الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧

فِي مِنَحِ الْجَلِيل: مَنْ شَتَمَ رَجُلًا بِقَوْلِهِ لَهُ: يَا كَلْبُ فَإِنْ قِيل ذَلِكَ لِذِي الْفَضْل وَالْهَيْئَةِ وَالشَّرَفِ عُوقِبَ عُقُوبَةً خَفِيفَةً يُهَانُ بِهَا، وَلاَ يَبْلُغُ بِهِ السَّجْنَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَةِ عُوقِبَ بِالتَّوْبِيخِ، وَلاَ يَبْلُغُ بِهِ الإِْهَانَةَ وَلاَ السَّجْنَ.

وَكَإِهَانَةِ الاِبْنِ وَالتِّلْمِيذِ لِلتَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ. (١)

وَتَخْتَلِفُ الإِْهَانَةُ كَعُقُوبَةٍ بِاخْتِلاَفِ مِقْدَارِ الإِْهَانَةِ كَعُدْوَانٍ، وَبِاخْتِلاَفِ قَدْرِ الْمُهَانِ. (٢)

وَلِلإِْهَانَةِ كَعُقُوبَةٍ مُسَمَّيَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، فَقَدْ تُسَمَّى حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا أَوْ تَأْدِيبًا. (ر: حَدٌّ، تَعْزِيرٌ، تَأْدِيبٌ) .

(مَوَاطِنُ الْبَحْثِ):

٥ - الإِْهَانَةُ هِيَ عُدْوَانٌ مِنْ جَانِبٍ، وَتَأْتِي فِي أَبْوَابِ الرِّدَّةِ وَالْقَذْفِ غَالِبًا، وَهِيَ عُقُوبَةٌ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، وَتَأْتِي فِي التَّعْزِيرِ، وَالرِّدَّةِ، وَالْقَذْفِ.

وَيُنْظَرُ مَعَ ذَلِكَ بَحْثُ (اسْتِخْفَافٍ، وَامْتِهَانٍ) .

إِهْدَاءٌ

انْظُرْ: هَدِيَّةً

أَهْلٌ

انْظُرْ: آل

_________

(١) منح الجليل ٤ / ٥٥، وابن عابدين ٣ / ١٨٣، ١٨٤.

(٢) ابن عابدين ٣ / ١٨٣، ١٨٤، والتبصرة ٢ / ٣٠٧، ومنح الجليل ٤ / ٥٥٤.

أَهْل الأَْهْوَاءِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الأَْهْوَاءُ مُفْرَدُهَا: هَوًى: وَهُوَ مَحَبَّةُ الإِْنْسَانِ الشَّيْءَ وَغَلَبَتُهُ عَلَى قَلْبِهِ. (١)

وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: مَيْل النَّفْسِ إِلَى خِلاَفِ مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. (٢)

وَأَهْل الأَْهْوَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هُمْ: مَنْ زَاغَ عَنِ الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى مِنْ أَهْل الْقِبْلَةِ كَالْجَبْرِيَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الإِْنْسَانَ لاَ كَسْبَ لَهُ وَلاَ اخْتِيَارَ، وَكَالْقَدَرِيَّةِ وَهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْقَدَرَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الأَْمْرَ أُنُفٌ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ، وَقَدْ تُسَمَّى الْجَبْرِيَّةُ (قَدَرِيَّةً) لأَِنَّهُمْ غَلَوْا فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَكَالْمُعَطِّلَةِ وَهُمُ الَّذِينَ يَنْفُونَ صِفَاتِ الْخَالِقِ ﷿، وَكَالْمُشَبِّهَةِ وَهُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ صِفَاتِهِ تَعَالَى مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَنَحْوِهِمْ (٣) .

_________

(١) لسان العرب مادة " هوى "، وانظر دستور العلماء ١ / ٢١٢ طبع دائرة المعارف النظامية - حيدر آباد.

(٢) دستور العلماء. والمغرب للمطرزي مادة " هوى ".

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٤٦ طبع بولاق الأولى، وتعريفات الجرجاني، وتهذيب الأسماء واللغات. والكليات ١ / ٣٥٧ طبع وزارة الثقافة السورية ١٩٧٤، ولمعرفة تفصيل ذلك يرجع إلى كتاب الفرق بين الفرق لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص ٢٢ وما بعدها طبع ١٣٦٧، وشرح العقيدة الطحاوية ص ٣٠٥، ٥٩٢.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْمُبْتَدِعَةُ:

٢ - الْمُبْتَدِعَةُ مَنْ لَهُمْ طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ (١) .

ب - الْمَلاَحِدَةُ:

٣ - الْمَلاَحِدَةُ وَالزَّنَادِقَةُ وَالدَّهْرِيُّونَ - هُمُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَلاَ بِمُحَمَّدٍ رَسُول اللَّهِ ﷺ. (٢) وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْل الأَْهْوَاءِ كَبِيرٌ، إِذْ أَنَّ أَهْل الأَْهْوَاءِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِمُحَمَّدٍ رَسُول اللَّهِ ﷺ.

مُنَاظَرَةُ أَهْل الأَْهْوَاءِ وَكَشْفُ شُبَهِهِمْ:

٤ - يَنْبَغِي لِعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا أَهْل الأَْهْوَاءِ بِالْحُجَّةِ، وَيَكْشِفُوا شُبَهَهُمْ، وَيُبَيِّنُوا لَهُمْ فَسَادَ مَذْهَبِهِمْ، وَصِحَّةَ مَذْهَبِ أَهْل السُّنَّةِ؛ لِيَدِينُوا بِالْحَقِّ الَّذِي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، أَوْ لِيَجْتَنِبَهُمُ الْعَامَّةُ، وَلَيْسَ لِلْعَامَّةِ أَنْ يَنْظُرُوا فِي كُتُبِهِمْ، بَل عَلَيْهِمْ هَجْرُهُمْ، فَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَنْهَوْنَ عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْل الْبِدَعِ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِهِمْ وَالاِسْتِمَاعِ لِكَلاَمِهِمْ (٣) .

_________

(١) الآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٢٣٥ طبع مكتبة الرياض الحديثة، والاعتصام للشاطبي ١ / ١٩ ط مصطفى محمد، وانظر ابن عابدين ١ / ٣٧٧، ودستور العلماء ١ / ٢٣٢، والكليات ١ / ٤٢٢.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٩٦، ودستور العلماء ٢ / ٢٩٦.

(٣) فواتح الرحموت ١ / ١٦١، والفتاوى الهندية ٥ / ٢٧٧ طبعة بولاق الثانية سنة ١٣١٠، والآداب الشرعية ١ / ٢٣٧، ٢٦٣، ٢٦٨ ط مكتبة الرياض الحديثة.

هَجْرُ أَهْل الأَْهْوَاءِ:

٥ - الأَْصْل أَنَّهُ يَحْرُمُ هِجْرَانُ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ لِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ؛ لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ صَاحِبَهُ بِالسَّلاَمِ (١) .

وَقَدِ اعْتَبَرَ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ الأَْئِمَّةِ الاِبْتِدَاعَ فِي الْعَقَائِدِ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ لِلْهَجْرِ، وَأَوْجَبُوا هَجْرَ أَهْل الأَْهْوَاءِ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ، الَّذِينَ يُجَاهِرُونَ بِبِدَعِهِمْ أَوْ يَدْعُونَ إِلَيْهَا. (٢)

تَوْبَةُ أَهْل الأَْهْوَاءِ:

أَهْل الأَْهْوَاءِ عَلَى نَوْعَيْنِ:

٦ - بَاطِنِيَّةٌ وَغَيْرُ بَاطِنِيَّةٍ: أَمَّا الْبَاطِنِيَّةُ: فَهُمُ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ غَيْرَ مَا يُبْطِنُونَ، فَهُمْ يُظْهِرُونَ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ، وَيُبْطِنُونَ الْقَوْل بِالتَّنَاسُخِ وَحِل الْخَمْرِ وَالزِّنَى، وَالْقَوْل فِي مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا لاَ يَلِيقُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُول تَوْبَةِ هَؤُلاَءِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الأَْوَّل: أَنَّهُمْ لاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُمْ؛ لأَِنَّ نِحَلَهُمْ تُبِيحُ لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا غَيْرَ مَا يُبْطِنُونَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُول: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (٣) وَهَؤُلاَءِ الْبَاطِنِيَّةُ لاَ تَظْهَرُ مِنْهُمْ عَلاَمَةٌ تُبَيِّنُ رُجُوعَهُمْ وَتَوْبَتَهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ كَانُوا مُظْهِرِينَ لِلإِْسْلاَمِ مُسِرِّينَ لِلْكُفْرِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ

_________

(١) حديث: " لا يحل لمسلم. . . . " أخرجه البخاري (١٠ / ٤٩٢ ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٩٨٤ ط الحلبي) .

(٢) الشرح الصغير ٤ / ٧٤٥، ٧٤٦، والآداب الشرعية ١ / ٢٣٧، ٢٥٨، ٢٩٦، وحاشية قليوبي ٣ / ٢٩٦، وفتاوى ابن تيمية ٢٤ / ١٧٤، ١٧٥ طبع مطابع الرياض ١٣٨٢.

(٣) سورة البقرة / ١٦٠.

وَابْنُ عُمَرَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَغَيْرُهُمْ.

الثَّانِي: أَنَّهُمْ تُقْبَل تَوْبَتُهُمْ كَسَائِرِ أَهْل الأَْهْوَاءِ - كَمَا سَيَأْتِي - وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَلَكِنَّهَا لاَ تُقْبَل إِنْ كَانَتْ بَعْدَ أَخْذِهِمْ، كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ. (١)

٧ - وَأَمَّا غَيْرُ الْبَاطِنِيَّةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَكُونُ سِرُّهُمْ كَعَلاَنِيَتِهِمْ وَنَحْوِهِمْ، وَهَؤُلاَءِ قَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول تَوْبَتِهِمْ. فَالْجُمْهُورُ عَلَى قَبُول تَوْبَتِهِمْ، وَإِنِ اشْتَرَطَ الْبَعْضُ كَالْمَرُّوذِيِّ تَأْجِيلَهُمْ سَنَةً حَتَّى يُعْلَمَ إِخْلاَصُهُمْ فِي تَوْبَتِهِمْ، أَخْذًا مِنْ تَصَرُّفِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ صَبِيغِ بْنِ عَسَلٍ التَّمِيمِيِّ حِينَ انْتَظَرَ بِهِ سَنَةً، فَلَمَّا عَلِمَ صِدْقَ تَوْبَتِهِ عَفَا عَنْهُ.

وَذَهَبَ الْبَعْضُ وَمِنْهُمُ ابْنُ شَاقِلاَ الْحَنْبَلِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُمْ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ (٢) . وَمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا أَنَّ اللَّهَ احْتَجَزَ التَّوْبَةَ عَلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ (٣) .

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٣٨٧ طبعة بولاق الأولى سنة ١٣١٦، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٧، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٨١، وحاشية قليوبي ٤ / ١٧٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٦، والمغني ٨ / ١٢٦، والآداب الشرعية ١ / ١٢٥.

(٢) حديث: " من سن سنة سيئة. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٧٠٤، ٧٠٥ ط الحلبي) .

(٣) الآداب الشرعية ١ / ١٢٥. وحديث: " إن الله احتجر التوبة عن صاحب بدعة. . . . ". أخرجه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان، والضياء في المختارة من حديث أنس ﵁، وسكت عنه المناوي (فيض القدير ٢ / ٢٠٠ ط المكتبة التجارية) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠ / ١٨٩) وقال المنذري: إسناده حسن (الترغيب والترهيب ١ / ٦٥ ط مطبعة السعادة) .

وَالْجَدِيرُ بِالذِّكْرِ أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الآْثَارِ إِلاَّ الآْثَارَ الدُّنْيَوِيَّةَ فَحَسْبُ، مِنْ حَيْثُ اسْتِحْقَاقُهُ التَّعْزِيرَ وَعَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ أَمْرَهُ مَوْكُولٌ إِلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي تَوْبَتِهِ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَادِقًا فِي تَوْبَتِهِ، رُدَّتْ وَخَابَ وَخَسِرَ.

عُقُوبَةُ أَهْل الأَْهْوَاءِ:

٨ - إِذَا كَانَتِ الْبِدْعَةُ الَّتِي يَنْتَحِلُهَا أَهْل الأَْهْوَاءِ مُكَفِّرَةً فَإِنَّهُمْ يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةَ الْمُرْتَدِّينَ، وَيُطَبَّقُ عَلَيْهِمْ حَدُّ الرِّدَّةِ.

أَمَّا إِنْ لَمْ تَكُنْ مُكَفِّرَةً فَإِنَّ عُقُوبَتَهُمُ التَّعْزِيرُ بِالاِتِّفَاقِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الدُّعَاةِ مِنْهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِ الدُّعَاةِ، فَغَيْرُ الدُّعَاةِ يُعَزَّرُونَ بِالضَّرْبِ أَوِ الْحَبْسِ، أَوْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ نَافِعٌ بِهِمْ، وَكَرِهَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ حَبْسَهُمْ، وَقَال: إِنَّ لَهُمْ وَالِدَاتٍ وَأَخَوَاتٍ.

أَمَّا الدُّعَاةُ مِنْهُمْ وَالرُّؤَسَاءُ فَيَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِهِمُ التَّعْزِيرُ إِلَى الْقَتْل سِيَاسَةً، قَطْعًا لِدَابِرِ الإِْفْسَادِ فِي الأَْرْضِ، وَعَلَى هَذَا الْحَنَفِيَّةُ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الإِْمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. (١)

شَهَادَةُ أَهْل الأَْهْوَاءِ:

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول شَهَادَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ الَّذِينَ لاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِمْ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٤٧، ٢٩٧، والآداب الشرعية ١ / ٢٩١، والسياسة الشرعية لابن تيمية ص ٩٩ طبع بيروت دار الكتب العربية.

وَشَرِيكٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ - وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى رَدِّ شَهَادَتِهِمْ لأَِنَّهُمْ فَسَقَةٌ، وَلاَ يُعْذَرُونَ بِالتَّأْوِيل. (١)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِلَى قَبُول شَهَادَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ، إِلاَّ الْخَطَّابِيَّةَ، فَإِنَّهُمْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ. (٢)

وَقَدْ فَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَبُول شَهَادَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ بَيْنَ الدُّعَاةِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَبِلُوا شَهَادَةَ الْعَامَّةِ مِنْهُمْ، وَرَدُّوا شَهَادَةَ الدُّعَاةِ لأَِنَّهُمْ مُفْسِدُونَ فِي الأَْرْضِ، وَقَدِ احْتَجَّ هَؤُلاَءِ فِي قَبُول شَهَادَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ بِأَنَّ الْهَوَى نَاشِئٌ عَنِ التَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ يَصُدُّهُ عَنِ الْكَذِبِ.

وَإِنَّمَا رَدُّوا شَهَادَةَ الْخَطَّابِيَّةِ مِنْهُمْ لأَِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَصْحَابَهُمْ لاَ يَكْذِبُونَ - أَيْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُل مَنْ كَانَ عَلَى عَقِيدَتِهِمْ لاَ يَكْذِبُ - فَإِذَا رَأَوْهُ فِي قَضِيَّةٍ شَهِدُوا لَهُ بِمُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ الْحَال. (٣)

رِوَايَةُ أَهْل الأَْهْوَاءِ لِلْحَدِيثِ:

١٠ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُول رِوَايَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ لِلْحَدِيثِ.

_________

(١) الشرح الصغير ٤ / ٢٤٠، والمغني ٩ / ١٦٥.

(٢) في كتاب الفرق بين الفرق ص ٢٥٥: أن الخطابية كلهم حلوليون، يدعون حلول روح الإله في جعفر الصادق، وبعده في أبي الخطاب الأسدي، قال: فهذه الطائفة كافرة من هذه الجهة. وفي الزيلعي على الكنز (٤ / ٢٢٣): أنهم كانوا يستجيزون أن يشهدوا للمدعي إذا حلف عندهم أنه محق، ويقولون: المسلم لا يكذب، وقيل: إنهم كانوا يعتقدون أن من ادعى منهم شيئا على غيره يجب أن يشهد له بقية شيعته.

(٣) انظر حاشية ابن عابدين ١ / ٣٧٧، وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ١ / ١٤٠، وحاشية قليوبي ٤ / ٣٢٢، وحاشية الجمل ٥ / ٣٨٦ طبع دار إحياء التراث.

فَقَدْ مَنَعَ الرِّوَايَةَ عَنْهُمُ ابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالْحُمَيْدِيُّ وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَعَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْرُهُمْ. وَحُجَّةُ هَؤُلاَءِ: أَنَّ أَهْل الأَْهْوَاءِ: إِمَّا كُفَّارٌ أَوْ فُسَّاقٌ، وَلاَ تَحِل الرِّوَايَةُ عَنْ هَؤُلاَءِ؛ وَلأَِنَّ فِي تَرْكِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ إِهَانَةً لَهُمْ وَهَجْرًا، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ رَدْعًا لَهُمْ عَنِ الْهَوَى؛ وَلأَِنَّ الْهَوَى لاَ يُؤْمَنُ مَعَهُ الْكَذِبُ، لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الرِّوَايَةُ مِمَّا يُعَضِّدُ هَوَى الرَّاوِي.

وَرَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمْ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ، إِذَا عُرِفُوا بِالصِّدْقِ وَلَمْ يُتَّهَمُوا بِالْكَذِبِ كَالْخَوَارِجِ، دُونَ مَنْ يُتَّهَمُ مِنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ بِالْكَذِبِ.

وَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ مِنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ وَغَيْرِهِ، فَمَنَعُوا الرِّوَايَةَ عَنِ الدَّاعِيَةِ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِ، وَمِنْ هَؤُلاَءِ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَتَّى قَال فِي فَوَاتِحِ الرَّحَمُوتِ: وَعَلَى هَذَا أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ كُلُّهُمْ؛ وَلأَِنَّ الْمُحَاجَّةَ وَالدَّعْوَةَ إِلَى الْهَوَى سَبَبٌ دَاعٍ إِلَى التَّقَوُّل، فَلاَ يُؤْمَنُ عَلَى حَدِيثِهِ. (١)

وَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ بَيْنَ مَنْ يَغْلُو فِي هَوَاهُ وَمَنْ لاَ يَغْلُو، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْلٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْبِدَعِ الْمُغَلَّظَةِ، كَالتَّجَهُّمِ وَالْقَدَرِ، وَالْبِدَعِ الْمُخَفَّفَةِ ذَاتُ الشُّبْهَةِ كَالإِْرْجَاءِ. قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: احْتَمِلُوا مِنَ الْمُرْجِئَةِ الْحَدِيثَ، وَيُكْتَبُ عَنِ الْقَدَرِيِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً. (٢)

_________

(١) فواتح الرحموت ٢ / ١٤٠.

(٢) انظر: شرح علل الحديث لابن رجب ص ٨٣ وما بعدها طبع وزارة الأوقاف العراقية، ومقدمة ابن الصلاح ص ١٠٣ طبع مطبعة الأصيل بحلب، وفواتح الرحموت ٢ / ١٤٠.

إِمَامَةُ أَهْل الأَْهْوَاءِ فِي الصَّلاَةِ:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الاِقْتِدَاءِ بِأَهْل الأَْهْوَاءِ فِي الصَّلاَةِ. فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِقْتِدَاءُ بِأَهْل الأَْهْوَاءِ مُطْلَقًا، فَإِنِ اقْتَدَى بِهِمْ فَصَلاَتُهُ بَاطِلَةٌ.

وَفَرَّقُوا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بَيْنَ الاِقْتِدَاءِ بِالْمُجَاهِرِ بِهَوَاهُ وَبِدْعَتِهِ الدَّاعِي إِلَيْهَا، وَبَيْنَ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَأَجَازُوا الاِقْتِدَاءَ بِالْمُسْتَسَرِّ بِهَا، وَأَبْطَلُوهُ بِالْمُجَاهِرِ وَالدَّاعِي. (١)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ إِنِ اقْتَدَى بِأَحَدٍ مِنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الإِْعَادَةُ فِي الْوَقْتِ؛ لأَِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي كُفْرِهِمْ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الاِقْتِدَاءِ بِأَهْل الأَْهْوَاءِ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ. (٣)

أَهْل الْبَيْتِ

انْظُرْ: آل

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٤٧٤، والمغني ٢ / ١٨٦.

(٢) شرح الزرقاني على خليل ٢ / ١٢.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٧٦، وأسنى المطالب ١ / ٢١٩.

أَهْل الْحَرْبِ

التَّعْرِيفُ:

١ - أَهْل الْحَرْبِ أَوِ الْحَرْبِيُّونَ: هُمْ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ، وَلاَ يَتَمَتَّعُونَ بِأَمَانِ الْمُسْلِمِينَ وَلاَ عَهْدِهِمْ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - أَهْل الذِّمَّةِ:

٢ - أَهْل الذِّمَّةِ هُمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ أُقِرُّوا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِالْتِزَامِ الْجِزْيَةِ وَنُفُوذِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ فِيهِمْ (٢) .

ب - أَهْل الْبَغْيِ:

٣ - أَهْل الْبَغْيِ أَوِ الْبُغَاةُ: هُمْ فِرْقَةٌ خَرَجَتْ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ لِمَنْعِ حَقٍّ، أَوْ لِخَلْعِهِ، وَهُمْ أَهْل مَنَعَةٍ. (٣)

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٢٧٨، ٢٨٤، والفتاوى الهندية ٢ / ١٧٤، ومواهب الجليل ٣ / ٣٤٦ - ٣٥٠، والشرح الصغير ٢ / ٢٦٧، وما بعدها، ونهاية المحتاج ٧ / ١٩١، ومغني المحتاج ٤ / ٢٠٩، ومطالب أولي النهى ٢ / ٥٠٨، وكشاف القناع ٣ / ٢٨، والمغني ٨ / ٣٥٢، ٣٦١ وما بعدها.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٠٥، وكشاف القناع ١ / ٧٠٤.

(٣) مواهب الجليل ٦ / ٢٧٦، والشرح الكبير مع الدسوقي ٤ / ٣٠٠، والشرح الصغير ٤ / ٤٢٦، والقوانين الفقهية ص ٣٩٣، والأم ٤ / ٢١٤ وما بعدها ط الأزهرية، ومغني المحتاج ٤ / ١٢٣ وما بعدها، والمغني ٨ / ١٠٤ وما بعدها.