الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦ الصفحة 22

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٦

لِمَكَانِ الاِسْتِحَالَةِ، وَإِنَّمَا رَفْعُ حُكْمِهِ، مَا لَمْ يَدُل دَلِيلٌ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ، فَيُخَصَّصُ هَذَا الْعُمُومُ فِي مَوْضِعِ دَلاَلَتِهِ. وَبِمُقْتَضَى أَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ يُقَرِّرُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ أَثَرَ لِقَوْل الْمُكْرَهِ (بِالْفَتْحِ) إِلاَّ فِي الصَّلاَةِ فَتَبْطُل بِهِ (١) وَعَلَى هَذَا فَيُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ (بِالْفَتْحِ) التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَلاَ يَجِبُ، بَل الأَْفْضَل الاِمْتِنَاعُ مُصَابَرَةً عَلَى الدِّينِ وَاقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ.

وَفِي طَلاَقِ زَوْجَةِ الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ) أَوْ بَيْعِ مَالِهِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُل مَا يُعْتَبَرُ الإِْكْرَاهُ فِيهِ إِذْنًا - أَبْلَغُ.

وَالإِْكْرَاهُ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى الْقَتْل أَوِ الزِّنَا، وَفِي الإِْكْرَاهِ بِالْحُكْمِ الْبَاطِل الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْقَتْل أَوِ الزِّنَا، فَلاَ يَرْتَفِعُ الإِْثْمُ عَنْ شَاهِدِ الزُّورِ، وَلاَ عَنِ الْحَاكِمِ الْبَاطِل، وَحُكْمُهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ حَيْثُ الضَّمَانُ حُكْمُ الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ) (٢)

ب - الإِْكْرَاهُ بِالْفِعْل:

لاَ أَثَرَ لِلإِْكْرَاهِ بِالْفِعْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلاَّ فِيمَا يَأْتِي:

(١) الْفِعْل الْمُضَمِّنُ كَالْقَتْل أَوْ إِتْلاَفِ الْمَال أَوِ الْغَصْبِ، فَعَلَى الْمُكْرَهِ (بِالْفَتْحِ) الْقِصَاصُ أَوِ الضَّمَانُ، وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ)، وَإِنْ قِيل: لاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ) بِمَا غَرِمَ فِي إِتْلاَفِ الْمَال، لأَِنَّهُ افْتَدَى بِالإِْتْلاَفِ نَفْسَهُ عَنِ الضَّرَرِ. قَال الْقَلْيُوبِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْقَتْل: فَيُقْتَل هُوَ - الْمُكْرَهُ - (بِالْفَتْحِ) وَمَنْ أَكْرَهَهُ.

(٢) الزِّنَا وَمَا إِلَيْهِ: يَأْثَمُ الْمُكْرَهُ (بِالْفَتْحِ)

_________

(١) حاشية القليوبي ٢ / ١٥٦.

(٢) الأشباه والنظائر ص ١٨٠ - ١٨١.

بِالزِّنَا، وَيَسْقُطُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى وَطْءِ الشُّبْهَةِ حُكْمُهُ.

(٣) الرَّضَاعُ: فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ فِي الْمُنَاكَحَاتِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا.

(٤) كُل فِعْلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بُطْلاَنُ الصَّلاَةِ، كَالتَّحَوُّل عَنِ الْقِبْلَةِ، وَالْعَمَل الْكَثِيرِ، وَتَرْكِ قِيَامِ الْقَادِرِ فِي الْفَرِيضَةِ، وَالْحَدَثِ، فَتَبْطُل الصَّلاَةُ بِمَا تَقَدَّمَ بِرَغْمِ الإِْكْرَاهِ عَلَيْهِ.

