الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 34

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

أَوْجَبَ الشَّرْعُ تَوْثِيقَ بَعْضِ الاِلْتِزَامَاتِ لِخَطَرِهِ كَالنِّكَاحِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ فَلاَ تَثْبُتُ عِنْدَ الإِْنْكَارِ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ، وَمِثْلُهُ الإِْشْهَادُ عِنْدَ دَفْعِ مَال الْيَتِيمِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ.

وَمِنَ الاِلْتِزَامَاتِ مَا اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الإِْشْهَادِ فِيهِ أَوِ اسْتِحْبَابِهِ، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ وَالرَّجْعَةِ. (١) وَالشَّهَادَةُ تُعْتَبَرُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْحَقُّ. وَلِبَيَانِ مَا يَجِبُ فِيهِ الإِْشْهَادُ وَمَا لاَ يَجِبُ، وَبَيَانِ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ فِي الْحُقُوقِ مِنْ حَيْثُ التَّحَمُّل وَالأَْدَاءُ وَالْعَدَدُ وَصِفَةُ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ بِهِ يُنْظَرُ: (إِثْبَات، إِشْهَاد - شَهَادَة - أَدَاء - تَحَمُّل) .

(٢) الرَّهْنُ:

٥٢ - الرَّهْنُ شُرِعَ كَذَلِكَ لِتَوْثِيقِ الاِلْتِزَامَاتِ، لأَِنَّهُ احْتِبَاسُ الْعَيْنِ لِيَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْ ثَمَنِهَا، أَوْ مِنْ ثَمَنِ مَنَافِعِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِهِ مِنَ الْغَرِيمِ.

وَالأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ . (٢) وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. (٣)

_________

(١) الهداية ٤ / ٢٦، وبداية المجتهد ٢ / ١٧، والقرطبي ٣ / ٣٨٣ - ٤٠٦، والتبصرة بهامش فتح العلي ١ / ٢٠٩ ط دار المعرفة، والأشباه للسيوطي ص ٩٧، ٣٠٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٩، والمغني ٤ / ٣٠٢، والقواعد لابن رجب ٦٢.

(٢) سورة البقرة ٢٨٣.

(٣) حديث: " روي أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاما ورهنه به درعه " يعدل حسب ما ورد في البخاري. " روى أن النبي ﷺ اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد ". أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵂ (فتح الباري ٤ / ٣٠٢ ط السلفية) .

وَالرَّهْنُ مَشْرُوعٌ بِطَرِيقِ النَّدْبِ لاَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ، بِدَلِيل قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١)، وَلأَِنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ تَيَسُّرِ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا. (٢)

هَذَا وَلِلرَّهْنِ شُرُوطٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَقْبُوضًا وَكَوْنُهُ بِدَيْنٍ لاَزِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (ر: رَهْن) .

(٣) الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ:

٥٣ - الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ قَدْ يُسْتَعْمَلاَنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل الضَّمَانُ لِلدَّيْنِ، وَالْكَفَالَةُ لِلنَّفْسِ. وَهُمَا مَشْرُوعَانِ أَيْضًا لِيَتَوَثَّقَ بِهِمَا الاِلْتِزَامُ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْل بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ . (٣)

وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ وَاخْتِلاَفَاتٌ لِلْفُقَهَاءِ تُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهَا (ر: كَفَالَة) .

أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَدْخُلُهَا التَّوْثِيقُ وَاَلَّتِي

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٣.

(٢) الهداية ٤ / ١٢٦، والبدائع ٦ / ١٤٥، ١٥٢، والقرطبي ٣ / ٤٠٤ - ٤٠٩، وبداية المجتهد ٢ / ٢٧٥، والكافي لابن عبد البر ٢ / ٨٢٢، والأشباه للسيوطي ٣٠٨، والمهذب ١ / ٣١٤، والوجيز ١ / ١٦٣، والمغني ٤ / ٣٦٢، وكشاف القناع ٣ / ٣١٦، ٣٢٠.

(٣) سورة يوسف / ٧٢. وانظر حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٤٩، ٢٥٠، والبدائع ٦ / ٤ - ١١، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٥، ٢٩٧، والقرطبي ٩ / ٢٢٥، والأشباه للسيوطي ٣٠٨، والوجيز للغزالي ١ / ١٨٥، والمغني ٤ / ٥٩٢، ٦١٤، وكشاف القناع ٣ / ٣٧٤ - ٣٧٦.

