الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ، فَإِذَا غَرَبَتْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَاشْتَغَل بِإِحْيَاءِ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، فَآخِرُ هَذَا الْوِرْدِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وَالصَّلاَةُ فِيهِ هِيَ نَاشِئَةُ اللَّيْل؛ لأَِنَّهُ أَوَّل نُشُوءِ سَاعَاتِهِ، وَهُوَ آنٌ مِنَ الآْنَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْل فَسَبِّحْ (١)﴾ وَهِيَ صَلاَةُ الأَْوَّابِينَ (٢)، وَهِيَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ (٣)﴾ فَقَدْ رُوِيَ " عَنْ أَنَسٍ ﵁: كَانُوا يَتَطَوَّعُونَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ " (٤) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ عَدَلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً " (٥) .
ب - الْوِرْدُ الثَّانِي: يَدْخُل بِدُخُول الْعِشَاءِ الآْخِرَةِ إِلَى حَدِّ نَوْمَةِ النَّاسِ، وَهُوَ أَوَّل اسْتِحْكَامِ الظَّلاَمِ (٦)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ الأَْذَانَيْنِ مَا أَمْكَنَهُ وَلْيَكُنْ فِي قِرَاءَتِهِ ﴿الم تَنْزِيل الْكِتَابِ (٧)﴾ وَ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (٨)﴾ فَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَهُمَا (٩) .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُل لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا (١٠) .
ج - الْوِرْدُ الثَّالِثُ: الْوِتْرُ قَبْل النَّوْمِ، إِلاَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الْقِيَامَ بِاللَّيْل، فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ فِي حَقِّهِ أَفْضَل (١١)، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: " مِنْ كُل اللَّيْل قَدْ أَوْتَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ، مِنْ أَوَّل اللَّيْل
_________
(١) سورة طه / ١٣٠.
(٢) مختصر منهاج القاصدين ٦١، وإحياء علوم الدين ١ / ٣٤١ ط دار المعرفة، وانظر قوت القلوب ٤٤ـ ٤٥.
(٣) سورة السجدة / ١٦.
(٤) أثر أنس: كانوا يتطوعون فيما بين المغرب والعشاء أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢١ / ١٠٠ - ط الحلبي) .
(٥) حديث أبي هريرة: " من صلى بعد المغرب ست ركعات. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٣٧ - ط الحلبي) والترمذي (٢ / ٢٩٩ - ط الحلبي) قال الترمذي: حديث غريب. ثم نقل عن البخاري أنه قال عن أحد رواته: منكر الحديث.
(٦) الإحياء ١ / ٣٤١ ط دار المعرفة، ومختصر منهاج القاصدين ٦١.
(٧) سورة السجدة.
(٨) سورة الملك.
(٩) حديث: " كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأهما " أخرجه الترمذي (٥ / ١٦٥ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.
(١٠) حديث ابن مسعود: " من قرأ سورة الواقعة. . " أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ١٨٤ - ط المعارف العثمانية)، وعزاه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١ / ٣٤٢ - بهامش الإحياء - ط المعرفة) إلى الحارث بن أبي أسامة، ثم ضعف إسناده.
(١١) مختصر منهاج القاصدين ٦١ وإحياء علوم الدين ١ / ٣٤٢.
وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ (١) ثُمَّ لِيَقُل بَعْدَ الْوِتْرِ: " سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ " (٢) .
د - الْوِرْدُ الرَّابِعُ: النَّوْمُ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُعَدَّ ذَلِكَ مِنَ الأَْوْرَادِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا رُوعِيَتْ آدَابُهُ وَحَسُنَ الْمَقْصُودُ بِهِ احْتُسِبَ عِبَادَةً (٣)، " قَال مُعَاذٌ ﵁: إِنِّي لأَحْتَسِبُ فِي نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ فِي قَوْمَتِي " (٤) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي آدَابِ النَّوْمِ (ر: نَوْم ف ٨، ٩) .
هـ - الْوِرْدُ الْخَامِسُ: يَدْخُل بِمُضِيِّ النِّصْفِ الأَْوَّل إِلَى أَنْ يَبْقَى مِنَ اللَّيْل سُدُسُهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُومُ الْعَبْدُ لِلتَّهَجُّدِ، وَذَلِكَ وَقْتٌ شَرِيفٌ (٥)، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَرْفَعُهُ: " قَال: سُئِل: أَيُّ الصَّلاَةِ أَفْضَل بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟
_________
(١) حديث عائشة: " من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ. . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٤٨٦) ومسلم (١ / ٥١٢) واللفظ له.