(٥) ذَبْحُ الْحَيَوَانِ: تَحِل ذَبِيحَةُ الْمُكْرَهِ (بِالْفَتْحِ) الَّذِي تَحِل ذَبِيحَتُهُ، كَالْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ وَلَوْ كَانَ الْمُكْرِهُ (بِالْكَسْرِ) مَجُوسِيًّا، أَوْ مُحْرِمًا وَالْمَذْبُوحُ صَيْدٌ. (١)

قَال السُّيُوطِيُّ: وَقَدْ رَأَيْتُ الإِْكْرَاهَ يُسَاوِي النِّسْيَانَ، فَإِنَّ الْمَوَاضِعَ الْمَذْكُورَةَ، إِمَّا مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمَأْمُورِ، فَلاَ يَسْقُطُ تَدَارُكُهُ، وَلاَ يَحْصُل الثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَإِمَّا مِنْ بَابِ الإِْتْلاَفِ، فَيَسْقُطُ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَتَسْقُطُ الْعُقُوبَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ، إِلاَّ الْقَتْل عَلَى الأَْظْهَرِ. (٢)

أَثَرُ الإِْكْرَاهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ:

٢٤ - يَخْتَلِفُ أَثَرُ الإِْكْرَاهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بِاخْتِلاَفِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ:

أ - فَالتَّصَرُّفَاتُ الْقَوْلِيَّةُ تَقَعُ بَاطِلَةً مَعَ الإِْكْرَاهِ إِلاَّ النِّكَاحَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ صَحِيحًا مَعَ الإِْكْرَاهِ، قِيَاسًا لِلْمُكْرَهِ عَلَى الْهَازِل. (٣) وَإِنَّمَا لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ مَعَ

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٨٧ - ١٨٢، والغرر على البهجة ٤ / ٢٤٩، وبجيرمي على المنهج ٤ / ٣٥، والشرقاوي على التحرير ٢ / ٣٩٠، ٣٩١.

(٢) الأشباه والنظائر ص١٧٨، ١٧٩.

(٣) الإنصاف ٨ / ٤٣٩، والمغني ٦ / ٥٣٥، والمقنع ٣ / ٤٣٤، ٢ / ٤.

الإِْكْرَاهُ لِلْحَدِيثِ الشَّرِيفِ لاَ طَلاَقَ فِي إِغْلاَقٍ، (١) وَالإِْكْرَاهُ مِنَ الإِْغْلاَقِ.

ب - وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ لاَ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا، وَمَتَى زَال عَنْهُ الإِْكْرَاهُ أُمِرَ بِإِظْهَارِ إِسْلاَمِهِ، وَالأَْفْضَل لِمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ أَنْ يَصْبِرَ (٢) وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الإِْسْلاَمِ مَنْ لاَ يَجُوزُ إِكْرَاهُهُ كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ، فَأَسْلَمَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الإِْسْلاَمِ، حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى إِسْلاَمِهِ طَوْعًا.

أَمَّا مَنْ يَجُوزُ إِكْرَاهُهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ كَالْمُرْتَدِّ، فَإِنَّهُ إِذَا أُكْرِهَ فَأَسْلَمَ حُكِمَ بِإِسْلاَمِهِ ظَاهِرًا. (٣)

ج - وَالإِْكْرَاهُ يُسْقِطُ الْحُدُودَ عَنِ الْمُكْرَهِ، لأَِنَّهُ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (٤)

د - وَإِذَا أَكْرَهَ رَجُلٌ آخَرَ عَلَى قَتْل شَخْصٍ فَقَتَلَهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ جَمِيعًا، وَإِنْ صَارَ الأَْمْرُ إِلَى الدِّيَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ أَحَبَّ وَلِيُّ الْمَقْتُول قَتْل أَحَدِهِمَا، وَأَخْذَ نِصْفِ الدِّيَةِ مِنَ الآْخَرِ أَوِ الْعَفْوَ فَلَهُ ذَلِكَ. (٥) وَيُعْتَبَرُ الْقَتْل هُنَا مَانِعًا مِنَ الْمِيرَاثِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ. (٦)

وَالْقِصَاصُ عِنْدَهُمْ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ قَتْلُهُ شَخْصًا ثَالِثًا غَيْرَهُمَا.

فَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قَتْلُهُ هُوَ الْمُكْرِهَ (بِالْكَسْرِ) فَإِنَّهُ

_________

(١) حديث: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " أخرجه أحمد (٦ / ٢٧٦ - ط اليمنية) من حديث عائشة، وله طرق يتقوى بها (فيض القدير ٦ / ٤٣٣ - ط المكتبة التجارية) .