لاَ يَدْخُلُهَا، فَقَدْ قَال السُّيُوطِيُّ: الْوَثَائِقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالأَْعْيَانِ ثَلاَثَةٌ: الرَّهْنُ وَالْكَفَالَةُ وَالشَّهَادَةُ، ثُمَّ قَال: مِنَ الْعُقُودِ مَا تَدْخُلُهُ الثَّلاَثَةُ كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ، وَمِنْهَا مَا تَدْخُلُهُ الشَّهَادَةُ دُونَهُمَا وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ - جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ - وَنُجُومُ الْكِتَابَةِ.

وَمِنْهَا مَا تَدْخُلُهُ الشَّهَادَةُ وَالْكَفَالَةُ دُونَ الرَّهْنِ وَهُوَ الْجِعَالَةُ.

وَمِنْهَا مَا تَدْخُلُهُ الْكَفَالَةُ دُونَهُمَا وَهُوَ ضَمَانُ الدَّرْكِ.

ثُمَّ قَال: لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَجِبُ فِيهِ الإِْشْهَادُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ إِلاَّ النِّكَاحَ قَطْعًا، وَالرَّجْعَةَ عَلَى قَوْلٍ، وَعَقْدَ الْخِلاَفَةِ عَلَى وَجْهٍ، وَمِمَّا قِيل بِوُجُوبِ الإِْشْهَادِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْعُقُودِ: اللُّقَطَةُ عَلَى وَجْهٍ، وَاللَّقِيطُ عَلَى الأَْصَحِّ لِخَوْفِ إِرْقَاقِهِ. (١)

وَقَدْ زَادَ الزَّرْكَشِيُّ أُرُوشَ الْجِنَايَاتِ الْمُسْتَقِرَّةَ فِيمَا يَدْخُلُهُ الثَّلاَثَةُ.

وَقَدِ اعْتَبَرَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ التَّوْثِيقَ لاَ يَنْحَصِرُ فِي هَذِهِ الثَّلاَثَةِ (الشَّهَادَةِ وَالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ) وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ مِنْهَا: الْحَبْسَ عَلَى الْحُقُوقِ إِلَى الْوَفَاءِ، وَمِنْهَا حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَكَذَلِكَ مَنْعُ الْمَرْأَةِ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مُعَجَّل الْمَهْرِ (٢) . .

انْتِقَال الاِلْتِزَامِ:

٥٤ - يَجُوزُ انْتِقَال الاِلْتِزَامِ بِالدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى، إِذْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّوْثِيقِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْحَوَالَةِ، وَهِيَ مُعَامَلَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَجَازَتْ لِلْحَاجَةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِيل أَحَدُكُمْ عَلَى

_________

(١) الأشباه للسيوطي ٣٠٨.

(٢) المنثور في القواعد ٣ / ٣٢٧، ٣٢٨.

مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (١) . وَلِلتَّفْصِيل وَمَعْرِفَةِ الْخِلاَفِ (ر: حَوَالَة) .

إِثْبَاتُ الاِلْتِزَامِ:

٥٥ - إِثْبَاتُ الاِلْتِزَامِ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عِنْدَ إِنْكَارِ الْمُلْتَزِمِ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ عَلَى الْمُلْتَزَمِ لَهُ (صَاحِبِ الْحَقِّ) إِثْبَاتُ حَقِّهِ، عَمَلًا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (٢) . وَلِلْقَاضِي - إِنْ لَمْ يُظْهِرْ صَاحِبُ الْحَقِّ بَيِّنَتَهُ - أَنْ يَسْأَلَهُ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ لِمَا رُوِيَ " أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَِبِي، فَقَال الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَال: لاَ، قَال: فَلَكَ يَمِينُهُ. (٣)

وَلِلإِْثْبَاتِ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَالإِْقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ وَالنُّكُول وَالْقَسَامَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (ر: إِثْبَات) .

_________

(١) البدائع ٦ / ١٦، ١٨، والهداية ٣ / ٩٩، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٩، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٢٦، والمهذب ١ / ٣٤٤، ٣٤٥، والمغني ٤ / ٥٧٦ - ٥٨٠ وحديث: " مطل الغني ظلم وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع ". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا (صحيح مسلم ٣ / ١١٩٧ مصطفى الحلبي) .

(٢) حديث " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا، ونقل الشوكاني تصحيح ابن حجر لإسناده. (السنن الكبرى للبيهقي ١٠ / ٢٥٢ ط دائرة المعارف العثمانية، ونيل الأوطار ٨ / ٣٠٥ ط المطبعة العثمانية المصرية) .

(٣) الهداية ٣ / ١٥٦، ومنتهى الإرادات ٣ / ٤٨٦، والتبصرة ١ / ١٢٢ - ١٢٥ وحديث: " أنه جاء رجل من حضرموت. . . " أخرجه مسلم من حديث وائل (صحيح مسلم ١ / ١٢٣ ط مصطفى الحلبي) .

انْقِضَاءُ الاِلْتِزَامِ:

٥٦ - الأَْصْل أَنَّ الاِلْتِزَامَ يَنْقَضِي بِوَفَاءِ الْمُلْتَزِمِ وَتَنْفِيذِهِ مَا الْتَزَمَ بِهِ مِنْ تَسْلِيمِ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ، كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، وَالْمَأْجُورِ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَالأُْجْرَةِ لِلْمُؤَجِّرِ وَالْمَوْهُوبِ لِلْمُتَّهِبِ وَبَدَل الْقَرْضِ لِلْمُقْرِضِ وَهَكَذَا.

وَيَنْقَضِي الاِلْتِزَامُ أَيْضًا بِالْقِيَامِ بِالْعَمَل الْمُلْتَزَمِ بِهِ فِي إِجَارَةٍ أَوِ اسْتِصْنَاعٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ أَوْ وَكَالَةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ، وَبِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فِي التَّصَرُّفِ الْمُقَيَّدِ بِالزَّمَنِ كَالإِْجَارَةِ الْمُحَدَّدَةِ.

٥٧ - وَقَدْ يَنْقَضِي الاِلْتِزَامُ بِغَيْرِ هَذَا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:

(١) إِبْرَاءُ الدَّائِنِ لِلْمَدِينِ (١) .

٢ - الْفَسْخُ أَوِ الْعَزْل فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْوَدِيعَةِ، إِلاَّ إِذَا اقْتَضَى فَسْخُهَا ضَرَرًا عَلَى الطَّرَفِ الآْخَرِ.

يَقُول السُّيُوطِيُّ: الشَّرِكَةُ وَالْوَكَالَةُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْوَدِيعَةُ وَالْقِرَاضُ كُلُّهَا تَنْفَسِخُ بِالْعَزْل مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. (٢)

وَفِي الْمَنْثُورِ لِلزَّرْكَشِيِّ: الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ إِذَا اقْتَضَى فَسْخُهَا ضَرَرًا عَلَى الطَّرَفِ الآْخَرِ امْتَنَعَ وَصَارَتْ لاَزِمَةً. وَلِهَذَا قَال النَّوَوِيُّ: لِلْوَصِيِّ عَزْل نَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُ الْمَال بِاسْتِيلاَءِ ظَالِمٍ.

_________

(١) الأشباه لابن نجيم ٢٦٣، ٢٦٤، والقواعد لابن رجب ٣٢.

(٢) الأشباه للسيوطي ٣١٤، الأشباه لابن نجيم ٣٣٦.

وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي الشَّرِيكِ وَالْمُقَارِضِ، وَقَدْ قَالُوا فِي الْعَامِل إِذَا فَسَخَ الْقِرَاضَ: عَلَيْهِ التَّقَاضِي وَالاِسْتِيفَاءُ، لأَِنَّ الدَّيْنَ مِلْكٌ نَاقِصٌ، وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْهُ كَامِلًا، فَلْيَرُدَّهُ كَمَا أَخَذَهُ، وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِل حَتَّى يَنِضَّ الْمَال. (١)

(٣) الرُّجُوعُ فِي التَّبَرُّعَاتِ قَبْل الْقَبْضِ كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ فِي الْعَارِيَّةِ وَالْقَرْضِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .

(٤) الْمُقَاصَّةُ فِي الدُّيُونِ. (٣)

(٥) انْعِدَامُ الأَْهْلِيَّةِ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَالْجُنُونِ وَالْمَوْتِ. (٤)

(٦) الْفَلَسُ أَوْ مَرَضُ الْمَوْتِ فِي التَّبَرُّعَاتِ قَبْل الْقَبْضِ. (٥)

(٧) عَدَمُ إِمْكَانِ التَّنْفِيذِ، كَهَلاَكِ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ.

يَقُول الْكَاسَانِيُّ: هَلاَكُ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ، إِنْ هَلَكَ كُلُّهُ قَبْل الْقَبْضِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، لأَِنَّهُ لَوْ بَقِيَ أَوْجَبَ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَإِذَا طَالَبَهُ بِالثَّمَنِ فَهُوَ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ التَّسْلِيمِ فَتَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ أَصْلًا، فَلَمْ يَكُنْ فِي

_________

(١) المنثور في القواعد ٢ / ٤٠١، ٤٠٢، والقواعد لابن رجب ١١٠.

