الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

" يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ". (١) وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُوصِي أَنْ يَبْدَأَهَا بِالْبَسْمَلَةِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَمْدِ وَنَحْوِهِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ الشَّهَادَتَيْنِ كِتَابَةً أَوْ نُطْقًا، ثُمَّ الإِْشْهَادِ عَلَى الْوَصِيَّةِ، لأَِجْل صِحَّتِهَا وَنَفَاذِهَا، وَمَنْعًا مِنَ احْتِمَال جُحُودِهَا وَإِنْكَارِهَا (٢) .

رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلاَنٌ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، أَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ (٣): (﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾) (٤) .

_________

(١) رِوَايَة حَدِيث: " يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١٢٤٩)

(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٣٤٧، والشرح الصَّغِير ٤ / ٦٠١، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٣٩، وكفاية الأَْخْيَار ١ / ٥٥، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٦ / ٧٠

(٣) أَثَر أَنَس: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ. . أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي الْمُصَنَّفِ (٩ / ٥٣ ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ)

(٤) سُورَة الْبَقَرَة: ١٣٢

طُرُقُ إِثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ:

٨٦ - تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ بِطُرُقِ الإِْثْبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالشَّهَادَةِ وَالْكِتَابَةِ:

أَمَّا الْكِتَابَةُ: فَمُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا كَانَتْ مُسْتَبِينَةً مَرْسُومَةً، أَيْ مُسْطَرَةً عَلَى وَرَقٍ وَنَحْوِهِ، وَمُعَنْوَنَةً أَيْ مُصَدَّرَةً بِالْعُنْوَانِ: وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ: مِنْ فُلاَنٍ إِلَى فُلاَنٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَبِينَةً، كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ وَالرَّقْمِ عَلَى الْمَاءِ فَلاَ تُعْتَبَرُ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَبِينَةً غَيْرَ مَرْسُومَةٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ وَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ، وَلَكِنْ لاَ يُقْضَى بِالْخَطِّ الْمُجَرَّدِ عِنْدَهُمْ إِلاَّ فِي مَسَائِل: كِتَابِ أَهْل الْحَرْبِ بِطَلَبِ الأَْمَانِ إِلَى الإِْمَامِ، وَدَفْتَرِ السِّمْسَارِ وَالصَّرَّافِ وَالْبَيَّاعِ (١) .

وَتَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالْكِتَابَةِ، بِأَنْ نَوَى بِالْمَكْتُوبِ الْوَصِيَّةَ، وَأَعْرَبَ بِالنِّيَّةِ نُطْقًا، أَوْ أَقَرَّ بِهَا وَرَثَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.

وَلاَ تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ بِالْخَطِّ الْمُجَرَّدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلاَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لإِمْكَانِ التَّزْوِيرِ

_________

(١) تَكْمِلَة فَتْحِ الْقَدِير وَالْعِنَايَةِ ٨ / ٥١١ وَمَا بَعْدَهَا، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٢ / ٣٤٧، ورد الْمُحْتَار ٣ / ٤٤٣

وَتَشَابُهِ الْخُطُوطِ.

وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى كِتَابِ الْوَصِيَّةِ: فَتَكُونُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ عَلَى الشُّهُودِ، فَيَسْمَعُ الشُّهُودُ مِنَ الْمُوصِي مَضْمُونَهُ، أَوْ تُقْرَأُ عَلَيْهِ فَيُقِرُّ بِمَا فِيهَا؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لاَ يَجُوزُ بِرُؤْيَةِ خَطِّ الشَّاهِدِ بِالشَّهَادَةِ بِالإِْجْمَاعِ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ إِنْ كَانَتْ بِخَطِّ الْمُوصِي مَعَ الإِْشْهَادِ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا عَلَى الشُّهُودِ وَلَمْ يَفْتَحْ كِتَابَ الْوَصِيَّةِ، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ حَيْثُ أَشْهَدَ بِقَوْلِهِ لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا بِمَا فِي هَذِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا مَحْوٌ، حَتَّى وَلَوْ بَقِيَ كِتَابُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمُوصِي، وَلَمْ يُخْرِجْهُ حَتَّى مَاتَ.

فَإِنْ ثَبَتَ لَدَى الْقَاضِي أَنَّ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْوَرَقَةُ بِخَطِّ الْمُوصِي، أَوْ قَرَأَهَا عَلَى الشُّهُودِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُشْهَدِ الْمُوصِي عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي الصُّورَتَيْنِ، بِأَنْ لَمْ يَقُل: اشْهَدُوا عَلَى وَصِيَّتِي، أَوْ لَمْ يَقِل: نَفِّذُوهَا، لَمْ تُنَفَّذْ بَعْدَ مَوْتِهِ، لاِحْتِمَال رُجُوعِهِ عَنْهَا، فَإِنْ قَال الْمُوصِي لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا، أَوْ قَال: أَنْفِذُوهَا، نُفِّذَتْ.

