الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
وَإِنْ رَمَيْتَ فَوَجَدْتَ فِيهِ سَهْمَكَ مِنْ يَوْمِكَ أَوْ لَيْلَتِكَ فَكُل، وَإِنْ بَاتَ عَنْكَ لَيْلَةً فَلاَ تَأْكُل، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا حَدَثَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ (١)
. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلاَنِ لأَِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَال: كُل مَا أَصْمَيْتَ، وَمَا أَنْمَيْتَ فَلاَ تَأْكُل.
قَال الْحَكَمُ: الإِْصْمَاءُ الإِْقْعَاصُ، يَعْنِي أَنَّهُ يَمُوتُ فِي الْحَال، وَالإِْنْمَاءُ أَنْ يَغِيبَ عَنْكَ يَعْنِي أَنَّهُ لاَ يَمُوتُ فِي الْحَال (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي (صَيْدٌ) .
أُنْمُوذَجٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - لِلأُْنْمُوذَجِ مَعَانٍ مِنْهَا: أَنَّهُ مَا يَدُل عَلَى صِفَةِ الشَّيْءِ، كَأَنْ يُرِيَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا صَاعًا مِنْ صُبْرَةِ قَمْحٍ مَثَلًا، وَيَبِيعَهُ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الصَّاعِ. وَيُقَال لَهُ أَيْضًا نَمُوذَجٌ. قَال الصَّغَائِيُّ:
النَّمُوذَجُ: مِثَال الشَّيْءِ الَّذِي يُعْمَل عَلَيْهِ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ (٣) .
_________
(١) الأثر عن ابن عباس ﵁ سبق تخريجه (ف / ١) .
(٢) المغني ٨ / ٥٥٣، ٥٥٤.
(٣) المصباح المنير ٢ / ٢٩٧، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٣ / ١٦٣ - ط مطبعة النصر الحديثة، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٦٦، ومنهاج الطالبين ٢ / ١٦٥.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَرْنَامَجُ:
٢ - الْبَرْنَامَجُ: هُوَ الْوَرَقَةُ الْجَامِعَةُ لِلْحِسَابِ وَهُوَ مُعَرَّبُ " برنامه " (١) .
وَفِي الْمُغْرِبِ: هِيَ النُّسْخَةُ الْمَكْتُوبُ فِيهَا عَدَدُ الثِّيَابِ وَالأَْمْتِعَةِ وَأَنْوَاعِهَا الْمَبْعُوثِ بِهَا مِنْ إِنْسَانٍ لآِخَرَ. فَالْبَرْنَامَجُ هِيَ تِلْكَ النُّسْخَةُ الَّتِي فِيهَا مِقْدَارُ الْمَبْعُوثِ، وَمِنْهُ قَوْل السِّمْسَارِ: إِنَّ وَزْنَ الْحُمُولَةِ فِي الْبَرْنَامَجِ كَذَا (٢) .
وَنَصَّ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْبَرْنَامَجَ: هُوَ الدَّفْتَرُ الْمَكْتُوبُ فِيهِ صِفَةُ مَا فِي الْوِعَاءِ مِنَ الثِّيَابِ الْمَبِيعَةِ (٣) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (بَرْنَامَجٌ) .
ب - الرَّقْمُ:
٣ - الرَّقْمُ: مِنْ رَقَّمْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَعْلَمْتُهُ بِعَلاَمَةٍ تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ كَالْكِتَابَةِ وَنَحْوِهَا (٤) . وَفَسَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلِهِمُ الْبَيْعُ بِالرَّقْمِ بِأَنَّهُ عَلاَمَةٌ يُعْرَفُ بِهَا مِقْدَارُ مَا يَقَعُ بِهِ الْبَيْعُ (٥) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهُ الثَّمَنُ الْمَكْتُوبُ عَلَى الثَّوْبِ (٦)، وَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ: (الْبَيْعُ بِالرَّقْمِ) .
_________
(١) تاج العروس مادة " برنامج "، وفيه أنها بفتح الباء والميم، وقيل بكسر الميم، وقيل بكسرهما.
