الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 73

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

بَاذِلًا إِنْ تَرَفَّعَ أَوْ مُقِرًّا إِنْ تَوَرَّعَ، لأَِنَّ التَّرَفُّعَ أَوِ التَّوَرُّعَ إِنَّمَا يَحِل إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ (١) . وَبِأَنَّ الدَّعْوَى لَمَّا صَحَّتْ مِنَ الْمُدَّعِي، فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُخَيَّرُ بَيْنَ بَذْل الْمَال وَبَيْنَ الْيَمِينِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُمَا - وَأَحَدُهُمَا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ دُونَ الآْخَرِ - نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِيمَا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ، وَهَذَا لأَِنَّ تَمْكِينَهُ مِنَ الْمُنَازَعَةِ شَرْعًا مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَحْلِفَ، فَإِذَا أَبَى ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ تَارِكًا لِلْمُنَازَعَةِ بِتَفْوِيتِ شَرْطِهَا، فَكَأَنَّهُ قَال: لاَ أُنَازِعُكَ فِي هَذَا الْمَال، فَيَتَمَكَّنُ الْمُدَّعِي مِنْ أَخْذِهِ، لأَِنَّهُ يَدَّعِيهِ وَلاَ مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ (٢) . وَبِأَنَّ الْيَمِينَ بَيِّنَةٌ فِي الْمَال، فَحُكِمَ فِيهَا بِالنُّكُول، كَمَا لَوْ مَاتَ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ فَوَجَدَ الإِْمَامُ فِي تَذْكِرَتِهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ فَطَالَبَهُ بِهِ، فَأَنْكَرَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْيَمِينَ، فَنَكَل، فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْيَمِينَ لاَ تُرَدُّ (٣) .

٦ - الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُقْضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ قَضَى لَهُ بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ، وَإِنْ نَكَل انْقَطَعَتِ الْمُنَازَعَةُ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ بَعْضِهِمْ فِي الدَّعَاوَى الَّتِي يُقْضَى بِهِ فِيهَا.

_________

(١) الْعِنَايَة ٦ / ١٥٨، ١٥٩

(٢) الْمَبْسُوط ١٧ / ٣٥

(٣) الْمُغْنِي ٩ / ٢٣٦

رُوِيَ هَذَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الأَْسْوَدِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ، وَعُمَرَ ﵃، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَوْلاَنِ فِي ذَلِكَ، أَحَدُهُمَا: رَدُّ الْيَمِينِ مُطْلَقًا عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُتَّهَمًا رَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. وَالْقَوْل بِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ، وَهِيَ الَّتِي يَدَّعِي فِيهَا الْمُدَّعِي عِلْمَهُ بِصِفَةِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى بِهِ وَقَدْرِهِ، بِأَنْ يَقُول لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَتَحَقَّقُ أَنَّ لِي عِنْدَكَ دِينَارًا أَوْ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا، إِذَا نَكَل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْحَلِفِ فِي الدَّعْوَى الْمَالِيَّةِ، أَوْ تِلْكَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الْمَال، كَالْخِيَارِ وَالأَْجَل، إِذَا لَمْ يُقِرَّ بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ، وَلَمْ تَكُنْ لِلطَّالِبِ بَيِّنَةٌ بِحَقِّهِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ فِي نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى التُّهْمَةِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْيَمِينَ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُول الْمُدَّعَى

عَلَيْهِ، قَال: وَقَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي بِأَدِلَّةٍ مِنَ الْمَنْقُول وَالْمَعْقُول، أَمَّا الْمَنْقُول فَمِنْهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ (٢)﴾ أَيْ بَعْدَ الاِمْتِنَاعِ مِنَ الأَْيْمَانِ الْوَاجِبَةِ، فَدَل عَلَى نَقْل الأَْيْمَانِ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ (٣) . وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ (٤) . وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول بِأَنَّ نُكُول الْمُدَّعَى

_________

(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ للدردير ٤ / ٢٣٢، وَكِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ وَحَاشِيَة العدوي عَلَيْهِ ٢ / ٣١٢، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٦ / ٢٢٠، وَالْمُهَذَّب ٢ / ٣٣٦، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ١٢ / ٤٣، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٨ / ٣٥٧، وَالْمُغْنِي ٩ / ٢٣٥، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ ٤ / ٥١٤، وَالإِْنْصَافِ ١١ / ٢٥٤، وَالطَّرْقِ الْحِكَمِيَّة ص ١١٥، ١١٦