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٥٣، ٤ / ٣٩٩، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤١٦، ط بُولاَق

وَقَال عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ التَّسَوُّلِيُّ الْمَالِكِيُّ: إِنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْوَصِيَّةِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، وَالإِْشْهَادُ إِمَّا كِتَابِيٌّ أَوْ شَفَوِيٌّ (١) .

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الرَّاجِحِ: مَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا، حُكِمَ بِهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا، فَتَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ، وَيُقْبَل مَا فِيهَا بِالْخَطِّ الثَّابِتِ أَنَّهُ خَطُّ الْمُوصِي بِإِقْرَارِ وَرَثَتِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ تُعَرِّفُ خَطَّهُ تَشْهَدُ أَنَّهُ خَطُّهُ وَإِنْ طَال الزَّمَنُ، أَوْ تَغَيَّرَ حَال الْمُوصِي، أَوْ بِأَنْ عُرِفَ خَطُّهُ وَكَانَ مَشْهُورَ الْخَطِّ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ، إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ " (٢)، وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْكِتَابَةِ، فَدَل عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِهَا، وَ" لأَِنَّهُ ﷺ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ وَغَيْرِهِمْ " مُلْزِمًا الْعَمَل بِتِلْكَ الْكِتَابَةِ، وَكَذَلِكَ فَعَل الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلأَِنَّ الْكِتَابَةَ تُنْبِئُ عَنِ الْمَقْصُودِ، فَهِيَ كَاللَّفْظِ.

وَإِنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ، وَقَال: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ، أَوْ قَال: هَذِهِ وَصِيَّتِي فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَا، لاَ تَثْبُتُ حَتَّى يَسْمَعُوا مِنْهُ مَا فِيهِ، أَوْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ فَيُقِرَّ بِمَا فِيهِ. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْل

_________

(١) الشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٦٠١

(٢) حَدِيث: " مَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ فِقْرَة (٧)

الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (١) .

وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَإِذَا أَرَدْتَ كِتَابَةَ الْوَصِيَّةِ فَالْوَجْهُ فِيهِ كِتَابَةُ كِتَابٍ كَتَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ اسْتُكْتِبَ فَأَمْلاَهُ عَلَى السَّائِل عَلَى الْبَدِيهَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنَ الذُّل وَهُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَال، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ ﷺ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ فِي الْقُبُورِ مُبْتَهِلًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ مُتَضَرِّعًا أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ نِعْمَتَهُ وَأَنْ لاَ يَسْلُبَهُ مَا وَهَبَ لَهُ فِيهِ وَمَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ لَهُ الْمُلْكَ وَبِيَدِهِ الْخَيْرَ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَوْصَى فُلاَنٌ وَلَدَهُ وَأَهْلَهُ وَقَرَابَتَهُ وَإِخْوَتَهُ وَمَنْ أَطَاعَ أَمْرَهُ بِمَا أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَأَوْصَاهُمْ جَمِيعًا أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَأَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ فِي سِرِّهِمْ وَعَلاَنِيَتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ

_________

(١) الْمُغْنِي ٦ / ٦٩ وَمَا بَعْدَهَا، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٧٣، وغاية الْمُنْتَهَى ٢ / ٣٤٨

وَفِعْلِهِمْ وَأَنْ يَلْزَمُوا طَاعَتَهُ وَيَنْتَهُوا عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَأَنْ يُقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ يَتَفَرَّقُوا فِيهِ وَجَمِيعُ مَا أَوْصَاهُمْ لاَ غِنَى بِهِمْ عَنْهُ وَلاَ غِنَى بِأَحَدٍ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَعَنِ التَّمَسُّكِ بِأَمْرِهِ، وَأَقَرَّ فُلاَنٌ أَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ لِفُلاَنٍ كَذَا وَلِفُلاَنٍ كَذَا فَتَنْسُبُهُ وَتُسَمِّيهِ إِلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَأَوْصَى إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ أَنْ يُقْضَى جَمِيعُ دُيُونِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ تَجْهِيزِهِ وَتَكْفِينِهِ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِمَّا يَخْلُفُ، وَيُنْفَذُ مِنْ ثُلُثِهِ فِي كَذَا وَفِي كَذَا ثُمَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ دَيْنِي وَإِنْفَاذِ وَصَايَايَ فَهُوَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِي وَهُمْ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي جَعَلَهَا لَهُمْ، وَلِي أَنْ أُغَيِّرَ وَصِيَّتِي الَّتِي أَوْصَيْتُ بِهَا فِي ثُلُثِي وَأَرْجِعَ عَمَّا شِئْتُ وَأَنْقُصَ مَا رَأَيْتُ وَأُبَدِّل مِنَ الْمُوصَى لَهُمْ مَنْ شِئْتُ، فَإِنْ مِتُّ فَوَصِيَّتِي مُنَفَّذَةٌ عَلَى مَا أَمُوتُ عَلَيْهِ مِنْهَا.

