الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - جَاءَ ذِكْرُ أَهْل النَّسَبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ، وَشَبِيهُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي بَابَيِ الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ (ر: وَصِيَّةٌ - وَقْفٌ) .
إِهْلاَلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - أَصْل الإِْهْلاَل: رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلاَل، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى قِيل لِكُل رَافِعٍ صَوْتَهُ: مُهِلٌّ وَمُسْتَهِلٌّ (١)، وَمِنْ مَعَانِيهِ النَّظَرُ إِلَى الْهِلاَل، وَظُهُورِ الْهِلاَل، وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ. (٢)
وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِالْمَعَانِي السَّابِقَةِ، وَبِمَعْنَى: ذِكْرِ اسْمٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ الذَّبْحِ.
صِلَتُهُ بِالاِسْتِهْلاَل:
٢ - كَثِيرًا مَا يَأْتِي الاِسْتِهْلاَل بِمَعْنَى الإِْهْلاَل أَيْ: رَفْعِ الصَّوْتِ، غَيْرَ أَنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَطْلَقَ اسْتِهْلاَل الصَّبِيِّ عَلَى: كُل مَا يَدُل عَلَى حَيَاةِ الْمَوْلُودِ، سَوَاءٌ كَانَ رَفْعَ صَوْتٍ أَوْ حَرَكَةَ عُضْوٍ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ (٣) .
_________
(١) المصباح مادة " هلل " والنظم المستعذب هامش المهذب ١ / ٢٠٨ نشر دار المعرفة، والفتوحات الربانية شرح الأذكار النووية ٤ / ٣٣٠.
(٢) ترتيب القاموس والمصباح مادة " هلل ".
(٣) المبسوط ١٦ / ١٤٤، وابن عابدين ٥ / ٣٧٧، والبحر الرائق ٢ / ٢٠٢ ط العلمية.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - طَلَبُ رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ مَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، بَعْضُهُمْ يَقُول: يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ تَرَائِي الْهِلاَل لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَتَطَلُّبُهُ؛ لِيَحْتَاطُوا بِذَلِكَ لِصِيَامِهِمْ، وَلْيَسْلَمُوا مِنَ الاِخْتِلاَفِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَحْصُوا هِلاَل شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ (١) .
وَالْبَعْضُ يَرَى أَنَّ الْتِمَاسَ هِلاَل رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ لأَِنَّهُ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْفَرْضِ (٢) . وَلاَ يَثْبُتُ هِلاَل سَائِرِ الشُّهُورِ غَيْرَ هِلاَل رَمَضَانَ إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، بِهَذَا قَال الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إِلاَّ أَبَا ثَوْرٍ، فَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُقْبَل فِي هِلاَل شَوَّالٍ عَدْلٌ وَاحِدٌ كَهِلاَل رَمَضَانَ.
أَمَّا هِلاَل رَمَضَانَ فَفِيهِ خِلاَفٌ: فَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَشْتَرِطُ عَدْلَيْنِ، وَالْبَعْضُ يَكْتَفِي بِوَاحِدٍ. (٣)
وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ رَأَى هِلاَل رَمَضَانَ وَحْدَهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَوْ جَامَعَ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ (٤) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، وَلَكِنْ إِنْ جَامَعَ فِيهِ فَلاَ كَفَّارَةَ وَقَال عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: لاَ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ.
وَمَنْ رَأَى هِلاَل شَوَّالٍ وَحْدَهُ لَزِمَهُ الْفِطْرُ كَذَلِكَ
_________
(١) حديث: " أحصوا هلال شعبان لرمضان. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٦٢ - ط الحلبي) والحاكم (١ / ٤٢٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي، وانظر المغني ٣ / ٨٧.
(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٥٤.
(٣) المجموع ٦ / ٢٨٠، ٢٨١.