(٢) المغرب مادة " برنامج ".
(٣) الشرح الصغير ٣ / ٤١، وهو وإن كان قد أورد في التعريف بحسب نصه: أنه الدفتر المكتوب فيه صفة ما في العدل من الثياب المبينة إلا أن المراد بالعدل (الوعاء) .
(٤) المصباح المنير مادة " رقم ".
(٥) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٩.
(٦) المغني لابن قدامة ٤ / ٢٠٧ - ط الرياض، مطالب أولي النهى ٣ / ٤٠.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - أَوْرَدَ الْحَنَفِيَّةُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول. وَأَنَّهُ لاَ بُدَّ لِلْعَاقِدَيْنِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ مَعْرِفَةً نَافِيَةً لِلْجَهَالَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْمُنَازَعَةِ. فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ حَاضِرًا اكْتُفِيَ بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلتَّعْرِيفِ قَاطِعَةٌ لِلْمُنَازَعَةِ. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالأُْنْمُوذَجِ كَالْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ فَرُؤْيَةُ الأُْنْمُوذَجِ كَرُؤْيَةِ الْجَمِيعِ إِلاَّ أَنْ يَخْتَلِفَ فَيَكُونَ لَهُ خِيَارُ الْعَيْبِ، أَوْ خِيَارُ فَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يُعْرَفُ بِالأُْنْمُوذَجِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ فَيَذْكُرُ لَهُ جَمِيعَ الأَْوْصَافِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ وَيَكُونُ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
كَمَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ كَذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَصِفَتِهِ إِذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الثَّمَنَ فَهُوَ عَلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَامَلُوا بِهَا انْصَرَفَ إِلَى الْمُعْتَادِ عِنْدَهُمْ. وَيَكْفِي أَنْ يَرَى الْمُشْتَرِي مِنَ الْمَبِيعِ مَا يَدُل عَلَى الْعِلْمِ؛ لأَِنَّ رُؤْيَةَ جَمِيعِ الْمَبِيعِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ لِتَعَذُّرِهَا كَوَجْهِ صُبْرَةٍ لاَ تَتَفَاوَتُ آحَادُهَا (١) . فَمَتَى كَانَ الأُْنْمُوذَجُ قَدْ دَل عَلَى مَا فِي الصُّبْرَةِ مِنْ مَبِيعٍ دَلاَلَةً نَافِيَةً لِلْجَهَالَةِ، وَكَانَ مِمَّا لاَ تَتَفَاوَتُ آحَادُهُ، وَكَانَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، كَانَ الْبَيْعُ بِهِ صَحِيحًا وَبِغَيْرِهِ لاَ.
هَذَا مَا عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، فَقَدْ شَرَطُوا فِيمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ: مَعْرِفَةُ الْعَاقِدَيْنِ بِالْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ مَعْرِفَةً نَافِيَةً لِلْجَهَالَةِ، وَأَنَّ رُؤْيَةَ بَعْضِ الْمَبِيعِ تَكْفِي إِنْ دَلَّتْ عَلَى الْبَاقِي فِيمَا لاَ يَخْتَلِفُ أَجْزَاؤُهُ اخْتِلاَفًا بَيِّنًا.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأُْنْمُوذَجِ الْمُتَمَاثِل الْمُتَسَاوِي
_________
(١) الاختيار شرح المختار ٢ / ٤، ٥ ط دار المعرفة، وابن عابدين ٤ / ٥، ٢١، ٦٥، ٦٦.
