الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 65

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

نِكَاحٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ

التَّعْرِيفُ:

١ - سَبَقَ تَعْرِيفُ النِّكَاحِ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا.

أَمَّا النِّكَاحُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ: فَهُوَ النِّكَاحُ الَّذِي وَرَدَ مِنَ الشَّارِعِ نَهْيٌ عَنْهُ (١) .

أَنْوَاعُ الأَْنْكِحَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَحُكْمُ كُل نَوْعٍ:

الأَْوَّل: نِكَاحُ الرَّايَاتِ:

٢ - نِكَاحُ الرَّايَاتِ هُوَ: أَنَّ الْعَاهِرَاتِ وَالْبَغَايَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ وَعَلاَمَاتٍ لِيَعْلَمَ الْمَارُّ بِهَا عُهْرَهُنَّ، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَل عَلَيْهِنَّ لاَ يَمْنَعْنَ مَنْ يَجِيءُ إِلَيْهِنَّ، وَقَدِ اسْتُدِل لِتَحْرِيمِ وَإِبْطَال هَذَا النَّوْعِ مِنَ النِّكَاحِ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ

_________

(١) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن، والتعريفات للجرجاني، وكشف الأسرار للنسفي ١ / ٩٧، والبحر المحيط للزركشي ٢ / ٤٢٦، والتلويح ١ / ٢١٦.

الإِْثْمِ (١)﴾ قَال السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: ظَاهِرُ الإِْثْمِ أَصْحَابُ الرَّايَاتِ مِنَ الزَّوَانِي، وَقَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ قِيل: مَعْنَى (ظَاهِرُ الإِْثْمِ) هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنَ الزِّنَا الظَّاهِرِ (٢)

وَبِحَدِيثِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: " أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُل إِلَى الرَّجُل وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا. وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُل يَقُول لاِمْرَأَتِهِ - إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا -: أَرْسِلِي إِلَى فُلاَنٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلاَ يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُل الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَل ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ. وَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُول لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ

_________

(١) سورة الأنعام / ١٢٠

(٢) تفسير القرطبي ٧ / ٧٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٢٧٠، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٩ / ١٨٢ - ١٨٥، والحاوي الكبير ١١ / ٧.

وَلَدْتُ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلاَنُ تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ الرَّجُل. وَنِكَاحٌ رَابِعٌ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لاَ تَمْنَعُ مَنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَل عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَتْهُ بِهِ وَدُعِيَ ابْنَهُ لاَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلاَّ نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ " (١) .

الثَّانِي: نِكَاحُ الرَّهْطِ:

٣ - نِكَاحُ الرَّهْطِ هُوَ أَنَّ النَّفَرَ مِنَ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْقَبَائِل كَانُوا يَشْتَرِكُونَ فِي إِصَابَةِ الْمَرْأَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَنْ رِضًا مِنْهَا وَتَوَاطُؤٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا وَيَكُونُ عَدَدُهُمْ - كَمَا نَصَّ الْحَدِيثُ - مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ: وَلَمَّا كَانَ هَذَا النِّكَاحُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ ضَبْطِ الْعَدَدِ الزَّائِدِ لِئَلاَّ يَنْتَشِرَ. حَتَّى إِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ أَلْحَقَتْهُ بِمَنْ تُرِيدُ مِنْهُمْ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْهُ (٢) .

_________

(١) حديث: " أن النكاح في الجاهلية. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٨٢ ط السلفية)

(٢) فتح الباري ٩ / ١٨٢ - ١٨٣، والحاوي الكبير ١١ / ٧، ٨

الثَّالِثُ: نِكَاحُ الاِسْتِبْضَاعِ:

٤ - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ ﵂، وَصُورَتُهُ: قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: مَعْنَى اسْتَبْضِعِي مِنْهُ أَيِ اطْلُبِي مِنْهُ الْمُبَاضَعَةَ، وَالْمُبَاضَعَةُ: الْمُجَامَعَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْبُضْعِ وَهُوَ الْفَرْجُ، أَيِ اطْلُبِي مِنْهُ الْجِمَاعَ اكْتِسَابًا مِنْ مَاءِ الْفَحْل لِتَحْمَلِي مِنْهُ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مِنْ أَكَابِرِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ فِي الشَّجَاعَةِ أَوِ الْكَرَمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (١) .