(٢) المغني ٨ / ١٤٥، ١٤٦.

(٣) المغني ٨ / ١٤٤، ١٤٥.

(٤) المغني ٨ / ٢١٧.

(٥) المغني ٧ / ٦٤٥.

(٦) المقنع ٢ / ٤٦٠.

يَكُونُ هَدَرًا، وَلاَ قِصَاصَ وَلاَ دِيَةَ فِي الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قَتْلُهُ هُوَ الْمُكْرَهَ (بِالْفَتْحِ)، فَلاَ يَتَحَقَّقُ الإِْكْرَاهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلاَ دِيَةَ وَلاَ قِصَاصَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. (١) إِلاَّ إِذَا كَانَ التَّهْدِيدُ بِقَتْلٍ أَشْنَعَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَ الْمِيتَتَيْنِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. (٢)

أَثَرُ إِكْرَاهِ الصَّبِيِّ عَلَى قَتْل غَيْرِهِ:

٢٥ - إِذَا كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَى الْقَتْل صَبِيًّا، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ آلَةً فِي يَدِ الْمُكْرِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ قِصَاصَ وَلاَ دِيَةَ، وَإِنَّمَا الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ) . (٣)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ) وَنِصْفِ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ. (٤)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ.

فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، اعْتُبِرَ آلَةً عِنْدَهُمْ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ.

وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا، فَيَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ) . (٥)

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ إِذَا أُكْرِهَ عَلَى قَتْل غَيْرِهِ فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَالْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ) . وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجِبُ

_________

(١) الفروع ٣ / ٣٨٦.

(٢) قواعد ابن رجب ص ١١٢.

(٣) المبسوط ٢٤ / ٣٩.

(٤) الدسوقي ٤ / ٢٤٦.

(٥) المهذب ٢ / ١٧٨، ومغني المحتاج ٤ / ١٠.

الْقِصَاصُ، لاَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ، لأَِنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ خَطَأٌ، وَالْمُكْرِهُ (بِالْكَسْرِ) شَرِيكُ الْمُخْطِئِ، وَلاَ قِصَاصَ عَلَى شَرِيكِ مُخْطِئٍ. أَمَّا إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا فَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ (بِالْكَسْرِ) وَلاَ يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ. (١)

إِكْسَالٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْكْسَال لُغَةً: مَصْدَرُ أَكْسَل، وَأَكْسَل الْمُجَامِعُ: خَالَطَ الْمَرْأَةَ وَلَمْ يُنْزِل، أَوْ عَزَل وَلَمْ يُرِدْ وَلَدًا. (٢)

وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُل ثُمَّ يَفْتُرَ ذَكَرُهُ بَعْدَ الإِْيلاَجِ، فَلاَ يُنْزِل (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِعْتِرَاضُ:

٢ - الاِعْتِرَاضُ هُوَ: عَدَمُ انْتِشَارِ الذَّكَرِ لِلْجِمَاعِ. وَقَدْ يَكُونُ الاِعْتِرَاضُ قَبْل الإِْيلاَجِ أَوْ بَعْدَهُ (٤) . فَالاِعْتِرَاضُ لَيْسَ مِنَ الإِْكْسَال.

ب - الْعُنَّةُ:

٣ - الْعُنَّةُ: عَجْزُ الرَّجُل عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ، وَقَدْ

_________

(١) المقنع ٣ / ٣٤١، والمغني ٧ / ٧٥٧.

(٢) ترتيب القاموس، والمصباح مادة: (كسل) .

(٣) المغني ١ / ٢٠٤ ط الرياض، والمغرب مادة: (كسل) .

(٤) الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٧٨، ٢٧٩.