الأَْجْزَاءَ كَالْحُبُوبِ: إِنَّ رُؤْيَتَهُ تَكْفِي عَنْ رُؤْيَةِ بَاقِي الْمَبِيعِ، وَالْبَيْعُ بِهِ جَائِزٌ. وَإِذَا أَحْضَرَ الْبَائِعُ الأُْنْمُوذَجَ وَقَال: بِعْتُكَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ مَالًا لِيَكُونَ بَيْعًا، وَلَمْ يُرَاعِ شَرْطَ السَّلَمِ، وَلاَ يَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ الْوَصْفِ فِي السَّلَمِ؛ لأَِنَّ الْوَصْفَ بِاللَّفْظِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ النِّزَاعِ، فَإِنْ عَيَّنَ الثَّمَنَ وَبَيَّنَهُ جَازَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْبَيْعَ بِالأُْنْمُوذَجِ لاَ يَصِحُّ إِذَا لَمْ يَرَ الْمَبِيعَ وَقْتَ الْعَقْدِ، أَمَّا إِذَا رُئِيَ فِي وَقْتِهِ وَكَانَ عَلَى مِثَالِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ (١) .
إِنْهَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْنْهَاءُ فِي اللُّغَةِ: يَكُونُ بِمَعْنَى الإِْعْلاَمِ، وَالإِْبْلاَغِ، يُقَال أَنْهَيْتُ الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ أَيْ أَعْلَمْتُهُ بِهِ. وَيَكُونُ بِمَعْنَى الإِْتْمَامِ وَالإِْنْجَازِ. يُقَال: أَنْهَى الْعَمَل إِذَا أَنْجَزَهُ (٢) .
وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِمَعْنَى إِبْلاَغِ الْقَاضِي قَاضِيًا آخَرَ بِحُكْمِهِ لِيُنَفِّذَهُ، أَوْ بِمَا حَصَل عِنْدَهُ مِمَّا هُوَ دُونَ الْحُكْمِ، كَسَمَاعِ الدَّعْوَى لِقَاضٍ آخَرَ لِيُتَمِّمَهُ. وَيَكُونَ إِمَّا مُشَافَهَةً أَوْ بِكِتَابٍ أَوْ
_________
(١) الشرح الكبير ٣ / ٢٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٢، ٦ - ٧، وعميرة على شرح المحلى على منهاج الطالبين ٢ / ١٥٢ - ١٥٣، ١٦١ - ١٦٣، ١٦٥، وكشاف القناع ٣ / ١٦٣ طبعة بيروت.
(٢) الصحاح والمصباح المنير، وتهذيب الأسماء واللغات، والمرجع لعبد الله العلايلي، مادة (نهى) .
بِشَاهِدَيْنِ (١) . وَيَرْجِعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى (دَعْوَى. قَضَاءٍ) .
وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ، وَيُرْجَعُ إِلَى بَحْثِ (إِتْمَامٍ) .
أُنُوثَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأُْنُوثَةُ خِلاَفُ الذُّكُورَةِ، وَالأُْنْثَى - كَمَا جَاءَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ - خِلاَفُ الذَّكَرِ، قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٢)، وَتُجْمَعُ عَلَى إِنَاثٍ وَأَنَاثَى، وَامْرَأَةٌ أُنْثَى. أَيْ كَامِلَةٌ فِي أُنُوثَتِهَا.
وَالأُْنْثَيَانِ: الْخُصْيَتَانِ (٣) . (ر: خِصَاءٌ) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.
هَذَا، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ لِلأُْنُوثَةِ عَلاَمَاتٍ وَأَمَارَاتٍ تُمَيِّزُهَا عَنِ الذُّكُورَةِ فَضْلًا عَنْ أَعْضَاءِ الأُْنُوثَةِ، وَتِلْكَ الأَْمَارَاتُ إِمَّا حِسِّيَّةٌ كَالْحَيْضِ، وَإِمَّا مَعْنَوِيَّةٌ كَالطِّبَاعِ.
وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (خُنْثَى) .
_________
(١) شرح الزرقاني ٧ / ١٥٠، ١٥١ ط دار الفكر، وتبصرة الحكام بهامش فتاوى عليش ٢ / ١٩، ٢٠، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٥٩ ط مصطفى الحلبي، وقليوبي وعميرة ٤ / ٣٠٩.
(٢) سورة الحجرات / ١٣.