(٢) حديث: " القول بعد الوتر: سبحان الملك القدوس. . . " أخرجه النسائي (٣ / ٢٤٥ - ط المكتبة التجارية) من حديث عبد الرحمن بن أبزى.
(٣) مختصر منهاج القاصدين ٦١ـ ٦٢، والإحياء ١ / ٣٤٥ ط المعرفة.
(٤) أثر معاذ: " فأحتسب نومتي. . . . "، أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٦٠) . (٥) الإحياء ١ / ٣٠٤، ومختصر منهاج القاصدين ٦٤، وانظر قوت القلوب ٤٨.
(٥) الإحياء ١ / ٣٠٤، ومختصر منهاج القاصدين ٦٤، وانظر قوت القلوب ٤٨.
فَقَال: أَفْضَل الصَّلاَةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاَةُ فِي جَوْفِ اللَّيْل (١) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي أَفْضَل أَوْقَاتِ التَّهَجُّدِ وَعَدَدِ رَكَعَاتِهِ (ر: تَهَجُّد ف٢ وَمَا بَعْدَهَا) .
وـ الْوِرْدُ السَّادِسُ: السُّدُسُ الأَْخِيرُ وَهُوَ وَقْتُ السَّحَرِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالأَْسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٢)﴾ قِيل: يُصَلُّونَ، لِمَا فِيهَا مِنْ الاِسْتِغْفَارِ، وَهُوَ مُقَارِبٌ لِلْفَجْرِ الَّذِي هُوَ وَقْتُ انْصِرَافِ مَلاَئِكَةِ اللَّيْل وَإِقْبَال مَلاَئِكَةِ النَّهَارِ. وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْل مَحْضُورَةٌ (٣) . وَجَاءَ طَاوُسٌ إِلَى رَجُلٍ وَقْتَ السَّحَرِ فَقَالُوا: هُوَ نَائِمٌ، فَقَال: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَنَامُ وَقْتَ السَّحَرِ.
فَهَذَا تَرْتِيبُ الأَْوْرَادِ لِلْعِبَادِ، وَقَدْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَجْمَعُوا مَعَ ذَلِكَ فِي كُل يَوْمٍ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: صَوْمٍ، وَصَدَقَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ، وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَشُهُودِ جِنَازَةٍ (٤) . فَفِي الْخَبَرِ:
_________
(١) حديث أبي هريرة: " أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ " أخرجه مسلم (٢ / ٨٢١) .
(٢) سورة الذاريات / ١٨.
(٣) حديث: " إن قراءة آخر الليل محضورة. . " أخرجه مسلم (١ / ٥٢٠) من حديث جابر بن عبد الله.
(٤) مختصر منهاج القاصدين ٦٤ - ٦٥، وإحياء علوم الدين ١ / ٣٤٧.
مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلاَّ دَخَل الْجَنَّةَ (١) .
اخْتِلاَفُ الأَْوْرَادِ بِاخْتِلاَفِ الأَْحْوَال:
١٤ - إِنَّ السَّالِكَ لِطَرِيقِ الآْخِرَةِ لاَ يَخْلُو مِنْ سِتَّةِ أَحْوَالٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَابِدًا، أَوْ عَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا، أَوْ وَالِيًا، أَوْ مُحْتَرِفًا، أَوْ مُسْتَغْرِقًا بِمَحَبَّةِ اللَّهِ ﷿ مَشْغُولًا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ.
الأَْوَّل - الْعَابِدُ:
١٥ - الْعَابِدُ هُوَ الْمُنْقَطِعُ عَنِ الأَْشْغَال كُلِّهَا إِلَى التَّعَبُّدِ، فَهَذَا يَسْتَعْمِل مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ أَوْرَادِ النَّهَارِ وَاللَّيْل، وَقَدْ تَخْتَلِفُ وَظَائِفُهُ، فَقَدْ كَانَتْ أَحْوَال الْمُتَعَبِّدِينَ مِنَ السَّلَفِ مُخْتَلِفَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَغْلِبُ عَلَى حَالِهِ التِّلاَوَةُ حَتَّى يَخْتِمَ فِي يَوْمٍ خَتْمَةً أَوْ خَتْمَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يُكْثِرُ التَّسْبِيحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُكْثِرُ الصَّلاَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُكْثِرُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ.
وَأَفْضَل الأَْوْرَادِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الشَّخْصِ، وَمَقْصُودُ الأَْوْرَادِ تَزْكِيَةُ الْقَلْبِ وَتَطْهِيرُهُ، فَلْيَنْظُرِ الْمَرْءُ مَا يَرَاهُ أَشَدَّ تَأْثِيرًا فِيهِ فَلْيُوَاظِبْ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَحَسَّ بِمَلَلٍ انْتَقَل عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ.
_________
(١) حديث: " ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة " أخرجه مسلم (٢ / ٧١٣) من حديث أبي هريرة.
قَال أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: فَإِذَا وَجَدْتَ قَلْبَكَ فِي الْقِيَامِ فَلاَ تَرْكَعْ، وَإِذَا وَجَدْتَهُ فِي الرُّكُوعِ فَلاَ تَرْفَعْ (١) .
الثَّانِي - الْعَالِمُ:
١٦ - الْعَالِمُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِعِلْمِهِ فِي فَتْوَى أَوْ تَدْرِيسٍ أَوْ تَصْنِيفٍ أَوْ تَذْكِيرٍ. فَتَرْتِيبُهُ فِي الأَْوْرَادِ يُخَالِفُ تَرْتِيبَ الْعَابِدِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُطَالَعَةِ فِي الْكُتُبِ وَالتَّصْنِيفِ وَالإِْفَادَةِ، فَإِنِ اسْتَغْرَقَ الأَْوْقَاتَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَل مَا يَشْتَغِل بِهِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَاتِ وَرَوَاتِبِهَا، وَكَيْفَ لاَ يَكُونُ كَذَلِكَ وَفِي الْعِلْمِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَأَمُّل مَا قَال اللَّهُ تَعَالَى وَقَال رَسُولُهُ، وَفِيهِ مَنْفَعَةُ الْخَلْقِ وَهِدَايَتُهُمْ إِلَى طَرِيقِ الآْخِرَةِ؟ وَرُبَّ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ يَتَعَلَّمُهَا الْمُتَعَلِّمُ فَيُصْلِحُ بِهَا عِبَادَةَ عُمُرِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَعَلَّمْهَا لَكَانَ سَعْيُهُ ضَائِعًا. وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الْمُقَدَّمِ عَلَى الْعِبَادَةِ: الْعِلْمُ الَّذِي يُرَغِّبُ النَّاسَ فِي الآْخِرَةِ، وَيُعِينُ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِهَا، دُونَ الْعُلُومِ الَّتِي تَزِيدُ بِهَا الرَّغْبَةُ فِي الْمَال وَقَبُول الْخَلْقِ، وَالأَْوْلَى بِالْعَالِمِ أَيْضًا أَنْ يُقَسِّمَ أَوْقَاتَهُ، لأَِنَّ اسْتِغْرَاقَ الأَْوْقَاتِ فِي تَرْتِيبِ الْعِلْمِ لاَ تَصْبِرُ عَلَيْهِ النَّفْسُ
_________
(١) مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة ص ٦٥، وانظر إحياء علوم الدين ١ / ٣٠٦.
وَلاَ يَحْتَمِلُهُ الطَّبْعُ (١) .
الثَّالِثُ - الْمُتَعَلِّمُ:
١٧ - إِنَّ التَّعَلُّمَ أَفْضَل مِنَ التَّشَاغُل بِالأَْذْكَارِ وَالنَّوَافِل، وَحُكْمُ الْمُتَعَلِّمِ حُكْمُ الْعَالِمِ فِي تَرْتِيبِ الأَْوْرَادِ، لَكِنَّهُ يَشْتَغِل بِالاِسْتِفَادَةِ حِينَ يَشْتَغِل الْعَالِمُ بِالإِْفَادَةِ، وَبِالتَّعْلِيقِ وَالنَّسْخِ حِينَ يَشْتَغِل الْعَالِمُ بِالتَّصْنِيفِ. فَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَوَامِّ كَانَ حُضُورُهُ مَجَالِسَ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ وَالْوَعْظِ أَفْضَل مِنَ اشْتِغَالِهِ بِالأَْوْرَادِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا (٢) .
الرَّابِعُ - الْوَالِي:
١٨ - الْوَالِي: مِثْل الإِْمَامِ وَالْقَاضِي أَوِ الْمُتَوَلِّي لِلنَّظَرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقِيَامُهُ بِحَاجَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَغْرَاضِهِمْ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ وَقَصْدِ الإِْخْلاَصِ أَفْضَل مِنَ الأَْوْرَادِ الْمَذْكُورَةِ، لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ يَتَعَدَّى نَفْعُهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ فِي النَّهَارِ عَلَى الْمَكْتُوبَاتِ، وَيُقِيمَ أَوْرَادَهُ بِاللَّيْل، كَمَا كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَفْعَلُهُ إِذْ قَال: " مَا لِي وَلِلنَّوْمِ؟ فَلَوْ نِمْتُ بِالنَّهَارِ ضَيَّعْتُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ نِمْتُ بِاللَّيْل ضَيَّعْتُ نَفْسِي ". قَال الْغَزَالِيُّ: قَدْ فَهِمْتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ
_________
(١) مختصر منهاج القاصدين ص ٦٥ - ٦٦، وإحياء علوم الدين ١ / ٣٠٧.
(٢) مختصر منهاج القاصدين ٦٦ وانظر إحياء علوم الدين ١ / ٣٠٧.
عَلَى الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعِلْمُ، وَالآْخَرُ الرِّفْقُ بِالْمُسْلِمِينَ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعِلْمِ وَفِعْل الْمَعْرُوفِ عَمَلٌ فِي نَفْسِهِ وَعِبَادَةٌ تَفْضُل سَائِرَ الْعِبَادَاتِ بِتَعَدِّي فَائِدَتِهِ وَانْتِشَارِ جَدْوَاهُ، فَكَانَا مُقَدَّمَيْنِ عَلَيْهِ (١) .
الْخَامِسُ - الْمُحْتَرِفُ:
١٩ - الْمُحْتَرِفُ: هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الْكَسْبِ لِعِيَالِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ الْعِيَال وَيَسْتَغْرِقَ الأَْوْقَاتَ فِي الْعِبَادَاتِ، بَل وِرْدُهُ فِي وَقْتِ الصِّنَاعَةِ حُضُورُ السُّوقِ وَالاِشْتِغَال بِالْكَسْبِ، وَلَكِنْ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْسَى ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي صِنَاعَتِهِ، بَل يُوَاظِبُ عَلَى التَّسْبِيحَاتِ وَالأَْذْكَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ إِلَى الْعَمَل، وَإِنَّمَا لاَ يَتَيَسَّرُ مَعَ الْعَمَل إِقَامَةُ أَوْرَادِ الصَّلاَةِ.
ثُمَّ مَهْمَا فَرَغَ مِنْ كِفَايَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ إِلَى تَرْتِيبِ الأَْوْرَادِ، وَإِنْ دَاوَمَ عَلَى الْكَسْبِ وَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَل عَنْ حَاجَتِهِ فَهُوَ أَفْضَل مِنْ سَائِرِ الأَْوْرَادِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، لأَِنَّ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةَ فَائِدَتُهَا أَنْفَعُ مِنَ اللاَّزِمَةِ. (٢)
_________
(١) مختصر منهاج القاصدين ٦٦، وإحياء علوم الدين ١ / ٣٠٨.
(٢) إحياء علوم الدين ١ / ٣٠٨، وانظر مختصر منهاج القاصدين ٦٦.
السَّادِسُ - الْمُسْتَغْرِقُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ:
٢٠ - الْمُسْتَغْرِقُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وِرْدُهُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَاتِ حُضُورُ الْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يُحَرِّكُهُ إِلَى مَا يُرِيدُ مِنْ وِرْدِهِ (١) .
قَضَاءُ الْفَوَائِتِ مِنَ الأَْوْرَادِ:
٢١ - يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ لَهُ وِرْدٌ فِي وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، أَوْ عَقِبَ صَلاَةٍ، أَوْ حَالَةٍ مِنَ الأَْحْوَال الْمُتَعَلِّقَةِ بِالأَْوْقَاتِ، فَفَاتَهُ أَنْ يَسْتَدْرِكَ الْوِرْدَ الْفَائِتَ، فَيَأْتِيَ بِهِ إِذَا تَمَكَّنَ فِيهِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَل فِي قَضَائِهِ هَانَ عَلَيْهِ تَضْيِيعُهُ فِي وَقْتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَدَارَكَهُ حَتَّى يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُدِيمٌ لِلذِّكْرِ مُوَاظِبٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَقْضُونَ مَا فَاتَهُمْ مِنَ الأَْذْكَارِ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا: مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْل أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْل (٢) .
قَال ابْنُ عَلاَّنَ فِي الْحَدِيثِ الاِعْتِنَاءُ
_________
(١) مختصر منهاج القاصدين ٦٦، وانظر إحياء علوم الدين ١ / ٣٠٨.
(٢) حديث: " من نام عن حزبه. . . " أخرجه مسلم (١ / ٥١٥) .
بِالرَّوَاتِبِ، وَقَضَاءُ الرَّاتِبِ الْمُؤَقَّتِ، وَقَال أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ سَبْعَةُ أَوْرَادٍ يَقْرَؤُهَا بِاللَّيْل فَإِذَا فَاتَهُ مِنْهَا شَيْءٌ قَرَأَهُ فِي النَّهَارِ (١) .
أَوْرَادُ اللَّيَالِي وَالأَْيَّامِ الْفَاضِلَةِ:
٢٢ - خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ الشُّهُورِ وَبَعْضَ الأَْيَّامِ وَبَعْضَ اللَّيَالِي عَلَى بَعْضِهَا الآْخَرِ بِمَزِيدِ الْفَضْل الَّذِي يَتَأَكَّدُ فِيهَا اسْتِحْبَابُ إِحْيَائِهَا.
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَاتِ (الأَْشْهُر الْحُرُم ف ٣، وَشَهْر رَمَضَانَ ف ٥ وَمَا بَعْدَهَا، وَصَوْم التَّطَوُّعِ ف ٧ وَمَا بَعْدَهَا، وَعَشْر ذِي الْحِجَّةِ ف ٢ - ٣، وَالْعَشْر الأَْوَاخِر مِنْ رَمَضَانَ ف ٢ - ٤، وَإِحْيَاء اللَّيْل ف ٨ - ٢٢، وَلَيْلَة الْقَدْرِ ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا، وَفَضَائِل ف ١٠) .
_________
(١) الفتوحات الربانية ١ / ١٤٩، ٣ / ٢٤٩ ونزل الأبرار ص ١٠، وقوت القلوب ١ / ١٧٤، وانظر لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية ص ١٠٣، وأثر أنس بن سيرين: " كان لمحمد بن سيرين. . . " أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢ / ٢٧ - ط السعادة) .
وَرَعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْوَرَعُ لُغَةً: الْكَفُّ، مِنْ وَرِعَ يَرِعُ وَرْعًا وَوَرَعًا وَرِعَةً: تَحَرَّجَ وَتَوَقَّى عَنِ الْمَحَارِمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْكَفِّ عَنِ الْحَلاَل الْمُبَاحِ، فَهُوَ وَرِعٌ (١) .
وَالْوَرَعُ فِي الاِصْطِلاَحِ: قَال ابْنُ الْهُمَامِ: الْوَرَعُ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ، وَقَال مِثْلَهُ النَّوَوِيُّ. وَقَال الدُّسُوقِيُّ الْمَالِكِيُّ: الأَْوْرَعُ: التَّارِكُ لِبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ، وَالْوَرِعُ: التَّارِكُ لِلشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ (٢) .
وَأَدْخَل بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، كَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ الْقَيِّمِ، فِي الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ لِلْوَرَعِ: تَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَعْلُومِ تَحْرِيمُهَا، خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمًا لَهُ (٣) .
_________
(١) لسان العرب، والمعجم الوسيط.
(٢) فتح القدير ١ / ٣٤٩، ونهاية المحتاج ٢ / ١٧٦، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٣٤٤.
(٣) إحياء علوم الدين ٢ / ٨١٥ القاهرة، دار الشعب، ومدارج السالكين لابن القيم ٢ / ٢٠.