يَكُونُ عِنِّينًا عَنِ امْرَأَةٍ دُونَ أُخْرَى (١) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعُنَّةِ وَالإِْكْسَال وَاضِحٌ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٤ - لاَ يُغَيِّرُ الإِْكْسَال الأَْحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْجِمَاعِ، وَلاَ يَخْتَلِفُ الْجِمَاعُ مَعَ الإِْنْزَال عَنْهُ بِدُونِهِ، إِلاَّ مَا حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، كَانُوا يَقُولُونَ: لاَ غُسْل عَلَى مَنْ جَامَعَ فَأَكْسَل (٢) يَعْنِي لَمْ يُنْزِل. وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

أَمَّا بَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْغُسْل عِنْدَهُمْ وَإِنْ أَكْسَل الْمُجَامِعُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل وَإِنْ لَمْ يُنْزِل (٣) وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ كِنَايَةٌ عَنِ الإِْيلاَجِ.

قَال سَهْل بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ: الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ كَانَ رُخْصَةً، أَرْخَصَ فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا. (٤)

وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الزِّنَا الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ إِيلاَجِ الْحَشَفَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ إِنْزَالٍ.

كَذَلِكَ يَثْبُتُ الإِْحْصَانُ بِالْجِمَاعِ مَعَ الإِْكْسَال عِنْدَ

_________

(١) المصباح مادة: (عنن) .

(٢) الأثر " لا غسل على من جامع فأكسل " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٣٩٦ - ط السلفية) .

(٣) حديث: " إذا التقى الختانان. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٧١ - ط الحلبي) .

(٤) المغني ١ / ٢٠٤، والبدائع ١ / ١٦٢ ط العاصمة، والجمل على المنهج ١ / ١٥٢ ط إحياء التراث العربي، والخرشي ١ / ١٦٣، ١٦٤ ط دار صادر. وحديث " الماء من الماء. . . " أخرجه أبو داود (١ / ١٤٦ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه البيهقي (١ / ١٦٥ - ١٦٦ ط دائرة المعارف العثمانية) بعد أن رواه من طريق أبي داود.

مَنْ يَقُول: إِنَّ الإِْحْصَانَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ. (١)

وَتَحْصُل فَيْئَةُ الْمُولِي إِنْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِل. (٢)

وَتُرْفَعُ الْعُنَّةُ بِالْوَطْءِ دُونَ إِنْزَالٍ أَيْضًا. (٣)

وَيَحْصُل التَّحْلِيل لِمُطَلِّقِ الْمَرْأَةِ ثَلاَثًا بِمُجَرَّدِ الإِْيلاَجِ مِنَ الزَّوْجِ الآْخَرِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ: أَنَّهُ لاَ يَأْتِيهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلاَّ مِثْل هُدْبَةٍ، فَقَال: لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (٤)

وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ، وَقَالُوا: الْعُسَيْلَةُ هِيَ: الْجِمَاعُ، وَشَذَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَقَال: لاَ يُحِلُّهَا إِلاَّ إِذَا أَنْزَل، وَشَذَّ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَقَال: يَكْفِي فِي إِحْلاَلِهَا الْعَقْدُ.

وَتُنْظَرُ مَسَائِل أَحْكَامِ الْجِمَاعِ فِي مُصْطَلَحِ: (وَطْء) .

_________

(١) عون المعبود ١ / ٨٧، نيل المآرب ٢ / ١١٣ ط الكويت. ومغني المحتاج ٤ / ١٤٧ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٨ / ١٨١.

(٢) البجيرمي ٤ / ٦، نيل المآرب ٢ / ٨٢.

(٣) نيل المآرب ٢ / ٥٦، وفتح القدير ٤ / ١٣١ ط دار إحياء التراث العربي.

(٤) حديث عائشة: " أن رفاعة القرظي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٤٦٦ - ط السلفية) .

أَكْلٌ

حُكْمُ الطَّعَامِ الْمَأْكُول ذَاتُهُ:

١ - إِنَّ بَيَانَ مَا يَحِل وَيَحْرُمُ مِنَ الأَْطْعِمَةِ وَمَعْرِفَتَهُمَا مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ. فَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى أَكْل الْحَرَامِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: كُل لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ. (١)

وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَشْيَاءَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَل السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَْزْلاَمِ﴾ (٢) . وَنَحْوِهَا مِنَ الآْيَاتِ.