(٢) سُورَة الْمَائِدَة / ١٠٨

(٣) مَغْنَى الْمُحْتَاج ٤ / ٤٧٧

(٤) حَدِيث ابْن عُمَر: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رُدَّ الْيَمِين عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ. . . ". أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (٤ / ١٠٠ - ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)

عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ قَدْ يَكُونُ لِجَهْلِهِ بِالْحَال وَتَوَرُّعِهِ عَنِ الْحَلِفِ عَلَى مَا لاَ يَتَحَقَّقُهُ، أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ، أَوْ تَرَفُّعًا عَنْهَا مَعَ عِلْمِهِ بِصِدْقِهِ فِي إِنْكَارِهِ، فَلاَ يَكُونُ النُّكُول حُجَّةً فِي الْقَضَاءِ مَعَ الشَّكِّ وَالاِحْتِمَال، وَلاَ يَتَعَيَّنُ بِنُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صِدْقُ الْمُدَّعِي، فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَإِذَا حَلَفَ كَانَتْ يَمِينُهُ دَلِيلًا عِنْدَ عَدَمِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ (١) .

٧ - الْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّهُ لاَ يُقْضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ عَنِ الْيَمِينِ، وَلاَ يُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَإِنَّمَا يُحْبَسُ النَّاكِل حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لاَ أَدَعُهُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ، وَيَأْخُذُ هَذَا الْحُكْمَ بَعْضُ الْمَسَائِل عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى وَلِيُّ الدَّمِ الْقَتْل الْعَمْدَ أَوِ الْخَطَأَ عَلَى جَمِيعِ أَهْل الْمَحَلَّةِ أَوْ بَعْضِهِمْ لاَ بِأَعْيَانِهِمْ، فَنَكَلُوا عَنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، إِذْ يُحْبَسُ هَؤُلاَءِ حَتَّى يَحْلِفُوا أَوْ يُقِرُّوا، وَلاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِمْ وَلاَ تُرَدُّ الأَْيْمَانُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الدَّمِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَوْ طُولِبَ مَنْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٨ / ٣٩٣٥، وَالْمُغْنِي ٩ / ٢٣٥، ٢٣٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٤٧٧

بِهَا فَنَكَل عَنِ الْيَمِينِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ لأَِنَّ الْيَمِينَ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ حَقٌّ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ لاَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الدِّيَةُ، بِدَلِيل أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّيَةِ، وَلِهَذَا قَال الْحَارِثُ بْنُ الأَْزْمَعِ لِسَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁: أَتُحَلِّفُنَا وَتُغَرِّمُنَا؟ فَقَال: نَعَمْ " (١) .

وَرُوِيَ أَنَّهُ قَال: فَبِمَ يَبْطُل دَمُ هَذَا؟ " (٢) فَإِذَا كَانَتْ مَقْصُودَةً بِنَفْسِهَا فَمَنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ حَقٍّ مَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الأَْدَاءِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ، كَمَنِ امْتَنَعَ عَنْ قَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ، بِخِلاَفِ الْيَمِينِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً بِنَفْسِهَا بَل هِيَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْمَال الْمُدَّعَى، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، بَل إِذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَرِئَ، أَوَلاَ تَرَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُقِرَّ وَبَذَل الْمَال لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَهَهُنَا لَوْ لَمْ يَحْلِفُوا وَلَمْ يُقِرُّوا وَبَذَلُوا الدِّيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُمُ الْقَسَامَةُ فَدَل أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا فَيُجْبَرُونَ عَلَيْهَا بِالْحَبْسِ (٣) .

