الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ فِعْل شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ نَاقِضٌ لِلْهُدْنَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَهْل الْهُدْنَةِ أَنَّهُ نَاقِضٌ (١) .

وَبِالنَّظَرِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ نَوَاقِضِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ يُمْكِنُنَا إِرْجَاعُهَا إِلَى الأَْسْبَابِ التَّالِيَةِ:

أ - الْعُدُول عَنِ الْمُوَادَعَةِ فِي الظَّاهِرِ.

ب - الْخِيَانَةُ فِي الْبَاطِنِ.

ج - الْعُدُول عَنِ الْمُجَامَلَةِ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل.

د - النَّبْذُ مِنْ قِبَل الإِْمَامِ إِذَا رَأَى نَقْضَ الصُّلْحِ أَصْلَحَ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ.

أَوَّلًا: الْعُدُول عَنِ الْمُوَادَعَةِ فِي الظَّاهِرِ:

٢١ - مِنْ مُوجِبَاتِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ الْمُوَادَعَةُ فِي الظَّاهِرِ، وَهِيَ الْكَفُّ عَنِ الْقِتَال وَتَرْكُ التَّعَرُّضِ لِلنُّفُوسِ وَالأَْمْوَال، فَيَجِبُ عَلَى أَهْل الْهُدْنَةِ مِثْل مَا يَجِبُ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

فَإِنْ عَدَل أَهْل الْهُدْنَةِ عَنِ الْمُوَادَعَةِ إِلَى ضِدِّهَا فَقَاتَلُوا قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قَتَلُوا قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَخَذُوا مَال قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

_________

(١) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٨ / ١٠٢، وروضة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٣٣٧.

انْتَقَضَتْ هُدْنَتُهُمْ بِفِعْلِهِمْ وَلَمْ يُفْتَقَرْ إِلَى حُكْمِ الإِْمَامِ لِنَقْضِهَا، وَجَازَ أَنْ يَبْدَأَ بِقِتَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ وَيَشُنَّ عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ وَيَهْجُمَ عَلَيْهِمْ غِرَّةً وَبَيَاتًا، وَجَرَى ذَلِكَ فِي نَقْضِ الْهُدْنَةِ مَجْرَى تَصْرِيحِهِمْ بِالْقَوْل بِأَنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْهُدْنَةَ (١) .

وَقَدْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ أَهْل مَكَّةَ بَعْدَ الْهُدْنَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ لأَِنَّهُمْ كَانُوا نَقَضُوا الْعَهْدَ بِمُعَاوَنَتِهِمْ بَنِي كِنَانَةَ عَلَى قِتَال خُزَاعَةِ، وَكَانَتْ حُلَفَاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَل النَّبِيَّ ﷺ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذَلِكَ، فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى النَّبْذِ إِلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا نَقْضَ الْعَهْدِ بِنَصْبِ الْحَرْبِ لِحُلَفَاءِ النَّبِيِّ ﷺ (٢) .

ثَانِيًا: الْخِيَانَةُ فِي الْبَاطِنِ:

٢٢ - مِنْ مُوجِبَاتِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ تَرْكُ الْخِيَانَةِ بِأَنْ لاَ يَسْتَسِرَّ أَهْل الْهُدْنَةِ بِفِعْلٍ مَا يَنْقُضُ الْهُدْنَةَ لَوْ أَظْهَرُوهُ، مِثْل أَنْ يُمَايِلُوا فِي السِّرِّ

_________

(١) الْحَاوِي ١٨ / ٤٤٣، والبحر الرَّائِق ٥ / ٨٥، والمبسوط لِلسَّرْخَسِيَ ١٠ / ٨٦ - ٨٨، وأحكام الْقُرْآن لِلْجَصَّاصِ ٣ / ٦٧.

(٢) حَدِيث: " مَجِيء أَبِي سُفْيَان إِلَى رَسُولٍ ﷺ لِتَجْدِيدِ الْعَهْدِ. . . " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي دَلاَئِل النُّبُوَّةِ (٥ / ٩ - ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ) مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْن عُقْبَة مُرْسَلًا.

