الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦
الطَّلاَقِ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (١) . فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى وُجُوبِ إِسْكَانِ الْمُطَلَّقَةِ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ، وَإِذَا كَانَ إِسْكَانُ الْمُطَلَّقَةِ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ وَاجِبًا، كَانَ إِسْكَانُ الزَّوْجَةِ حَال قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ وَاجِبًا بِالطَّرِيقِ الأَْوْلَى.
وَمِنْ شُرُوطِ الْمَسْكَنِ أَنْ تَأْمَنَ فِيهِ الزَّوْجَةُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا، وَلَوْ أَسْكَنَهَا فِي بَيْتٍ مِنَ الدَّارِ مُفْرَدًا وَلَهُ غَلَقٌ كَفَاهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِمَسْكَنٍ آخَرَ؛ لأَِنَّ الضَّرَرَ بِالْخَوْفِ عَلَى الْمَتَاعِ وَعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ قَدْ زَال. وَإِنْ أَسَاءَ الزَّوْجُ عِشْرَتَهَا وَلَمْ تَسْتَطِعْ إِثْبَاتَ ذَلِكَ أَسْكَنَهَا الْقَاضِي إِلَى جَانِبِ ثِقَةٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الإِْضْرَارِ بِهَا وَالتَّعَدِّي عَلَيْهَا (٢) . وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ فِي الْجُمْلَةِ.
(ر: سُكْنَى - نَفَقَة - نِكَاح)
اشْتِرَاطُ الأَْمْنِ فِي الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَعِنْدَ إِقَامَةِ حَدِّ الْجَلْدِ:
١٣ - الْقِصَاصُ فِي الْجُرُوحِ وَالأَْطْرَافِ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ فِي الشَّرِيعَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٣) إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إِمْكَانُ اسْتِيفَاءِ الْمِثْل مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلاَ زِيَادَةٍ مَعَ الأَْمْنِ مِنَ السِّرَايَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٤)، وَلأَِنَّ دَمَ الْجَانِي مَعْصُومٌ إِلاَّ فِي
_________
(١) سورة الطلاق / ٦
(٢) البحر الرائق ٤ / ٢١٠ ط أولى، والهداية ٢ / ٤٣ نشر المكتبة الإسلامية، والدسوقي ٢ / ٥١٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٣ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٧ / ٥٦٩ نشر مكتبة الرياض
(٣) سورة المائدة / ٤٥
(٤) سورة النحل / ١٢٦
قَدْرِ جِنَايَتِهِ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَبْقَى عَلَى الْعِصْمَةِ، فَيَحْرُمُ اسْتِيفَاؤُهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ لِتَحْرِيمِهِ قَبْلَهَا، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْمَنْعِ مِنَ الزِّيَادَةِ الْمَنْعُ مِنَ الْقِصَاصِ، لأَِنَّهَا مِنْ لَوَازِمِهِ. وَهَكَذَا كُل مَا كَانَ فِيهِ الْقَوَدُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مُتْلَفًا، فَلاَ قَوَدَ فِيهِ. كَمَا أَنَّهُ لاَ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ بِآلَةٍ يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ، كَأَنْ تَكُونَ سَامَّةً أَوْ كَالَّةً، لِمَا رَوَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِْحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ (١) .
وَلِخَوْفِ التَّلَفِ يُؤَخَّرُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لِلْحَرِّ الْمُفْرِطِ وَالْبَرْدِ الْمُفْرِطِ، وَمَرَضِ الْجَانِي، وَحَتَّى تَضَعَ الْحَامِل (٢) .
وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (قِصَاص) .
وَكَذَلِكَ الأَْمْرُ بِالنِّسْبَةِ لإِقَامَةِ حَدِّ الْجَلْدِ، إِذْ يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَكُونَ فِي إِقَامَةِ حَدِّ الْجَلْدِ خَوْفُ الْهَلاَكِ؛ لأَِنَّ هَذَا الْحَدَّ شُرِعَ زَاجِرًا لاَ مُهْلِكًا، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يُقَامُ حَدُّ الْجَلْدِ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَلاَ عَلَى مَرِيضٍ حَتَّى يَبْرَأَ، وَلاَ عَلَى حَامِلٍ حَتَّى تَضَعَ (٣) .
(ر: حَدّ وَجَلْد)
_________
(١) حديث: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء. . . . " أخرجه مسلم من حديث شداد بن أوس مرفوعا. (صحيح مسلم ٣ / ١٥٤٨ ط عيسى الحلبي)
(٢) المغني ٧ / ٦٩٠، ٧٠٣، ٧٢٧، والبدائع ٧ / ٢٩٧، والدسوقي ٤ / ٢٥٠ وما بعدها، والمواق بهامش الحطاب ٦ / ٢٥٣ نشر النجاح، والمهذب ٢ / ١٧٩، ١٨٥
(٣) البدائع ٧ / ٥٩، والمواق بهامش الحطاب ٦ / ٢٥٣، والمهذب ٢ / ٢٧١، والمغني ٨ / ١٧١، ١٧٣
اشْتِرَاطُ الأَْمْنِ لِمَرِيدِ السَّفَرِ بِمَال الشَّرِكَةِ أَوِ الْمُضَارَبَةِ أَوِ الْوَدِيعَةِ:
أ - فِي الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ:
١٤ - لاَ يَجُوزُ لأَِيٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُسَافِرَ بِمَال الشَّرِكَةِ، إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا إِلاَّ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ السَّفَرَ بِمَال الشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ يُؤَدِّي إِلَى تَعْرِيضِهِ لِلأَْخْطَارِ، وَتَعْرِيضُ مَال الْغَيْرِ لِلْخَطَرِ لاَ يَجُوزُ دُونَ إِذْنِ صَاحِبِهِ.
وَمِثْل ذَلِكَ مَال الْمُضَارَبَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِعَامِل الْمُضَارَبَةِ السَّفَرُ بِمَال الْمُضَارَبَةِ إِلاَّ عِنْدَ أَمْنِ الطَّرِيقِ (١) .
ب - فِي الْوَدِيعَةِ:
١٥ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ السَّفَرُ بِمَال الْوَدِيعَةِ إِنْ كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَلَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا فَلاَ يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بِهَا، وَإِلاَّ ضَمِنَ (٢) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، وَأَرَادَ السَّفَرَ، وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا لِصَاحِبِهَا أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ أَمِينٍ، فَإِنْ سَافَرَ بِهَا مَعَ وُجُودِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ ضَمِنَ؛ لأَِنَّ الإِْيدَاعَ يَقْتَضِي الْحِفْظَ فِي الْحِرْزِ، وَلَيْسَ السَّفَرُ مِنْ مَوَاضِعِ الْحِفْظِ، لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ
_________
(١) البدائع ٦ / ٧١، ٨٨، وابن عابدين ٣ / ٣٥٥، ٤ / ٥١٢، وتكملة فتح القدير ٧ / ٢٢، ومغني المحتاج ٢ / ٢١٥، ٣١٧، والخرشي ٤ / ٢٢٦، ٢٥٨، والفواكه الدواني ٢ / ١٧٤، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٢٣، ومطالب أولي النهى ٣ / ٥٠٤، ٥١٨
(٢) البدائع ٦ / ٧١، والدسوقي ٣ / ٤٢١، والمهذب ١ / ٣٦٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٥٣
يَكُونَ مَخُوفًا أَوْ آمِنًا لاَ يُوثَقُ بِأَمْنِهِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ السَّفَرُ بِالْوَدِيعَةِ مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ. (ر: وَدِيعَة) .
اسْتِفَادَةُ أَمْنِ الطَّرِيقِ فِي الْقَرْضِ:
١٦ - الأَْصْل أَنَّ كُل قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ مَمْنُوعٌ، " لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً (١)
وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ مَسْأَلَةُ السَّفَاتِجِ (٢) . وَهِيَ: اشْتِرَاطُ الْقَضَاءِ بِبَلَدٍ آخَرَ، لاِنْتِفَاعِ الْمُقْرِضِ بِدَفْعِ خَطَرِ الطَّرِيقِ.
وَالْقَرْضُ بِهَذَا الشَّرْطِ مَمْنُوعٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - لأَِنَّ الْقَرْضَ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ، فَإِذَا شُرِطَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ خَرَجَ عَنْ مَوْضُوعِهِ، إِلاَّ إِذَا عَمَّ الْخَوْفُ بَرًّا وَبَحْرًا فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُجِيزُونَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلضَّرُورَةِ صِيَانَةً لِلأَْمْوَال.
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة. . . ". أخرجه البيهقي بهذا المعنى عن فضالة بن عبيد وابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم، وأخرجه الحارث بن أسامة في مسنده من حديث علي ﵁ مرفوعا بلفظ " كل قرض جر منف (السنن الكبرى للبيهقي ٥ / ٣٥٠، ٣٥١ ط دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، والمطالب العالية ١ / ٤١١ نشر وزارة الأوقات والشئون الإسلامية بدولة الكويت، وكشف الخفاء ٢ / ١٢٥ نشر مكتبة القدسي، والتلخيص الحبير ٣ / ٣٤ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة.
(٢) السفاتج جمع مفرده: سفتجة - بضم السين أو فتحها وفتح التاء - وهي ورقة يكتبها المقترض ببلد لوكيله ببلد آخر ليقضي عنه بها ما اقترضه (منح الجليل ٣ / ٥٠، والجواهر ٢ / ٧٦)
وَإِنْ كَانَ بِدُونِ شَرْطٍ فَهُوَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، لأَِنَّهُ مِنْ حُسْنِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَال: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًّا فَقَال: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً (١) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ " كَانَ يَسْتَقْرِضُ بِالْمَدِينَةِ وَيَرُدُّ بِالْكُوفَةِ " وَذَلِكَ بِدُونِ شَرْطٍ (٢) .
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَوْ بِشَرْطٍ، لأَِنَّهُ مَصْلَحَةٌ لِلْمُقْرِضِ وَالْمُقْتَرِضِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَالشَّرْعُ لاَ يَرِدُ بِتَحْرِيمِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لاَ مَضَرَّةَ فِيهَا بَل بِمَشْرُوعِيَّتِهَا، وَلأَِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، فَوَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى الإِْبَاحَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ لِلْوَصِيِّ قَرْضَ مَال الْيَتِيمِ فِي بَلَدٍ أُخْرَى لِيَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ. وَقَال عَطَاءٌ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ بِهَا إِلَى أَخِيهِ مُصْعَبٍ بِالْعِرَاقِ، فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ، فَسُئِل عَنْ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَلَمْ يَرَ بِهِ
_________
(١) حديث: " إن خيار الناس أحسنهم قضاء ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٢٤ ط عيسى الحلبي) .
(٢) الأثر عن ابن عباس ﵄ يدل عليه ما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي من أن ابن عباس وابن الزبير ﵄ كانا لا يريان بأسا أن يؤخذ المال بأرض الحجاز ويعطى بأرض العراق، أو يؤخذ بأرض العراق ويعطى بأرض الحجاز. (مصنف ابن أبي شيبة ٦ / ومصنف عبد الرزاق ٨ / ٤٠ نشر المجلس العلمي، والسنن الكبرى للبيهقي ٥ / ٣٥٢ ط دائرة المعارف العثمانية)
بَأْسًا، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ سُئِل عَنْ مِثْل هَذَا فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا (١) .
تَحَقُّقُ الأَْمْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ
١٧ - كَانَ الْحَرَمُ مَوْضِعَ أَمْنٍ لأَِهْلِهِ وَمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، وَكَانَ هَذَا مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَاسْتَمَرَّ فِي الإِْسْلاَمِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (٢)، وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ﴿
إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ يُحَرِّمُهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِل الْقِتَال فِيهِ لأَِحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِل لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهُ، فَقَال الْعَبَّاسُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِلاَّ الإِْذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقِينِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، فَقَال ﷺ: إِلاَّ الإِْذْخِرَ (٣)
وَلاِسْتِيفَاءِ بَاقِي أَحْكَامِ الْحَرَمِ، وَتَفَاصِيلِهِ (ر: حَرَم) .
تَحَقُّقُ الأَْمْنِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ:
١٨ - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ حُكْمَ الإِْسْلاَمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا هُوَ عِصْمَةُ النَّفْسِ وَالْمَال، لِقَوْل
_________
(١) البدائع ٧ / ٣٩٥، ومنح الجليل ٣ / ٥٠، والمهذب ١ / ٣١١، والمغني ٤ / ٣٥٤، ٣٥٦
(٢) سورة البقرة / ٣٥
(٣) حديث: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام. . . " أخرجه البخاري ومسلم (فتح الباري ٦ / ٢٨٣ ط السلفية، وصحيح مسلم ٢ / ٩٨٦ - ٩٨٧ ط عيسى الحلبي)
النَّبِيِّ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (١)
وَبِهَذَا يَتَقَرَّرُ الأَْمْنُ لِلْمُسْلِمِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ.
أَمَّا غَيْرُ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ لَهُ الأَْمْنُ بِتَأْمِينِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ وَإِعْطَائِهِ الأَْمَانَ؛ لأَِنَّ حُكْمَ الأَْمَانِ هُوَ ثُبُوتُ الأَْمْنِ لِلْكَفَرَةِ عَنِ الْقَتْل وَالسَّبْيِ وَالاِسْتِغْنَامِ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَتْل رِجَالِهِمْ وَسَبْيُ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَاسْتِغْنَامُ أَمْوَالِهِمْ. وَالأَْصْل فِي إِعْطَاءِ الأَْمَانِ لِلْكُفَّارِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٢) .
١٩ - وَالأَْمَانُ قِسْمَانِ الأَْوَّل: أَمَانٌ يَعْقِدُهُ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ: مُؤَقَّتٌ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْهُدْنَةِ وَبِالْمُعَاهَدَةِ وَبِالْمُوَادَعَةِ - وَهُوَ عَقْدُ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مُدَّةً مَعْلُومَةً - مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ الْمُوَادَعَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَادَعَ أَهْل مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ تُوضَعَ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عَشْرَ سِنِينَ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الأَْمَانُ الْمُؤَبَّدُ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى عَقْدَ الذِّمَّةِ، وَهُوَ إِقْرَارُ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِشَرْطِ بَذْل الْجِزْيَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ
_________
(١) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. . . . " أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁ مرفوعا (صحيح مسلم ١ / ٥٣ ط عيسى الحلبي)
(٢) سورة التوبة / ٦
وَالأَْصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) .
هَذَا مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ، هَل تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَيُقَرُّونَ عَلَى حَالِهِمْ أَمْ لاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الأَْمَانِ:
هُوَ الأَْمَانُ الَّذِي يُصْدَرُ مِنْ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَدٍ مَحْصُورٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَيَدُل عَلَيْهِ حَدِيثُ: الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ. (٢) وَأَخْبَارٌ أُخْرَى، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (أَمَان، وَذِمَّة، وَمُعَاهَدَة) .
أَمَةٌ
انْظُرْ: رِقّ.
_________
(١) سورة التوبة / ٢٩، وانظر: بدائع الصنائع ٧ / ١٠٥، ١٠٧، ١٠٩ - ١١١، ومنح الجليل ١ / ٧٥٦، ٧٦٥، ٧٦٦، والمهذب ٢ / ٢٥٤، ٢٦٠، ٢٦٢، ونهاية المحتاج ٨ / ١٠٠، ١٠٢، والمغني ٨ / ٤٥٩، ٤٦٣، ٥٣٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٢٢ - ١٣٠
(٢) حديث " المؤمنون تتكافأ دماؤهم. . . " أخرجه أبو داود، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (عون المعبود ٤ / ٣٠٣، ٣٠٤ ط الهند، وفتح الباري ١٢ / ٢٦١ ط السلفية، وشرح للبغوي ١٠ / ١٧٢)
إِمْهَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْمْهَال لُغَةً: الإِْنْظَارُ وَتَأْخِيرُ الطَّلَبِ (١)، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ يُسْتَعْمَل كَذَلِكَ بِمَعْنَى: الإِْنْظَارِ وَالتَّأْجِيل (٢) .
وَالإِْمْهَال يُنَافِي التَّعْجِيل (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - أ - الإِْعْذَارُ: وَهُوَ سُؤَال الْحَاكِمِ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ مُوجِبُ الْحُكْمِ: هَل لَهُ مَا يُسْقِطُهُ (٤)؟ وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِعْذَار)
ب - التَّنْجِيمُ: هُوَ تَأْجِيل الْعِوَضِ بِأَجَلَيْنِ فَصَاعِدًا (٥) .
ج - التَّلَوُّمُ: وَهُوَ التَّمَكُّثُ وَالتَّمَهُّل وَالتَّصَبُّرُ، وَمِنْهُ أَنْ يَتَصَبَّرَ الْحَاكِمُ مَثَلًا لِلزَّوْجِ مُدَّةً قَبْل التَّطْلِيقِ عَلَيْهِ لِلإِْعْسَارِ (٦)
_________
(١) المصباح المنير (مهل)
(٢) طلبة الطلبة ص ٥٠ نشر مكتبة المثنى ببغداد، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٨ ط مصطفى الحلبي
(٣) الفروق لأبي هلال العسكرى ص ١٩٤
(٤) الفروق لأبي هلال العسكري ص ١٩٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٢٧
(٥) كشاف القناع ٤ / ٥٣٩ نشر مكتبة النصر الحديثة
(٦) البهجة شرح التحفة ١ / ٥٩ ط مصطفى الحلبي، والدسوقي ٢ / ٥١٩
د - التَّرَبُّصُ: وَهُوَ بِمَعْنَى الاِنْتِظَارِ (١) .
وَمُدَّةُ الإِْمْهَال تَارَةً تَكُونُ مُقَدَّرَةً كَإِمْهَال الْمَوْلَى، وَتَارَةً تَكُونُ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْبَعْضِ الآْخَرِ (٢)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَجِبُ إِنْظَارُ مَنْ ثَبَتَ إِعْسَارُهُ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ إِلَى وَقْتِ الْيَسَارِ، وَلاَ يُحْبَسُ (٣)، لِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤)
وَالْعِنِّينُ يَضْرِبُ لَهُ الْقَاضِي سَنَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ، " كَمَا فَعَل عُمَرُ ﵁ " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، فَقَدْ يَكُونُ تَعَذُّرُ الْجِمَاعِ لِعَارِضِ حَرَارَةٍ فَيَزُول فِي الشِّتَاءِ، أَوْ بُرُودَةٍ فَيَزُول فِي الصَّيْفِ، أَوْ يُبُوسَةٍ فَتَزُول فِي الرَّبِيعِ، أَوْ رُطُوبَةٍ فَتَزُول فِي الْخَرِيفِ، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ وَلَمْ يَطَأْ، عَلِمْنَا أَنَّهُ عَجْزٌ خِلْقِيٌّ (٥) . (ر: عِنِّين) .
٤ - وَأَجَل الْمُولِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ (٦)، لِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧) (ر: إِيلاَء) .
_________
(١) المصباح المنير مادة (ربص)
(٢) المحلى على المنهاج ٣ / ٢٧٨
(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٦٣ ط بولاق، والفواكه الدواني ٢ / ٣٢٢، والفروق للقرافي ٢ / ١٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٢٣ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٤ / ٤٩٧ ط الرياض
(٤) سورة البقرة / ١٨٠
(٥) فتح القدير ٤ / ١٢٨، ومغني المحتاج ٣ / ٢٠٥، والروض المربع ٢ / ٢٧٦ ط السلفية، والخرشي ٤ / ٢٣٨ نشر دار صادر
(٦) الخرشي ٤ / ٩٠، ٩١، ومغني المحتاج ٣ / ٣٤٨، والروض المربع ص ٣٠٩، والكافي ٢ / ٥٦٥ نشر الرياض
(٧) سورة البقرة / ٢٢٦