّنَا. فَقَال: ﵊ كُلُّكُمْ أَفْضَل مِنْهُ. (٢)
أَثَرُ الْبَطَالَةِ فِي طَلَبِ الْمُتَعَطِّل نَفَقَةً لَهُ:
٥ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الاِبْنِ الْمُتَعَطِّل عَنِ الْعَمَل - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْكَسْبِ - لاَ تَجِبُ عَلَى أَبِيهِ؛ لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهَا: أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ، وَالْعَاجِزُ عَنِ الْكَسْبِ هُوَ مَنْ لاَ يُمْكِنُهُ اكْتِسَابُ مَعِيشَتِهِ بِالْوَسَائِل الْمَشْرُوعَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَالْقَادِرُ غَنِيٌّ بِقُدْرَتِهِ، وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَكَسَّبَ بِهَا وَيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلاَ يَكُونُ فِي حَالَةِ ضَرُورَةٍ يَتَعَرَّضُ فِيهَا لِلْهَلاَكِ. (٣)
_________
(١) سورة الجمعة / ١٠.
(٢) حديث: " كلكم أفضل منه. . . " أخرجه ابن قتيبة في عيون الأخبار (١ / ٢٦ - ط مطبعة دار الكتب المصرية) من حديث مسلم بن يسار وإسناده ضعيف لإرساله.
(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٧٠ وما بعدها ط دار إحياء التراث العربي بيروت، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٥١٨، ٥٢٤ ط عيسى الحلبي بمصر، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٠١، ٢٠٩ ط المكتبة الإسلامية، وكشاف القناع ٥ / ٤٧٦، ٤٨١ ط مكتبة النصر الحديثة.
أَثَرُ الْبَطَالَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ:
٦ - إِنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ مُكَلَّفٌ بِالْعَمَل لِيَكْفِيَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، أَمَّا الْعَاجِزُ عَنِ الْكَسْبِ لِضَعْفٍ ذَاتِيٍّ، كَالصِّغَرِ وَالأُْنُوثَةِ وَالْعَتَهِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالْمَرَضِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ مَوْرُوثٌ يَسُدُّ حَاجَتَهُ، كَانَ فِي كَفَالَةِ أَقَارِبِهِ الْمُوسِرِينَ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ شَخْصٌ يَكْفُلُهُ بِمَا يَحْتَاجُهُ فَقَدْ حَل لَهُ الأَْخْذُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ فِي دِينِ اللَّهِ. (١)
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاة) .
رِعَايَةُ الدَّوْلَةِ وَالْمُجْتَمَعِ لِلْمُتَعَطِّلِينَ بِعَدَمِ وُجُودِ عَمَلٍ:
٧ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ عَلَى الدَّوْلَةِ الْقِيَامَ بِشُئُونِ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَجَزَةِ وَاللُّقَطَاءِ وَالْمَسَاجِينِ الْفُقَرَاءِ، الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ وَلاَ أَقَارِبُ تَلْزَمُهُمْ نَفَقَتُهُمْ، فَيَتَحَمَّل بَيْتُ الْمَال نَفَقَاتِهِمْ وَكِسْوَتَهُمْ، وَمَا يُصْلِحُهُمْ مِنْ دَوَاءٍ وَأُجْرَةِ عِلاَجٍ وَتَجْهِيزِ مَيِّتٍ وَنَحْوِهَا. (٢) وَلِلتَّفْصِيل (ر: بَيْتُ الْمَال) .
_________
(١) البدائع، والخرشي ٢ / ٢١٥، والمجموع ٦ / ١٩٢، والمغني ٢ / ٥٢٥، والأموال لأبى عبيد ص ٥٥٦.
(٢) القليوبي ٢ / ٢٩٢، و٣ / ١٢٥، و٤ / ٢١١، ٢١٤، والمقنع ٢ / ٣٠٣، وكشاف القناع ١ / ٢٣٤.
بِطَانَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْبِطَانَةُ: بِطَانَةُ الثَّوْبِ، وَهِيَ: مَا يُجْعَل وِقَاءً لَهُ مِنَ الدَّاخِل، وَهِيَ خِلاَفُ الظِّهَارَةِ. وَبِطَانَةُ الرَّجُل: خَاصَّتُهُ، وَأَبْطَنْتُ الرَّجُل: جَعَلْتُهُ مِنْ خَوَاصِّكَ، وَفِي الْحَدِيثِ: وَمَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (١)
وَهُوَ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ.
وَالْبِطَانَةُ اصْطِلاَحًا: خَاصَّةُ الرَّجُل الْمُقَرَّبُونَ الَّذِينَ يُفْضِي إِلَيْهِمْ بِأَسْرَارِهِ. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَاشِيَةُ:
٢ - الْحَاشِيَةُ: هِيَ وَاحِدَةُ حَوَاشِي الثَّوْبِ.
_________
(١) حديث: " ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ١٨٩ - ط السلفية) .
(٢) ترتيب القاموس مادة: " بطن ".
وَتُطْلَقُ عَلَى صِغَارِ الإِْبِل. وَعَلَى مَا يُكْتَبُ عَلَى جَوَانِبِ صَفَحَاتِ الْكِتَابِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَهْل الرَّجُل مِنْ غَيْرِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ كَالإِْخْوَةِ وَالأَْعْمَامِ. (١)
ب - أَهْل الشُّورَى:
٣ - الشُّورَى: اسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ التَّشَاوُرِ. وَأَهْل الشُّورَى: هُمْ أَهْل الرَّأْيِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَ الْمَشُورَةَ لِمَنْ يَسْتَشِيرُهُمْ، وَقَدْ يَكُونُونَ مِنْ بِطَانَةِ الرَّجُل أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ. (٢)
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبِطَانَةِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أَوَّلًا: الْبِطَانَةُ بِمَعْنَى خَاصَّةِ الرَّجُل.
اتِّخَاذُ الْبِطَانَةِ الصَّالِحَةِ:
٤ - لَمَّا كَانَتِ الشُّورَى مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَمِنْ لَوَازِمِ الْحُكْمِ فِي الإِْسْلاَمِ، وَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الإِْنْسَانَ يَطْمَئِنُّ إِلَى بِطَانَتِهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى وُلاَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا بِطَانَةً صَالِحَةً، مِنْ أَهْل التَّقْوَى وَالأَْمَانَةِ، وَمِمَّنْ يَخْشَى اللَّهَ.
قَال ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وَاجِبٌ عَلَى الْوُلاَةِ مُشَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا لاَ يَعْلَمُونَ، وَمَا أَشْكَل عَلَيْهِمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَمُشَاوَرَةُ وُجُوهِ الْجَيْشِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَرْبِ، وَمُشَاوَرَةُ وُجُوهِ النَّاسِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ، وَمُشَاوَرَةُ وُجُوهِ الْكُتَّابِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْعُمَّال فِيمَا يَفْعَلُونَ بِمَصَالِحِ الْبِلاَدِ
_________
(١) الصحاح.
(٢) القرطبي ٤ / ٢٤٩.
وَعِمَارَتِهَا. (١)
وَجَاءَ فِي كِتَابِ " الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " لِلْمَاوَرْدِيِّ فِي مَعْرِضِ عَدِّ وَاجِبَاتِ الإِْمَامِ: اسْتِكْفَاءُ الأُْمَنَاءِ، وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوِّضُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَْعْمَال، وَيَكِلُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَْمْوَال؛ لِتَكُونَ الأَْعْمَال بِالْكَفَاءَةِ مَضْبُوطَةً، وَالأَْمْوَال بِالأُْمَنَاءِ مَحْفُوظَةً. (٢)
وَفِي الأَْثَرِ الصَّحِيحِ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالأَْمِيرِ خَيْرًا جَعَل لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَل لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ: إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ. (٣)
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. (٤)
اتِّخَاذُ بِطَانَةٍ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ:
٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِوْلِيَاءِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنَ الْكُفَّارِ
_________
(١) تفسير القرطبي ٤ / ٢٥٠ - ٢٥١.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي: ١٢ - ١٣.
(٣) حديث: " إذا أراد الله بالأمير خيرا. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٣٤٥ - ط عزت عبيد دعاس) وجود إسناده النووي في رياض الصالحين (ص ٣١٧ - ط الرسالة) .
(٤) الحديث: سبق تخريجه (ف / ١) .
وَالْمُنَافِقِينَ، يُطْلِعُونَهُمْ عَلَى سَرَائِرِهِمْ، وَمَا يُضْمِرُونَهُ لأَِعْدَائِهِمْ، وَيَسْتَشِيرُونَهُمْ فِي الأُْمُورِ؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَضُرَّ مَصْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُعَرِّضَ أَمْنَهُمْ لِلْخَطَرِ، وَقَدْ وَرَدَ التَّنْزِيل بِتَحْذِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُوَالاَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي الْعَقِيدَةِ وَالدِّينِ، وَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآْيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . (١) وَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُول وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَل سَوَاءَ السَّبِيل﴾ . (٢)
وَنَهَى اللَّهُ ﵎ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِ بِطَانَةٍ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، يُطْلِعُونَهُمْ عَلَى سَرَائِرِهِمْ، وَيَكْشِفُونَ لَهُمْ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ. بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . (٣) وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي شَأْنِ
_________
(١) سورة آل عمران / ١١٨.
(٢) سورة الممتحنة / ١.
(٣) سورة النساء / ١٤٤.
بِطَانَةِ السُّوءِ.
وَقَال ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قِيل لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﵁: إِنَّ هُنَا غُلاَمًا مِنْ أَهْل الْحِيرَةِ حَافِظًا كَاتِبًا، فَلَوِ اتَّخَذْتَهُ كَاتِبًا؟ قَال: اتَّخَذْتُ إِذَنْ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. (١) قَال ابْنُ كَثِيرٍ: فِي الأَْثَرِ مَعَ هَذِهِ الآْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَال أَهْل الذِّمَّةِ فِي الْكِتَابَةِ، الَّتِي فِيهَا اسْتِطَالَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاطِّلاَعٌ عَلَى دَخَائِل أُمُورِهِمُ الَّتِي يُخْشَى أَنْ يُفْشُوهَا إِلَى الأَْعْدَاءِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ. (٢) وَقَال السُّيُوطِيُّ نَقْلًا عَنْ إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِأَهْل الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ. (٣)
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ: أَكَّدَ اللَّهُ ﷾ الزَّجْرَ عَنِ الرُّكُونِ إِلَى الْكُفَّارِ وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، (٤) وَنَهَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآْيَةِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنَ الْكُفَّارِ وَأَهْل الأَْهْوَاءِ دُخَلاَءَ وَوُلَجَاءَ، يُفَاوِضُونَهُمْ فِي الآْرَاءِ، وَيُسْنِدُونَ إِلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ
_________
(١) أثر عمر بن الخطاب. . . أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٢ / ١٠١ - ١٠٢ ط دار الأندلس) .
(٢) تفسير ابن كثير ١ / ٣١٣.
(٣) الإكليل للسيوطي ص: ٥٦.
(٤) سورة آل عمران / ١٠٠.