الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
الْمُخْذِل وَالْمُرْجِفِ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى (١) .
كَمَا شَرَطَ الإِْمَامُ الْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ شَرْطًا آخَرَ، وَهُوَ: أَنْ يَكْثُرَ الْمُسْلِمُونَ، بِحَيْثُ لَوْ خَانَ الْمُسْتَعَانُ بِهِمْ، وَانْضَمُّوا إِلَى الَّذِينَ يَغْزُونَهُمْ، أَمْكَنَهُمْ مُقَاوَمَتُهُمْ جَمِيعًا.
وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنْ يُخَالِفُوا مُعْتَقَدَ الْعَدُوِّ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (٢) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ حَبِيبٍ، وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْجُوزَجَانِيُّ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِمُشْرِكٍ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ (٣) .
وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَكُونُوا فِي غَيْرِ الْمُقَاتِلَةِ، بَل فِي خَدَمَاتِ الْجَيْشِ (٤) . وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ (ر: جِهَادٌ) .
تَرْكُ أَهْل الْكِتَابِ وَمَا يَدِينُونَ:
١٢ - إِنْ كَانَ أَهْل الْكِتَابِ أَهْل ذِمَّةٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَغَرَامَاتِ الْمُتْلَفَاتِ، وَيُتْرَكُونَ وَمَا يَدِينُونَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعَقَائِدِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ بِشُرُوطٍ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَهْل الذِّمَّةِ) .
الأَْحْكَامُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ:
١٣ - يَشْتَرِكُ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ فِي أَحْكَامٍ مِنْهَا:
_________
(١) روضة الطالبين ١٠ / ٢٣٩، والمغني ٨ / ٤١٤، وكشاف القناع ٣ / ٤٨.
(٢) روضة الطالبين ١٠ / ٢٣٩.
(٣) حديث: " فارجع فلن أستعين بمشرك. . " أخرجه مسلم في الجهاد (٣ / ١٤٤٩ / ١٨١٧) .
(٤) الحطاب ٣ / ٣٥٢، والمدونة الكبرى ٣ / ٤٠، وفتح القدير ٥ / ٢٤٢، ٢٤٣، والمغني ٨ / ٤١٤.
أ - أَنَّهُ يُمْنَعُ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْل الْكِتَابِ مِنْ دُخُول الْحَرَمِ، وَلَوْ دَخَل الْمُشْرِكُ الْحَرَمَ مُتَسَتِّرًا وَمَاتَ، نُبِشَ قَبْرُهُ، وَأُخْرِجَتْ عِظَامُهُ، فَلَيْسَ لَهُمُ الاِسْتِيطَانُ وَلاَ الاِجْتِيَازُ.
فَإِذَا جَاءَ رَسُولٌ مِنْهُمْ خَرَجَ الإِْمَامُ إِلَى الْحِل لِيَسْمَعَ مَا يَقُول.
وَأَمَّا جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، فَقَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يُمْنَعُونَ مِنَ التَّرَدُّدِ مُسَافِرِينَ، وَيُضْرَبُ لَهُمْ أَجَلٌ لِلْخُرُوجِ خِلاَل ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، كَمَا ضَرَبَ عُمَرُ ﵁ حِينَ أَجَلاَهُمْ.
وَفِيمَا يُعْتَبَرُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ، وَأَحْكَامُ دُخُول الْكُفَّارِ إِلَيْهَا يُنْظَرُ (أَرْضُ الْعَرَبِ) .
ب - وَمِنْهَا أَنْ يُمْنَعَ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ دُخُول الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا، وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُمَّالِهِ مُسْتَدِلًّا بِالآْيَةِ ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٢) إِلَخْ، وَدُخُول الْكُفَّارِ فِيهَا يُنَاقِضُ رَفْعَهُمَا.
وَعِنْدَ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الآْيَةَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، خَاصَّةً بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلاَ يُمْنَعُونَ مِنْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي دُخُول الْمُشْرِكِينَ وَأَهْل الْكِتَابِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ بِالْمَنْعِ. وَالثَّانِيَةُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِعَدَمِ الْمَنْعِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنَ الْحَرَمِ بِكُل حَالٍ.
_________
(١) سورة التوبة / ٢٨.
(٢) سورة النور / ٣٦.
فَإِذَا امْتَنَعَ أَهْل الْكِتَابِ مِنْ دَفْعِ الْجِزْيَةِ يُقَاتَلُونَ كَمَا يُقَاتَل الْمُشْرِكُونَ؛ لأَِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْصِمُونَ دِمَاءَهُمْ بِدَفْعِ الْجِزْيَةِ.
فَإِذَا مَنَعُوهَا سَاوَوُا الْمُشْرِكِينَ فِي إِهْدَارِ دَمِهِمْ (١) .
ج - وَمِنَ الأُْمُورِ الْمُشْتَرَكَةِ أَلاَّ يُحْدِثُوا مَعْبَدًا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَأَلاَّ يُدْفَنَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ (٢) .
وِلاَيَةُ أَهْل الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ:
١٤ - لاَ وِلاَيَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، لاَ وِلاَيَةً عَامَّةً وَلاَ خَاصَّةً، فَلاَ يَكُونُ الْكَافِرُ إِمَامًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ قَاضِيًا عَلَيْهِمْ، وَلاَ شَاهِدًا، وَلاَ وِلاَيَةَ لَهُ فِي زَوَاجِ مُسْلِمَةٍ، وَلاَ حَضَانَةَ لَهُ لِمُسْلِمٍ، وَلاَ يَكُونُ وَلِيًّا عَلَيْهِ وَلاَ وَصِيًّا. (٣)
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٤) .
وَالتَّوْلِيَةُ شَقِيقَةُ التَّوَلِّي، فَكَانَتْ تَوْلِيَتُهُمْ نَوْعًا مِنْ تَوَلِّيهِمْ، وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّ مَنْ تَوَلاَّهُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، وَلاَ يَتِمُّ الإِْيمَانُ إِلاَّ بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ، وَالْوِلاَيَةُ تُنَافِي الْبَرَاءَةَ، فَلاَ تَجْتَمِعُ الْبَرَاءَةُ وَالْوِلاَيَةُ أَبَدًا.
وَالْوِلاَيَةُ إِعْزَازٌ، فَلاَ تَجْتَمِعُ هِيَ وَإِذْلاَل الْكُفْرِ أَبَدًا.
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٧٧، ٢٧٩، ٢٨٣، والقرطبي ٨ / ١٠٤، والمهذب ٢ / ٢٥٧، والمغني ٨ / ٥٣١.
(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٧١
(٣) ابن عابدين في القضاء والشهادة والنكاح، وكتب باقي المذاهب في هذه الأبواب.
(٤) سورة الممتحنة / ١.
وَالْوِلاَيَةُ صِلَةٌ، فَلاَ تُجَامِعُ مُعَادَاةَ الْكُفَّارِ. (١)
وَالتَّفْصِيلاَتُ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي أَبْوَابِ النِّكَاحِ وَالشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ، وَفِي مُصْطَلَحِ (كُفْرٍ) .
بُطْلاَنُ زَوَاجِ أَهْل الْكِتَابِ بِالْمُسْلِمَاتِ:
١٥ - وَالأَْصْل فِي هَذَا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢)، قَال الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ قَوْلُهُ ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآْيَةُ: أَيْ لَمْ يُحِل اللَّهُ مُؤْمِنَةً لِكَافِرٍ، وَلاَ نِكَاحَ مُؤْمِنٍ لِمُشْرِكَةٍ (٣) .
الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ الْمُسْلِمَاتِ وَالْكِتَابِيَّاتِ:
١٦ - الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ - وَلَوْ مُخْتَلِفَاتٍ فِي الدِّينِ - وَاجِبٌ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْقَسَمَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَسَمَ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ الْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ، كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، وَهَذَا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ. (٤)
حُكْمُ التَّعَامُل مَعَ أَهْل الْكِتَابِ:
١٧ - التَّعَامُل مَعَ أَهْل الْكِتَابِ جَائِزٌ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ
_________
(١) أحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٢٤٢ ط دار العلم للملايين، بيروت.
(٢) سورة الممتحنة / ١٠.
(٣) القرطبي ١٨ / ٦٣، ٦٤.
(٤) ابن عابدين ٢ / ٤٠٠، والشرح الكبير ٢ / ٣٣٩، والمهذب ٢ / ٦٨، والمغني ٧ / ٣٦.
النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ سِلْعَةً إِلَى الْمَيْسَرَةِ (١) وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ (٢) فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُعَامَلَتِهِمْ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ " زَارَعَهُمْ وَسَاقَاهُمْ " (٣) وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ " أَكَل مِنْ طَعَامِهِمْ " وَهُنَاكَ وَقَائِعُ كَثِيرَةٌ غَيْرَ مَا ذُكِرَ، وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ فِي مُشَارَكَتِهِمْ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَوَاضِعِهَا (٤) .
أَهْل الْمَحَلَّةِ
التَّعْرِيفُ:
١ - أَهْل الْمَحَلَّةِ فِي اللُّغَةِ: الْقَوْمُ يَنْزِلُونَ بِمَوْضِعِ مَا يَعْمُرُونَهُ بِالإِْقَامَةِ بِهِ، وَيُجْمَعُ أَهْلٌ عَلَى أَهْلِينَ، وَرُبَّمَا قِيل: أَهَالِي الْمَحَلَّةِ.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٥) .
_________
(١) حديث: " اشترى من يهودي سلعة إلى الميسرة. . " أخرجه أحمد (الفتح الرباني ١٥ / ١٨٨) ط دار الشهاب. وقال البنا الساعاتي: أخرجه النسائي والحاكم وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
(٢) حديث: " إن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاما. . " أخرجه البخاري في الرهن (الفتح ٥ / ١٤٢٩ / ٢٥٠٩) ط السلفية. ومسلم في المساقاة (٣ / ١٢٢٦) ط الحلبي.
(٣) أحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٢٦٩ - ٢٧٠ ط دار الملايين.
(٤) حديث أنه " ثبت عنه أنه زارعهم وساقهم. . . " أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة (الفتح ٥ / ١٠ / ٢٣٢٨) ط السلفية.
(٥) المصباح المنير، ولسان العرب المحيط، مادة: " أهل، حلل ". والبيجوري ٢ / ٢٣١.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَاقِلَةُ:
٢ - الْعَاقِلَةُ هُمْ: قَبِيلَةُ الشَّخْصِ وَعَشِيرَتُهُ وَإِنْ بَعُدُوا.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: دَافِعُ الدِّيَةِ عَاقِلٌ، وَالْجَمْعُ عَاقِلَةٌ، وَسُمِّيَتِ الدِّيَةُ عَقْلًا تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ؛ لأَِنَّ الإِْبِل كَانَتْ تُعْقَل بِفِنَاءِ وَلِيِّ الْقَتِيل، ثُمَّ كَثُرَ الاِسْتِعْمَال حَتَّى أُطْلِقَ الْعَقْل عَلَى الدِّيَةِ، إِبِلًا كَانَتْ أَوْ نُقُودًا. (١)
وَأَهْل الْمَحَلَّةِ قَدْ تَكُونُ بَيْنَهُمْ قَرَابَةٌ وَقَدْ لاَ تَكُونُ.
ب - الْقَبِيلَةُ:
الْقَبِيلَةُ: مِنَ الْقَبِيل الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، ثَلاَثَةً فَصَاعِدًا مِنْ قَوْمٍ شَتَّى، وَالْقَبِيلَةُ لُغَةً يُرَادُ بِهَا: بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ (٢) . وَأَهْل الْمَحَلَّةِ قَدْ لاَ يَكُونُونَ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ.
ج - أَهْل الْخُطَّةِ:
يُرَادُ بِالْخُطَّةِ مَوْضِعُ مَا خَطَّهُ الإِْمَامُ وَوَضَّحَهُ لِيَسْكُنَهُ الْقَوْمُ (٣) .
د - أَهْل السِّكَّةِ:
السِّكَّةُ وَالشَّارِعُ: مَا يَكُونُ بَيْنَ الْبُيُوتِ مِنْ فَرَاغٍ تَمُرُّ بِهِ الْمُشَاةُ وَالدَّوَابُّ وَغَيْرُهَا.
_________
(١) المصباح المنير مادة: " عقل "، ونيل الأوطار ٧ / ٨٦.
(٢) لسان العرب المحيط، والزاهر في ألفاظ الشافعي ص ٤٢٢، والمصباح المنير.
(٣) المغني ٨ / ٦٥.
أَحْكَامُ أَهْل الْمَحَلَّةِ:
٣ - لأَِهْل الْمَحَلَّةِ أَحْكَامٌ تَخْتَلِفُ تَبَعًا لِمَا يُضَافُ إِلَيْهَا.
فَإِمَامُ أَهْل الْمَحَلَّةِ يَكُونُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ مِمَّنْ تَصِحُّ إِمَامَتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَل مِنْهُ قِرَاءَةً أَوْ عِلْمًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَتَى أَرْضًا لَهُ عِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لَهُ، فَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ ﵄ مَعَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فَأَبَى، وَقَال: صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ (١) .
وَأَذَانُ أَهْل الْمَحَلَّةِ فِي مَسْجِدِهِمْ يُغْنِي الْمُصَلِّينَ عَنِ الأَْذَانِ، إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يُسْمِعُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ قَدِيمُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ (٢) .
وَفِي جَدِيدِ الْمَذْهَبِ: يُنْدَبُ الأَْذَانُ لِلْمُصَلِّي وَإِنْ سَمِعَ أَذَانَ أَهْل الْمَحَلَّةِ. (٣)
وَفِي مَسْأَلَةِ اشْتَرَاكِ أَهْل الْمَحَلَّةِ بِالْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ إِذَا وُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ لاَ يُعْرَفُ قَاتِلُهُ - وَهُنَاكَ لَوْثٌ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُقْسِمُ هُوَ الْمُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِينًا، بِأَنَّ أَهْل الْمَحَلَّةِ أَوْ بَعْضَهُمْ قَتَلَهُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٧٤، ٣٧٥ ط بولاق، والحطاب ٢ / ١٠٤ ط النجاح، وحاشية الشرواني وابن القاسم ٢ / ٢٩٧، والمغني ٢ / ٢٠٥ ط الرياض، وكشاف القناع ١ / ٤٧٣ ط الرياض. والأثر عن ابن عمر ﵄: " أتى أرضا له عندها مسجد. . " أخرجه البيهقي (٣ / ١٢٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) وإسناده حسن.
(٢) البدائع ١ / ١٥٣ ط شركة المطبوعات، وجواهر الإكليل ١ / ٣٧ ط دار المعرفة، ونهاية المحتاج ١ / ٣٨٦ ط مصطفى الحلبي، والمغني ١ / ٤١٨ ط الرياض.
(٣) نهاية المحتاج ١ / ٣٨٦.
وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا مِنْكُمْ (١) . فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِمْ (أَهْل الْمَحَلَّةِ) خَمْسِينَ يَمِينًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ: أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ، قَالُوا. كَيْفَ نَأْخُذُ أَقْوَال قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ قَال: فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ (٢) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ أَهْل الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ الْقَتِيل فِيهَا هُمُ الَّذِينَ يَشْتَرِكُونَ أَوَّلًا بِالْقَسَامَةِ، ثُمَّ يَغْرَمُونَ الدِّيَةَ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: تُبْرِئُكُمْ يَهُودٌ بِخَمْسِينَ. . (٣) الْحَدِيثُ.
وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ الْقَسَامَةَ كَانَتْ مِنْ أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَرَّرَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي قَتِيلٍ مِنَ الأَْنْصَارِ وُجِدَ فِي حَيٍّ لِيَهُودٍ، فَأَلْزَمَ الرَّسُول ﷺ الْيَهُودَ الدِّيَةَ وَالْقَسَامَةَ (٤) . (ر: قَسَامَةٌ - دِيَةٌ) .
_________
(١) حديث: " أتحلفون خمسين يمينا منكم. . " أخرجه النسائي (٨ / ٧ ط المكتبة التجارية) وأصله في صحيح مسلم (٣ / ١٢٩١ الحلبي) .
(٢) الشرح الصغير ٤ / ٤٢١ ط دار المعارف، وحاشية البيجوري ٢ / ٢٣١ ط م الحلبي، والمغني ٨ / ٧٥ ط الرياض. وحديث: " أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٩١ - ط الحلبي.) .
(٣) حديث: " تبرئكم يهود. . . . " شطر من الحديث المتقدم.
(٤) المبسوط ٢٦ / ١٠٧ ط دار المعرفة، والاختيار ٥ / ٥٣. وحديث: " إلزام الرسول ﷺ اليهود الدية والقسامة " أخرجه من هذا الطريق عبد الرزاق في المصنف (١٠ / ٢٧ - ط المجلس العلمي) ويتقوى بما أورده مسلم في صحيحه (٣ / ١٢٩٥ - ط الحلبي) .
أَهْل النَّسَبِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْهْل: أَهْل الْبَيْتِ، وَالأَْصْل فِيهِ الْقَرَابَةُ، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى الأَْتْبَاعِ.
وَأَهْل الرَّجُل: أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ، وَأَهْل الرَّجُل: عَشِيرَتُهُ وَذَوُو قُرْبَاهُ.
وَأَهْل الْمَذْهَبِ: مَنْ يَدِينُ بِهِ.
وَالنَّسَبُ: الْقَرَابَةُ، وَهُوَ الاِشْتِرَاكُ مِنْ جِهَةِ أَحَدِ الأَْبَوَيْنِ، وَقِيل هُوَ فِي الآْبَاءِ خَاصَّةً، أَيِ: الاِشْتِرَاكُ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ فَقَطْ. (١)
وَعَلَى ذَلِكَ فَأَهْل النَّسَبِ لُغَةً: هُمُ الأَْقَارِبُ مِنْ جِهَةِ الأَْبَوَيْنِ، وَقِيل مِنْ جِهَةِ الأَْبِ فَقَطْ.
وَالْفُقَهَاءُ يَعْتَبِرُونَ النَّسَبَ مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ فَقَطْ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ هُوَ مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ فَقَطْ، وَلِذَلِكَ لاَ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ، إِلاَّ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِلَفْظِ (أَهْل النَّسَبِ) لَمْ يَرِدْ إِلاَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا: مَنْ أَوْصَى لأَِهْل نَسَبِهِ
_________
(١) لسان العرب وتاج العروس والمصباح المنير والمفردات للراغب.
(٢) البدائع ٧ / ٣٥٠ ط الجمالية، ومنح الجليل ٤ / ٧٢ ط النجاح ليبيا، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٧٩، والمغني ٥ / ٦١٧ ط الرياض.
فَالْوَصِيَّةُ لِمَنْ يُنْتَسَبُ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ؛ لأَِنَّ النَّسَبَ إِلَى الآْبَاءِ. (١)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لَوْ قَال: وَقَفْتُ عَلَى مَنْ يُنْتَسَبُ إِلَيَّ، أَوْ قَال: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَيَّ، فَإِنَّ الْوَقْفَ يَكُونُ عَلَى مَنْ يُنْتَسَبُ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ، وَلاَ يَدْخُل فِي ذَلِكَ أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ بَل إِلَى آبَائِهِمْ، (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لآِبَائِهِمْ﴾ (٣)
وَيَذْكُرُ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ كَانَ امْرَأَةً دَخَل أَوْلاَدُ بَنَاتِهَا؛ لأَِنَّ ذِكْرَ الاِنْتِسَابِ فِي حَقِّهَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لاَ لِلإِْخْرَاجِ، فَالْعِبْرَةُ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ اللُّغَوِيَّةِ لاَ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَكُونُ كَلاَمُ الْفُقَهَاءِ مَحْمُولًا عَلَى وَقْفِ الرَّجُل. (٤)
وَيَظْهَرُ أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَبَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ، فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ إِنَّمَا هُوَ لأَِبِيهِ لاَ لأُِمِّهِ. (٥)
وَلَمْ يُصَرِّحُوا فِي أَغْلَبِ كُتُبِهِمْ بِتَعْبِيرٍ مُمَاثِلٍ لِمَا وَرَدَ عِنْدَ بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الرَّهُونِيِّ: مَنْ قَال: حَبْسٌ عَلَى وَلَدِي وَأَنْسَابِهِمْ، فَفِي دُخُول وَلَدِ الْبَنَاتِ فِي تَحْبِيسِ جَدِّهِمْ لِلأُْمِّ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلاَنِ، قِيل: إِنَّهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ إِلاَّ أَنْ يُخَصُّوا بِلَفْظِ الدُّخُول، وَقِيل: إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ. (٦)
_________
(١) الاختيار ٥ / ٧٨ ط دار المعرفة، وابن عابدين ٥ / ٤٥٣ ط ثالثة.
(٢) المغني ٥ / ٦١٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٧٩.
(٣) سورة الأحزاب / ٥.
(٤) نهاية المحتاج ٥ / ٣٧٩.
(٥) منح الجليل ٤ / ٧٢.
(٦) الرهوني ٧ / ١٦٢ ط بولاق.