(٢) المهذب ١ / ٣٧٠، ٤٥٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٧٦، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٩٣، ٥٢٠، والبدائع ٦ / ٢١٦ - ٢١٨، والاختيار ٣ / ٤٨، ٢٢٧، والهداية ٤ / ٢٣٥.

(٣) منح الجليل ٣ / ٥٢، والمنثور في القواعد ١ / ٣٩١، ٣٩٢.

(٤) الأشباه للسيوطي ٣١٤، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٠٥، والهداية ٤ / ٦٠، والبدائع ٧ / ٣٥٣.

(٥) فتح العلي المالك ١ / ١٨٣، والتكملة لابن عابدين ٢ / ٣٥١، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٥٠٧.

بَقَاءِ الْبَيْعِ فَائِدَةٌ فَيَنْفَسِخُ، وَكَذَلِكَ إِذَا هَلَكَ بِفِعْل الْمَبِيعِ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا فَقَتَل نَفْسَهُ، وَكَذَا إِذَا هَلَكَ بِفِعْل الْبَائِعِ يَبْطُل الْبَيْعُ وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنِ الْمُشْتَرِي عِنْدَنَا.

وَإِنْ هَلَكَ بِفِعْل الْمُشْتَرِي لاَ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ، لأَِنَّهُ بِالإِْتْلاَفِ صَارَ قَابِضًا. (١) .

الْتِصَاقٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْتَصَقَ وَالْتَزَقَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْتَصَقَ بِالشَّيْءِ: لَزِقَ وَعَلِقَ بِهِ، وَالاِلْتِصَاقُ: اتِّصَال الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ بِحَيْثُ لاَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا فَجْوَةٌ بِتَلَزُّجٍ أَوْ تَمَاسُكٍ أَوْ تَمَاسٍّ. (٢)

وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِالْمَعْنَى نَفْسِهِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - الاِلْتِصَاقُ مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي قَدْ تَحْدُثُ تِلْقَائِيًّا، كَالْتِصَاقِ الدُّورِ، وَالْتِصَاقِ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ بِالْمَاءِ، وَكَالْتِصَاقِ عُضْوٍ زَائِدٍ بِجِسْمٍ. وَقَدْ يَحْدُثُ بِقَصْدٍ كَلَصْقِ جَبِيرَةٍ عَلَى جُرْحٍ.

وَسَوَاءٌ حَدَثَ الاِلْتِصَاقُ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَإِنَّهُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْضُ الأَْحْكَامِ.

٣ - فَالْتِصَاقُ الدَّارَيْنِ مَثَلًا فِي سِكَّةٍ نَافِذَةٍ يُعْطِي

_________

(١) البدائع ٥ / ٢٣٨.

(٢) لسان العرب والمعجم الوسيط ومعجم مقاييس اللغة، والمرجع للعلايلي مادة: (لصق - لزج) .

أَحَدَ الْجَارَيْنِ الْمُلاَصِقَيْنِ الأَْوْلَوِيَّةَ فِي الشُّفْعَةِ، إِذَا أَرَادَ الآْخَرُ بَيْعَ دَارِهِ، وَهَذَا كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ. (١) إِذْ لاَ شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ.

وَالْتِصَاقُ الْجَبِيرَةِ عَلَى الْجُرْحِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ فِي الطَّهَارَةِ. (٢)

٤ - عَلَى أَنَّ الاِلْتِصَاقَ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ، كَالْتِصَاقِ الْجَبْهَةِ بِالأَْرْضِ فِي السُّجُودِ. (٣) وَمِنْهُ مَا هُوَ حَرَامٌ كَالْتِصَاقِ رَجُلَيْنِ أَوِ امْرَأَتَيْنِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ بِدُونِ حَائِلٍ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يُفْضِي الرَّجُل إِلَى الرَّجُل وَلاَ تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. (٤)

وَيَكُونُ مَكْرُوهًا إِذَا كَانَ بِحَائِلٍ وَبِدُونِ قَصْدِ التَّلَذُّذِ. (٥)

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٥ - يَأْتِي الاِلْتِصَاقُ فِي مَوَاطِنَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ: الْتِصَاقُ الثَّوْبِ بِالْجِسْمِ فِي الصَّلاَةِ، وَيُنْظَرُ فِي (سَتْرُ الْعَوْرَةِ (٦» .

وَفِي الْتِصَاقِ الدَّارَيْنِ، وَإِسَاءَةِ أَحَدِ صَاحِبِ الدَّارَيْنِ إِلَى الآْخَرِ (٧) وَيُنْظَرُ فِي (جِنَايَة - إِتْلاَف

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٨ وما بعدها ط الجمالية، وابن عابدين ٥ / ١٤٥ ط بولاق ثالثة.

