الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
الْوُضُوءِ فِي الْغُسْل، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ لاَ يَكْفِي وَإِنْ نَوَى مَعَهُ الْوُضُوءَ (١) .
وَمِنْهَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ مُدَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَجْزَأَ التَّتَابُعُ فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّهُ أَفْضَل.
الثَّالِثُ: مَا لاَ يُجْزِئُ قَطْعًا، كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ بِدِينَارٍ، وَكَذَا مَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، فَأَخْرَجَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الصُّورَةِ (٢) .
الرَّابِعُ: مَا لاَ يُجْزِئُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا لَزِمَهُ الْمَشْيُ مِنْ حِينِ الإِْحْرَامِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَل فِي الْحَجِّ؛ لأَِنَّ الْمَشْيَ وَالرُّكُوبَ نَوْعَانِ فَلاَ يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الآْخَرِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الأَْفْضَل.
كَمَا لاَ تُجْزِئُ الصَّدَقَةُ بِالذَّهَبِ عَنِ الْفِضَّةِ، وَمِثْلُهُ لَوْ نَذَرَ الإِْحْرَامَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ لَزِمَهُ فِي الأَْصَحِّ وَإِنْ قُلْنَا: الإِْحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَل (٣) .
(ر: نَذْر، إِحْرَام ف ٤٩)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: عَلَى مَا جَاءَ فِي الْقَوَاعِدِ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٧٢.
(٢) الْمَنْثُور ٣ / ٣١٩، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٢٥.
(٣) الْمَنْثُور ٣ / ٣١٩ - ٣٢٠.
لاِبْنِ رَجَبٍ: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ فَأَتَى بِمَا لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا دُونَهُ لأَجْزَأَهُ هَل يُوصَفُ الْكُل بِالْوُجُوبِ أَوْ قَدْرُ الإِْجْزَاءِ مِنْهُ؟ فَقَال: إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَمَيِّزَةً مُنْفَصِلَةً فَلاَ إِشْكَال فِي أَنَّهَا نَفْلٌ بِانْفِرَادِهَا، كَإِخْرَاجِ صَاعَيْنِ مُنْفَرِدَيْنِ فِي الْفِطْرَةِ وَنَحْوِهَا. وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُتَمَيِّزَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَوَّلُهُمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ نَدْبٌ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى.
وَتُبْنَى عَلَيْهِ مَسَائِل:
مِنْهَا: إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ فَوَاتِ قَدْرِ الإِْجْزَاءِ مِنْهُ هَل يَكُونُ مُدْرِكًا لَهُ فِي الْفَرِيضَةِ؟ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ تَخْرِيجُهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ إِذَا قُلْنَا: لاَ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرَضِ بِالْمُتَنَفِّل، قَال ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُحْتَمَل أَنْ تُجْرَى الزِّيَادَةُ مَجْرَى الْوَاجِبِ فِي بَابِ الاِتِّبَاعِ خَاصَّةً، إِذْ الاِتِّبَاعُ قَدْ يُسْقِطُ الْوَاجِبَ كَمَا فِي الْمَسْبُوقِ وَمُصَلِّي الْجُمْعَةِ مِنِ امْرَأَةٍ وَعَبْدٍ وَمُسَافِرٍ.
وَمِنْهَا: إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فَذَبَحَ بَدَنَةً فَهَل كُلُّهَا وَاجِبَةٌ أَوْ سُبْعُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَمِنْهَا: إِذَا أَدَّى عَنْ خَمْسٍ مِنَ الإِْبِل بَعِيرًا -
وَقُلْنَا: يَجْزِيهِ - فَهَل الْوَاجِبُ كُلُّهُ أَوْ خُمْسُهُ الْوَاجِبُ؟ حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ فِيهِ وَجْهَيْنِ: فَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ خُمْسَهُ الْوَاجِبُ يُجْزِئُ عَنْ عِشْرِينَ بَعِيرًا أَيْضًا، وَعَلَى الآْخَرِ لاَ يُجْزِئُ عَنِ الْعِشْرِينَ إِلاَّ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ.