وَقَدْ جَعَل فُلاَنٌ فُلاَنًا وَصِيَّهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَقَبِل فُلاَنٌ الْوَصِيَّةَ مِنْهُ مُوَاجَهَةً، شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (١) .

تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ:

٨٥ - إِذَا كَانَتْ مَوْجُودَاتُ التَّرِكَةِ كُلُّهَا مَالًا حَاضِرًا، لاَ غَائِبَ مِنْهَا، وَلاَ دَيْنَ لِلْمُوصِي عَلَى أَحَدٍ، تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَال،

_________

(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٣٤٧ - ٣٤٨

سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُوصَى بِهِ نُقُودًا مُرْسَلَةً أَيْ مَبْلَغًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، كَأَلْفِ دِينَارٍ مَثَلًا، أَمْ شَيْئًا مُعَيَّنًا كَدَارٍ مُعَيَّنَةٍ، أَمْ سَهْمًا شَائِعًا كَرُبُعِ التَّرِكَةِ أَوْ ثُلُثِهَا، فَتُقَدَّرُ التَّرِكَةُ جَمِيعُهَا، وَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ سَهْمَهُ مِنْ كُل الْمَال.

أَمَّا إِنْ كَانَ بَعْضُ مَال التَّرِكَةِ حَاضِرًا، وَبَعْضُهَا دُيُونًا أَوْ مَالًا غَائِبًا، فَإِنَّ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأَْحْوَال.

الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَالًا مُرْسَلًا، كَأَلْفِ دِينَارٍ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ الْمَال الْحَاضِرِ مِنَ التَّرِكَةِ أَخَذَهُ الْمُوصَى لَهُ، إِذْ لاَ ضَرَرَ فِي أَخْذِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ، حَيْثُ يَبْقَى لَهُمْ ثُلُثَا الْمَال الْحَاضِرِ.

وَإِنْ كَانَ لاَ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ اسْتَوْفَى الْمُوصَى لَهُ مِنْهُ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْمَوْجُودِ، وَكَانَ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَكُلَّمَا حَضَرَ شَيْءٌ، اسْتَوْفَى الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهُ، حَتَّى يَكْمُل حَقُّهُ. وَهَذَا رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ (١) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ عَيْنًا مُعَيَّنَةً، كَدَارٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ نُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ كَهَذِهِ النُّقُودِ، أَوِ النُّقُودِ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ فُلاَنٍ.

_________

(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٣٠ - ٤٣٢، والإنصاف ٧ / ٢٧٠، ومعونة أُولِي النُّهَى ٦ / ٢٤٤ - ٢٥٨

فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ حَيْثُ يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَأْخُذُ مِنَ الْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ بِمِقْدَارِ ثُلُثِ الْمَال الْحَاضِرِ، وَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ مَوْقُوفًا، فَإِذَا حَضَرَ شَيْءٌ مِنَ الْمَال الْغَائِبِ كَانَ بَاقِي الْعَيْنِ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الْعَيْنِ، فَتَنْفُذُ فِيهَا الْوَصِيَّةُ مَا دَامَ التَّنْفِيذُ مُمْكِنًا، تَنْفِيذًا لإِرَادَةِ الْمُوصِي، وَيَظَل بَاقِي الْعَيْنِ مَوْقُوفًا إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ أَمْرُ الْمَال الْغَائِبِ، فَإِذَا حَضَرَ نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ فِي الْعَيْنِ كُلِّهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ كَانَ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ (١) .

