الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٥
بِالأَْجْنَبِيِّ فَبِالأَْبِ أَوْلَى، وَأَنَّهُ يُحَدُّ بِقَذْفِهِ فَيُقْتَل بِهِ كَالأَْجْنَبِيِّ، كَمَا أَنَّهُ قَطَعَ الرَّحِمَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِصِلَتِهَا وَوَضَعَ الإِْسَاءَةَ مَوْضِعَ الإِْحْسَانِ فَهُوَ أَوْلَى بِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الاِبْنَ لاَ يُقْتَل بِأَبِيهِ؛ لأَِنَّ الأَْبَ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ بِحَقِّ النَّسَبِ، فَلاَ يُقْتَل بِهِ كَالأَْبِ مَعَ ابْنِهِ. (١)
قَتْل الْوَالِدِ الْوَلَدَ الْبَاغِيَ وَالْعَكْسُ:
٥٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْعَدْل تَعَمُّدُ قَتْل أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ، فَإِذَا قُتِل أَحَدُهُمْ فِي أَثْنَاءِ الْقِتَال لِضَرُورَةِ الْقِتَال فَلاَ يُضْمَنُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَل الْبَاغِي أَحَدَ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدَهُ فَلاَ يَضْمَنُ.
أَمَّا لَوْ قَتَل الْعَادِل أَوِ الْبَاغِي أَحَدَ وَالِدَيْهِ أَوْ وَلَدَهُ فِي غَيْرِ الْقِتَال أَوْ فِي الْقِتَال وَلَكِنْ لِغَيْرِ ضَرُورَةِ الْقِتَال فَإِنَّهُ يَضْمَنُ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الْبَاغِيَ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ عَلَى الْعَادِل؛ لأَِنَّهُمَا فِرْقَتَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُحِقَّةٌ وَمُبْطِلَةٌ، فَلاَ يَسْتَوِيَانِ فِي سُقُوطِ الْغُرْمِ. (٢)
_________
(١) تبين الحقائق ٦ ١٠٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢ ٢٥٢، ومغني المحتاج ٤ ١٨، والإنصاف ٩ ٤٧٤، والمغني ٧ ٦٧٠ - ٦٧١.
(٢) البدائع ٧ ١٤١، وابن عابدين ٣ ٣١١، وفتح القدير ٤ ٤١٤، وتبيين الحقائق ٣ ٢٧٦، وحاشية الدسوقي ٤ ٣٠٠، التاج والإكليل ٦ ٢٧٩، الشرح الصغير ٤ ٤٢٩، والمهذب ٢ ٢٢٠، ونهاية المحتاج ٧ ٣٨٧، وكشاف القناع ٦ ١٦٣، والمغني ٨ ١١٨، ومغني المحتاج ٤ ١٢٥.
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ أُخْرَى تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (بُغَاة ف ٢٦)
شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَالْعَكْسُ:
٥٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَلاَ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَة ف ٢٦)
دُخُول الْوَلَدِ فِي الْعَاقِلَةِ الَّتِي تَتَحَمَّل الدِّيَةَ:
٦٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دُخُول الْوَلَدِ فِي الْعَاقِلَةِ الَّتِي تَتَحَمَّل الدِّيَةَ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إِلَى أَنَّهُ يَدْخُل الأَْبْنَاءُ وَالآْبَاءُ فِي الْعَاقِلَةِ فِي تَحَمُّل الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِمْ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ فِي الْقَوْل الآْخَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى أَنَّ الأَْبْنَاءَ وَالآْبَاءَ لاَ يَدْخُلُونَ فِي الْعَاقِلَةِ فِي تَحَمُّل الدِّيَةِ عَنِ الْجَانِي. (١)
_________
(١) المبسوط ٢٧ ١٢٧، وتكملة فتح القدير ١٠ ٣٩٩، منح الجليل ٤ ٤٢٤، بداية المجتهد ٢ ٤٤٩، والمغني ٩ ٥١٦، ومنتهى الارادات ٣ ٣٢٧، ومغني المحتاج ٤ ٩٥، ٩٦، والأم ٦ ١٠١، والمغني مع الشرح الكبير ٩ ٥١٤،٥١٥، والإنصاف ١٠ ١١٩.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَاقِلَة ف ٣)
سَرِقَةُ الْوَالِدِ مِنَ الْوَلَدِ وَالْعَكْسُ:
٦١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ الْوَالِدِ مِنْ مَال وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَل، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ (١)، وَقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلاَدَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ (٢) وَفِي لَفْظٍ فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلاَدِكُمْ (٣) وَلاَ يَجُوزُ قَطْعُ الإِْنْسَانِ بِأَخْذِ مَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَخْذِهِ، وَلاَ أَخْذِ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَالًا لَهُ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَلأَِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَأَعْظَمُ الشُّبَهَاتِ أَخَذُ الرَّجُل مِنْ مَالٍ جَعَلَهُ الشَّرْعُ لَهُ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِهِ وَأَكْلِهِ.
وَقَال أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُقْطَعُ الأَْبُ بِسَرِقَةِ مَال ابْنِهِ (٤) لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
_________
(١) حديث: " أنت ومالك لأبيك. . . " تقدم تخريجه ف ٤١.
(٢) حديث: " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم. . . " تقديم تخريجه ف٤١.
(٣) حديث: " فكلوا من كسب أولادكم. . . " أخرجه أبو داود (٣ ٨٠٢ - ط حمص) من حديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما.
(٤) البدائع ٧ ٧٠، وفتح القدير ٥ ٣٨١، والقليوبي وعميرة ٤ ١٨٨، وحاشية الدسوقي ٤ ٣٣٧، وبداية المجتهد ٢ ٤٩٠، ومغني المحتاج ٤ ١٦٢، وكشاف القناع ٦ ١٤١، والمغني ١٢ ٤٥٩.
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾) (١) .
٦٢ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَطْعِ يَدِ الْوَلَدِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَال وَالِدِهِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ الْوَلَدِ مِنْ مَال وَالِدِهِ وَإِنْ عَلاَ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَالثَّوْرِيُّ، لأَِنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ تَمْنَعُ قَبُول شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَةِ مَالِهِ كَالأَْبِ، وَلأَِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مَال الأَْبِ لاِبْنِهِ حِفْظًا لَهُ، فَلاَ يَجُوزُ إِتْلاَفُهُ حِفْظًا لِلْمَال، وَلأَِنَّهُ يَرِثُ مَالَهُ، وَلَهُ حَقُّ دُخُول بَيْتِهِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا شُبُهَاتٌ تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ مَا قَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ لِظَاهِرِ الآْيَةِ، وَلأَِنَّهُ يُحَدُّ بِالزِّنَى مِنْ جَارِيَتِهِ، وَيُقَادُ بِقَتْلِهِ فَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، وَلأَِنَّهُ لاَ تُوجَدُ شُبْهَةٌ فِي عَلاَقَةِ الاِبْنِ بِأَبِيهِ تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ. (٢)
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (سَرِقَة ف ١٥) .
_________
(١) سورة المائدة ٣٨.
(٢) فتح القدير ٥ ٣٨٠، الفتاوى الهندية ٢ ١٨١، والخرشي ٨ ٩٦، والدسوقي ٤ ٣٣٧، والزرقاني ٨ ٩٨، والمدونة ٦ ٢٧٦، ومغني المحتاج ٤ ١٦٢، المهذب ٢ ٢٨٢، والمغني ١٢ ٤٦٠ (ط هجر)، وكشاف القناع ٦ ١٤١، وشرح منتهى الإرادات ٣ ٣٧١، والإنصاف ١٠ ٢٧٨.
قَذْفُ الْوَالِدِ وَلَدَهُ:
٦٣ - إِذَا قَذَفَ الْوَالِدُ وَلَدَهُ وَإِنْ سَفَل، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَيْهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ الْوَالِدُ بِقَذْفِهِ لِوَلَدِهِ وَإِنْ نَزَل، وَذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى عَدَمِ قَتْلِهِ بِهِ، فَإِهْدَارُ جِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِ الْوَلَدِ يُوجِبُ إِهْدَارَهَا فِي عِرْضِهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى. (١)
غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ الاِقْتِصَارَ عَلَى نَفْيِ الْحَدِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُعَزَّرُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلإِْيذَاءِ، (٢) وَكَذَلِكَ يُعَزَّرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بَل بِشَتْمِ وَلَدِهِ يُعَزَّرُ عِنْدَهُمْ. (٣)
٦٤ - وَكَمَا لاَ يُحَدُّ بِقَذْفِ وَلَدِهِ لاَ يُحَدُّ بِقَذْفِ مَنْ وَرِثَهُ الْوَلَدُ وَلَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ غَيْرَهُ، كَمَا لَوْ قَذَفَ امْرَأَةً لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ ثُمَّ مَاتَتْ، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ ابْتِدَاءً لَمْ يَثْبُتْ لَهُ انْتِهَاءً كَالْقِصَاصِ، فَإِنْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ كَأَنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِهِ كَانَ لَهُ الاِسْتِيفَاءُ لأَِنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ يَسْتَوْفِيهِ، لِلُحُوقِ
_________
(١) فتح القدير ٤ ١٩٦،١٩٧، والدر المختار مع رد المحتار ٣ ١٧٢، وحاشية الدسوقي ٤ ٣٣١، ومغني المحتاج ٤ ١٥٦، وشرح منتهى الإرادات ٣ ٣٥٠، ٣٥١.
(٢) مغني المحتاج ٤ ١٥٦.
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣ ١٧٢.
الْعَارِ بِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ عَلَى انْفِرَادِهِ. (١)
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لِلاِبْنِ أَنْ يُطَالِبَ بِحَدِّ الْقَذْفِ عَلَى أَبَوَيْهِ، وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾) (٢)، وَلأَِنَّهُ حَدٌّ فَلاَ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِهِ قَرَابَةُ الْوِلاَدَةِ كَالزِّنَا.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا حُدَّ الْوَالِدَانِ فَإِنَّ الاِبْنَ يُعْتَبَرُ فَاسِقًا وَلاَ تُقْبَل لَهُ شَهَادَةٌ.
(ر: قَذْف ف ٤٨)
إِسْقَاطُ حَدِّ الْحِرَابَةِ عَنِ الْوَلَدِ:
الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَلَدٌ لِلْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْحِرَابَةِ. لأَِنَّ بَيْنَ الْقَاطِعِ وَالْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ تَبَسُّطًا فِي الْمَال وَالْحِرْزِ، لِوُجُودِ الإِْذْنِ بِالتَّنَاوُل عَادَةً، فَإِذَا أَخَذَ الْقَاطِعُ الْمَال فَإِنَّهُ يَكُونُ آخِذًا لِمَالٍ لَمْ يَحْرِزْهُ عَنْهُ الْحِرْزُ الْمَبْنِيُّ فِي الْحَضَرِ، وَلاَ السُّلْطَانُ الْجَارِي فِي السَّفَرِ، فَأَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ: ادْرَأُوا
_________
(١) مغني المحتاج ٤ ١٥٦، وشرح منتهى الإرادات ٣ ٣٥٠، ٣٥١، والدر المختار، وابن عابدين ٣ ١٧٢، والمغني ٨ ٢١٩.
(٢) سورة النور ٤.
الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإِْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ (١) .
وَبِمِثْل ذَلِكَ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَخْذِ الْوَلَدِ مَال أَبِيهِ حِرَابَةً، فَإِنَّهُ لاَ يُحَدُّ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْقِصَاصَ عَلَى الْوَلَدِ إِذَا قَتَل وَالِدَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا كَمَا تَقَدَّمَ (ف ٦٢) فَمِنْ بَابِ أَوْلَى إِذَا قَتَلَهُ حِرَابَةً فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ. (٢)
وَانْظُرْ (حِرَابَة ف ١٠)
ثَانِيًا: الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِوَلَدِ الْحَيَوَانِ:
وَلَدُ الأُْضْحِيَةِ:
٦٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ ذَبْحِ وَلَدِ الأُْضْحِيَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ ذَبْحُهُ مَعَهَا، وَقَال آخَرُونَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أُضْحِيَة ف ٤٧)
_________
(١) حديث: " ادرأوا الحدود عن المسلمين. . . " أخرجه الترمذي (٤ ٣٣ - ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂، وذكر أن في إسناده راويًا ضعيفًا.
(٢) البدائع ٧ ٩١، ٩٢، حاشية ابن عابدين ٣ ٢١٤، والمغني ١٠ ٣١٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ ٤٩١، ومغني المحتاج ٤ ١٨٣، وكشاف القناع ٦ ١٥٠، والإنصاف ١٠ ٢٩٤، والدسوقي ٤ ٣٥٠، وحاشية الباجوري ٢ ٢٩٩، ٣٦٣.