الرَّابِعُ: نِكَاحُ الشِّغَارِ:

٥ - سَبَقَ تَعْرِيفُ نِكَاحِ الشِّغَارِ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا فِي مُصْطَلَحِ (شِغَار ف ١) .

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الإِْسْلاَمِ (٢) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ " وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُل ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآْخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ (٣) .

_________

(١) فتح الباري ٩ / ١٨٥، والحاوي الكبير ١١ / ٧،٨

(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٣٣٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨٤، ٣١١، والحاوي الكبير للماوردي ١١ / ٤٤٣ وما بعدها، وفتح الباري ٩ / ١٦٢ - ١٦٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٢ وما بعدها، وكشاف القناع ٥ / ٩٢ - ٩٤

(٣) حديث: " أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٦٢ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٣٤ ط الحلبي)

وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: " لاَ شِغَارَ فِي الإِْسْلاَمِ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يَبْذُل الرَّجُل لِلرَّجُل أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ " (١) .

وَلِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ وَلاَ شِغَارَ فِي الإِْسْلاَمِ " (٢) . وَبِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَال: " نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يَنْكِحَ هَذِهِ بِهَذِهِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، بُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ وَبُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ " (٣) .

إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذَا النِّكَاحِ، وَفِي الْعِلَّةِ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ مِنْ

_________

(١) حديث: " لا شغار في الإسلام. . . ". أخرجه الطبراني في الأوسط (٤ / ١٩ - ط المعارف) . وابن ماجه دون تفسير الشغار (١ / ٦٠٦ ط الحلبي)، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٣٣٣ ط دار الجنان)

(٢) حديث عمران بن حصين: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام ". أخرجه أحمد (٤ / ٤٤٣ ط الميمنية)، والترمذي (٣ / ٤٢٢ ط الحلبي)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح

(٣) حديث جابر: " نهى رسول الله ﷺ عن الشغار. . . ". أخرجه البيهقي (٧ / ٢٠٠ ط دائرة المعارف العثمانية)، ومسلم (٢ / ١٠٣٥ ط الحلبي) دون تفسير الشغار إلى آخره

أَجْلِهَا، وَفِي الصُّوَرِ الَّتِي يَشْمَلُهَا نِكَاحُ الشِّغَارِ:

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ لاَ يَصِحُّ.

وَصُورَتُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُول الرَّجُل لآِخَرَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقُ الأُْخْرَى، وَيَقْبَلُهُ الآْخَرُ بِقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُ بِنْتَكَ وَزَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى مَا ذَكَرْتَ، لِلأَْحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ (١) . وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَصُوَرِهِ.

٦ - فَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ: هِيَ خُلُوُّ النِّكَاحِ عَنِ الصَّدَاقِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ (٢) .

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٣٠٧، والشرح الصغير وبهامشه حاشية الصاوي ٢ / ٣٨٨،٤٤٦ والحاوي الكبير للماوردي ١١ / ٤٤٣ - ٤٤٨، وفتح الباري ٩ / ١٦٢ - ١٦٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٢ - ١٤٣، وكشاف القناع ٥ / ٩٢ - ٩٣

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٤،٣١١، والشرح الصغير ٢ / ٣٨٨ - ٣٨٩، مغني المحتاج ٣ / ١٤٢