(٣) الصحاح ١ / ٢٧٢، ٢٧٣ باب الثاء فصل الألف، ط دار الكتاب العربي، والقاموس المحيط، والمصباح المنير، مادة " أنث ".
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْخُنُوثَةُ:
٢ - الْخُنُوثَةُ حَالَةٌ بَيْنَ الذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ. وَتَذْكُرُ كُتُبُ اللُّغَةِ أَنَّ الْخُنْثَى مَنْ لَهُ مَا لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا (١) .
وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، فَقَدْ قَال النَّوَوِيُّ: الْخُنْثَى ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ لَهُ فَرْجُ الْمَرْأَةِ وَذَكَرُ الرِّجَال، وَضَرْبٌ لَيْسَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (خُنْثَى) .
أَحْكَامُ الأُْنُوثَةِ
أُنْثَى الآْدَمِيِّ:
أَوَّلًا: تَكْرِيمُ الإِْسْلاَمِ لِلأُْنْثَى:
يَتَمَثَّل تَكْرِيمُ الإِْسْلاَمِ لِلأُْنْثَى فِيمَا يَأْتِي:
حُسْنُ اسْتِقْبَالِهَا عِنْدَ وِلاَدَتِهَا:
٣ - كَانَ اسْتِقْبَال الأُْنْثَى فِي الْعَرَبِ قَبْل الإِْسْلاَمِ اسْتِقْبَالًا سَيِّئًا، يَتَبَرَّمُونَ بِهَا، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُهُمْ، وَيَتَوَارَوْنَ عَنِ الأَْعْيُنِ، إِذْ هِيَ فِي نَظَرِهِمْ مَجْلَبَةٌ لِلْفَقْرِ أَوْ لِلْعَارِ، فَكَانُوا يَئِدُونَهَا حَيَّةً، وَيَسْتَكْثِرُ الرَّجُل عَلَيْهَا النَّفَقَةَ الَّتِي لاَ يَسْتَكْثِرُهَا عَلَى عَبْدِهِ أَوْ حَيَوَانِهِ (٣)، فَنَهَى اللَّهُ ﷾ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وَذَمَّ هَذَا الْفِعْل الشَّنِيعَ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ بَاءَ بِالْخُسْرَانِ الْمُبِينِ، ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤) .
_________
(١) المصباح مادة: " خنث "، والصحاح والقاموس.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٤١ ط الحلبي، والمغني ٦ / ٢٥٣، والحموي على ابن نجيم ٢ / ١٦٦ - ١٧٠ ط العامرة.
(٣) تفسير الطبري ٤ / ١٢٣ و١٥ / ٧٨ ط مصطفى الحلبي.
(٤) سورة الأنعام / ١٤٠.
وَنَبَّهَ الإِْسْلاَمُ إِلَى أَنَّ حَقَّ الْوُجُودِ وَحَقَّ الْحَيَاةِ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ ﷾ لِكُل إِنْسَانٍ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (١) .
قَال ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (٢): قَدَّمَ اللَّهُ ﷾ مَا كَانَتْ تُؤَخِّرُهُ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ أَمْرِ الْبَنَاتِ حَتَّى كَانُوا يَئِدُونَهُنَّ، أَيْ هَذَا النَّوْعَ الْمُؤَخَّرَ الْحَقِيرَ عِنْدَكُمْ مُقَدَّمٌ عِنْدِي فِي الذِّكْرِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ التَّسَخُّطَ بِالإِْنَاثِ مِنْ أَخْلاَقِ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ ﷾ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُْنْثَى ظَل وَجْهُهُ مُسَوَّدًا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣) .
وَقَال قَتَادَةَ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِخُبْثِ صَنِيعِهِمْ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، وَقَضَاءُ اللَّهِ لَهُ خَيْرٌ مِنْ قَضَاءِ الْمَرْءِ نَفْسِهِ، وَلَعَمْرِي مَا يَدْرِي أَنَّهُ خَيْرٌ؛ لَرُبَّ جَارِيَةٍ خَيْرٌ لأَِهْلِهَا مِنْ غُلاَمٍ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَكُمُ اللَّهُ بِصَنِيعِهِمْ لِتَجْتَنِبُوهُ وَتَنْتَهُوا عَنْهُ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَغْذُو كَلْبَهُ وَيَئِدُ ابْنَتَهُ (٤) .