_________

(١) أَثَر: " أَتُحَلِّفُنَا وَتُغَرِّمُنَا؟ . . . ". أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة فِي الْمُصَنَّفِ (٩ / ٣٨١ - نَشْر الدَّار السَّلَفِيَّة - بمبي)

(٢) أَثَر عُمَر: " فَبِمَ يُبْطِل دَم هَذَا؟ ". أَوْرَدَهُ الْعَيْنِيّ فِي الْبِنَايَةِ (١٠ / ٣٤١ ط دَار الْفِكْرِ) وَعَزَاهُ إِلَى الْكَرْخِيّ فِي مُخْتَصَرِهِ

(٣) الْبَدَائِع ١٠ / ٤٧٤٢، ٤٧٤٣، وَالْفُرُوع ٦ / ٤٧٩

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ نَكَل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْقَسَامَةِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَمُوتَ فِي السِّجْنِ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَفِي الْجَلاَّبِ: إِنْ طَال حَبْسُهُ بِالزِّيَادَةِ عَنْ سَنَةٍ ضُرِبَ مِائَةً وَأُطْلِقَ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَرِّدًا وَإِلاَّ خُلِّدَ فِي السِّجْنِ. وَفِي وَجْهٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَسَائِل الَّتِي يُتَعَذَّرُ فِيهَا رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالَّتِي مِنْهَا: مَا إِذَا مَاتَ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ فَادَّعَى الْقَاضِي أَوْ مَنْصُوبُهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ وَجَدَهُ فِي تَذْكِرَتِهِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَكَل عَنِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ بِالْحَقِّ أَوْ يَحْلِفَ، وَمِنْهَا: مَا لَوِ ادَّعَى وَصِيُّ الْمَيِّتِ عَلَى وَارِثِهِ أَنَّ الْمُوَرِّثَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ مَثَلًا فَأَنْكَرَ الْوَارِثُ وَنَكَل عَنِ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَسَابِقَتِهَا.

وَالْقَوْل بِحَبْسِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ أَحَدُ وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى فِي غَيْرِ الْمَال، أَوْ فِيمَا لاَ يُقْصَدُ بِهِ الْمَال (١) .

_________

(١) الْهِدَايَة وَنَتَائِج الأَْفْكَارِ ٦ / ١٧٠، ٨ / ٣٨٨، ٣٩٠، وَبَدَائِع الصَّنَائِع ١٠ / ٤٧٤٢، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ١٢ / ٤٩، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٨ / ٣٦٠، وَالْمُغْنِي ٩ / ٢٣٩، ٢٣٧، وَالْكَافِي ٤ / ٥١٤ وَالْفُرُوع ٦ / ٤٧٨، وَالدُّسُوقِيّ ٤ / ٢٩٦

الأَْيْمَانُ الَّتِي لاَ تُرَدُّ بِالنُّكُول:

٨ - ثَمَّةَ أَيْمَانٌ لاَ تُرَدُّ بِالنُّكُول عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَتَتَمَثَّل هَذِهِ الأَْيْمَانُ فِيمَا يَلِي:

أ - يَمِينُ التُّهْمَةِ، لأَِنَّهَا تَجِبُ لِلْمُدَّعِي إِذَا كَانَ اتِّهَامُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَبْنِيًّا عَلَى الشَّكِّ، إِذِ الشَّاكُّ لاَ يَحْلِفُ.

ب - الْيَمِينُ الْمُؤَكَّدَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُطْلَبُ مِنَ الْمُدَّعِي مَعَ تَوَافُرِ الْبَيِّنَةِ إِذَا شَكَّ الْقَاضِي فِي عَدَالَةِ الشُّهُودِ، أَوْ إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَائِبًا، وَسَبَبُ عَدَمِ صِحَّةِ الرَّدِّ: أَنَّهُ لَوْ أُبِيحَ رَدُّ الْيَمِينِ لأَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِبْطَالِهِ الْبَيِّنَةَ بِالْيَمِينِ، وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنْهُ.

ج - يَمِينُ الْقَذْفِ، لِعَدَمِ جَوَازِ الْحَدِّ بِرَدِّ الْيَمِينِ.

د - الْيَمِينُ الْمُتَمِّمَةُ، وَهِيَ يَمِينُ الْمُدَّعِي مَعَ وُجُودِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَسَبَبُ عَدَمِ صِحَّةِ رَدِّهَا أَنَّهَا تَنُوبُ عَنِ الشَّهَادَةِ فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ.

هـ - يَمِينُ اللِّعَانِ: لأَِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلاَ تَرُدُّهَا الْمَرْأَةُ إِذْ وُضِعَتْ لِدَرْءِ حَدِّ الزِّنَا عَنْهَا.

والْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا، فَإِذَا نَكَل الْمُدَّعِي عَنِ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَمْ يَتَعَلَّل بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَطْلُبْ مُهْلَةً لأَِدَاءِ الْيَمِينِ

سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ لاَ تُرَدُّ (١) .

_________

(١) الْهِدَايَة وَفَتْح الْقَدِير ٣ / ٢٥١، وَبَدَائِع الصَّنَائِع ٥ / ٢١٤١، ٢١٤٣، كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ وَحَاشِيَة العدوي عَلَيْهِ ٢ / ١٠١، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل ٤ / ١٣٨، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٨ / ٣٥٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٤٧٨، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٧ / ١٢١، وَالْمُغْنِي ٧ / ٤٤٤، ٤٤٦، وَالْكَافِي ٣ / ٢٩١

نَمَاء

التَّعْرِيفُ:

ا - النَّمَاءُ لُغَةً: الزِّيَادَةُ مِنْ نَمَى يَنْمَى نَمْيًا وَنُمِيًّا وَنَمَاءً: زَادَ وَكَثُرَ (١)، وَالنَّمَاءُ الرَّيْعُ، وَنَمَى الإِْنْسَانُ سَمِنَ، وَالنَّامِيَةُ مِنَ الإِْبِل السَّمِينَةِ يُقَال نَمَتِ النَّاقَةُ إِذَا سَمِنَتْ (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَى النَّمَاءِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ

أ - الرَّيْعُ:

٢ - الرَّيْعُ لُغَةً: مِنْ رَاعَ الطَّعَامُ وَغَيْرُهُ يَرِيعُ رَيْعًا وَرُيُوعًا وَرِيَاعًا وَرَيَعَانًا وَأَرَاعَ وَرَيَّعَ، كُل ذَلِكَ زَكَا وَزَادَ، وَالرَّيْعُ: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ (٤) .

_________

(١) لِسَان الْعَرَبِ

(٢) لِسَان الْعَرَبِ، وَالْقَامُوس الْمُحِيط، وَالْمِصْبَاح الْمُنِير

(٣) فَتْح الْقَدِير مَعَ الْهِدَايَةِ ٢ / ١١٣، ١١٤ ط دَار إِحْيَاء التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، وَالْمَبْسُوطِ ٢ / ١٦٤ ط دَار الْمَعْرِفَة

(٤) لِسَان الْعَرَبِ، وَالْمِصْبَاح الْمُنِير، وَالْقَامُوس الْمُحِيط

وَالرَّيْعُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الزِّيَادَةُ وَالْفَائِدَةُ وَالدَّخْل الَّذِي يَحْصُل مِنَ الشَّيْءِ وَالْغَلَّةُ كَذَلِكَ (١) . وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النَّمَاءِ وَالرَّيْعِ هِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، فَكُل رَيْعٍ يُعَدُّ نَمَاءً وَلَيْسَ كُل نَمَاءٍ رَيْعًا.

ب - الْكَسْبُ:

٣ - الْكَسْبُ لُغَةً: الرِّبْحُ مِنْ كَسَبْتُ مَالًا: رَبِحْتُهُ (٢) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الْفِعْل الْمُفْضِي إِلَى اجْتِلاَبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ (٣) . وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النَّمَاءِ وَالْكَسْبِ أَنَّ الْكَسْبَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّمَاءِ.

أَقْسَامُ النَّمَاءِ:

يَنْقَسِمُ النَّمَاءُ إِلَى تَقْسِيمَاتٍ عِدَّةٍ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي:

التَّقْسِيمُ الأَْوَّل: بِاعْتِبَارِ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَعَدَمِهَا:

٤ - النَّمَاءُ بِاعْتِبَارِ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَعَدَمِهَا يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:

الأَْوَّل: نَمَاءٌ مَشْرُوعٌ، وَهُوَ مَا كَانَ مُقْتَصِرًا

_________

(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٤٢١، ٥ / ٤٤٤، وَالشَّرْح الصَّغِير ٢ / ٣٠٥ ط الْحَلَبِيّ

(٢) الْمِصْبَاح الْمُنِير، وَالْقَامُوس الْمُحِيط

(٣) التَّعْرِيفَات للجرجاني