وَأَنْوَاعُ الشِّغَارِ وَصُوَرُهُ عِنْدَهُمْ ثَلاَثَةٌ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: صَرِيحُ الشِّغَارِ: وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُول لآِخَرَ: زَوِّجْنِي بِنْتَكَ عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ بِنْتِي، يَشْتَرِطُ أَنْ لاَ يُسَمِّيَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا وَأَنْ يَكُونَ تَزْوِيجُ إِحْدَاهُمَا تَزْوِيجَ الأُْخْرَى، وَأَنْ يُجْعَل تَزْوِيجُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَهْرًا لِلأُْخْرَى، فَهَذَا النِّكَاحُ فَاسِدٌ وَيُفْسَخُ أَبَدًا، أَيْ قَبْل الدُّخُول وَبَعْدَهُ، وَفَسْخُهُ يَكُونُ بِطَلاَقٍ بَائِنٍ، لِلاِخْتِلاَفِ فِي صِحَّتِهِ، فَإِنَّهُ قِيل بِصِحَّتِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ، بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ وَهِيَ: كُل نِكَاحٍ اخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ فَفَسْخُهُ بِطَلاَقٍ بَائِنٍ، وَلِهَذَا فَالتَّحْرِيمُ بِهَذَا النِّكَاحِ كَالتَّحْرِيمِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَالْمَرْأَةُ تَحْرُمُ عَلَى أُصُول الرَّجُل وَفُصُولِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أُصُولُهَا، لأَِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الأُْمَّهَاتِ، لاَ فُصُولَهَا، لأَِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الأُْمَّهَاتِ لاَ يُحَرِّمُ الْبَنَاتِ، فَإِذَا دَخَل بِالأُْمِّ حَرُمَتِ الْبِنْتُ وَنَحْوُهَا مِنَ الْفُصُول. وَيَحْصُل بِهَذَا النِّكَاحِ كَذَلِكَ الإِْرْثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْل الْفَسْخِ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: كُل نِكَاحٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْخِلاَفُ خَارِجَ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ فِي مَذْهَبٍ انْقَرَضَ إِذَا كَانَ قَوِيًّا فَهُوَ كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي التَّحْرِيمِ وَالإِْرْثِ، وَفَسْخُهُ بِطَلاَقٍ.

أَمَّا إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْفَسْخِ فَلاَ إِرْثَ

بَيْنَهُمَا وَلَوْ دَخَل بِهَا أَوْ كَانَتِ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً، لأَِنَّهُ طَلاَقٌ بَائِنٌ (١)

النَّوْعُ الثَّانِي: وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُول الرَّجُل لآِخَرَ: زَوِّجْنِي بِنْتَكَ أَوْ أُخْتَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ، عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ بِنْتِي أَوْ أُخْتِي بِمِائَةٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَيُسَمَّى هَذَا النِّكَاحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: وَجْهَ الشِّغَارِ، وَهُوَ فَاسِدٌ وَيُفْسَخُ قَبْل الدُّخُول وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِالأَْكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْل، سَوَاءٌ تَسَاوَى الْمَهْرُ أَمْ لَمْ يَتَسَاوَيَا.

وَمَدَارُ الْفَسَادِ فِيهِ عَلَى تَوَقُّفِ تَزْوِيجِ إِحْدَاهُمَا عَلَى تَزْوِيجِ الأُْخْرَى، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ، بَل عَلَى وَجْهِ الْمُكَافَأَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفِ نِكَاحِ إِحْدَاهُمَا عَلَى نِكَاحِ الأُْخْرَى، أَوْ وَقَعَ عَلَى سَبِيل الاِتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفِ نِكَاحِ إِحْدَاهُمَا عَلَى نِكَاحِ الأُْخْرَى جَازَ.

وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا وَجْهَ الشِّغَارِ، لأَِنَّهُ شِغَارٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَمَّى لِكُلٍّ مِنْهُمَا صَدَاقًا فَلَيْسَ بِشِغَارٍ، لِعَدَمِ خُلُوِّ الْعَقْدِ عَنِ الصَّدَاقِ، وَمِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى حَيْثُ شَرَطَ تَزْوِيجَ إِحْدَاهُمَا بِالأُْخْرَى فَهُوَ شِغَارٌ،

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٤، ٣١١، والشرح الصغير ٢ / ٣٨٨ - ٣٨٩،٤٤٦ وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٣٩ - ٢٤٠، ٣٠٧ - ٣٥٨

فَكَانَتِ التَّسْمِيَةُ فِيهِمَا كَ - لاَ تَسْمِيَةَ (١) .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: وَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُول أَحَدُهُمَا لِلآْخَرِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ أَوْ أُخْتَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ، عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي بِلاَ مَهْرٍ، وَيُسَمَّى هَذَا بِالْمُرَكَّبِ مِنْ صَرِيحِ الشِّغَارِ وَمِنْ وَجْهِ الشِّغَارِ.