عَدُوًّا أَوْ يَقْتُلُوا فِي السِّرِّ مُسْلِمًا، أَوْ يَأْخُذُوا لَهُ مَالًا، أَوْ يَزْنُوا بِمُسْلِمَةٍ، وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمُهَادِنَ لَوْ تَجَسَّسَ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ كَرْهًا أَوْ سَرَقَ لاَ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ (٢) .

وَإِذَا اسْتَشْعَرَ الإِْمَامُ مِمَّنْ هَادَنَهُ وَظَهَرَتْ أَمَارَةٌ تَدُل عَلَى خِيَانَتِهِمْ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ إِلَى أَنَّهُ جَازَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ بِأَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنْ لاَ عَهْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ (٣)﴾، يَعْنِي إِذَا خِفْتَ غَدْرَهُمْ وَخُدْعَتَهُمْ وَإِيقَاعَهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَفَعَلُوا ذَلِكَ خَفْيًا وَلَمْ يُظْهِرُوا نَقْضَ الْعَهْدِ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ أَيْ أَلْقِ إِلَيْهِمْ فَسْخَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْهُدْنَةِ حَتَّى يَسْتَوِيَ الْجَمِيعُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ لِئَلاَّ يَتَوَهَّمُوا أَنَّكَ نَقَضْتَ الْعَهْدَ بِنَصْبِ الْحَرْبِ (٤) .

_________

(١) الْحَاوِي ١٨ / ٤٤٣، وروضة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٣٣٧، ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٥٨٩، ٦٢٢، ٦٢٣.

(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٤٩.

(٣) سُورَة الأَْنْفَال / ٥٨.

(٤) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ ٣ / ٦٧، وعمدة الْقَارِئ ١٥ / ١٠٠ - ١٠١، والدسوقي ٢ / ٢٠٦، وروضة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٣٣٨، ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٥٩٠.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ نَبْذُ عَهْدِهِمْ وَإِنْذَارُهُمْ، فَإِنْ تَحَقَّقَ خِيَانَتُهُمْ نَبَذَهُ بِلاَ إِنْذَارٍ.

قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِذَا ظَهَرَتْ آثَارُ الْخِيَانَةِ وَثَبَتَتْ دَلاَئِلُهَا وَجَبَ نَبْذُ الْعَهْدِ لِئَلاَّ يُوقِعَ التَّمَادِي عَلَيْهِ فِي الْهَلَكَةِ، وَجَازَ إِسْقَاطُ الْيَقِينِ هَهُنَا بِالظَّنِّ لِلضَّرُورَةِ، وَإِذَا كَانَ الْعَهْدُ قَدْ وَقَعَ فَهَذَا الشَّرْطُ عَادَةٌ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لَفْظًا، إِذْ لاَ يُمْكِنُ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا (١) .

وَقَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَنْتَقِضُ عَهْدُ أَهْل الذِّمَّةِ بِمُجَرَّدِ خِيَانَتِهِمْ وَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمِ الإِْمَامِ لِنَقْضِهَا.

وَحُكِيَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَنْبِذُ عَقْدَ الْهُدْنَةِ كَمَا لاَ يَنْبِذُ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِالتُّهْمَةِ (٢) .

ثَالِثًا: الْعُدُول عَنِ الْمُجَامَلَةِ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل:

٢٣ - مِنْ مُوجِبَاتِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ الْمُجَامَلَةُ فِي الأَْقْوَال وَالأَْفْعَال، فَهِيَ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ

_________

(١) أَحْكَام الْقُرْآنِ لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ ٢ / ٨٦٠ - ٨٦١، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٦.

(٢) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٣٣٨.

أَغْلَظُ مِنْهَا فِي حُقُوقِ الْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ، فَيَلْزَمُهُمْ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقَبِيحِ مِنَ الْقَوْل وَالْفِعْل وَيَبْذُلُوا لَهُمُ الْجَمِيل فِي الْقَوْل وَالْفِعْل، وَلَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقَبِيحِ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل.

وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْذُلُوا لَهُمُ الْجَمِيل فِي الْقَوْل وَالْفِعْل لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (١)﴾، فَإِنْ عَدَل الْكُفَّارُ الْمُهَادِنُونَ عَنِ الْجَمِيل فِي الْقَوْل وَالْفِعْل، فَكَانُوا يُكْرِمُونَ الْمُسْلِمِينَ فَصَارُوا يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ، وَكَانُوا يُضَيِّفُونَ الرُّسُل وَيَصِلُونَهُمْ فَصَارُوا يَقْطَعُونَهُمْ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ كِتَابَ الإِْمَامِ فَصَارُوا يَطْرَحُونَهُ، وَكَانُوا يَزِيدُونَهُ فِي الْخِطَابِ فَصَارُوا يَنْقُصُونَهُ، فَهَذِهِ رِيبَةٌ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ شَكَّيْنِ؛ لأَِنَّهَا تَحْتَمِل أَنْ يُرِيدُوا بِهَا نَقْضَ الْهُدْنَةِ، وَتَحْتَمِل أَنْ لاَ يُرِيدُوا بِهَا نَقْضَهَا، فَيَسْأَلُهُمُ الإِْمَامُ عَنْهَا وَعَنِ السَّبَبِ فِيهَا، فَإِنْ ذَكَرُوا عُذْرًا يَجُوزُ مِثْلُهُ قَبِلَهُ مِنْهُمْ وَكَانُوا عَلَى هُدْنَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا عُذْرًا أَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى عَادَتِهِمْ مِنَ الْمُجَامَلَةِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَإِنْ عَادُوا أَقَامَ عَلَى هُدْنَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعُودُوا نَقَضَهَا بَعْدَ إِعْلاَمِهِمْ بِنَقْضِهَا (٢) .

_________

(١) سُورَة الصَّفِّ / ٩.

(٢) الْحَاوِي للمارودي ١٨ / ٤٤٤.

ذِكْرُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ بِسُوءٍ:

٢٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ هَذَا السَّبِّ عَلَى عَقْدِ الْهُدْنَةِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ مِمَّا يَنْتَقِضُ بِهِ الْعَهْدُ هُوَ سَبُّهُمُ اللَّهَ تَعَالَى أَوِ الْقُرْآنَ أَوِ الرَّسُول ﷺ أَوْ نَبِيًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَنَا (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ انْتِقَاضِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ، لأَِنَّ سَبَّ النَّبِيِّ ﷺ كُفْرٌ مِنَ الْكَافِرِ الْمُهَادِنِ؛ وَالْكُفْرُ الْمُقَارِنُ لِعَقْدِ الْهُدْنَةِ لاَ يَمْنَعُ عَقْدَ الْهُدْنَةِ فِي الاِبْتِدَاءِ فَالْكُفْرُ الطَّارِئُ لاَ يَرْفَعُهُ فِي حَال الْبَقَاءِ (٢)، رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَل رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَْمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟

_________

(١) شَرْح الزُّرْقَانِيّ ٣ / ١٤٧، وجواهر الأكليل ١ / ٢٦٩، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٢، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٤، ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٦٢٢.

(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٧٨، ٢٤٩، وفتح الْقَدِير ٤ / ٣٨١ ط الأَْمِيرِيَّة.

قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَقَدْ قُلْتُ: عَلَيْكَ (١) .

وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا سَبٌّ مِنْهُمْ لَهُ ﷺ، وَلَوْ كَانَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ لَقَتَلَهُمْ لِصَيْرُورَتِهِمْ حَرْبِيِّينَ (٢) .

وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ عَدَمَ الاِنْتِقَاضِ بِمَا إِذَا لَمْ يُعْلِنِ الْمُهَادِنُ السَّبَّ، أَمَّا إِذَا أَعْلَنَ بِالسَّبِّ أَوِ اعْتَادَهُ وَكَانَ مِمَّا لاَ يَعْتَقِدُهُ قُتِل وَلَوِ امْرَأَةً، وَبِهِ يُفْتَى (٣) .

