الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٨
وَيُقَابِلُهُ: الْفُجُورُ وَالإِْثْمُ؛ لأَِنَّ الْفُجُورَ خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ، وَمَيْلٌ إِلَى الْفَسَادِ، وَانْبِعَاثٌ فِي الْمَعَاصِي، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلشَّرِّ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ عَلَى الأَْمْرِ بِالْبِرِّ وَالْحَضِّ عَلَيْهِ، فَهُوَ خُلُقٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، حَاضٌّ عَلَى الْتِزَامِ الطَّاعَةِ وَاجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَل الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيل وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . (٢)
جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ (٣): أَنَّ الْبِرَّ هُنَا اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، وَقَال: تَقْدِيرُ الْكَلاَمِ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ. أَوِ التَّقْدِيرُ: وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ مَنْ آمَنَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفُرِضَتِ الْفَرَائِضُ، وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَحُدَّتِ الْحُدُودُ، أَنْزَل اللَّهُ هَذِهِ الآْيَةَ.
_________
(١) فتح الباري ١٠ / ٥٠٨، الفتح الرباني ١ / ٣٤، ٣٥
(٢) سورة البقرة / ١٧٧
(٣) تفسير القرطبي ٢ / ٢٣٨
فَأَفَادَتْ أَنَّ الْبِرَّ لَيْسَ كُلُّهُ بِالصَّلاَةِ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِالإِْيمَانِ بِاللَّهِ إِلَى آخِرِهَا مِنْ صِفَاتِ الْخَيْرِ الْجَامِعَةِ.
وَقَال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) . قَال الْمَاوَرْدِيُّ: نَدَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَى التَّعَاوُنِ بِالْبِرِّ، وَقَرَنَهُ بِالتَّقْوَى لَهُ؛ لأَِنَّ فِي التَّقْوَى رِضَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْبِرِّ رِضَى النَّاسِ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ رِضَى اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَى النَّاسِ فَقَدْ تَمَّتْ سَعَادَتُهُ وَعَمَّتْ نِعْمَتُهُ.
وَقَال ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى يَكُونُ بِوُجُوهٍ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُعِينَ النَّاسَ بِعِلْمِهِ فَيُعَلِّمَهُمْ، وَيُعِينُهُمُ الْغَنِيُّ بِمَالِهِ، وَالشُّجَاعُ بِشَجَاعَتِهِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ مُتَظَاهِرِينَ كَالْيَدِ الْوَاحِدَةِ. (٢)
وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالإِْثْمِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِْثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. (٣)
قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُسْلِمٍ: قَال الْعُلَمَاءُ: الْبِرُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الصِّلَةِ، وَبِمَعْنَى اللُّطْفِ وَالْمَبَرَّةِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ،
_________
(١) سورة المائدة / ٢
(٢) تفسير القرطبي٦ / ٤٦
(٣) حديث النواس بن سمعان قال: " سألت رسول الله ﷺ. . . . " أخرجه مسلم (٤ / ١٩٨٠ - ط الحلبي)
وَبِمَعْنَى الطَّاعَةِ، وَهَذِهِ الأُْمُورُ هِيَ مَجَامِعُ حُسْنِ الْخُلُقِ. وَمَعْنَى حَاكَ فِي صَدْرِكَ: أَيْ تَحَرَّكَ فِيهِ وَتَرَدَّدَ، وَلَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ الصَّدْرُ، وَحَصَل فِي الْقَلْبِ مِنْهُ الشَّكُّ وَخَوْفُ كَوْنِهِ ذَنْبًا (١) .
وَيَتَعَلَّقُ بِالْبِرِّ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ:
٣ - بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِمَعْنَى: طَاعَتِهِمَا وَصِلَتِهِمَا وَعَدَمِ عُقُوقِهِمَا، وَالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمَا مَعَ إِرْضَائِهِمَا بِفِعْل مَا يُرِيدَانِهِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ . (٢)
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْعَمَل أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَال: الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ. (٣) فَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُل عَلَى وُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَتَعْظِيمِ حَقِّهِمَا. وَلِلتَّفْصِيل فِي بَيَانِ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ وَبِرِّهِمَا انْظُرْ مُصْطَلَحَ (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) .
بِرُّ الأَْرْحَامِ:
٤ - بِرُّ الأَْرْحَامِ وَهُوَ بِمَعْنَى صِلَتِهِمْ وَالإِْحْسَانِ
_________
(١) النووي على مسلم ١٦ / ١١١
(٢) سورة الإسراء / ٢٣
(٣) حديث عبد الله بن مسعود: " سألت رسول الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٩ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٩٠ - ط الحلبي)
إِلَيْهِمْ وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ وَالْقِيَامِ عَلَى حَاجَاتِهِمْ وَمُوَاسَاتِهِمْ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيل وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١)
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ، قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَال: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِل مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَال: فَذَلِكَ لَكِ. ثُمَّ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَل عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (٢) .
فَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُل عَلَى أَنَّ صِلَةَ الأَْرْحَامِ وَبِرَّهَا وَاجِبٌ، وَقَطِيعَتَهَا مُحَرَّمَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّهَا دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَدْنَاهَا تَرْكُ الْهَجْرِ، وَالصِّلَةُ بِالْكَلاَمِ وَالسَّلاَمِ.
وَتَخْتَلِفُ هَذِهِ الدَّرَجَاتُ بِاخْتِلاَفِ الْقُدْرَةِ
_________
(١) سورة النساء / ٣٦
(٢) سورة محمد / ٢٢، ٢٣
وَالْحَاجَةِ، فَمِنْهَا الْوَاجِبُ، وَمِنْهَا الْمُسْتَحَبُّ. إِلاَّ أَنَّهُ لَوْ وَصَل بَعْضَ الصِّلَةِ، وَلَمْ يَصِل غَايَتَهَا، لاَ يُسَمَّى قَاطِعًا، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ لاَ يَكُونُ وَاصِلًا. (١)
أَمَّا حَدُّ الرَّحِمِ الَّتِي تَجِبُ صِلَتُهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا: فَهُوَ الْقَرَابَاتُ مِنْ جِهَةِ أَصْل الإِْنْسَانِ، كَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَإِنْ عَلاَ، وَفُرُوعِهِ كَأَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ وَإِنْ نَزَلُوا. وَمَا يَتَّصِل بِهِمَا مِنْ حَوَاشٍ كَالإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ وَالأَْعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالأَْخْوَال وَالْخَالاَتِ، وَمَا يَتَّصِل بِهِمْ مِنْ أَوْلاَدِهِمْ بِرَحِمٍ جَامِعَةٍ. (٢)
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَرْحَام) .
بِرُّ الْيَتَامَى وَالضَّعَفَةِ وَالْمَسَاكِينِ:
٥ - بِرُّ الْيَتَامَى وَالضَّعَفَةِ وَالْمَسَاكِينِ يَكُونُ بِالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَالْقِيَامِ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَحُقُوقِهِمْ، وَعَدَمِ تَضْيِيعِهَا، فَفِي حَدِيثِ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَنَا وَكَافِل الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا. (٣)
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: رَسُول اللَّهِ ﷺ: السَّاعِي عَلَى الأَْرْمَلَةِ
_________
(١) دليل الفالحين ٢ / ١٤٦
(٢) النووي على مسلم ١٦ / ١١٢
(٣) حديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: " أنا وكافل اليتيم. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٣٦ـ ط السلفية)
وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّهِ. وَأَحْسَبُهُ قَال: وَكَالْقَائِمِ الَّذِي لاَ يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ الَّذِي لاَ يُفْطِرُ. (١)
الْحَجُّ الْمَبْرُورُ:
٦ - الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ: الْحَجُّ الْمَقْبُول الَّذِي لاَ يُخَالِطُهُ إِثْمٌ وَلاَ رِيَاءٌ. (٢)
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ (٣) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (حَجّ) .
الْبَيْعُ الْمَبْرُورُ:
٧ - الْبَيْعُ الْمَبْرُورُ: هُوَ الَّذِي لاَ غِشَّ فِيهِ وَلاَ خِيَانَةَ. فَفِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْكَسْبِ أَفْضَل قَال: عَمَل الرَّجُل بِيَدِهِ، وَكُل بَيْعٍ مَبْرُورٍ (٤)
_________
(١) حديث: " الساعي على الأرملة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٣٧ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢٢٨٦ - ط الحلبي)
(٢) فتح الباري ١ / ٧٨
(٣) حديث: " العمرة إلى العمرة كفارة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٩٧ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٨٣ - ط الحلبي)
(٤) حديث: أبي بردة بن نيار عن ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ: " أي الكسب أفضل؟ . . . " رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات. (مجمع الزوائد للهيثمي ٤ / ٦١ - ط القدسي)
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (بَيْع) .
بِرُّ الْيَمِينِ:
٨ - بِرُّ الْيَمِينِ مَعْنَاهُ: أَنْ يَصْدُقَ فِي يَمِينِهِ، فَيَأْتِي بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا الأَْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ . (١)
وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْحَلِفِ عَلَى فِعْل الْوَاجِبِ أَوْ تَرْكِ الْحَرَامِ، فَيَكُونُ يَمِينَ طَاعَةٍ يَجِبُ الْبِرُّ بِهِ بِالْتِزَامِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْحِنْثُ فِيهِ.