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ لَوْ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ غَيْرُهُ بِعَيْنٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ فَأَكْثَرُ وَهِيَ حَاضِرَةٌ وَبَاقِي الْمَال غَائِبٌ مُلِّكَ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْمَال الْحَاضِرِ فَقَطْ لِجَوَازِ تَلَفِ الْغَائِبِ وَعَدَمِ إِجَازَةِ الْوَارِثِ، وَمُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي ثُلُثِهِ وَكَذَا فِي بَاقِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى يَحْضُرَ مِنَ الْغَائِبِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْحَاضِرُ مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّ تَسَلُّطَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَسَلُّطِ الْوَرَثَةِ عَلَى مِثْل مَا تَسَلَّطَ هُوَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَتْلَفُ الْغَائِبُ فَلاَ يَصِل إِلَى حَقِّهِ وَلاَ يَتَسَلَّطُ

_________

(١) الاِخْتِيَار ٥ / ٧٥، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٣٠ - ٤٣٢، والإنصاف ٧ / ٢٧٠، وأسنى الْمَطَالِب ٣ / ٤٢، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٤٩

الْوَرَثَةُ عَلَى ثُلُثَيِ الْحَاضِرِ (١) .

الْوَصَايَا وَطُرُقُ حِسَابِهَا:

الْوَصِيَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالأَْنْصِبَاءِ أَوْ بِالأَْجْزَاءِ أَوْ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الأَْجْزَاءِ وَالأَْنْصِبَاءِ.

الْحَالَةُ الأُْولَى: الْوَصِيَّةُ بِالأَْنْصِبَاءِ:

الْوَصِيَّةُ بِالأَْنْصِبَاءِ لَهَا صُوَرٌ:

أ - الْوَصِيَّةُ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ الْمُعَيَّنِ:

٨٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لأَِحَدٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ " أَنَّهُ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ " (٢) وَلأَِنَّ الْمُرَادَ تَقْدِيرُ الْوَصِيَّةِ فَلاَ أَثَرَ لِذِكْرِ الْوَارِثِ. إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ - وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ - إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَ ذَلِكَ الْوَارِثِ الْمُعَيَّنِ مَضْمُومًا إِلَى الْمَسْأَلَةِ. فَإِذَا قَال مَثَلًا: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِي وَلاَ وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ اسْتَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ نِصْفَ التَّرِكَةِ إِذَا أَجَازَ الاِبْنُ الْوَصِيَّةَ، فَإِنْ لَمْ يُجِزْ فَلَهُ الثُّلُثُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ ابْنَانِ أَوْ بَنُونَ فَأَوْصَى

_________

(١) أَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٤٢

(٢) أَثَر أَنَس أَنَّهُ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبٍ أَحَدَّ وَلَده أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة (١٠ / ١٧٠ ط السَّلَفِيَّة)

بِمِثْل نَصِيبِهِمَا أَوْ بِمِثْل نَصِيبِهِمْ فَالْمُوصَى لَهُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ بِأَنْ قَال: أَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِي أَوْ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ ابْنٌ فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ جَمِيعَ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ إِنْ أَجَازَ الاِبْنُ الْوَصِيَّةَ، وَإِلاَّ فَلَهُ ثُلُثُ التَّرِكَةِ فَقَطْ، فَإِنْ قَال ذَلِكَ وَمَعَهُ ابْنَانِ فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ نِصْفَ التَّرِكَةِ إِنْ أَجَازَا الْوَصِيَّةَ وَإِلاَّ فَالثُّلُثُ وَلاَ كَلاَمَ لَهُمَا، وَإِنْ زَادُوا فَلَهُ قَدْرُ نَصِيبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلاَ كَلاَمَ لَهُمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الاِبْنِ ذُو فَرْضٍ فَلِلْمُوصَى لَهُ جَمِيعُ التَّرِكَةِ بَعْدَ ذَوِي الْفَرْضِ إِنْ أَجَازُوا الْوَصِيَّةَ (٢) .

وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ نَقْلًا عَنِ الْفَائِقِ: إِذَا وَصَّى بِمِثْل نَصِيبِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ فَالْمُخْتَارُ لَهُ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ غَيْرَ مُزَادٍ وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي.

فَإِذَا وَصَّى بِمِثْل نَصِيبِهِ وَلَهُ ابْنَانِ فَلَهُ الثُّلُثُ عَلَى الْمَذْهَبِ - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَجُمْهُورِ

_________

(١) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٥ / ٤٢٩، وتبيين الْحَقَائِق ٦ / ١٨٨، والحاوي للماوردي ١٠ / ١٩، وَمَا بَعْدَهَا، وروضة الطَّالِبِينَ ٦ / ٢٠٨، وكشاف الْقِنَاع ٤ / ٣٨١، والإنصاف ٧ / ٢٧٥

(٢) الشَّرْح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي عَلَيْهِ ٤ / ٥٩٧، وَمَا بَعْدَهَا، والحاوي ١٠ / ١٩ ٢٠، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٤ / ٤٤٦