رَابِعًا: نَبْذُ الْهُدْنَةِ إِذَا رَآهُ الإِْمَامُ أَصْلَحَ:

٢٥ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ رَأَى الإِْمَامُ الْمُوَادَعَةَ خَيْرًا فَوَادَعَ أَهْل الْحَرْبِ ثُمَّ نَظَرَ فَوَجَدَ مُوَادَعَتَهُمْ شَرًّا لِلْمُسْلِمِينَ نَبَذَ إِلَى مَلِكِهِمُ الْمُوَادَعَةَ وَقَاتَلَهُمْ (٤) .

بُلُوغُ الْمُهَادِنِ مَأْمَنَهُ بَعْدَ نَقْضِ الْعَهْدِ:

٢٦ - وَعِنْدَ نَبْذِ الْعَهْدِ يَجِبُ إِبْلاَغُ مَنْ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ مِنْ أَهْل الْهُدْنَةِ إِلَى مَأْمَنِهِ، لَكِنْ مَنْ

_________

(١) حَدِيث عَائِشَة: " دَخَل رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ١١ / ٤١، ٤٢ - ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٤ / ١٧٠٦ - ط الْحَلَبِيّ) .

(٢) فَتْح الْقَدِير ٤ / ٣٨١ ط الأَْمِيرِيَّة.

(٣) ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٧٨ - ٢٧٩.

(٤) الْمَبْسُوط لِلسَّرْخَسِيَ ١٠ / ٨٧، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٢ / ١٩٧، وشرح السَّيْر الْكَبِير ٥ / ١٦٩٧، تبيين الْحَقَائِق ٣ / ٢٤٦.

عَلَيْهِ حَقُّ آدَمِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ حَدِّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٍ يُسْتَوْفَى مِنْهُ أَوَّلًا (١) .

وَالْمُعْتَبَرُ فِي إِبْلاَغِ الْكَافِرِ الْمَأْمَنَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ أَهْل عَهِدِهِمْ ويُلْحِقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَاكْتَفَى ابْنُ كَجٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِإِلْحَاقِهِ بِأَوَّل بِلاَدِ الْكُفْرِ وَقَال: لاَ يَلْزَمُ إِلْحَاقُهُ بِبَلَدِهِ الَّذِي يَسْكُنُهُ فَوْقَ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ أَوَّل بِلاَدِ الْكُفْرِ وَبَلَدِهِ الَّذِي يَسْكُنُهُ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُرُورِ عَلَيْهِ.

وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْبَحْرِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَأْمَنَانِ لَزِمَ الإِْمَامَ إِلْحَاقُهُ بِسَكَنِهِ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ يَسْكُنُ بَلَدَيْنِ فَالاِخْتِيَارُ لِلإِْمَامِ (٢) .

أَحْوَال نَقْضِ الْهُدْنَةِ مِنْ قِبَل الْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ:

٢٧ - نَقْضُ الْهُدْنَةِ مِنْ قِبَل الْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جَمِيعِهِمْ أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ، فَإِنْ كَانَ النَّقْضُ مِنْ جَمِيعِهِمُ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ جَمِيعًا وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمَانٌ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (٣) .

_________

(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٣٣٨، ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٥٩١.

(٢) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٣٣٨ - ٣٣٩

(٣) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٣ / ٢٤٦، وشرح السَّيْر الْكَبِير ٥ / ١٦٩٦ - ١٦٩٧، الحاوي ١٨ / ٤٤٠ - ٤٤١ والمغني ٨ / ٤٦٢، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٤ - ٢٠٦، وجواهر الإِْكْلِيل ١ / ٢٧٠.

وَإِنْ كَانَ النَّقْضُ مِنْ بَعْضِهِمْ فَإِمَّا أَنْ يُظْهِرَ الْبَعْضُ الآْخَرُ الرِّضَا بِهَذَا النَّقْضِ أَوْ يَسْكُتُوا عَنْهُ أَوْ يُظْهِرُوا الْكَرَاهَةَ لَهُ.