وَالإِْسْلاَمُ لاَ يَكْتَفِي مِنَ الْمُسْلِمِ بِأَنْ يَجْتَنِبَ وَأْدَ الْبَنَاتِ، بَل يَرْتَقِي بِالْمُسْلِمِ إِلَى دَرَجَةِ الإِْنْسَانِيَّةِ الْمُثْلَى، فَيَأْبَى عَلَيْهِ أَنْ يَتَبَرَّمَ بِذُرِّيَّةِ الْبَنَاتِ، وَيَتَلَقَّى وِلاَدَتَهُنَّ بِالْعَبُوسِ وَالاِنْقِبَاضِ، بَل يَتَقَبَّلُهَا بِالرِّضَى وَالْحَمْدِ، قَال صَالِحُ بْنُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: كَانَ أَحْمَدُ إِذَا
_________
(١) سورة الشورى / ٤٩.
(٢) تحفة المودود بأحكام المولود ص ١١.
(٣) سورة النحل / ٥٩.
(٤) تفسير الطبري ٤ / ١٢٣ ط مصطفى الحلبي.
وُلِدَ لَهُ ابْنَةٌ يَقُول: الأَْنْبِيَاءُ كَانُوا آبَاءَ بَنَاتٍ، وَيَقُول: قَدْ جَاءَ فِي الْبَنَاتِ مَا عَلِمْتَ (١) .
الْعَقُّ عَنْهَا:
٤ - الْعَقِيقَةُ عَنِ الْمَوْلُودِ سُنَّةٌ، وَيَسْتَوِي فِي السُّنَّةِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى، فَكَمَا يَعُقُّ الْوَلِيُّ عَنِ الذَّكَرِ يَوْمَ السَّابِعِ يَعُقُّ عَنِ الأُْنْثَى أَيْضًا (٢)، وَلَكِنْ يَعُقُّ عَنِ الأُْنْثَى شَاةٌ، وَعَنِ الذَّكَرِ شَاتَانِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ فِي (عَقِيقَةٍ) .
تَسْمِيَتُهَا بِاسْمٍ حَسَنٍ:
٥ - مِنَ السُّنَّةِ تَسْمِيَةُ الْمَوْلُودِ بِاسْمٍ حَسَنٍ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى، وَكَمَا كَانَ النَّبِيُّ يُغَيِّرُ أَسْمَاءَ الذُّكُورِ مِنَ الْقَبِيحِ إِلَى الْحَسَنِ، فَإِنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ يُغَيِّرُ أَسْمَاءَ الإِْنَاثِ مِنَ الْقَبِيحِ إِلَى الْحَسَنِ (٣)، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ ابْنَةً لِعُمَرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يُقَال لَهَا عَاصِيَةٌ فَسَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ جَمِيلَةٌ (٤) .
وَالْكُنْيَةُ مِنَ الأُْمُورِ الْمَحْمُودَةِ، يَقُول النَّوَوِيُّ: مِنَ الأَْدَبِ أَنْ يُخَاطَبَ أَهْل الْفَضْل وَمَنْ قَارَبَهُمْ بِالْكُنْيَةِ، وَقَدْ كُنِّيَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي الْقَاسِمِ، بِابْنِهِ الْقَاسِمِ. وَالْكُنْيَةُ كَمَا تَكُونُ لِلذَّكَرِ تَكُونُ لِلأُْنْثَى. قَال
_________
(١) تحفة المودود ص ١٣.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٢٤، والمغني ٨ / ٦٤٣.
(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٦٨، وتحفة المودود ص ٧٦، وجامع الأصول لابن الأثير ١ / ٣٧٦.
(٤) حديث: " أن ابنة لعمر ﵁ يقال لها عاصية. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٨٧ - ط الحلبي) والبخاري في الأدب المفرد (ص ٢٨٦ - ط السلفية) .