(٤) حديث: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١١٩ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
عِنْدَ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَقَال مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ: لاَ يَجُوزُ لَهُ الأَْكْل فِيهِ. (١)
وَظُهُورُ الْهِلاَل فِي النَّهَارِ يُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لِلَّيْلَةِ التَّالِيَةِ، وَيُفَرِّقُ آخَرُونَ بَيْنَ ظُهُورِهِ قَبْل الزَّوَال فَيَكُونُ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَبَعْدَهُ فَيَكُونُ لِلَّيْلَةِ التَّالِيَةِ. (٢)
وَظُهُورُ الْهِلاَل فِي بَلَدٍ يُوجِبُ الصِّيَامَ عَلَى أَهْلِهَا، أَمَّا غَيْرُ أَهْل بَلَدِ الرُّؤْيَةِ فَفِي وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِمْ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ مَوْطِنُهَا مُصْطَلَحُ: (الصَّوْمِ (٣» .
٤ - وَالإِْهْلاَل بِالنُّسُكِ بِمَعْنَى الإِْحْرَامِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا، وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَهُ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ التَّمَتُّعِ، وَالإِْفْرَادِ، وَالْقِرَانِ، وَفِي الإِْحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ بِهِمَا.
كَمَا يَكُونُ الإِْهْلاَل بِمَعْنَى التَّلْبِيَةِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا. (٤) وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِحْرَامٍ) (ج ٢ ص ١٢٨) .
٥ - وَالإِْهْلاَل بِالذَّبْحِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِاسْمِ اللَّهِ. فَإِنْ أَهَل بِالذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَذْكُرَ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، كَأَنْ يَقُول: بِاسْمِ الْمَسِيحِ أَوِ الْعَذْرَاءِ مَثَلًا، فَلاَ يَحِل أَكْل الْمَذْبُوحِ. (٥)
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلاَتٌ
_________
(١) المجموع ٦ / ٢٨٠.
(٢) المجموع ٦ / ٢٧٢، ٢٧٣.
(٣) المجموع ٦ / ٢٧٤.
(٤) الحطاب ٣ / ٢٠، ٢٣، والمهذب ١ / ٢٠٨ نشر دار المعرفة، وابن عابدين ٢ / ١٩١.
(٥) الشرح الصغير ٢ / ١٥٨ ط دار المعارف، والروضة ٣ / ٢٠٥ ط المكتب الإسلامي.
يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالأُْضْحِيَّةِ، وَقَدْ أَفْرَدَ ابْنُ نُجَيْمٍ رِسَالَةً لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (١)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى الْمَوَاطِنِ السَّابِقَةِ، يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنْ إِهْلاَل الْمَوْلُودِ فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، وَفِي التَّسْمِيَةِ، وَفِي الإِْرْثِ، وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ ذُكِرَ فِي مَبْحَثِ (اسْتِهْلاَلٍ) .
أَهْلِيَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْهْلِيَّةُ مَصْدَرٌ صِنَاعِيٌّ لِكَلِمَةِ (أَهْلٍ) وَمَعْنَاهَا لُغَةً - كَمَا فِي أُصُول الْبَزْدَوِيِّ -: الصَّلاَحِيَّةُ. (٢)
وَيَتَّضِحُ تَعْرِيفُ الأَْهْلِيَّةِ فِي الاِصْطِلاَحِ مِنْ خِلاَل تَعْرِيفِ نَوْعَيْهَا: أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ، وَأَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ.
فَأَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ هِيَ: صَلاَحِيَّةُ الإِْنْسَانِ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَأَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ هِيَ: صَلاَحِيَّةُ الإِْنْسَانِ لِصُدُورِ الْفِعْل مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا (٣) .
_________
(١) رسائل ابن نجيم ص ٢١٢ ط مكتب الهلال.
(٢) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤ / ٢٣٧، والقاموس المحيط، ولسان العرب، والمصباح مادة: (أهل) .
(٣) التلويح على التوضيح ٢ / ١٦١ ط صبيح، والتقرير والتجير ٣ / ١٦٤ ط الأولى بولاق، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤ / ٢٣٧ ط ودار الكتاب العربي، وفواتح الرحموت ١ / ١٥٦ دار صادر.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّكْلِيفُ:
٢ - التَّكْلِيفُ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: إِلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ. (١)
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ كَذَلِكَ، حَيْثُ قَالُوا: التَّكْلِيفُ إِلْزَامُ الْمُخَاطَبِ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ.
فَالأَْهْلِيَّةُ وَصْفٌ لِلْمُكَلَّفِ.
ب - الذِّمَّةُ:
٣ - الذِّمَّةُ مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: الْعَهْدُ وَالضَّمَانُ وَالأَْمَانُ. (٢)
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَإِنَّهَا: وَصْفٌ يُصَيِّرُ الشَّخْصَ بِهِ أَهْلًا لِلإِْلْزَامِ وَالاِلْتِزَامِ. (٣)
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الأَْهْلِيَّةِ وَالذِّمَّةِ: أَنَّ الأَْهْلِيَّةَ أَثَرٌ لِوُجُودِ الذِّمَّةِ.
مَنَاطُ الأَْهْلِيَّةِ وَمَحَلُّهَا:
٤ - الأَْهْلِيَّةُ بِمَعْنَاهَا الْمُتَقَدِّمِ مَنَاطُهَا، أَيْ مَحَلُّهَا الإِْنْسَانُ، مِنْ حَيْثُ الأَْطْوَارُ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا، فَإِنَّهُ فِي الْبِدَايَةِ يَكُونُ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَتَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الأَْهْلِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالْجَنِينِ، وَبَعْدَ الْوِلاَدَةِ إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ يَكُونُ طِفْلًا، فَتَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الأَْهْلِيَّةِ
_________
(١) الصحاح مادة " كلف ".
(٢) المصباح المنير مادة: ذمم ".
(٣) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤ / ٢٣٨، ٢٣٩ ط دار الكتاب العربي، وحاشية قليوبي ٢ / ٢٨٥ ط الحلبي.
الْخَاصَّةِ بِالطِّفْل، وَبَعْدَ التَّمْيِيزِ تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الأَْهْلِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالْمُمَيَّزِ إِلَى أَنْ يَصِل بِهِ الأَْمْرُ إِلَى سِنِّ الْبُلُوغِ، فَتَثْبُتُ لَهُ الأَْهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ، كَطُرُوءِ عَارِضٍ يَمْنَعُ ثُبُوتَ تِلْكَ الأَْهْلِيَّةِ الْكَامِلَةِ لَهُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى أَقْسَامِ الأَْهْلِيَّةِ وَعَوَارِضِهَا.
أَقْسَامُ الأَْهْلِيَّةِ وَأَنْوَاعُهَا:
٥ - الأَْهْلِيَّةُ قِسْمَانِ: أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ، وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءً.
وَأَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ قَدْ تَكُونُ كَامِلَةً، وَقَدْ تَكُونُ نَاقِصَةً.
وَكَذَا أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ:
٦ - سَبَقَ أَنَّ مَعْنَى أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ: صَلاَحِيَّةُ الشَّخْصِ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ مَعًا، أَوْ لَهُ، أَوْ عَلَيْهِ (١) .
وَأَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ تَنْقَسِمُ فُرُوعُهَا وَتَتَعَدَّدُ بِحَسَبِ انْقِسَامِ الأَْحْكَامِ، فَالصَّبِيُّ أَهْلٌ لِبَعْضِ الأَْحْكَامِ، وَلَيْسَ بِأَهْلٍ لِبَعْضِهَا أَصْلًا، وَهُوَ أَهْلٌ لِبَعْضِهَا بِوَاسِطَةِ رَأْيِ الْوَلِيِّ، فَكَانَتْ هَذِهِ الأَْهْلِيَّةُ مُنْقَسِمَةً نَظَرًا إِلَى أَفْرَادِ الأَْحْكَامِ، وَأَصْلُهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الصَّلاَحُ لِلْحُكْمِ، فَمَنْ كَانَ أَهْلًا لِحُكْمِ الْوُجُوبِ بِوَجْهٍ كَانَ هُوَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ، وَمَنْ لاَ فَلاَ. (٢)
وَمَبْنَى أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ هَذِهِ عَلَى الذِّمَّةِ، أَيْ أَنَّ هَذِهِ الأَْهْلِيَّةَ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بَعْدَ وُجُودِ ذِمَّةٍ صَالِحَةٍ؛ لأَِنَّ
_________
(١) التلويح على التوضيح ٢ / ١٦١ ط صبيح، والتقرير والتحبير ٢ / ١٦٤ ط الأميرية، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤ / ٢٣٧ ط دار الكتاب العربي.