فَالْمُسَمَّى لَهَا تُعْطَى حُكْمَ وَجْهِ الشِّغَارِ فَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا قَبْل الْبِنَاءِ وَلاَ شَيْءَ لَهَا، وَيَثْبُتُ نِكَاحُهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ بِالأَْكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْل، وَغَيْرُ الْمُسَمَّى لَهَا تُعْطَى حُكْمَ صَرِيحِ الشِّغَارِ فَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا أَبَدًا، أَيْ قَبْل الْبِنَاءِ وَبَعْدَ الْبِنَاءِ وَلَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ صَدَاقُ الْمِثْل وَلاَ شَيْءَ لَهَا قَبْلَهُ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إِذَا دَخَل بِهَا فِي جَمِيعِ الأَْنْوَاعِ الثَّلاَثَةِ كَمَا يُدْرَأُ عَنْهَا الْحَدُّ (٢) .

٧ - وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَال الشَّافِعِيَّةِ فِي مُتَعَلِّقِ النَّهْيِ عَنِ الشِّغَارِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ الاِشْتِرَاكُ فِي الْبُضْعِ، لأَِنَّ بُضْعَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَصِيرُ مَوْرِدَ الْعَقْدِ، وَجَعْل الْبُضْعِ صَدَاقًا مُخَالِفٌ

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٤،٣١١، والشرح الصغير ٢ / ٣٨٨ - ٣٨٩،٤٤٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٣٩ - ٢٤٠، ٣٠٧ - ٣٠٨

(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٣٩ - ٢٤٠، ٣٠٧ - ٣٠٨، والشرح الصغير على أقرب المسالك وبهامشه حاشية الصاوي ٢ / ٣٨٨، ٤٤٦ - ٤٤٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨٤، ٣١١

لإِيرَادِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَمُقْتَضَاهُ، فَالنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى النِّكَاحِ دُونَ الصَّدَاقِ، لأَِنَّ فَسَادَ الصَّدَاقِ لاَ يُوجِبُ فَسَادَ النِّكَاحِ، لأَِنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ نَحْوِهِمَا.

وَقِيل: الْعِلَّةُ فِي بُطْلاَنِ نِكَاحِ الشِّغَارِ: التَّعْلِيقُ وَالتَّوْقِيفُ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: لاَ يَنْعَقِدُ لَكَ نِكَاحُ بِنْتِي حَتَّى يَنْعَقِدَ لِي نِكَاحُ بِنْتِكَ، لأَِنَّ فِيهِ تَزْوِيجَ كُلٍّ مِنَ الْوَلِيَّيْنِ بِنْتَهُ لآِخَرَ بِشَرْطِ أَنْ يُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ (١) .

وَضَعَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا وَعَوَّل عَلَى الْخَبَرِ، قَال الشَّيْخُ الشِّرْبِينِيُّ: وَهُوَ أَسْلَمُ.

وَصُورَةُ نِكَاحِ الشِّغَارِ الْمُتَّفَقِ عَلَى بُطْلاَنِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَقُول الْوَلِيُّ لآِخَرَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي مَثَلًا عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقُ الأُْخْرَى فَيَقْبَل الآْخَرُ بِقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُهَا وَزَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى مَا ذَكَرْتَ (٢) .

قَال ابْنُ حَجَرٍ: قَال شَيْخُنَا فِي شَرْحِ

_________

(١) الحاوي للماوردي ١١ / ٤٤٣ - ٤٤٨، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٩ / ١٦٢ - ١٦٤، وتحفة المحتاج ٧ / ٢٢٥ - ٢٢٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٣

(٢) تحفة المحتاج ٧ / ٢٥٥، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٢