أَمَّا إِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْل مُحَرَّمٍ فَهُوَ يَمِينُ مَعْصِيَةٍ، يَجِبُ الْحِنْثُ فِيهِ. فَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل نَفْلٍ، كَصَلاَةِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ فَالْتِزَامُ الْيَمِينِ مَنْدُوبٌ، وَمُخَالَفَتُهُ مَكْرُوهَةٌ.
فَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ نَفْلٍ فَالْيَمِينُ مَكْرُوهَةٌ، وَالإِْقَامَةُ عَلَيْهَا مَكْرُوهَةٌ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَحْنَثَ فِيهَا. وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ فَالْحِنْثُ بِهَا مُبَاحٌ (٢) قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ (٣)
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَيْمَان) .
_________
(١) سورة النحل / ٩١
(٢) روضة الطالبين ٢ / ٢٠، والمغني ٩ / ٤٩٣
(٣) حديث: " إذا حلفت على يمين. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / / ٦٠٨ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٧٤ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ فِي اللُّغَةِ: الْخَيْرُ وَالْفَضْل وَالصِّدْقُ وَالطَّاعَةُ وَالصَّلاَحُ (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ فِي الأَْغْلَبِ عَلَى الإِْحْسَانِ بِالْقَوْل اللَّيِّنِ اللَّطِيفِ الدَّال عَلَى الرِّفْقِ وَالْمَحَبَّةِ، وَتَجَنُّبِ غَلِيظِ الْقَوْل الْمُوجِبِ لِلنُّفْرَةِ، وَاقْتِرَانِ ذَلِكَ بِالشَّفَقَةِ وَالْعَطْفِ وَالتَّوَدُّدِ وَالإِْحْسَانِ بِالْمَال وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْفْعَال الصَّالِحَاتِ. (٢) وَالأَْبَوَانِ: هُمَا الأَْبُ وَالأُْمُّ. (٣)
وَيَشْمَل لَفْظُ (الأَْبَوَيْنِ) الأَْجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ. (٤) قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَالأَْجْدَادُ آبَاءٌ،
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، الصحاح مادة " برر "، والكليات لأبي البقاء ١ / ٣٩٨ ط دمشق، وزارة الثقافة ١٩٧٤
(٢) الفواكه الدواني على رسالة القيرواني ٢ / ٣٨٢ - ٣٨٣، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي ٢ / ٦٦ ط دار المعرفة ببيروت
(٣) لسان العرب، والصحاح ١ / ٥
(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢٠ (التعليق على قول الشارح له أبوان)، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٣ / ٢٤٢، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٢٣٠، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج ٩ / ٢٣٢ـ ٢٣٣ ومطالب أولي النهى ٢ / ٥١٣
وَالْجَدَّاتُ أُمَّهَاتٌ، فَلاَ يَغْزُو الْمَرْءُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ، وَلاَ أَعْلَمُ دَلاَلَةً تُوجِبُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الإِْخْوَةِ وَسَائِرِ الْقَرَابَاتِ. (١)
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - اهْتَمَّ الإِْسْلاَمُ بِالْوَالِدَيْنِ اهْتِمَامًا بَالِغًا. وَجَعَل طَاعَتَهُمَا وَالْبِرَّ بِهِمَا مِنْ أَفْضَل الْقُرُبَاتِ. وَنَهَى عَنْ عُقُوقِهِمَا وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ غَايَةَ التَّشْدِيدِ. كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٢)، فَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَجَعَل بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مَقْرُونًا بِذَلِكَ، وَالْقَضَاءُ هُنَا: بِمَعْنَى الأَْمْرِ وَالإِْلْزَامِ وَالْوُجُوبِ.
كَمَا قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٣) . فَالشُّكْرُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الإِْيمَانِ، وَلِلْوَالِدَيْنِ عَلَى نِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ. وَقَال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ صَلَّى
_________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠ / ٢٤١.
(٢) سورة الإسراء / ٢٣، ٢٤.
(٣) سورة لقمان / ١٤.
الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فَقَدْ شَكَرَهُمَا.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الأَْعْمَال أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ﷿؟ قَال: الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا قَال: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَال: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ (١) . فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَل الأَْعْمَال بَعْدَ الصَّلاَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ دَعَائِمِ الإِْسْلاَمِ. (٢)
وَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْجِهَادِ؛ لأَِنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ، وَلاَ يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ. فَقَدْ قَال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَغْزُوَ الرُّومَ، وَإِنَّ أَبَوَيَّ مَنَعَانِي. فَقَال: أَطِعْ أَبَوَيْكَ، فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا غَيْرَكَ (٣) .
وَالْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ أَقْوَى مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ. وَفِي خُصُوصِ ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْغَزْوِ.
_________
(١) حديث ابن مسعود: " أي الأعمال أحب إلى الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٠٠ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٩٠ - ط الحلبي) .
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠ / ٢٣٧ـ ٢٣٨.
(٣) المهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٢٣٠.