الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٧
لِوَقْتِ الْحَاجَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَْضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ (١) . فَالْمَال فِي حَال الاِدِّخَارِ مُعَطَّلٌ عَنِ الإِْنْمَاءِ.
(أَوَّلًا)
الإِْنْمَاءُ (بِمَعْنَى زِيَادَةِ الْمَال)
حُكْمُ إِنْمَاءِ الْمَال:
تَمْهِيدٌ:
١٠ - الإِْنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَال: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ (الْعَيْنِ) وَلِلتَّصَرُّفِ فِيهَا، كَالشَّيْءِ الَّذِي يَتَمَلَّكُهُ الإِْنْسَانُ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِرْثٍ وَيَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ وَأَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ فَقَطْ دُونَ التَّصَرُّفِ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فَقَطْ دُونَ الرَّقَبَةِ كَالْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيل وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْقَاضِي وَالسُّلْطَانِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْمَال، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لاَ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ وَلاَ التَّصَرُّفَ كَالْغَاصِبِ وَالْفُضُولِيِّ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُودَعِ وَالْمُلْتَقِطِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ.
حُكْمُ الإِْنْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ وَالتَّصَرُّفِ:
مَشْرُوعِيَّتُهُ:
١١ - إِنْمَاءُ الْمَال الَّذِي يَمْلِكُهُ الإِْنْسَانُ وَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ جَائِزٌ مَشْرُوعٌ، وَالدَّلِيل عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَل الْبَيْعَ وَالتِّجَارَةَ حَتَّى
_________
(١) المصباح المنير والمهذب ١ / ٢٤٧، ومنتهى الإرادات ١ / ٨٨، وحديث: " كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم ". أخرجه مسلم في الأضاحي (٣ / ١٥٦٣ / ١٩٧٧) ط الحلبي.
فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، وَذَلِكَ الْعَمَل وَسِيلَةٌ لِلإِْنْمَاءِ كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ (١) .
يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢)، وَيَقُول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وَيَقُول: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَْرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْل اللَّهِ﴾ (٤) أَيْ يُسَافِرُونَ لِلتِّجَارَةِ، وَيَقُول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥) يَعْنِي فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ (٦) .
كَمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ. دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ (٧) وَكَذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَْمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ (٨) . وَيَقُول: الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ
_________
(١) البدائع ٦ / ٥٨ ط الجمالية.
(٢) سورة البقرة / ٢٧٥.
(٣) سورة النساء / ٢٩.
(٤) سورة المزمل / ٢٠.
(٥) سورة البقرة / ١٩٨.
(٦) القرطبي ٢ / ٤١٣ ط دار الكتب، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٢١٠، وما بعدها ط المطبعة البهية، والمهذب ١ / ٢٦٤ ط دار المعرفة بيروت، والمغني ٣ / ٥٦٠ ط مكتبة الرياض، والاختيار ٣ / ١٩ ط بيروت، والمغني ٣ / ٥٦٠، والاختيار ٤ / ١٦٠، ١٧٢، ومنتهى الإرادات ٣ / ٤١٠، ٤١١ ط دار الفكر، والمهذب ١ / ٣٦٢.
(٧) حديث: عروة البارقي أخرجه البخاري في المناقب (٦ / ٦٢٢ / ٣٦٤٢) ط السلفية، وأخرجه أبو داود في البيوع (٢ / ٦٧٧ / ٣٣٨٤ ط الدعاس) واللفظ له.
(٨) حديث: " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ". أخرجه الترمذي في البيوع (٣ / ٥١٥ / ١٢٠٩ ط الحلبي) وحسنه، والحاكم (٢ / ٦ ط دار الكتاب العربي من طريق الحسن البصري عن أبي سعيد، والحسن لم يسمع من أبي سعيد. كما ذكر ذلك العلائي في جامع التحصيل (ص ١٩٧) فالحديث منقطع. قال المناوي: وله شواهد عند الدارقطني. (فيض القدير ٣ / ٢٧٨) .
مَحْرُومٌ أَوْ مَلْعُونٌ (١)، وَيَقُول: لاَ يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلاَ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُل مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلاَ دَابَّةٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ (٢) . وَيَقُول: نِعْمَ الْمَال الصَّالِحُ لِلرَّجُل الصَّالِحِ (٣) .
وَلِتَحْصِيل هَذَا الْغَرَضِ (وَهُوَ الإِْنْمَاءُ) أَبَاحَتِ الشَّرِيعَةُ أَنْوَاعًا مِنَ الْعُقُودِ كَالشَّرِكَاتِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ دَفَعُوا مَال الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً، كَذَلِكَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَ بِالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَأَقَرَّهُمْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ (٤) .
حِكْمَةُ الْمَشْرُوعِيَّةِ:
١٢ - شُرِعَ لِلإِْنْسَانِ تَنْمِيَةُ مَالِهِ حِفَاظًا عَلَى الْمَال
_________
(١) حديث: " الجالب مرزوق والمحتكر محروم، (أو ملعون) ". أخرجه ابن ماجه في التجارات من سننه (٢ / ٧٢٨ / ٢١٥٣) وقال في الزوائد: في إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وضعفه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (٣ / ١٣ ط المكتبة الأثرية) .
(٢) حديث: " لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة " أخرجه مسلم في المساقاة (٣ / ١١٨٨ / ١٥٥٢) ط الحلبي وأخرجه البغوي في شرح السنة (١٠ / ٩١ / ٢٤٩٥) ط المكتب الإسلامي.
(٣) المغني ٣ / ٥٦٠، والاختيار ٤ / ١٦٠، ١٧٢، والمهذب ١ / ٣٦٢ وحديث: " نعم المال الصالح للرجل الصالح. . . . " أخرجه أحمد في المسند (٤ / ١٩٧، ٢٠٢) عن عمرو بن العاص. ط المكتب الإسلامي.
(٤) البدائع ٦ / ٥٨، ٧٩، والمغني ٥ / ٢٦، والمهذب ١ / ٣٩١، ومنح الجليل ٣ / ٢٨٠ ط النجاح ليبيا، والاختيار ٣ / ١١، ١٩، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣١٩.
لِمَصْلَحَتِهِ وَمَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ، وَالْحِفَاظُ عَلَى الْمَال مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ مِنْهُ السُّفَهَاءَ حَتَّى لاَ يُضَيِّعُوهُ. وَمِنْ وَسَائِل حِفْظِهِ تَنْمِيَتُهُ بِتِجَارَةٍ أَوْ زِرَاعَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ يَقُول الْفُقَهَاءُ فِي الْحِكْمَةِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الشَّرِكَةِ: الشَّرِكَةُ وُضِعَتْ لاِسْتِنْمَاءِ الْمَال بِالتِّجَارَةِ لأَِنَّ غَالِبَ نَمَاءِ الْمَال بِالتِّجَارَةِ، وَالنَّاسُ فِي الاِهْتِدَاءِ إِلَى التِّجَارَةِ مُخْتَلِفُونَ بَعْضُهُمْ أَهْدَى مِنْ بَعْضٍ، فَشُرِعَتِ الشَّرِكَةُ لِتَحْصِيل غَرَضِ الاِسْتِنْمَاءِ، وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَى اسْتِنْمَاءِ الْمَال مُتَحَقِّقَةٌ، فَشُرِعَتْ هَذِهِ الْعُقُودُ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ.
وَفِي الْقِرَاضِ يَقُول الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ لاِحْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَتَنْمِيَتِهَا بِالتَّجْرِ فِيهَا، فَهُوَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَلَيْسَ كُل أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَيَضْطَرُّ إِلَى الاِسْتِنَابَةِ عَلَيْهِ (١) .
إِنْمَاءُ الْمَال بِحَسَبِ نِيَّةِ الشَّخْصِ:
١٣ - الإِْنْمَاءُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الاِكْتِسَابِ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِحَسَبِ الْغَرَضِ مِنْهُ.
فَيُفْرَضُ إِنْ كَانَ لِتَحْصِيل الْمَال بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ،
وَيُسْتَحَبُّ الزَّائِدُ عَلَى الْحَاجَةِ إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ مُوَاسَاةَ الْفَقِيرِ وَنَفْعَ الْقَرِيبِ وَهُوَ حِينَئِذٍ أَفْضَل مِنَ التَّفَرُّغِ لِنَفْل الْعِبَادَةِ.
_________
(١) منح الجليل ٣ / ٦٦٤، والبدائع ٦ / ٥٨، ٧٩، والهداية ٣ / ٢٠٢ ط المكتبة الإسلامية، والمغني ٥ / ٢٦، ٢٧.
وَيُبَاحُ الزَّائِدُ إِذَا كَانَ بِغَرَضِ التَّجَمُّل وَالتَّنَعُّمِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ. نِعْمَ الْمَال الصَّالِحُ لِلرَّجُل الصَّالِحِ (١) .
وَيُكْرَهُ (أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ) الزَّائِدُ إِذَا كَانَ لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّكَاثُرِ وَالْبَطَرِ وَالأَْشَرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ حِلٍّ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ طَلَبَهَا حَلاَلًا مُكَاثِرًا لَهَا مُفَاخِرًا. لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ (٢) .
حُكْمُ الإِْنْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ دُونَ الرَّقَبَةِ
١٤ - مَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَال دُونَ الرَّقَبَةِ كَالْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْوَكِيل وَالْقَاضِي وَالسُّلْطَانِ. هَؤُلاَءِ يَتَصَرَّفُونَ فِيمَا يَلُونَهُ مِنْ أَمْوَال الْيَتَامَى وَالْقُصَّرِ وَأَمْوَال الْوَقْفِ وَالْمُوَكِّل وَبَيْتِ الْمَال بِإِذْنٍ شَرْعِيٍّ، وَهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى هَذِهِ الأَْمْوَال، وَنَظَرُهُمْ فِيهَا يَكُونُ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ لأَِرْبَابِهَا، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لَهُمْ إِنْمَاءُ هَذِهِ الأَْمْوَال لأَِنَّهُ أَوْفَرُ حَظًّا.
يَقُول الْفُقَهَاءُ: الْوَكِيل وَالْوَصِيُّ وَالْوَلِيُّ وَالْقَاضِي وَالسُّلْطَانُ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْمَال يَتَصَرَّفُونَ بِإِذْنٍ شَرْعِيٍّ.
وَلِلْوَصِيِّ دَفْعُ الْمَال إِلَى مَنْ يَعْمَل فِيهِ مُضَارَبَةً نِيَابَةً عَنِ الْيَتِيمِ، وَلِلْقَاضِي - حَيْثُ لاَ وَصِيَّ -
_________
(١) حديث: " نعم المال الصالح. . . " سبق تخريجه (ف / ١١) .
(٢) الاختيار ٤ / ١٧٢. وحديث: " من طلبها حلالا مكاثرا لها مفاخرا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ". أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨ / ٢١٥) وهو من طريق مكحول عن أبي هريرة. وقال العلائي في جامع التحصيل (ص ٣٥٢) عن مكحول قال الدارقطني: لم يلق أبا هريرة. فهو منقطع.
إِعْطَاءُ مَال الْوَقْفِ وَالْغَائِبِ وَاللُّقَطَةِ وَالْيَتِيمِ مُضَارَبَةً.
وَلِنَاظِرِ الْوَقْفِ تَنْمِيَتُهُ بِإِيجَارٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَلِلإِْمَامِ النَّظَرُ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ الْمَال بِالتَّثْمِيرِ وَالإِْصْلاَحِ، وَقَدِ اسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِ هَؤُلاَءِ الْمَذْكُورِينَ بِالإِْنْمَاءِ فِيمَا يَلُونَهُ مِنْ أَمْوَالٍ بِالآْتِي:
أ - مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ بِمَالِهِ وَلاَ يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ (١) .
ب - مَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ دَفَعُوا مَال الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً، مِنْهُمْ: عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵃.
ج - مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: دَفَعَ إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ (٢) .
د - اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الإِْمَامَ لَهُ النَّظَرُ فِي أَمْوَال بَيْتِ الْمَال بِالتَّثْمِيرِ وَالإِْصْلاَحِ، بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ ابْنَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخَذَا مِنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ - وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ - مَالًا مِنْ بَيْتِ الْمَال لِيَبْتَاعَا وَيَرْبَحَا، ثُمَّ يُؤَدِّيَا رَأْسَ الْمَال إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَبَى عُمَرُ، وَجَعَل الْمَال
_________
(١) حديث: " من ولي يتيما له مال فليتجر له بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة ". أخرجه الترمذي في الزكاة من سننه (٣ / ٣٢ / ٦٤١) ط الحلبي، وقال الترمذي: وإنما روي هذا الحديث من هذا الوجه وفي إسناده مقال. لأن المثنى بن الصباح يضعف في الحديث.
(٢) حديث عروة البارقي سبق تخريجه. (ف / ١١) .
قِرَاضًا، وَأَخَذَ نِصْفَ الرِّبْحِ لِبَيْتِ الْمَال وَتَرَكَ لَهُمَا النِّصْفَ (١) .
هـ - كَمَا وَرَدَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يُرْسِل إِبِل الصَّدَقَةِ إِذَا كَانَتْ عِجَافًا إِلَى الرَّبَذَةِ وَمَا وَالاَهَا تَرْعَى هُنَاكَ (٢) .
حُكْمُ الإِْنْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ دُونَ التَّصَرُّفِ
مَنْ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ وَلاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ كَالسَّفِيهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا هُوَ لِلْحِفَاظِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَل اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٣)، فَأَضَافَ الأَْمْوَال إِلَى الأَْوْلِيَاءِ؛ لأَِنَّهُمْ مُدَبِّرُوهَا، كَذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاخْتِبَارِ الْيَتَامَى وَعَدَمِ دَفْعِ الأَْمْوَال إِلَيْهِمْ إِلاَّ عِنْدَ إِينَاسِ الرُّشْدِ مِنْهُمْ. يَقُول تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٤)، يَقُول ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أَيْ صَلاَحًا فِي
_________
(١) الأثر عن عمر بن الخطاب. أخرجه مالك في الموطأ (٥ / ١٤٩ بشرح المنتقى) ط دار الكتاب العربي.
(٢) ابن عابدين ٤ / ١٤١، ٣٥٤، ٣٥٥، ٥٠٥، ط بولاق ثالثة، ومنح الجليل ٣ / ٦٦٦، والحطاب ٢ / ٢٩٤، ٥ / ٣٥٧ ط دار الفكر، والهداية ٤ / ١٣٦، والحطاب ٦ / ٣٨، والمهذب ١ / ٣٣٥، ٣٦٢، ومنتهى الإرادات ٢ / ٥٠٣، ٥٠٥، ٢ / ٢٩٢، والبدائع ٦ / ٧٩، وكنز العمال ٥ / ٦١٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٠٤ ط مصطفى الحلبي.
(٣) سورة النساء / ٥.
(٤) سورة النساء / ٦.
أَمْوَالِهِمْ. فَالْمَنْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ نَظَرٌ لَهُمْ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ تَبْذِيرُ الْمَال بِمَا يَعْقِدُونَهُ مِنْ بِيَاعَاتٍ. لَكِنْ إِذَا أَذِنَ الْوَلِيُّ لِلصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ جَازَ تَصَرُّفُهُ بِالإِْذْنِ، أَمَّا الصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونُ فَلاَ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا وَلَوْ بِالإِْذْنِ (١) .
حُكْمُ الإِْنْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ:
١٥ - مَنْ لاَ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ وَلاَ التَّصَرُّفَ، وَلَهُ يَدٌ عَلَى الْمَال، سَوَاءٌ أَكَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَالْمُودَعِ، أَوْ كَانَتْ يَدًا مُعْتَدِيَةً كَيَدِ الْغَاصِبِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الإِْنْمَاءُ، إِذِ الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَصَرُّفُ أَحَدٍ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهِ. وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل (غَصْبٌ. وَدِيعَةٌ) .
وَسَائِل الإِْنْمَاءِ - مَا يَجُوزُ مِنْهَا وَمَا لاَ يَجُوزُ:
١٦ - تَقَدَّمَ أَنَّ الأَْصْل فِي إِنْمَاءِ الْمَال أَنَّهُ مَشْرُوعٌ، إِلاَّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى الْوَسَائِل الْمَشْرُوعَةِ، كَالتِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْقَوَاعِدِ وَالشَّرَائِطِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْفُقَهَاءُ لِلتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَكُونُ سَبِيلًا إِلَى الإِْنْمَاءِ، كَالْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْوَكَالَةِ، وَذَلِكَ لِضَمَانِ صِحَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ، وَلِيَخْلُصَ الرِّبْحُ مِنْ شُبْهَةِ الْحَرَامِ (ر: بَيْعٌ - شَرِكَةٌ - مُضَارَبَةٌ. . . إِلَخْ) .
_________
(١) الحطاب ٤ / ٢٤٦، ٢٤٧ ط النجاح - ليبيا، والمهذب ١ / ٣٣٥، ٣٣٨، ٣٩٦، والاختيار ٢ / ٩٤، ١٠٠، ومنتهى الإرادات ٢ / ٢٨٩ - ٢٩٦، ومغني المحتاج ٢ / ٩٩، ١٦٥، ١٧١، وابن عابدين ٢ / ٣٠٤، ٥ / ١١٣، والدسوقي ٣ / ٢٩٤ ط دار الفكر.
وَلِذَلِكَ يَحْرُمُ تَنْمِيَةُ الْمَال عَنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ كَالرِّبَا وَالْقِمَارِ وَالتِّجَارَةِ بِالْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخَمْرِ: لَعَنَ اللَّهُ شَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا. . . (٣) الْحَدِيثَ. وَقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (٤) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّمَاءِ مِنْ أَحْكَامٍ:
١٧ - الْمَال سَوَاءٌ أَكَانَ فِي يَدِ مَالِكِهِ أَوْ يَدِ الْمُتَصَرِّفِ فِيهِ. أَمْ كَانَ أَمَانَةً أَوْ غَصْبًا، إِذَا نَمَا، سَوَاءٌ أَكَانَ نَمَاؤُهُ طَبِيعِيًّا أَوْ نَاتِجًا بِعَمَلٍ، فَلِنَمَائِهِ أَحْكَامٌ، تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهَا. وَلِمَعْرِفَةِ تَفَاصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (زِيَادَةٌ) (٥) .
_________
(١) كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٣٢ ط مصطفى الحلبي، والمهذب ١ / ٣٧٤، وجامع الأصول ١٠، ٥٦٥ ط الفلاح.
(٢) سورة البقرة / ٢٧٥.
(٣) حديث: " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة له ". أخرجه أبو داود في الأشربة من سننه (٤ / ٨٢ / ٣٦٧٤ ط الدعاس) . وابن ماجه في الأشربة (٢ / ١١٢١) قال الحافظ قي تلخيص الحبير (٤ / ٧٣): رواه الترمذي وابن ماجه ورواته ثقات.
(٤) حديث: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ". أخرجه البخاري في البيوع (٤ / ٤٢٤ / ٢٢٣٦ ط السلفية) . ومسلم في المساقاة (٣ / ١٢٠٧ / ١٥٨١ ط الحلبي) .
(٥) بدائع الصنائع ٢ / ١١ ط شركة المطبوعات العلمية ط أولى، والبحر الرائق ٢ / ٢٣٩، والهداية ٤ / ١٥٥، والاختيار ٣ / ٦٤، والمغني ٢ / ٥٧٧، ٦٢٥، ٦٢٦، ٥ / ٢٦٠، ومنتهى الإرادات ٢ / ٤٧٨، ومغني المحتاج ١ / ٣٨٠، ٣٩٨، ٢ / ١٣٩، وجواهر الإكليل ١ / ١١٨، ١٢٨.
(ثَانِيًا)
الإِْنْمَاءُ (بِمَعْنَى تَغَيُّبِ الصَّيْدِ بَعْدَ رَمْيِهِ)
١٨ - التَّعْبِيرُ بِالإِْنْمَاءِ بِمَعْنَى رَمْيِ الصَّيْدِ حَتَّى غَابَ عَنِ الْعَيْنِ بَعْدَ رَمْيِهِ، وَرَدَ مَنْسُوبًا لاِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْفُقَهَاءَ لاَ يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا اللَّفْظَ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْمَسْأَلَةَ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى رَأْيِهِمْ بِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ، جَاءَ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ: إِذَا رَمَى الصَّيْدَ وَتَوَارَى عَنْ عَيْنِهِ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ لَمْ يُؤْكَل، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَوَارَ أَوْ تَوَارَى لَكِنَّهُ لَمْ يَقْعُدْ عَنِ الطَّلَبِ حَتَّى وَجَدَهُ يُؤْكَل اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يُؤْكَل، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِل عَنْ ذَلِكَ فَقَال: كُل مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ (١) .
قَال أَبُو يُوسُفَ ﵀: الإِْصْمَاءُ مَا عَايَنَهُ، وَالإِْنْمَاءُ مَا تَوَارَى عَنْهُ. وَقَال هِشَامٌ: الإِْنْمَاءُ مَا تَوَارَى عَنْ بَصَرِك، إِلاَّ أَنَّهُ أُقِيمَ الطَّلَبُ مَقَامَ الْبَصَرِ لِلضَّرُورَةِ، وَلاَ ضَرُورَةَ عِنْدَ عَدَمِ الطَّلَبِ (٢) .
وَفِي الْمُغْنِي لاِبْنِ قُدَامَةَ: إِذَا رَمَى الصَّيْدَ فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَسَهْمُهُ فِيهِ وَلاَ أَثَرَ بِهِ غَيْرَهُ حَل أَكْلُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَل كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَمَعَهُ كَلْبُهُ حَل، وَعَنْ أَحْمَدَ إِنْ غَابَ نَهَارًا فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ غَابَ لَيْلًا لَمْ يَأْكُلْهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ إِنْ غَابَ مُدَّةً طَوِيلَةً لَمْ يُبَحْ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً أُبِيحَ؛ لأَِنَّهُ قِيل لَهُ: إِنْ غَابَ يَوْمًا؟ قَال: يَوْمٌ كَثِيرٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا رَمَيْتَ فَأَقْعَصْتَ فَكُل،
_________
(١) الأثر عن ابن عباس ﵁. سبق تخريجه (ف / ١) .
(٢) بدائع الصنائع ٥ / ٥٩.