(٢) منح الجليل ١ / ٦٩ ط النجاح ليبيا، ومنتهى الإرادات ١ / ٥٧، ٦٢.

(٣) منح الجليل ١ / ١٥٠

(٤) حديث: " لا يفضي الرجل إلى الرجل ولا تفضي المرأة. . . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٦٦ - ط الحلبي) .

(٥) الفواكه الدواني ٢ / ٤٠٨ ط دار المعرفة.

(٦) ابن عابدين ١ / ٢٨٧ ط ثالثة.

(٧) جامع الفصولين ٢ / ١٩٤ ط بولاق أولي.

ارْتِفَاق - شُفْعَة) وَفِي مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الْبَحْرُ، وَيُنْظَرُ فِي (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ) . (١) وَفِي الْتِصَاقِ عُضْوَيْنِ فِي الْجِسْمِ وَيُنْظَرُ فِي (طَهَارَة) . (٢) .

الْتِفَاتٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِلْتِفَاتُ: هُوَ لُغَةً: الاِنْصِرَافُ إِلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَوِ الشِّمَال. (٣)

وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَخْتَلِفُ اسْتِعْمَال اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - انْحِرَافٌ:

الاِنْحِرَافُ هُوَ: الْمَيْل عَنِ الشَّيْءِ، وَهُوَ غَيْرُ الاِلْتِفَاتِ، فَقَدْ يَمِيل الإِْنْسَانُ وَهُوَ فِي نَفْسِ الاِتِّجَاهِ (٥) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

الاِلْتِفَاتُ تَارَةً يُطْلَبُ شَرْعًا، وَأَحْيَانًا يُنْهَى عَنْهُ.

٣ - وَمِمَّا يُطْلَبُ فِيهِ الاِلْتِفَاتُ: الأَْذَانُ، فَعِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ يُسْتَحَبُّ الاِلْتِفَاتُ عِنْدَ أَغْلِبِ الْفُقَهَاءِ،

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢٨٨.

(٢) ابن عابدين ١ / ٧٢.

(٣) المصباح المنير (لفت) .

(٤) مسند أحمد ٦ / ١١ ط الميمنية، وفتح الباري ٢ / ٢٣٤ ط السلفية، وفتح القدير ١ / ٣٥٧ ط دار إحياء التراث العربي.

(٥) المصباح المنير.

لِفِعْل بِلاَلٍ ﵁، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوْ لِمَوْلُودٍ. وَلِلاِلْتِفَاتِ كَيْفِيَّاتٌ ثَلاَثٌ يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي (الأَْذَانِ) . (١)

وَيُسَنُّ الاِلْتِفَاتُ كَذَلِكَ عِنْدَ تَسْلِيمِ الْمُصَلِّي، يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، (٢) رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَْيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَْيْسَرِ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي (التَّسْلِيمِ) .

٤ - أَمَّا الاِلْتِفَاتُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، فَمِنْهُ: الاِلْتِفَاتُ فِي الصَّلاَةِ، وَهُوَ إِمَّا بِالْوَجْهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَعِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ يُكْرَهُ الاِلْتِفَاتُ بِالْوَجْهِ فِي الصَّلاَةِ (٤)، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ الاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلاَةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لاَ فِي الْفَرِيضَةِ (٥) .

_________

(١) البحر الرائق ١ / ٢٧٢، والدسوقي ١ / ١٩٦. والحطاب ١ / ٤٤١، والمجموع ٣ / ١٠٦، والمغني ١ / ٤٢٦

(٢) كنز الدقائق مع شرحه تبيين الحقائق ١ / ١٢٥ ط دار المعرفة، والدسوقي ١ / ٢٤٩، والروضة ١ / ٢٦٨ ط المكتب الإسلامي، والمغني ١ / ٥٥٦.

(٣) حديث أبي مسعود: " كان يسلم عن يمينه. . " أخرجه النسائي (٣ / ٦٣ - ط المكتبة التجارية) وصححه العقيلي كما في التخليص لابن حجر (٣ / ٢٧٠ - ط دار المحاسن) .

(٤) فتح القدير ١ / ٣٥٧ ط دار إحياء التراث، وشرح الروض ١ / ١٨٣، والزرقاني على خليل ١ / ٢١٩ ط دار الفكر، وكشاف القناع ١ / ٣٦٩، والمغني ٢ / ٩.

(٥) فتح القدير ١ / ٣٥٧ حديث: " إياك والالتفات في الصلاة. . . . " أخرجه الترمذي (٢ / ٤٨٤ ط الحلبي) وإسناده ضعيف كما في نيل الأوطار (٢ / ٣٧١ - ط الحلبي) .