وَمِنْهَا: إِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً - وَقُلْنَا: الْفَرْضُ مِنْهُ قَدْرُ النَّاصِيَةِ - فَهَل الْكُل فَرْضٌ أَوْ قَدْرُ النَّاصِيَةِ مِنْهُ؟
وَمِنْهَا: إِذَا أَخْرَجَ فِي الزَّكَاةِ سِنًّا أَعْلَى مِنَ الْوَاجِبِ فَهَل كُلُّهُ فَرْضٌ أَوْ بَعْضُهُ تَطَوُّعٌ؟ قَال أَبُو الْخَطَّابِ: كُلُّهُ فَرْضٌ، وَقَال الْقَاضِي: بَعْضُهُ تَطَوُّعٌ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لأَِنَّ الشَّارِعَ أَعْطَاهُ جُبْرَانًا عَنِ الزِّيَادَةِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ الأَْصْل فَرْضِيَّتَهُ وَوُجُوبَهُ ثُمَّ سَقَطَ بَعْضُهُ تَخْفِيفًا، فَإِذَا فَعَل الأَْصْل وُصِفَ الْكُل بِالْوُجُوبِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَمِنْ ذَلِكَ إِذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ أَرْبَعًا فَإِنَّ الْكُل فَرْضٌ فِي حَقِّهِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الأَْخِيرَتَيْنِ نَفْلٌ لاَ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِهِ فِيهِمَا، وَهُوَ مُتَمَشٍّ عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْقَصْرِ، وَالْمَذْهَبُ الأَْوَّل.
وَمِنْهُ إِذَا كَفَرَ الْوَاطِئُ فِي الْحَيْضِ بِدِينَارٍ فَإِنَّ الْكُل وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ الاِقْتِصَارُ عَلَى نِصْفِهِ، وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ مِنْ قَوْل أَبِي بَكْرٍ،
فَأَمَّا إِنْ غَسَل رَأْسَهُ بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ - وَقُلْنَا بِالإِْجْزَاءِ - فَفِي الْمَاءِ السَّائِل مِنْهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي رَفْعِ حَدَثٍ؛ لأَِنَّ الأَْصْل هُوَ الْغَسْل وَإِنَّمَا سَقَطَ تَخْفِيفًا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ طَهُورٌ لأَِنَّ الْغَسْل مَكْرُوهٌ فَلاَ يَكُونُ وَاجِبًا.
وَقَدْ يُقَال: وَالإِْتْمَامُ فِي السَّفَرِ مَكْرُوهٌ أَيْضًا (١) .
مُسْقِطَاتُ الْوَاجِبِ:
١٦ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ الشَّيْءُ وَيَسْقُطُ لِتَعَارُضِ الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ:
مِنْهَا: لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ هَل وَجَبَ الْمَهْرُ ثُمَّ سَقَطَ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا؟ وَجْهَانِ، وَقَالُوا: وَمِنْ ثَمَرَةِ الْخِلاَفِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهَا السَّيِّدُ قَبْل الدُّخُول، فَإِنْ قُلْنَا: لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ أَصْلًا، وَجَبَ الْمَهْرُ بِالدُّخُول؛ لأَِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ، وَإِنْ قُلْنَا: وَجَبَ ثُمَّ سَقَطَ لَمْ يَجِبْ بِالدُّخُول؛ لأَِنَّهُ كَالْمُسْتَوْفَى (٢) .
وَمِنْهَا: إِذَا قَتَل الأَْبُ ابْنَهُ هَل وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ثُمَّ سَقَطَ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا؟
_________
(١) الْقَوَاعِد لاِبْن رَجَب ص ٥ - ٦ الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ.
(٢) الْمَنْثُور فِي الْقَوَاعِدِ ٣ / ٣٢٢.
وَجْهَانِ، وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي، وَمِنْ ثَمَرَةِ الْخِلاَفِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِهِ.
وَمِنْهَا: الْمَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ، وَهَل يُقَال: إِنَّ الْفَاتِحَةَ يَحْمِلُهَا الإِْمَامُ عَنْهُ أَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ أَصْلًا؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الأَْوَّل (١) .
امْتِنَاعُ الْمُكَلَّفِ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ:
١٧ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ الْمُكَلَّفُ عَنِ الْوَاجِبِ فَإِنْ لَمْ تَدْخُلْهُ النِّيَابَةُ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ نُظِرَ، إِنْ كَانَتْ صَلاَةً طُولِبَ بِالأَْدَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل قُتِل، فَإِنْ كَانَ صَوْمًا حُبِسَ وَمُنِعَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لآِدَمِيٍّ حُبِسَ حَتَّى يَفْعَلَهُ كَالْمُمْتَنِعِ مِنَ الاِخْتِيَارِ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ مِنَ النِّسَاءِ، وَكَالْمُقِرِّ بِمُبْهَمٍ يُحْبَسُ حَتَّى يُبَيِّنَ، وَأَمَّا إِذَا دَخَلَتْهُ النِّيَابَةُ قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (أَدَاء ف ٢٣، تَرْك ف ٩ - ١٥) .
_________
(١) الْمَرْجِع السَّابِق.
(٢) الْمَنْثُور ٣ / ٣٢٣.
وَادِي مُحَسِّرٍ
التَّعْرِيفُ:
١ - هَذَا الْمُصْطَلَحُ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: الأُْولَى: وَادِي، وَالثَّانِيَةُ: مُحَسِّرٍ. وَنُعَرِّفُ كُلًّا مِنْهُمَا ثُمَّ نُبَيِّنُ الْمَقْصُودَ بِوَادِي مُحَسِّرٍ.
أ - فَالْوَادِي لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنْ وَدِيَ الشَّيْءُ إِذْ سَال، وَهُوَ كُل مُنْفَرِجٍ بَيْنَ جِبَالٍ أَوْ آكَامٍ يَكُونُ مَنْفَدًا لِلسَّيْل، وَالْجَمْعُ أَوْدِيَةٌ.
ب - وَالْمُحَسِّرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفِعْل حَسَّرْتُهُ بِالتَّثْقِيل: أَوْقَعْتُهُ فِي الْحَسْرَةِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِالرَّاءِ: مَوْضِعٌ فَاصِلٌ بَيْنَ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ، وَسُمِّيَ مُحَسِّرًا بِذَلِكَ لأَِنَّ فِيل أَبَرْهَةَ كَل فِيهِ وَأَعْيَا، فَحَسَّرَ أَصْحَابَهُ بِفِعْلِهِ، وَأَوْقَعَهُمْ فِي الْحَسَرَاتِ، وَيُسَمَّى وَادِيَ النَّارِ لأَِنَّ رَجُلًا صَادَ فِيهِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ نَارٌ فَأَحْرَقَتْهُ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: وَادِي مُحَسِّرٍ مَوْضِعٌ فَاصِلٌ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى لَيْسَ مِنْ وَاحِدَةٍ
_________
(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٠١، وابن عَابِدِينَ ٢ / ١٧٦ - ٧١٧، حاشية الْقَلْيُوبِيّ ٢ / ١١٧.
مِنْهُمَا، قَال الْكَمَال مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: أَوَّل مُحَسِّرٍ مِنَ الْقَرْنِ الْمُشْرِفِ مِنَ الْجَبَل الَّذِي عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إِلَى مِنًى، وَآخِرُهُ أَوَّل مِنًى (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِوَادِي مُحَسِّرٍ
يَتَعَلَّقُ بِوَادِي مُحَسِّرٍ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أ - إِسْرَاعُ الْحَاجِّ فِي سَيْرِهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ وَادِيَ مُحَسِّرٍ:
٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحُجَّاجِ إِذَا دَفَعُوا مِنْ مُزْدَلِفَةَ أَنْ يَقِفُوا عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إِلَى الإِْسْفَارِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ وَيَدْعُونَهُ ﷾، ثُمَّ يَسِيرُونَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى مِنًى بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، فَإِذَا بَلَغُوا وَادِيَ مُحَسِّرٍ يُسْتَحَبُّ لَهُمُ الإِْسْرَاعُ رَاكِبِينَ أَوْ مَاشِينَ قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ، فَإِنْ كَانَ مَاشِيًا أَسْرَعَ، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا حَرَّكَ دَابَّتَهُ قَلِيلًا حَتَّى يَقْطَعُوا عَرْضَ الْوَادِي لِلاِتِّبَاعِ فِي الرَّاكِبِ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ فِي الْمَاشِي؛ لأَِنَّ جَابِرًا ﵁ قَال فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ نَاقَتَهُ قَلِيلًا (٢) .
كَمَا قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: لِنُزُول الْعَذَابِ عَلَى
_________
(١) فَتْح الْقَدِير ٢ / ٤٨٣ - ٤٨٤ ط دَار الْفِكْرِ، ومواهب الْجَلِيل ٣ / ١٢٥، وكشاف الْقِنَاع ٢ / ٤٩٩.
(٢) حَدِيث: جَابِر فِي صِفَة حَجّ النَّبِيِّ ﷺ. أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٨٩١ - ط الْحَلَبِيّ) .
أَصْحَابِ الْفِيل فِيهِ الْقَاصِدِينَ هَدْمَ الْكَعْبَةِ؛ وَلأَِنَّ النَّصَارَى كَانَتْ تَقِفُ فِيهِ فَأُمِرْنَا بِمُخَالَفَتِهِمْ، وَلأَِنَّ رَجُلًا اصْطَادَ فِيهِ فَنَزَلَتْ نَارٌ أَحْرَقَتْهُ فَهُوَ لِكَوْنِهِ مَحَل نُزُول عَذَابٍ كَدِيَارِ ثَمُودَ الَّتِي صَحَّ أَمْرُهُ ﷺ لِلْمَارِّينَ بِهَا أَنْ يُسْرِعُوا لِئَلاَّ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ أَهْلَهَا، وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي الإِْسْرَاعُ فِيهَا لِغَيْرِ الْحَاجِّ (١) .