وَحُرِّمَتْ أَشْيَاءُ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ (٣)

_________

(١) نهاية المحتاج شرح المنهاج ٨ / ١٦، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ١ / ٥٦٣. وحديث " كل لحم. . " أخرجه الترمذي بلفظ " إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به " قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. (سنن الترمذي ٢ / ٥١٢، ٥١٣ ط إستنابول) .

(٢) سورة المائدة / ٣.

(٣) حديث " كل ذي ناب. . . " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا. (صحيح مسلم ٣ / ١٥٣٤ ط عيسى الحلبي) .

وَسَكَتَ الشَّرْعُ عَنْ أَشْيَاءَ. وَيُرْجَعُ إِلَى إِيضَاحِ ذَلِكَ كُلِّهِ تَحْتَ عِنْوَانِ (أَطْعِمَة) .

صِفَةُ الأَْكْل بِالنِّسْبَةِ لِلآْكِل:

٢ - إِنَّ الأَْكْل قَدْ يَكُونُ فَرْضًا، يُثَابُ الإِْنْسَانُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلْغِذَاءِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْهَلاَكَ، لأَِنَّ الإِْنْسَانَ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ وَعَدَمِ إِلْقَائِهَا إِلَى التَّهْلُكَةِ.

وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ أَدَاءُ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ قَائِمًا، وَأَدَاءُ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ، لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ.

وَمِنْهُ مَنْدُوبٌ، وَهُوَ مَا يُعِينُهُ عَلَى تَحْصِيل رِزْقِهِ وَتَحْصِيل الْعِلْمِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَحْصِيل النَّوَافِل.

وَقَدْ يَكُونُ الأَْكْل مُبَاحًا يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ، وَذَلِكَ إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَهُ الاِمْتِلاَءُ.

وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا، وَهُوَ مَا فَوْقَ الشِّبَعِ، وَكُل طَعَامٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُفْسِدُ مَعِدَتَهُ، لأَِنَّهُ إِسْرَافٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ (١) إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى الشِّبَعِ لاَ تَضُرُّهُ، وَقَصَدَ بِالأَْكْل الْقُوَّةَ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ، أَوِ الزِّيَادَةَ فِي الطَّاعَاتِ، أَوْ لِئَلاَّ يَسْتَحْيِيَ الْحَاضِرُ مَعَهُ بَعْدَ إِتْمَامِ طَعَامِهِ. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ. (٢)

_________

(١) سورة الأعراف / ٣١.

(٢) حديث " ما ملاء آدمي. . . " أخرجه الترمذي واللفظ له وابن ماجه من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، كما حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (تحفة الأحوذي ٧ / ٥٢ نشر المكتبة السلفية، وسنن ابن ماجه ٢ / ١١١١ ط عيسى الحلبي، وفتح الباري ٩ / ٥٢٨ ط السلفية) .

وَمِنْ الأَْكْل مَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ قَلِيلًا، فَإِنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ، (١) وَقَدْ قَال الْبَعْضُ: إِنَّ الآْكِل لاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ التَّلَذُّذَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الْكَافِرِينَ بِأَكْلِهِمْ لِلتَّمَتُّعِ وَالتَّنَعُّمِ وَقَال: ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُل الأَْنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ . (٢) وَقَال النَّبِيُّ ﵊ الْمُسْلِمُ يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُل فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ. (٣)

هَذَا، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ الأَْكْل بِقَصْدِ التَّمَتُّعِ وَالتَّلَذُّذِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِهِ، لِقَصْدِ التَّقَوِّي عَلَى أَعْمَال الْخَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُل هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤) وَأَمَّا الآْيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَذَا الْقَائِل فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْعِي عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَتَمَتَّعُونَ بِالأَْطْعِمَةِ الَّتِي رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَكِّرُوا فِي الْمُنْعِمِ، وَأَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى مَا احْتَجُّوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ النَّعْيُ عَلَى مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الطَّعَامِ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٥.

(٢) سورة محمد / ١٢.

(٣) حديث: " المسلم يأكل. . . " أخرجه البخاري ومسلم (فتح الباري ٩ / ٥٣٦ ط السلفية، وصحيح مسلم ٣ / ١٦٣١ط عيسى الحلبي) .

(٤) سورة الأعراف / ٣٢.