فَإِنْ أَظْهَرَ الْبَعْضُ الآْخَرُ الرِّضَا فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَيَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ جَمِيعًا، النَّاقِضُونَ وَالرَّاضُونَ بِهِ، وَيَصِيرُونَ جَمِيعُهُمْ حَرْبًا.

وَكَذَا إِنْ سَكَتَ الْبَعْضُ الآْخَرُ فَلَمْ يُظْهِرُوا رِضًا بِالنَّقْضِ وَلاَ كَرَاهَةً لَهُ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ انْتَقَضَ عَهْدُ الْجَمِيعِ، وَيَكُونُ سُكُوتُهُمْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ (١) .

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (٢)﴾، وَكَذَلِكَ كَانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي عَاقِرِ نَاقَةِ صَالِحٍ، بَاشَرَ عَقْرَهَا أُحَيْمِرُ وَهُوَ الْقَدَّادُ بْنُ سَالِفٍ، وَأَمْسَكَ قَوْمُهُ عَنْهُ، فَأَخَذَ اللَّهُ جَمِيعَهُمْ بِذَنْبِهِ، فَقَال تَعَالَى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا (٣)﴾ .

وَقَدْ وَادَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ، وَهَمَّ بَعْضُهُمْ بِقَتْلِهِ، فَجَعَلَهُ نَقْضًا مِنْهُمْ لِعَهْدِهِ

_________

(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٣٣٨، ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٥٩١، والمغني ٨ / ٤٦٢١، والبحر الرَّائِق هـ / ٨٦، وبدائع الصَّنَائِع ٧ / ١٠٩ - ١١٠.

(٢) سُورَة الأَْنْفَال / ٢٥

(٣) سُورَة الشَّمْسِ / ١٤ - ١٥.

فَغَزَاهُمْ وَأَجْلاَهُمْ (١) .

وَوَادَعَ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَعَانَ بَعْضُهُمْ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ عَلَى حَرْبِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ، وَقِيل: إِنَّ الَّذِي أَعَانَهُ مِنْهُمْ ثَلاَثَةٌ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطُبَ وَأَخُوهُ وَآخَرُ، فَنَقَضَ بِهِ عَهْدَهُمْ وَغَزَاهُمْ حَتَّى قَتَل رُمَاتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ (٢) .

وَهَادَنَ قُرَيْشًا فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ بَنُو بَكْرٍ فِي حِلْفِ قُرَيْشٍ، وَخُزَاعَةُ فِي حِلْفِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَقْضًا لِعَهْدِ جَمِيعِهِمْ فَسَارَ إِلَيْهِمْ مُحَارِبًا، وَأَخْفَى عَنْهُمْ أَثَرَهُ حَتَّى نَزَل بِهِمْ وَفَتَحَ مَكَّةَ (٣) .

فَدَل عَلَى أَنَّ الْمُمْسِكَ يَجْرِي عَلَيْهِ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ عَقْدُ بَعْضِهِمْ لِلْهُدْنَةِ مُوجِبًا لأَِمَانِ جَمِيعِهِمْ وَإِنْ

_________

(١) حَدِيث: " مُوَادَعَة الرَّسُول ﷺ يَهُودٌ بَنَى النَّضِير " عَزَاهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (٧ / ٣٣١ - ط السَّلَفِيَّة) إِلَى ابْن إِسْحَاق فِي سِيرَتِهِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيد بْن رُومَانَ مُرْسَلًا.

(٢) حَدِيث: قِصَّة تَحْرِيض حَيّ بْن أَخْطُبُ بَنِي قُرَيْظَة أَوْرَدَهَا ابْن هِشَام فِي السِّيرَةِ (٣ / ١٧٢ - ١٧٣ ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ.

(٣) حَدِيث: قِصَّة مُهَادَنَة الرَّسُول ﷺ قُرَيْشًا مَعَهُمْ بَنُو خُزَاعَة وَبَنُو بَكْر. ذَكَرَهَا ابْن هِشَام فِي السِّيرَةِ (٣ / ٢٦٤ - ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ)