الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
وَقَال عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْوَرَعُ تَرْكُ مَا يُرِيبُ الْمُكَلَّفَ إِلَى مَا لاَ يُرِيبُهُ، قَال: وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالاِحْتِيَاطِ (١) .
وَوَسَّعَ الْقَرَافِيُّ مَدْلُول الْوَرَعِ، فَأَدْخَل فِيهِ الْفِعْل إِلَى جَانِبِ التَّرْكِ. وَقَال: الْوَرَعُ تَرْكُ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ الْبَأْسُ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أـ التَّقْوَى:
٢ - التَّقْوَى فِي اللُّغَةِ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الاِتِّقَاءِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الاِحْتِرَازُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَنْ عُقُوبَتِهِ، وَالتَّقْوَى فِي الطَّاعَةِ يُرَادُ بِهَا الإِْخْلاَصُ، وَفِي الْمَعْصِيَةِ يُرَادُ بِهَا التَّرْكُ وَالْحَذَرُ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى: أَنَّ الْوَرَعَ أَخَصُّ مِنَ التَّقْوَى. وَلِهَذَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ: يَلْزَمُ مِنَ الْوَرَعِ التَّقْوَى، بِلاَ عَكْسٍ (٣) .
_________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢ / ٥٢ بيروت، دار الكتب العلمية.
(٢) الفروق للقرافي ٤ / ٢١٠، بيروت، عالم الكتب.
(٣) التعريفات للجرجاني، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٧٤، وفتح القدير لابن الهمام ١ / ٣٤٩ بيروت، دار الفكر.
ب ـ الزُّهْدُ:
٣ - الزُّهْدُ لُغَةً: مَصْدَرُ زَهِدَ فِي الشَّيْءِ، وَزَهِدَ عَنْهُ: أَعْرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ لاِحْتِقَارِهِ أَوْ لِتَحَرُّجِهِ مِنْهُ، أَوْ لِقِلَّتِهِ، وَيُقَال: زَهِدَ فِي الدُّنْيَا: تَرَكَ حَلاَلَهَا مَخَافَةَ حِسَابِهِ، وَتَرَكَ حَرَامَهَا مَخَافَةَ عِقَابِهِ (١) .
وَاصْطِلاَحًا: قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الزُّهْدُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنَ الْحَلاَل خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبْهَةِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الزُّهْدُ تَرْكُ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ وَهُوَ أَعْلَى مِنَ الْوَرَعِ، إِذْ هُوَ فِي الْحَلاَل، وَالْوَرَعُ فِي الشُّبْهَةِ (٣) .
وَقَال الْقَرَافِيُّ: الزُّهْدُ عَدَمُ احْتِفَال الْقَلْبِ بِالدُّنْيَا وَالأَْمْوَال وَإِنْ كَانَتْ فِي الْيَدِ، فَقَدْ يَكُونُ الْغَنِيُّ زَاهِدًا وَقَدْ يَكُونُ الْفَقِيرُ غَيْرَ زَاهِدٍ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَعِ بِأَنَّ الزُّهْدَ فِي الْقَلْبِ، وَالْوَرَعَ مِنْ أَفْعَال الْجَوَارِحِ (٤) .
ج ـ الاِحْتِيَاطُ
٤ - الاِحْتِيَاطُ: فِي اللُّغَةِ: الأَْخْذُ بِالأَْوْثَقِ وَالأَْحْزَمِ (٥) .
_________
(١) لسان العرب، والمعجم الوسيط.
(٢) ابن عابدين ١ / ٣٧٤.
(٣) نهاية المحتاج ٢ / ١٨٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٤٣.
(٤) الفروق ٤ / ٢٠٩.
(٥) المصباح المنير.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حِفْظُ النَّفْسِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْمَآثِمِ (١) .
وَالاِحْتِيَاطُ أَعَمُّ مِنَ الْوَرَعِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْوَرَعِ:
٥ - قَال الْقَرَافِيُّ: الْوَرَعُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ (٢) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ الْحَلاَل بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْل الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُل مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ (٣) .
مَوَاقِعُ الْوَرَعِ:
٦ - يَكُونُ الْوَرَعُ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ فِي حُكْمِ الشَّيْءِ مِنْ حِلٍّ أَوْ حُرْمَةٍ:
ـ إِمَّا لِخَفَاءِ الدَّلِيل الشَّرْعِيِّ، أَوْ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ وَتَكَافُئِهَا.
_________
(١) التعريفات للجرجاني.
(٢) الفروق للقرافي ٤ / ٢١٠ - ٢١٧.
(٣) حديث: " إن الحلال بين وإن الحرام بين. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٢٦)، ومسلم (٢ / ١٢١٩ - ١٢٢٠) واللفظ لمسلم.
ـ وَإِمَّا لِلشَّكِّ فِي وُجُودِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ أَوِ الْمُحَلِّل.
ـ وَإِمَّا لِلْخُرُوجِ عَنِ الْخِلاَفِ.
أـ التَّوَرُّعُ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ لِخَفَاءِ الدَّلِيل أَوْ لِتَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ:
٧ - الأُْمُورُ الْمُشْتَبِهَةُ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْلَمُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُهَا عَلَى غَيْرِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَقَّفُ فِيهَا لاِشْتِبَاهِهَا عَلَيْهِ، فَهَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ هُوَ الَّذِي شُرِعَ لَهُ أَنْ يَتَّقِيَ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ الْحَلاَل بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ (١) .
وَمَعْنَى اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ أَيْ مِنَ النَّقْصِ وَالشَّيْنِ. وَقَوْلُهُ ﷺ: وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ يَحْتَمِل مَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ إِذَا فَعَل الْمُشْتَبِهَ الَّذِي يَشُكُّ فِي كَوْنِهِ حَرَامًا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَتَجَاسَرُ شَيْئًا فَشَيْئًا،
_________
(١) حديث: " إن الحلال بين. . . " تقدم تخريجه ف ٥.
بِالتَّدْرِيجِ وَالتَّسَامُحِ عَلَى الْحَرَامِ الْمَحْضِ، فَيَقَعُ فِيهِ فِي آخِرِ أَمْرِهِ، لِمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ: فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِْثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِْثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، وَمَنْ يَرْتَعْ حَوْل الْحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ (١) .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى مَا يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا فِي نَفْسِ الأَْمْرِ، فَقَدْ يُصَادِفُ الْحَرَامَ وَهُوَ لاَ يَدْرِي أَنَّهُ حَرَامٌ. فَشُرِعَ لَهُ تَرْكُ الْمُشْتَبِهِ تَحَرُّزًا مِنْ مُوَاقَعَةِ الْمَأْثَمِ الْمُحْتَمَل (٢) .
وَمِثَال التَّوَرُّعِ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ الْحَاصِل مِنْ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ بَيْنَ الْحِل وَالْحُرْمَةِ: التَّوَرُّعُ عَنْ أَكْل طَعَامِ الصَّدِيقِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لِتَعَارُضِ حَدِيثِ: لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ مِنْ مَال أَخِيهِ إِلاَّ مَا أَعْطَاهُ مِنْ طِيبِ نَفْسٍ (٣) مَعَ ظَاهِرِ الآْيَةِ:
_________
(١) حديث: " فمن ترك ما شبه عليه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٩٠) .
(٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب ١ / ٢٠٢.
(٣) حديث: " لا يحل لامرئ من مال أخيه. . . " أخرجه البيهقي في السنن (٦ / ٩٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس.
﴿لَيْسَ عَلَى الأَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ (١)﴾ .
ب - التَّوَرُّعُ عِنْدَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ:
٨ - مِنْ أَمْثِلَةِ التَّوَرُّعِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَفِيهِ: " أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، قَال: فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، قَال: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَال: فَتَنَحَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَال: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ فَنَهَاهُ عَنْهَا (٢) . حَمَل الْحَنَابِلَةُ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ لاَ يَثْبُتُ بِقَوْل الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ. قَال الْخَطَّابِيُّ: وَقَوْلُهُ:
_________
(١) سورة النور / ٦١.
(٢) حديث: عقبة بن الحارث: " أنه تزوج أم يحيى. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢٦٧ ط السلفية)
" دَعْهَا عَنْكَ " (١) إِشَارَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْكَفِّ عَنْهَا عَنْ طَرِيقِ الْوَرَعِ، لاَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى وُجُوبِ قَبُول قَوْل الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي هَذَا (٢) .
وَكَذَا قَال ابْنُ الْهُمَامِ: الْحَدِيثُ كَانَ لِلتَّوَرُّعِ، لأَِنَّهُ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُ الإِْخْبَارِ وُجُوبَ التَّفْرِيقِ لأَجَابَهُ مِنْ أَوَّل الأَْمْرِ، إِذِ الإِْعْرَاضُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ السَّائِل الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ تَقْرِيرًا عَلَى الْمُحَرَّمِ (٣) .
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ أَنَّ عُمَرَ ﵄ قَال فِي مِثْل هَذِهِ الْوَاقِعَةِ: " فَرِّقْ بَيْنَهُمَا إِنْ جَاءَتْ بَيِّنَةٌ، وَإِلاَّ فَخَل بَيْنَ الرَّجُل وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَنَزَّهَا، وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ تَشَأِ امْرَأَةٌ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِلاَّ فَعَلَتْ (٤) " فَقَوْلُهُ: " إِلاَّ أَنْ يَتَنَزَّهَا " هُوَ مَعْنَى التَّوَرُّعِ.
وَتُنْظَرُ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشَّكِّ سَوَاءٌ طَرَأَ الشَّكُّ عَلَى أَصْلٍ حَرَامٍ، أَمْ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّكُّ مُجْمَعًا عَلَى اعْتِبَارِهِ، أَمْ مُجْمَعًا عَلَى إِلْغَائِهِ، أَمْ مُخْتَلَفًا فِي اعْتِبَارِهِ وَإِلْغَائِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الشَّكُّ فِي الرُّكْنِ أَمْ فِي
_________
(١) رواية: " دعها عنك " أخرجها البخاري (الفتح ٩ / ١٥٢ ط السلفية) .
(٢) معالم السنن للخطابي ٤ / ٢٧.
(٣) فتح القدير لابن الهمام ٣ / ٤٦٢.
(٤) فتح الباري ٥ / ٢٦٩.
السَّبَبِ أَمْ فِي الشَّرْطِ أَمْ فِي الْمَانِعِ فِي مُصْطَلَحِ (شَكّ) .
ج - التَّوَرُّعُ لِلْخُرُوجِ عَنِ الْخِلاَفِ:
٩ - قَال الْقَرَافِيُّ: مِنَ الْوَرَعِ الْخُرُوجِ عَنْ خِلاَفِ الْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ الإِْمْكَانِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِعْلٍ هَل هُوَ مُبَاحٌ أَوْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ التَّرْكُ، أَوْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْل مَعَ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ حَتَّى يُجْزِئَ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ: هَل هُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ التَّرْكُ، أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْل، حَذَرًا مِنَ الْعِقَابِ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَفِعْل الْمَكْرُوهِ لاَ يَضُرُّهُ.
وَإِنِ اخْتَلَفُوا هَل هُوَ مَشْرُوعٌ أَمْ لاَ فَالْوَرَعُ الْفِعْل، لأَِنَّ الْقَائِل بِالْمَشْرُوعِيَّةِ مُثْبِتٌ لأَِمْرٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ النَّافِي، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ، وَذَلِكَ كَاخْتِلاَفِ الْعُلَمَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، فَمَالِكٌ يَقُول: لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، وَالشَّافِعِيُّ يَقُول: هِيَ مَشْرُوعَةٌ وَوَاجِبَةٌ، فَالْوَرَعُ الْفِعْل لِتَيَقُّنِ الْخُلُوصِ مِنْ إِثْمِ تَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَكَالْبَسْمَلَةِ قَال مَالِكٌ: هِيَ فِي الصَّلاَةِ مَكْرُوهَةٌ، وَقَال الشَّافِعِيُّ: هِيَ وَاجِبَةٌ، فَالْوَرَعُ الْفِعْل
لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ.
فَإِنِ اخْتَلَفُوا هَل حَرَامٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْعِقَابُ مُتَوَقَّعٌ عَلَى كُل تَقْدِيرٍ، فَلاَ وَرَعَ إِلاَّ أَنْ نَقُول: إِنَّ الْمُحَرَّمَ إِذَا عَارَضَهُ الْوَاجِبُ قُدِّمَ عَلَى الْوَاجِبِ، لأَِنَّ رِعَايَةَ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ حُصُول الْمَصَالِحِ، وَهُوَ الأَْنْظَرُ، فَيُقَدَّمُ الْمُحَرَّمُ هَاهُنَا، فَيَكُونُ الْوَرَعُ التَّرْكَ.
وَإِنِ اخْتَلَفُوا: هَل هُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ مَكْرُوهٌ فَلاَ وَرَعَ لِتَسَاوِي الْجِهَتَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمِ وَالْوَاجِبِ، وَيُمْكِنُ تَرْجِيحُ الْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمِ.
وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَال تَجْرِي قَاعِدَةُ الْوَرَعِ، وَهَذَا مَعَ تَقَارُبِ الأَْدِلَّةِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ ضَعِيفَ الدَّلِيل جِدًّا بِحَيْثُ لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَنَقَضْنَاهُ لَمْ يَحْسُنِ الْوَرَعُ فِي مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ إِذَا كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ شَرِيعَةً. (١)
وَقَال ابْنُ الشَّاطِّ: إِنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْخِلاَفِ لاَ يَكُونُ وَرَعًا، لأَِنَّ الْوَرَعَ إِنَّمَا هُوَ لِخَوْفِ الْعِقَابِ وَتَوَقُّعِهِ. قَال: وَأَيُّ عِقَابٍ فِي ذَلِكَ؟ سَوَاءٌ قُلْنَا بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا، أَوْ قُلْنَا بِتَخْطِئَةِ أَحَدِهِمَا، فَالإِْجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى
_________
(١) القرافي ٤ / ٢١٠ - ٢١٢.
عَدَمِ تَأْثِيمِ الْمُخْطِئِ، وَالْمُجْتَهِدُ مَمْنُوعٌ مِنَ الأَْخْذِ بِغَيْرِ مَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ، فَلاَ يَصِحُّ مِنْهُ الْوَرَعُ الَّذِي يَقْتَضِي خِلاَفَ نَظَرِهِ، وَالْمُقَلِّدُ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ الْوَرَعُ الَّذِي يَقْتَضِي خِلاَفَ نَظَرِ مُقَلَّدِهِ (١) .
وَاسْتَشْكَل الشَّاطِبِيُّ أَيْضًا جَعْل الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ وَرَعًا. قَال: لأَِنَّ أَكْثَرَ مَسَائِل الشَّرِيعَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَيُؤَوَّل إِلَى أَنْ تَكُونَ أَكْثَرُ مَسَائِل الشَّرِيعَةِ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَلأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَكُونَ الْوَرَعُ مِنْ أَشَدِّ الْحَرَجِ، إِذْ لاَ تَخْلُو لأَِحَدٍ عِبَادَةٌ أَوْ مُعَامَلَةٌ أَوْ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ التَّكْلِيفِ مِنْ خِلاَفٍ يُطْلَبُ الْخُرُوجُ مِنْهُ. قَال: وَفِي هَذَا مَا فِيهِ (٢) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (اخْتِلاَف ف ٢١ - ٢٥) .
مَدَاخِل الْغَلَطِ فِي الْوَرَعِ:
١٠ - قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: يَقَعُ الْغَلَطُ فِي الْوَرَعِ مِنْ ثَلاَثِ جِهَاتٍ:
الأُْولَى: اعْتِقَادُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْوَرَعَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي تَرْكِ الْحَرَامِ، لاَ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ، فَتَرَى أَحَدَهُمْ يَتَوَرَّعُ عَنِ الْكَلِمَةِ الْكَاذِبَةِ، وَعَنِ الدِّرْهَمِ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَمَعَ هَذَا
_________
(١) تهذيب الفروق لابن الشاط ٤ / ٢١٠، الفرق ٢٥٦.
(٢) الموافقات للشاطبي ١ / ١٠٤.