وَلَدُ الشَّاةِ إِذَا كَانَ عَلَى صُورَةِ كَلْبٍ:
٦٧ - شَاةٌ وَلَدَتْ وَلَدًا بِصُورَةِ الْكَلْبِ، فَأُشْكِل أَمْرُهُ، فَإِنْ صَاحَ مِثْل الْكَلْبِ لاَ يُؤْكَل، وَإِنْ صَاحَ مِثْل الشَّاةِ يُؤْكَل، وَإِنْ صَاحَ مِثْلَهُمَا يُوضَعُ الْمَاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ، إِنْ شَرِبَ بِاللِّسَانِ لاَ يُؤْكَل لأَِنَّهُ كَلْبٌ، وَإِنْ شَرِبَ بِالْفَمِ يُؤْكَل، لأَِنَّهُ شَاةٌ، وَإِنْ شَرِبَ بِهِمَا جَمِيعًا يُوضَعُ التِّبْنُ وَاللَّحْمُ قِبَلَهُ، إِنْ أَكَل التِّبْنَ يُؤْكَل، لأَِنَّهُ شَاةٌ، وَإِنْ أَكَل اللَّحْمَ لاَ يُؤْكَل، وَإِنْ أَكْلَهُمَا جَمِيعًا يُذْبَحُ فَإِنْ خَرَجَ الأَْمْعَاءُ (أَيْ تَبَيَّنَ أَنَّ لَهُ أَمْعَاءً لاَ يُؤْكَل، وَإِنْ خَرَجَ الْكِرْشُ (أَيْ تَبَيَّنَ أَنَّ لَهُ كِرْشًا يُؤْكَل. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَلَدَتْ شَاةٌ كَلْبَةً وَلَمْ يَتَحَقَّقْ نَزْوُ كَلْبٍ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تَحِل كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ لأَِنَّهُ قَدْ يَحْصُل الْخَلْقُ عَلَى خِلاَفِ صُورَةِ الأَْصْل، لَكِنَّ الْوَرَعَ تَرْكُهَا. وَقَال آخَرُونَ: إِنْ كَانَ أَشْبَهَ بِالْحَلاَل خِلْقَةً حَل وَإِلاَّ فَلاَ. (١)
خُرُوجُ الْوَلَدِ فِي حَال الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ:
٦٨ - الْوَلَدُ الْخَارِجُ فِي حَال الْحَيَاةِ فِيهِ وَجْهَانِ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ ٢٩٠، وتحفة المحتاج ٩ ٣٨٣، ومغني المحتاج ٤ ٣٠٣.
لِلشَّافِعِيَّةِ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةُ وَالطَّهَارَةُ، ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.
أَمَّا إِذَا انْفَصَل الْوَلَدُ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهَا فَعَيْنُهُ طَاهِرَةٌ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ، وَلاَ يَجِبُ غَسْل ظَاهِرِهِ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نَجَاسَة)
لُحُوقُ الْوَلَدِ بِأُمِّهِ بَعْدَ ظُهُورِ الْعَيْبِ:
٦٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَمْل يَتْبَعُ الأُْمَّ فِي الْبَيْعِ (٢) فَوَلَدُ الإِْبِل أَوِ الْغَنَمِ إِذَا اشْتُرِيَتْ حَامِلًا، أَوْ حَمَلَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ بَعْدَ وِلاَدَتِهَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا يُرَدُّ وَلَدُهَا مَعَهَا وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِي وِلاَدَتِهَا، إِلاَّ أَنْ تَنْقُصَهَا، فَيُرَدُّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا إِلاَّ أَنْ يُجْبَرَ بِالْوَلَدِ. (٣)
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَبَعِيَّة ف ٢)
زَكَاةُ الْوَلَدِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالأَْهْلِيِّ:
٧٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْوَلَدِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالأَْهْلِيِّ.
_________
(١) المجموع ١ ٢٤٤.
(٢) الحموي على ابن نجيم ١ ١٥٤، والخرشي ٥ ٧١، والدسوقي ٣ ٥٧، الأشباه والنظائر للسيوطي ص١١٧، والمنثور ١ ٢٣٤، وكشاف القناع ٣ ١٦٦، والمحلي ٢ ٢٩٥.
(٣) شرح الزرقاني ٥ ١٥٢، والمحلي ٢ ٢٩٥.
فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَحْشِيُّ هُوَ الْفَحْل أَمِ الأُْمَّ، لأَِنَّ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالأَْهْلِيِّ مُتَوَلِّدٌ بَيْنَ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَبَيْنَ مَا لاَ تَجِبُ فِيهِ، فَيُرَجَّحُ جَانِبُ الْوُجُوبِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَكَذَلِكَ الْوَلَدُ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالأَْهْلِيِّ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْل تُضَمُّ إِلَى جِنْسِهَا مِنَ الأَْهْلِيِّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَيُكَمَّل بِهَا نِصَابُهَا وَتَكُونُ كَأَحَدِ أَنْوَاعِهِ. (١)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الأُْمَّهَاتُ أَهْلِيَّةٌ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِلاَّ فَلاَ، لأَِنَّ جَانِبَ الأُْمِّ فِي الْحَيَوَانِ هُوَ الرَّاجِحُ، لأَِنَّ وَلَدَ الْبَهِيمَةِ يَتْبَعُ أُمَّهُ. (٢)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْوَحْشِيَّةُ مِنْ قِبَل الْفَحْل أَمْ مِنْ قِبَل الأُْمِّ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْوُجُوبِ. (٣)
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (زَكَاة ف ٤٢)
_________
(١) المغني ٢ ٥٩٥، والدسوقي ١ ٤٣٢.
(٢) البدائع ٢ ٣٠، والدسوقي ١ ٤٣٢.
(٣) مغني المحتاج ١ ٦٩٣، والجمل ٢ ٢١٩، والدسوقي ١ ٤٣٢.