النَّوَوِيُّ: رَوَيْنَا بِالأَْسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ كُل صَوَاحِبِي لَهُنَّ كُنًى، قَال: فَاكْتَنِّي بِابْنِكِ عَبْدِ اللَّهِ قَال الرَّاوِي. يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُكَنَّى أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ (١) .
لَهَا نَصِيبٌ فِي الْمِيرَاثِ:
٦ - جَعَل اللَّهُ ﷾ لِلأُْنْثَى نَصِيبًا فِي الْمِيرَاثِ كَمَا لِلذَّكَرِ نَصِيبٌ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يُوَرِّثُونَ الإِْنَاثَ. قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ الْمَال لِلرِّجَال الْكِبَارِ وَلاَ يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلاَ الأَْطْفَال شَيْئًا، فَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَال نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ مِمَّا قَل مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٢) أَيِ الْجَمِيعُ فِيهِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَوُونَ فِي أَصْل الْوِرَاثَةِ وَإِنْ تَفَاوَتُوا بِحَسَبِ مَا فَرَضَ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ (٣) .
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: سَبَبُ نُزُول هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإِْنَاثِ، فَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَال: نَزَل
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٦٨، والأذكار للنووي ص ٢٤٩ - ٢٥٣ ط دار الملاح للطباعة والنشر. وحديث: " اكتني بابنك عبد الله " أخرجه أبو داود (٥ / ٢٥٣ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه النووي في الأذكار (ص ٢٦١ - ط المنيرية) .
(٢) سورة النساء / ٧.
(٣) تفسير الطبري ٣ / ٢٦٢ ط مصطفى الحلبي، ومختصر تفسير ابن كثير ١ / ٣٦٠.
قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَال نَصِيبٌ﴾ . الآْيَةَ فِي أُمِّ كَجَّةَ وَبَنَاتِهَا وَثَعْلَبَةَ وَأَوْسِ بْنِ سُوَيْدٌ (١) وَهُمْ مِنَ الأَْنْصَارِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا زَوْجَهَا وَالآْخَرُ عَمَّ وَلَدِهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ تُوُفِّيَ زَوْجِي وَتَرَكَنِي وَابْنَتَهُ وَلَمْ نُوَرَّثْ، فَقَال عَمُّ وَلَدِهَا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَلَدُهَا لاَ يَرْكَبُ فَرَسًا وَلاَ يَحْمِل كَلًّا، وَلاَ يَنْكَأُ عَدُوًّا يَكْسِبُ عَلَيْهَا وَلاَ تَكْسِبُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ (٢) .
وَوَرَدَ كَذَلِكَ فِي سَبَبِ نُزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ﴾ (٣) مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَال: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إِلَى رَسُول اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِل أَبُوهُمَا مَعَكَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا، وَلاَ يُنْكَحَانِ إِلاَّ وَلَهُمَا مَالٌ فَقَال: يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَأَرْسَل رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى عَمِّهِمَا فَقَال: أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ (٤) .
_________
(١) يقول المحقق: الصحيح أن اسمه أوس بن ثابت الأنصاري.
(٢) تفسير الماوردي ١ / ٣٦٦، ٣٨٣ ط مطابع مقهوي الكويت، والدر المنثور ٢ / ٤٣٩. وحديث سبب نزول آية (للرجال نصيب. . . .) أخرجه ابن جرير (٤ / ٢٦٢ ط الحلبي) من حديث عكرمة مرسلا وإسناده ضعيف لإرساله، وذكر له ابن كثير في تفسيره (٢ / ٢٠٧ - ط الأندلس) طريقا آخر يتقوى به.
(٣) سورة النساء / ١١.
(٤) مختصر تفسير ابن كثير ١ / ٣٦٢. وحديث: " يقضي الله في ذلك. . . فنزلت آية الميراث ". أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي ٦ / ٢٦٧ - المكتبة السلفية) والحاكم (٤ / ٣٣٤ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي.