الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَجَدُّهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَل أَيَّامِ الأُْسْبُوعِ، وَلَكِنْ يَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَل أَيَّامِ الْعَامِ. (١)
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَعْظَمَ الأَْيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ، وَهُوَ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ (٢)، وَلأَِنَّهُ هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الأَْكْبَرِ. (٣)
وَرَجَّحَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَال: هُوَ الصَّوَابُ. (٤)
دُخُول يَوْمِ النَّحْرِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دُخُول يَوْمِ النَّحْرِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ عَدَا أَبِي يُوسُفَ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ لاَ يَدْخُل فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَمَّا لَيْلَةُ النَّحْرِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا تَدْخُل فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ أَنَّ لَيْلَةَ النَّحْرِ لَيْسَتْ
_________
(١) الإنصاف ٣ / ٣٥٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٤٦، والنكت والفواكه السنية على المحرر في الفقه ١ / ١٧٠.
(٢) حديث: " إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر. . . أخرجه أبو داود (٢ / ٣٧٠) والحاكم (٤ / ٢٢١) وصححه الحاكم.
(٣) زاد المعاد ١ / ٥٤ ط الرسالة.
(٤) زاد المعاد ١ / ٥٥.
مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ لأَِنَّ اللَّيَالِيَ تَبَعٌ لِلأَْيَّامِ وَيَوْمَ النَّحْرِ لاَ يَصِحُّ فِيهِ الإِْحْرَامُ، فَكَذَا لَيْلَتُهُ.
وَاخْتَارَ الآْجُرِّيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ آخِرَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَيْلَةُ النَّحْرِ. (١)
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَابْنُ هُبَيْرَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ مِنْ شَوَّالٍ إِلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ.
بِمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ هَذَا الزَّمَنِ وَقْتٌ لِجَوَازِ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَهُوَ مَا يَسَعُهُ مَعَ الْوُقُوفِ مِنْ شَوَّالٍ لِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَبَعْضُهُ وَقْتٌ لِجَوَازِ التَّحَلُّل وَهُوَ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لآِخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ جَمِيعَ هَذَا الزَّمَنِ وَقْتٌ لِجَوَازِ الإِْحْرَامِ، وَلاَ وَقْتٌ لِجَوَازِ التَّحَلُّل فَقَطْ. (٢)
فَالْوَقْتُ بِالنِّسْبَةِ لإِنْشَاءِ الإِْحْرَامِ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ وَيَمْتَدُّ لِقُرْبِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلتَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لآِخِرِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ. (٣)
(ر: أَشْهُرُ الْحَجِّ ف ١، وَإِحْرَام ف ٣٣) .
الأَْكْل يَوْمُ النَّحْرِ:
٦ - مُصَلِّي صَلاَةِ الْعِيدِ يَوْمَ النَّحْرِ لاَ يَخْلُو: إِمَّا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٥٠، والإنصاف ٣ / ٤٣١، ومغني المحتاج ١ / ٤٧١، والزرقاني ٢ / ٢٤٩ وجواهر الإكليل ١ / ١٦٨.
(٢) الزرقاني ٢ / ٢٤٩، وجواهر الإكليل ١ / ١٦٨، والإنصاف ٣ / ٤٣١.
(٣) جواهر الإكليل ١ / ١٦٨.
أَنْ تَكُونَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ وَإِمَّا أَنْ لاَ تَكُونَ.
فَمَنْ كَانَتْ لَهُ أُضْحِيَّةٌ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَالإِْمْسَاكُ عَنِ الأَْكْل لِيُفْطِرَ عَلَى كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يُفْطِرَ، وَلاَ يَطْعَمُ يَوْمَ الأَْضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ (١)، وَفِي رِوَايَةٍ: وَلاَ يَأْكُل يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَذْبَحَ (٢)، وَلأَِنَّ فِي الأَْضْحَى شُرِعَتِ الأُْضْحِيَّةُ وَالأَْكْل مِنْهَا فَاسْتُحِبَّ أَنَّ يَكُونَ الْفِطْرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَلأَِنَّ النَّاسَ أَضْيَافُ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْيَوْمِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ أَكَلُهُمْ مِنْ لُحُومِ الأَْضَاحِي الَّتِي هِيَ ضِيَافَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلأَِنَّ الصَّدَقَةَ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْل الصَّلاَةِ فَاسْتُحِبَّ لِلْمُتَصَدِّقِ الأَْكْل قَبْل صَلاَةِ عِيدِ الْفِطْرِ لِيُشَارِكَ الْمَسَاكِينَ، وَالصَّدَقَةُ فِي عِيدِ النَّحْرِ إِنَّمَا هِيَ بَعْدَ الصَّلاَةِ مِنَ الأُْضْحِيَّةِ فَاسْتُحِبَّ مُوَافَقَةُ الْمَسَاكِينِ فِي الأَْكْل مِنْهَا، وَلأَِنَّ مَا قَبْل يَوْمِ الْفِطْرِ يَحْرُمُ الأَْكْل فَنُدِبَ الأَْكْل فِيهِ قَبْل صَلاَةِ الْعِيدِ لِيَتَمَيَّزَ عَمَّا قَبْلَهُ. . وَفِي يَوْمِ الأَْضْحَى لاَ يَحْرُمُ الأَْكْل قَبْلَهُ فَأُخِّرَ. . لِيَتَمَيَّزَ كُلٌّ مِنْهُمَا.
وَالأَْوْلَى لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُل مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ
_________
(١) حديث: " كان النبي؟ لا يخرج يوم الفطر. . . أخرجه الترمذي (٢ / ٤٢٦)، ونقل ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٩٨ - علمية) عن ابن القطاح أنه صححه.
(٢) رواية: " ولا يأكل يوم النحر حتى يذع أخرجها البيهقي في السنن الكبرى (٣م٢٨٣) .
لِحَدِيثِ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُل مِنْ كَبِدِ أُضْحَيَّتِهِ (١) وَلأَِنَّ الْكَبِدَ أَسْرَعُ تَنَاوُلًا مِنْ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا مَنْ لاَ يُضَحِّي فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ اطْلاَقِ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ) أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا تَأْخِيرُ الأَْكْل.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّي خُيِّرَ بَيْنَ الأَْكْل قَبْل الصَّلاَةِ وَبَعْدَهَا. (٢) لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَكَانَ لاَ يَأْكُل يَوْمَ النَّحْرِ شَيْئًا حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُل مِنْ أُضْحِيَّتِهِ (٣) . وَقَالُوا: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَبْحٌ لَمْ يُبَال أَنْ يَأْكُل.
صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ
_________
(١) حديث: " أنه كان يأكل من كبد أضحيته. . . " أخرجه البيهقي في السنن (٣ / ٢٨٣)، وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال (٣ / ٨٦) تضعيف أحد رواته.
(٢) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٥٦٢، والزرقاني ٢ / ٧٥، والدسوقي ١ / ٣٩٩، والفواكه الدواني ١ / ٣٢٢، والخرشي ٣ / ٣٨، ومغني المحتاج ١ / ٣١٣، ٤ / ٢٩٠، والمجموع شرح المهذب ٥ / ٦، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٧١ - ٣٧٢، وحاشية الجمل ٢ / ١٠٠، كشاف القناع ٢ / ٥١، ومطالب أولي النهى ١ / ٧٩٦.
(٣) حديث بريدة: " كان النبي؟ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم أخرجه الدارقطني (٢ / ٤٥) .
وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مَا نُقِل عَنِ الْبُرْهَانِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِهِ وَصَوْمِ أَيَّامِ الْفِطْرِ وَالتَّشْرِيقِ لِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى أَزْهَرَ، أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الأَْضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَصَلَّى قَبْل الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَال: " إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِن صِيَامِكُمْ، وَأَمَّا الآْخَرُ فَيَوْمُ تَأْكُلُونَ مِن نُسُكِكُمْ (١) .
وَلِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: " أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: " وَذِكْرِ اللَّهِ " (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ لِلإِْعْرَاضِ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ وَمُخَالَفَةِ الأَْمْرِ. (٣)
_________
(١) حديث أبي عبيد: " أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب. . . أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٤) ومسلم (٢ / ٧٩٩) والسياق للبخاري.
(٢) حديث: " أيام التشريق أيام أكل وشرب. . . بروايتيه أخرجه مسلم (٢ / ٨٠٠) .
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٧٩، والفتاوى الهندية ١ / ٢٠١، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٥١ ط دار الإيمان، والقوانين الفقهية ص ٧٨، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار ٢ / ٣٣٩، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ٦٠، ومغني المحتاج ١ / ٤٣٣، وروضة الطالبين ٢ / ٣٦٦ و٣ / ٣١١، والمدونة الكبرى ١ / ٢٣٤، وعقد الجواهر الثمينة ١ / ٣٦٠، وكشاف القناع ٢ / ٣٤٢، ولطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ص ٤٨٦ (دار ابن كثير - دمشق)، والمغني لابن قدامة ٣ / ١٦٣ - ١٦٤، ١٥١، ١٥٢، والإنصاف ٣ / ٣٥١.
٨ - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَإِجْزَائِهِ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ عَنْ فَرْضٍ وَلاَ نَفْلٍ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لاَ تَصُومُوا هَذِهِ الأَْيَّامَ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ (١) . وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَإِنْ صَامَ فِيهَا كَانَ صَائِمًا عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْل أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِذَا كَانَ الصَّائِمُ صَامَهُ عَنْ فَرْضٍ. (٢)
٩ - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ أَصْبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرَ. . فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ
_________
(١) حديث ابن عباس: " ألا تصوموا في هذه الأيام. . أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١ / ٢٣٢) وحسن إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٢٠٣) .
(٢) المراجع السابقة.
وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، أَيْ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَنْبَنِي عَلَى سَلاَمَةِ الْمُوجِبِ عَنْ شُبْهَةِ الْحُرْمَةِ، وَالصَّوْمُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ حَرَامٌ فَلاَ يَجِبُ شَيْءٌ.
وَنُقِل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ. (١)
نَذْرُ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ:
١٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ، حَسَبَ تَفْصِيلٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَوْم ف ٢٠، نَذْر ف ١٦) .
إِحْيَاءُ لَيْلَةِ عِيدِ الأَْضْحَى:
١١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ إِحْيَاءُ لَيْلَةِ عِيدِ الأَْضْحَى.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ (إِحْيَاءُ اللَّيْل ف ١١، عِيد ف ٥) .
خُطْبَةُ يَوْمِ النَّحْرِ:
١٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِمُتَوَلِّي أَمْرِ الْحَجِّ أَنْ يَخْطُبَ النَّاسَ فِي الْحَجِّ خُطَبًا يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ أَحْكَامَهُ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ هَذِهِ الْخُطَبِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٧٩ والفتاوى الهندية ١ / ٢٠١ وحاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ٣٣٩ وحاشية الحططاوي على مراقي الفلاح ص ٣٥١.
وَمَوَاطِنِهَا؛ وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ خُطْبَةُ يَوْمِ النَّحْرِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ لاَ تَكُونُ فِيهِ خُطْبَةٌ، لأَِنَّ الْخُطْبَةَ تُسَنُّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ فَلَمْ تُسُنَّ فِيهِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ ثَلاَثُ خُطَبٍ، أَوَّلُهَا فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَبْل يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَالثَّانِيَةُ بِعَرَفَاتِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَالثَّالِثَةُ بِمِنًى فِي الْيَوْمِ الْحَادِي عَشَرَ، فَيَفْصِل بَيْنَ كُل خُطْبَتَيْنِ بِيَوْمٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ مُتَوَلِّيَ أَمْرِ الْحَجِّ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى خُطْبَةً يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا بَقِيَّةَ الْمَنَاسِكِ مِنْ نَحْرٍ وَطَوَافٍ وَرَمْيٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ. . . (١) يَعْنِي بِمِنًى.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ تَكْثُرُ فِيهِ أَفْعَال الْحَجِّ مِنْ رَمْيٍ وَنَحْرٍ وَطَوَافٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ أَفْعَال الْحَجِّ مَا فِيهِ، وَيُحْتَاجُ إِلَى تَعْلِيمِ النَّاسِ أَحْكَامَ هَذِهِ الأَْفْعَالِ، فَاحْتِيجَ إِلَى الْخُطْبَةِ مِنْ أَجْلِهِ كَيَوْمِ عَرَفَةَ.
