الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 44

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ (١)﴾ .

وَيَقْتَضِي تَقْيِيدُ جَوَازِ التَّصَرُّفِ بِالْمَصْلَحَةِ: أَنَّ التَّصَرُّفَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَرٌّ وَلاَ خَيْرٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، إِذْ لاَ مَصْلَحَةَ فِيهِ.

وَلِلتَّفْصِيل فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ وَمَا يَجُوزُ لَهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ مِنْ تَصَرُّفَاتٍ، يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِيصَاء ف ١٤، وَوِصَايَة) .

م - تَزْوِيجُ الْوَصِيِّ الْمُوصَى عَلَيْهِمْ: ١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ سُلْطَةِ التَّزْوِيجِ لِلْوَصِيِّ بِالْوَصِيَّةِ فِي النِّكَاحِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف ٧٩ وَمَا بَعْدَهَا) .

_________

(١) سُورَة الْبَقَرَة: ٢٢٠

وَصِيَّةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْوَصِيَّةُ فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ أُصِيهِ - مِنْ بَابِ وَعَدَ - وَصَلْتُهُ وَأَوْصَيْتُ إِلَيْهِ بِمَالٍ جَعَلْتُهُ لَهُ.

وَالْوَصِيَّةُ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمُوصَى بِهِ. (١)

وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَال فِي الاِصْطِلاَحِ: تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الأَْعْيَانِ أَوْ فِي الْمَنَافِعِ. (٢)

وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: الإِْيصَاءُ يَعُمُّ الْوَصِيَّةَ وَالْوِصَايَةَ لُغَةً، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا مِنَ اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ تَخْصِيصُ الْوَصِيَّةِ بِالتَّبَرُّعِ الْمُضَافِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْوِصَايَةِ بِالْعَهْدِ إِلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ (٣) .

_________

(١) الْقَامُوس الْمُحِيط وَالْمِصْبَاح الْمُنِير وَالْمُعْجَم الْوَسِيط.

(٢) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ٨ / ٤١٦ طَبْعَة بُولاَق، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٥ / ٤٥٧، وَحَاشِيَة الصَّاوِي عَلَى الشَّرْحِ الصَّغِيرِ ٤ / ٥٧٩، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٨ـ٣٩، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٣٦.

(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٩.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْيصَاءُ:

٢ - الإِْيصَاءُ مَصْدَرُ أَوْصَى، يُقَال: أَوْصَى إِلَيْهِ: جَعَلَهُ وَصِيَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِهِ وَمَالِهِ وَعِيَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى فُلاَنًا بِالشَّيْءِ، أَمَرَهُ بِهِ وَفَرَضَهُ عَلَيْهِ. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالإِْيصَاءِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمْرٌ بِالتَّصَرُّفِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ وَالإِْيصَاءُ الْعَهْدُ إِلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ. (٢)

ب - الْهِبَةُ:

٣ - الْهِبَةُ لُغَةً: إِعْطَاءُ شَيْءٍ غَيْرَهُ بِلاَ عِوَضٍ. يُقَال: وَهَبَ لَهُ الشَّيْءَ يَهَبُهُ وَهْبًا وَوَهَبًا، وَهِبَةً: أَعْطَاهُ إِيَّاهُ بِلاَ عِوَضٍ. (٣)

وَالْهِبَةُ شَرْعًا: تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلاَ عِوَضٍ فِي حَال الْحَيَاةِ تَطَوُّعًا (٤) .

_________

(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير وَالْمُعْجَم الْوَسِيط.

(٢) الْفَتَاوَى الْخَانِيَة ٣ / ٥١٣، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٩.

(٣) الْمُعْجَم الْوَسِيط.

(٤) فَتْح الْقَدِير ٧ / ١١٣، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٤ / ٥٣٠ ط الْحَلَبِيّ، وَالشَّرْح الصَّغِير ٤ / ١٣٩، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٣٩٦، وَالْمُغْنِي ٥ / ٥٩١، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٢٩، وَغَايَة الْمُنْتَهَى ٢ / ٣٢٨.

وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ تَمْلِيكٌ لَكِنَّ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهِبَةَ حَال الْحَيَاةِ.

ج - الصَّدَقَةُ:

٤ - الصَّدَقَةُ فِي اللُّغَةِ: بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّال - مَا أَعْطَيْتَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَمْلِيكُ شَيْءٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي الْحَيَاةِ لِمُحْتَاجٍ لأَِجْل ثَوَابِ الآْخِرَةِ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ إِلاَّ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ وَالْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.

مَشْرُوعِيَّةُ الْوَصِيَّةِ:

٥ - الْوَصِيَّةُ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول. (٢)

أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي تَوْزِيعِ الْمِيرَاثِ وَالتَّرِكَةِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٣٩٧.

(٢) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٤١٤، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٧١.

تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ (١)﴾، فَهَذَانَ النَّصَّانِ جَعَلاَ الْمِيرَاثَ حَقًّا مُؤَخَّرًا عَنْ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ وَأَدَاءِ الدَّيْنِ، لَكِنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: " إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآْيَةَ:

﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وَأَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْل الْوَصِيَّةِ (٢) .

وَحِكْمَةُ تَقْدِيمِهَا فِي الآْيَةِ: أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتِ الْمِيرَاثَ فِي كَوْنِهَا بِلاَ عِوَضٍ، فَكَانَ فِي إِخْرَاجِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْوَارِثِ، فَقُدِّمَتْ حَثًّا عَلَى إِخْرَاجِهَا.

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَال: لاَ، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَال: لاَ، الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (٣) .

_________

(١) سُورَة النِّسَاء: ١٢.

(٢) حَدِيث عَلَيَّ: " إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآْيَةَ. . . . ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (٤ / ٤١٦ - ط الْحَلَبِيّ)، وَضَعْف إِسْنَادِهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (٥ / ٣٧٧) .

(٣) حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص: قُلْت: " يَا رَسُول اللَّهِ أَنَا ذُو مَال. " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٣ / ١٦٤) وَمُسْلِم (٣ / ١٢٥٠ - ١٢٥١ ط الْحَلَبِيّ) وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.

وَحَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ، زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ (١) .

وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ (٢) .

وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ.

وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَهُوَ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى الْوَصِيَّةِ زِيَادَةً فِي الْقُرُبَاتِ وَالْحَسَنَاتِ وَتَدَارُكًا لِمَا فَرَّطَ بِهِ الإِْنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ أَعْمَال الْخَيْرِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْوَصِيَّةِ، لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى حَال زَوَال مَالِكِيَّتِهِ، وَلَوْ أُضِيفَ إِلَى حَال قِيَامِهَا بِأَنْ قِيل: مَلَّكْتُكَ غَدًا، كَانَ بَاطِلًا، فَهَذَا أَوْلَى، إِلاَّ أَنَّا

_________

(١) حَدِيث مُعَاذ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصْدُقُ عَلَيْكُمْ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (٣ / ١٥٠ ط دَارَ الْمَحَاسِن)، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بُلُوغ الْمَرَام (ص ٣٢٢ ط دَار ابْن كَثِير) وَذَكَرَ أَنَّ طُرُقَهُ كُلّهَا ضَعِيفَة وَلَكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضهَا بعضا.

(٢) حَدِيث ابْن عُمَر: " مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٥ / ٣٥٥ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (٣ / ١٢٤٩) وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.

اسْتَحْسَنَّاهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا.

فَإِنَّ الإِْنْسَانَ مَغْرُورٌ بِأَمَلِهِ، مُقَصِّرٌ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُ الْمَرَضُ، وَخَافَ الْبَيَانَ، يَحْتَاجُ إِلَى تَلاَفِي بَعْضِ مَا فُرِّطَ مِنْهُ، مِنَ التَّفْرِيطِ بِمَالِهِ، عَلَى وَجْهٍ لَوْ مَضَى فِيهِ يَتَحَقَّقُ مَقْصِدُهُ الْمُآلِي، وَلَوْ أَنْهَضَهُ الْبُرْءُ يَصْرِفُهُ إِلَى مَطْلَبِهِ الْحَالِيِّ، وَفِي شَرْعِ الْوَصِيَّةِ ذَلِكَ، فَشُرِعَتْ (١) ..

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْوَصِيَّةِ: ٦ - حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْوَصِيَّةِ: تَحْصِيل ذِكْرِ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا، وَنَوَال الثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ فِي الآْخِرَةِ (٢)، لِذَا شَرَعَهَا الشَّارِعُ تَمْكِينًا مِنَ الْعَمَل الصَّالِحِ، وَمُكَافَأَةِ مَنْ أَسْدَى لِلْمَرْءِ مَعْرُوفًا، وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالأَْقَارِبِ غَيْرِ الْوَارِثِينَ، وَسَدِّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ، وَتَخْفِيفِ الْكَرْبِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْبُؤَسَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذَلِكَ بِشَرْطِ الْتِزَامِ الْمَعْرُوفِ أَوِ الْعَدْل، وَتَجَنُّبِ الإِْضْرَارِ فِي الْوَصِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ (٣)﴾ .

وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: الإِْضْرَارُ فِي

_________

(١) الْهِدَايَة مَعَ شُرُوحِهَا ١٠ / ٤١٣.

(٢) الْهِدَايَة مَعَ شُرُوحِهَا ١٠ / ٤١١.

(٣) سُورَة النِّسَاء: ١٢.

الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ (١) . وَالْعَدْل الْمَطْلُوبُ: قَصْرُهَا عَلَى مِقْدَارِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ الْمُحَدَّدِ شَرْعًا. أَمَّا عَدَمُ نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ الآْخَرِينَ، فَهُوَ لِمَنْعِ التَّبَاغُضِ وَالتَّحَاسُدِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَال.

أ - فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِجُزْءٍ مِنَ الْمَال لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ، وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنْقَل عَنْهُمْ وَصِيَّةٌ، وَلَمْ يُنْقَل لِذَلِكَ نَكِيرٌ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُخِلُّوا بِذَلِكَ وَلَنُقِل عَنْهُمْ نَقْلًا ظَاهِرًا، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ لاَ تَجِبُ فِي الْحَيَاةِ فَلاَ تَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَعَطِيَّةِ الأَْجَانِبِ.

ثُمَّ قَال هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءُ: تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنَ الْمَال لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى

_________

(١) حَدِيث ابْن عَبَّاسٍ: " الإِْضْرَار فِي الْوَصِيَّةِ فِي الْكَبَائِرِ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (٣ / ١٥١ ط دَارَ الْمَحَاسِن)، وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (٦ / ٢٧١ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَقَفَهُ عَلَى ابْن عَبَّاسٍ.

قَال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ (١)﴾، فَنُسِخَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الاِسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ مَنْ لاَ يَرْثُ لِحَدِيثِ: لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ (٢) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا ابْنَ آدَمَ اثْنَتَانِ لَمْ تَكُنْ لَكَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا: جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكَ حِينَ أَخَذْتُ بِكَظَمِكَ لأُِطَهِّرَكَ بِهِ وَأُزَكِّيَكَ وَصَلاَةُ عِبَادِي عَلَيْكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِكَ (٣) .

وَعَنْ مُعَاذٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ (٤) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي

_________

(١) سُورَة الْبَقَرَة: ١٨٠.

(٢) حَدِيث: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِث ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (٤ / ٤٣٣ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن أمامة الْبَاهِلِيّ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّخْلِيصِ (٣ / ٩٢ ط شَرِكَة الطِّبَاعَةِ الْفَنِّيَّةِ)

(٣) حَدِيث ابْن عُمَر: يَا ابْن آدَمَ، اثْنَتَانِ لَمْ تَكُنْ لَك وَاحِدَة مِنْهُمَا أَخْرِجْهُ ابْن مَاجَهْ (٢ / ٩٠٤ ط الْحَلَبِيّ)، وَقَال الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (٢ / ٩٨ ط دَار الْجِنَان): هَذَا إِسْنَاد فِيهِ مَقَال. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى جَهَالَة أَحَد رُوَاته وَإِلَى ضَعْفٍ آخَرَ. وَالْكَظْمُ هُوَ مُخْرِجُ النَّفْسِ.

(٤) حَدِيث مُعَاذ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصْدُقُ عَلَيْكُمْ. . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه (٥) .

الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَسْتَوْعِبَ الْمُوصِي الثُّلُثَ بِالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ (١) .

وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالأَْفْضَل لِلْغَنِيِّ الْوَصِيَّةُ بِالْخُمُسِ.

وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَهُوَ - كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ - ظَاهِرُ قَوْل السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ أَهْل الْبَصْرَةِ، وَأُثِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَال: " الْخُمُسُ فِي الْوَصِيَّةِ أَحَبُّ إِلَيَّ، لأَِنَّ اللَّهَ رَضِيَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ سَهْمًا ". وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ يَسْتَحِبُّونَ الرُّبُعَ فِي الْوَصِيَّةِ.

قَال إِسْحَاقُ: السُّنَّةُ الرُّبُعُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا يَعْرِفُ فِي مَالِهِ حُرْمَةَ شُبُهَاتٍ أَوْ غَيْرَهَا فَلَهُ اسْتِيعَابُ الثُّلُثِ.

وَقَال الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ الْمُوصِي غَنِيًّا اسْتُحِبَّ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ. (٢)

_________

(١) حَدِيث: " الثُّلْث وَالثُّلْث كَثِير " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٥ / ٣٦٣) وَمُسْلِم (٣ / ١٢٥٣) .

(٢) الاِخْتِيَار ٥ / ٦٤، وَالْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ٢ / ١٠٢٣، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٤٧، وَحَاشِيَة الْجَمَل ٤ / ٤٩، وَالْمُغْنِي ٦ / ٤.