(٢) أصول البزدوي مع شرحه ٤ / ٢٣٧ ط دار الكتاب العربي.
الذِّمَّةَ هِيَ مَحَل الْوُجُوبِ، وَلِهَذَا يُضَافُ إِلَيْهَا وَلاَ يُضَافُ إِلَى غَيْرِهَا بِحَالٍ، وَلِهَذَا اخْتَصَّ الإِْنْسَانُ بِالْوُجُوبِ دُونَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا ذِمَّةٌ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الذِّمَّةِ لِلإِْنْسَانِ مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، حَتَّى يَكُونَ صَالِحًا لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ لَهُ وَعَلَيْهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ مِلْكُ النِّكَاحِ بِتَزْوِيجِ الْوَلِيِّ إِيَّاهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ بِعَقْدِ الْوَلِيِّ. (١)
أَنْوَاعُ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ:
٧ - أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ نَوْعَانِ:
أ - أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ النَّاقِصَةُ، وَتَتَمَثَّل فِي الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، بِاعْتِبَارِهِ نَفْسًا مُسْتَقِلَّةً عَنْ أُمِّهِ ذَا حَيَاةٍ خَاصَّةٍ، فَإِنَّهُ صَالِحٌ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ لَهُ مِنْ وَجْهٍ كَمَا سَيَأْتِي، لاَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ ذِمَّتَهُ لَمْ تَكْتَمِل مَا دَامَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.
ب - أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ الْكَامِلَةُ، وَهِيَ تَثْبُتُ لِلإِْنْسَانِ مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، فَإِنَّهُ تَثْبُتُ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ الْكَامِلَةُ؛ لِكَمَال ذِمَّتِهِ حِينَئِذٍ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَيَكُونُ بِهَذَا صَالِحًا لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ لَهُ وَعَلَيْهِ. (٢)
ثَانِيًا: أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ:
٨ - سَبَقَ أَنَّ أَهْلِيَّةَ الأَْدَاءِ هِيَ: صَلاَحِيَّةُ الإِْنْسَانِ لِصُدُورِ الْفِعْل مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَدَ بِهِ شَرْعًا (٣) .
وَأَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ هَذِهِ لاَ تُوجَدُ عِنْدَ الشَّخْصِ إِلاَّ إِذَا
_________
(١) كشف الأسرار ٤ / ٢٣٧، ٢٣٨ ط دار الكتاب العربي.
(٢) التقرير والتحبير ٢ / ١٦٥ ط الأميرية، والتلويح على التوضيح ٢ / ١٦٣ ط صبيح، وأصول السرخسي ٢ / ٣٣٣ ط دار الكتاب العربي.
(٣) التلويح علي التوضيح ٢ / ١٦١ ط صبيح، والتقرير والتحبير ٣ / ١٦٤ ط الأميرية، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤ / ٢٣٧ ط دار الكتاب العربي.
بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ؛ لِقُدْرَتِهِ حِينَئِذٍ عَلَى فَهْمِ الْخِطَابِ وَلَوْ عَلَى سَبِيل الإِْجْمَال، وَلِقُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ بِبَعْضِ الأَْعْبَاءِ، فَتَثْبُتُ لَهُ أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ الْقَاصِرَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُنَاسِبُهُ مَا دَامَ نُمُوُّهُ لَمْ يَكْتَمِل جِسْمًا وَعَقْلًا، فَإِذَا اكْتَمَل بِبُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ ثَبَتَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ الْكَامِلَةِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ أَهْلًا لِلتَّحَمُّل وَالأَْدَاءِ، بِخِلاَفِ غَيْرِ الْمُمَيَّزِ، فَإِنَّهُ لاَ تَثْبُتُ لَهُ هَذِهِ الأَْهْلِيَّةُ لاِنْتِفَاءِ الْقُدْرَتَيْنِ عَنْهُ.
أَنْوَاعُ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ:
٩ - أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ نَوْعَانِ:
أ - أَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ قَاصِرَةٍ، وَهِيَ الَّتِي تَثْبُتُ بِقُدْرَةٍ قَاصِرَةٍ.
ب - أَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ كَامِلَةٍ، وَهِيَ الَّتِي تَثْبُتُ بِقُدْرَةٍ كَامِلَةٍ. (١)
وَالْمُرَادُ بِالْقُدْرَةِ هُنَا: قُدْرَةُ الْجِسْمِ أَوِ الْعَقْل، أَوْ هُمَا مَعًا؛ لأَِنَّ الأَْدَاءَ - كَمَا قَال الْبَزْدَوِيُّ - يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتَيْنِ: قُدْرَةِ فَهْمِ الْخِطَابِ وَذَلِكَ بِالْعَقْل، وَقُدْرَةِ الْعَمَل بِهِ وَهِيَ بِالْبَدَنِ، وَالإِْنْسَانُ فِي أَوَّل أَحْوَالِهِ عَدِيمُ الْقُدْرَتَيْنِ، لَكِنْ فِيهِ اسْتِعْدَادٌ وَصَلاَحِيَّةٌ لأَِنْ تُوجَدَ فِيهِ كُل وَاحِدَةٍ مِنَ الْقُدْرَتَيْنِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَى أَنْ تَبْلُغَ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دَرَجَةَ الْكَمَال، فَقَبْل بُلُوغِ دَرَجَةِ الْكَمَال كَانَتْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَاصِرَةً، كَمَا هُوَ الْحَال فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيَّزِ قَبْل الْبُلُوغِ، وَقَدْ تَكُونُ إِحْدَاهُمَا قَاصِرَةً، كَمَا فِي الْمَعْتُوهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَإِنَّهُ قَاصِرُ الْعَقْل مِثْل الصَّبِيِّ، وَإِنْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ، وَلِهَذَا أُلْحِقَ بِالصَّبِيِّ فِي الأَْحْكَامِ.
_________
(١) التلويح على التوضيح ٢ / ١٦٤ ط صبيح.
فَالأَْهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ: عِبَارَةٌ عَنْ بُلُوغِ الْقُدْرَتَيْنِ أَوَّل دَرَجَاتِ الْكَمَال، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالاِعْتِدَال فِي لِسَانِ الشَّرْعِ. وَالْقَاصِرَةُ: عِبَارَةٌ عَنِ الْقُدْرَتَيْنِ قَبْل بُلُوغِهِمَا أَوْ بُلُوغِ إِحْدَاهُمَا دَرَجَةَ الْكَمَال.
ثُمَّ الشَّرْعُ بَنَى عَلَى الأَْهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ صِحَّةَ الأَْدَاءِ، وَعَلَى الْكَامِلَةِ وُجُوبَ الأَْدَاءِ وَتَوَجَّهَ الْخِطَابُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِلْزَامُ الإِْنْسَانِ الأَْدَاءَ فِي أَوَّل أَحْوَالِهِ؛ إِذْ لاَ قُدْرَةَ لَهُ أَصْلًا، وَإِلْزَامُ مَا لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ مُنْتَفٍ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَبَعْدَ وُجُودِ أَصْل الْعَقْل وَأَصْل قُدْرَةِ الْبَدَنِ قَبْل الْكَمَال، فَفِي إِلْزَامِ الأَْدَاءِ حَرَجٌ؛ لأَِنَّهُ يُحْرِجُ الْفَهْمَ بِأَدْنَى عَقْلِهِ، وَيُثْقِل عَلَيْهِ الأَْدَاءَ بِأَدْنَى قُدْرَةِ الْبَدَنِ، وَالْحَرَجُ مُنْتَفٍ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) فَلَمْ يُخَاطَبْ شَرْعًا لأَِوَّل أَمْرِهِ حِكْمَةً، وَلأَِوَّل مَا يَعْقِل وَيَقْدِرُ رَحْمَةً، إِلَى أَنْ يَعْتَدِل عَقْلُهُ وَقُدْرَةُ بَدَنِهِ، فَيَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ الْفَهْمُ وَالْعَمَل بِهِ.
ثُمَّ وَقْتُ الاِعْتِدَال يَتَفَاوَتُ فِي جِنْسِ الْبَشَرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَلاَ يُمْكِنُ إِدْرَاكُهُ إِلاَّ بَعْدَ تَجْرِبَةٍ وَتَكَلُّفٍ عَظِيمٍ، فَأَقَامَ الشَّرْعُ الْبُلُوغَ الَّذِي تَعْتَدِل لَدَيْهِ الْعُقُول فِي الأَْغْلَبِ مَقَامَ اعْتِدَال الْعَقْل حَقِيقَةً، تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ، وَصَارَ تَوَهُّمُ وَصْفِ الْكَمَال قَبْل هَذَا الْحَدِّ، وَتَوَهُّمُ بَقَاءِ الْقُصُورِ بَعْدَ هَذَا الْحَدِّ سَاقِطِي الاِعْتِبَارِ؛ لأَِنَّ السَّبَبَ الظَّاهِرَ مَتَى أُقِيمَ مَقَامَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَأَيَّدَ هَذَا كُلَّهُ قَوْلُهُ ﵇: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ (٢) .
_________
(١) سورة الحج / ٧٨.
(٢) حديث: " رفع القلم على ثلاث. . . " أخرجه أحمد بن حنبل وأبو داود والحاكم بهذا المعنى. وقال المناوي: أو رده الحافظ ابن حجر من طرق عديدة بألفاظ متقاربة ثم قال: وهذه طرق يقوي بعضها بعضا. وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: إسناده حسن، وهو حديث صحيح بطرقه. (فيض القدير ٤ / ٣٤، وسنن أبي داود ٤ / ٥٥٨ وما بعدها ط عزت عبيد دعاس، والمستدرك ٤ / ٣٨٩، وجامع الأصول بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط ٣ / ٥٠٦، ٥٠٧) .
وَالْمُرَادُ بِالْقَلَمِ: الْحِسَابُ، وَالْحِسَابُ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ لُزُومِ الأَْدَاءِ، فَدَل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِالأَْهْلِيَّةِ الْكَامِلَةِ، وَهِيَ اعْتِدَال الْحَال بِالْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ. (١)
أَثَرُ الأَْهْلِيَّةِ فِي التَّصَرُّفَاتِ:
١٠ - التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي تَحْكُمُهَا الأَْهْلِيَّةُ - سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَمْ مِنْ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ - تَخْتَلِفُ وَتَتَعَدَّدُ أَحْكَامُهَا تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ نَوْعِ الأَْهْلِيَّةِ، وَتَبَعًا لاِخْتِلاَفِ مَرَاحِل النُّمُوِّ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الإِْنْسَانُ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ تِلْكَ الأَْهْلِيَّةِ، فَالأَْهْلِيَّةُ - كَمَا سَبَقَ - إِمَّا أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ وَإِمَّا أَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ، وَكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَدْ تَكُونُ نَاقِصَةً وَقَدْ تَكُونُ كَامِلَةً، وَلِكُلٍّ حُكْمُهُ.
هَذَا، وَلِلْوُقُوفِ عَلَى تِلْكَ الأَْحْكَامِ، لاَ بُدَّ أَنْ نَتَنَاوَل تِلْكَ الْمَرَاحِل الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الإِْنْسَانُ، وَبَيَانُ الأَْحْكَامِ الْخَاصَّةِ بِهِ فِي كُل مَرْحَلَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمَرَاحِل.
الْمَرَاحِل الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الإِْنْسَانُ:
١١ - يَمُرُّ الإِْنْسَانُ مِنْ حِينِ نَشْأَتِهِ بِخَمْسِ مَرَاحِل أَسَاسِيَّةٍ، وَهَذِهِ الْمَرَاحِل هِيَ:
_________
(١) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤ / ٢٤٨، ٢٤٩ ط دار الكتاب العربي.