قَال النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ لِكُل أَحَدٍ مِنَ الْحُجَّاجِ حُضُورُ هَذِهِ الْخُطْبَةِ، وَيُسْتَحَبُّ
_________
(١) حديث: " أن النبي؟ خطب الناس يوم النحر. . . أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٧٣) .
لَهُمْ وَلِلإِْمَامِ الاِغْتِسَال لَهَا، وَالتَّطَيُّبُ لَهَا إِنْ كَانَ قَدْ تَحَلَّل التَّحَلُّلَيْنِ أَوِ الأَْوَّل مِنْهُمَا.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ فِي وَقْتِهَا.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا فِي ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ، لِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا؛ وَمِنْهَا حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى، حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ ﵁ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَاعِدٍ وَقَائِمٍ (١) .
وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ وَقْتَ هَذِهِ الْخُطْبَةِ يَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ صَلاَةِ الظُّهْرِ. (٢)
أَعْمَال الْحَاجِّ وَغَيْرِهِ يَوْمَ النَّحْرِ:
يَوْمُ النَّحْرِ مِنْ أَكْثَرِ الأَْيَّامِ اسْتِزَادَةً مِنَ
_________
(١) حديث رافع بن عمرو المزني: " رأيت رسول الله؟ يخطب الناس بمنى. . أخرجه أبو داود (٢ / ٤٨٩)، وحسن إسناده النووي في المجموع (٨ / ٩٠) .
(٢) الدر المختار ورد المحتار ٢ / ١٧٣، والفتاوى الهندية ١ / ٢٢٧، ومراقي الفلاح ص ١٤٥، والفواكه الدواني ١ / ٤٢٠، والقوانين الفقهية ٨٩ / ٩٠ (دار القلم - بيروت - لبنان)، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ٣ / ٥٧٤ - ٥٧٧، والمجموع شرح المهذب ٨ / ٨٩، ٢١٨ - ٢١٩، وتحفة المحتاج مع حاشيتي الشرواني والعبادي ٤ / ١٣٠، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٢ / ٥٠٤ (مكتبة النصر الحديثة - الرياض)، والمغني ٣ / ٤٤٥ - ٤٤٦، والمبدع ٣ / ٢٤٦، ومعونة أولي النهى ٣ / ٤٥٦.
الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ. . لِلْحَاجِّ وَلِغَيْرِهِ، عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلًا: أَعْمَال الْحَاجِّ يَوْمَ النَّحْرِ:
١٣ - يَوْمُ النَّحْرِ أَكْثَرُ أَيَّامِ الْحَجِّ عَمَلًا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاجِّ؛ فَفِيهِ الأَْعْمَال التَّالِيَةُ:
أ - الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ:
يَكُونُ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بَعْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ مُسْتَحَبًّا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ فِي الأَْشْهَرِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) وَسُنَّةً فِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وُجُوبَهُ.
وَيَرَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ لاَ مِنْ سُنَنِهِ. (١)
(ر: مُزْدَلِفَة ف ٨ - ١٠) .
ثُمَّ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى مِنًى لِقَوْل عُمَرَ ﵁: " إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لاَ يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ " (٢)
(ر: حَجّ ف ٤٤) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ١٤٨، وبدائع الصنائع ٢ / ١٣٦، والمغني ٣ / ٤٢٣، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤١٧، والزرقاني ٢ / ٢٧٦، وجواهر الأكليل ١ / ١٦٠، ١٨١، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٣، والمجموع ٨ / ١٥١.
(٢) أثر عمر: " إن المشركين كانوا لا يفيضون من جمع. . أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ١٤٨) .