ب - دُعَاءُ الْمَارِّ بِوَادِي مُحَسِّرٍ:
٣ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَقُول الْمَارُّ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ مَا كَانَ يَقُول عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عِنْدَ الْمُرُورِ فِيهِ.
رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول:
إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا:
مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا (٢) .
قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: مَعْنَاهُ أَنَّ نَاقَتِي تَعْدُو إِلَيْكَ مُسْرِعَةً فِي طَاعَتِكَ قَلِقًا وَضِينُهَا -
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ١٧٩، وتبيين الْحَقَائِق ٢ / ٣٠، والبحر الرَّائِق ٢ / ٣٦٨، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٤٥، وجواهر الإِْكْلِيل ١ / ١٨١، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٠١، وتحفة الْمُحْتَاج ٤ / ١١٧، والقليوبي ٢ / ١١٧ والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٣ / ٤٢٤.
(٢) أَثَرُ عُمَرَ: " إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ". أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ (٢ / ٢١٣ - نَشْرُ دَارِ الْمَعْرِفَة) وَالْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (٥ / ١٢٦ - ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) .
وَالْوَضِينُ حَبْلٌ كَالْحِزَامِ - مِنْ كَثْرَةِ السَّيْرِ وَالإِْقْبَال التَّامِّ وَالاِجْتِهَادِ الْبَالِغِ فِي طَاعَتِكَ.
وَبَعْدَ قَطْعِهِمُ الْوَادِي يَسِيرُونَ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ (١) .
ج - الْوُقُوفُ بِوَادِي مُحَسِّرٍ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وَادِيَ مُحَسِّرٍ لَيْسَ مِنْ مِنًى وَلاَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ بَطْنَ مُحَسِّرٍ لَيْسَ مَكَانَ الْوُقُوفِ كَبَطْنِ عَرَفَةَ فِي عَرَفَاتٍ، فَلَوْ وَقَفَ فِيهِمَا فَقَطْ لاَ يُجْزِئُهُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي مِنًى، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ عُرَنَةَ وَمُحَسِّرًا مِنْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ أَوْ لاَ؟ لِقَوْلِهِ ﷺ: عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مَحَسِّرٍ (٢) .
إِلاَّ أَنَّهُ نَصَّ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ النُّزُول فِيهِ، وَلَوْ وَقَفَ فِيهِ أَجْزَأَ.
قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٥٠١، حاشية قليوبي ٢ / ١١٧، والمغني ٣ / ٤٢٤ ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٤١٨.
(٢) حَدِيث: " عَرَفَة كُلّهَا مَوْقِف. . . ". أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ فِي مُشْكِل الأُْثَّار (٣ / ٢٢٩ - ط الرِّسَالَة) والحاكم مُخْتَصَرًا (١ / ٤٦٢) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ، وَقَال: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرْط مُسْلِم وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ.
مَشْهُورٍ مِنْ كَلاَمِ الأَْصْحَابِ، بَل الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلاَمُهُمْ عَدَمُ الإِْجْزَاءِ (١)
. وَقَال الشَّرْوَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ وَادِيَ مُحَسِّرٍ لَيْسَ مِنْ مِنًى، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ مِنًى؛ وَلِهَذَا قَال الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ فِي حَدِيثِ الْفَضْل بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ وَادِيَ مُحَسِّرٍ مِنْ مِنًى (٢)، وَنَقَل صَاحِبُ الْمَطَالِعِ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ مِنْ مِنًى وَبَعْضَهُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَصَوَّبَ ذَلِكَ (٣) .
وَاشِمَةٌ
انْظُرْ: وَشْمٌ
_________
(١) الْبَدَائِع ٢ / ١٣٦، ومواهب الْجَلِيل ٣ / ١٢٥ وتحفة الْمُحْتَاج ٤ / ١١٦، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٠٠ - ٥٠١، وكشاف الْقِنَاع ٢ / ٢٩٩.
(٢) حَدِيث الْفَضْل بْن عَبَّاسٍ: أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٩٣٢ - ط الْحَلَبِيّ) وَلَفْظه: عَنِ ابْن عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْل بْن عَبَّاسٍ وَكَانَ رَدِيف رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال فِي عَشِيَّةِ عَرَفَة وَغَدَاةَ جُمَعٍ ل
(٣) حَاشِيَة الشرواني عَلَى تُحْفَة الْمُحْتَاج ٤ / ١١٧.