الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 59

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ -: لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ إِلاَّ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ لِخَبَرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا " لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ " (١)، وَالْمَعْنَى فِي اعْتِبَارِهِمَا الاِحْتِيَاطُ لِلأَْبْضَاعِ، وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ الْوَلَدُ، فَاشْتُرِطَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ لِئَلاَّ يَجْحَدَهُ أَبُوهُ فَيَضِيعَ نَسَبُهُ، وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى دَفْعِ تُهْمَةِ الزِّنَا عَنِ الزَّوْجَةِ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالدُّخُول، وَلاَ تَنْدَفِعُ إِلاَّ بِالشُّهُودِ لِظُهُورِ النِّكَاحِ وَاشْتِهَارِهِ بِقَوْل الشُّهُودِ.

غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ يَرَوْنَهُ شَرْطًا، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ رُكْنٌ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ، وَذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي الْمُقْنِعِ وَجَمَاعَةٌ.

_________

(١) حديث: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ٩ / ٣٨٦ ط مؤسسة الرسالة)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧ / ١٢٤ط دار المعارف العثمانية) .

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٣، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٤، ومطالب أولي النهى ٥ / ٨١.

وَقَيَّدَ الْمَجْدُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الأَْصْحَابِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكْتُمُوهُ فَمَعَ الْكَتْمِ تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إِجْمَاعًا (١) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الإِْشْهَادُ عَلَى النِّكَاحِ وَاجِبٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ عَقْدِ النِّكَاحِ لأَِنَّ مَاهِيَّةَ الْعَقْدِ لاَ تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ عَقْدِ النِّكَاحِ، بَل هُوَ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ، مَخَافَةَ أَنَّ كُل اثْنَيْنِ - رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ - اجْتَمَعَا فِي خَلْوَةٍ عَلَى فَسَادٍ يَدَّعِيَانِ سَبْقَ عَقْدٍ بِلاَ إِشْهَادٍ فَيُؤَدِّي إِلَى رَفْعِ حَدِّ الزِّنَا.

وَأَصْل الإِْشْهَادِ عَلَى النِّكَاحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَاجِبٌ، وَكَوْنُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ زِيَادَةً عَلَى الْوَاجِبِ، فَإِنْ حَصَل الإِْشْهَادُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ حَصَل الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، وَإِنْ فُقِدَ عِنْدَ الْعَقْدِ وَوُجِدَ عِنْدَ الدُّخُول فَقَدْ حَصَل الْوَاجِبُ وَفَاتَ الْمَنْدُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُل عِنْدَ الْعَقْدِ كَانَ وَاجِبًا عِنْدَ الْبِنَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شُهُودٌ أَصْلًا وَحَصَل الدُّخُول بِلاَ إِشْهَادٍ عَلَى النِّكَاحِ فُسِخَ الْعَقْدُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ الْفَسْخُ بِطَلْقَةٍ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ بِدُونِ الإِْشْهَادِ عَلَيْهِ، وَكَانَ بِبَائِنَةٍ لأَِنَّهُ فَسْخٌ جَبْرِيٌّ مِنَ الْحَاكِمِ (٢) .

_________

(١) الإنصاف ٨ / ١٠٢، والمغني ٦ / ٤٥١.

(٢) الشرح الصغير والصاوي ٢ / ٣٣٩، والشرح الكبير والدسوقي ٢ / ٢١٦، ٢٢٠.

الشُّرُوطُ الْوَاجِبُ تَوَافُرُهَا فِي الشَّاهِدَيْنِ:

١١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ تَوَفُّرُ شُرُوطٍ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى بَعْضِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ، تَفْصِيلُهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أ - الإِْسْلاَمُ:

١١٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ الإِْسْلاَمُ، وَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى نِكَاحِ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَةَ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَهُمْ، فَلاَ يَنْعَقِدُ هَذَا النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْوِلاَيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١)﴾، وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: " لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ " (٢) .

وَأَمَّا الْمُسْلِمُ إِذَا نَكَحَ ذِمِّيَّةً فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى هَذَا النِّكَاحِ، لأَِنَّ شَهَادَةَ الذِّمِّيَّيْنِ عَلَى الزَّوْجَةِ الذِّمِّيَّةِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عِنْدَهُمْ، وَفِي الاِحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ: " لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ " قَال مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: الْمُرَادُ مِنْهُ عَدَالَةُ الدِّينِ لاَ عَدَالَةُ

_________

(١) سورة النساء / ١٤١.

(٢) حديث: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". سبق تخريجه (ف ١١٦) .

التَّعَاطِي، لإِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّ فِسْقَ التَّعَاطِي لاَ يَمْنَعُ انْعِقَادَ النِّكَاحِ، وَلأَِنَّ الإِْشْهَادَ شَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدَ يَتَعَلَّقُ وُجُودُهُ بِالطَّرَفَيْنِ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَمْ يُوجَدِ الإِْشْهَادُ عَلَى الطَّرَفَيْنِ لأَِنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْكَافِرِ وَلَيْسَتْ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، فَكَانَتْ شَهَادَتُهُ فِي حَقِّهِ مُلْحَقَةً بِالْعَدَمِ، فَلَمْ يُوجَدِ الإِْشْهَادُ فِي جَانِبِ الزَّوْجِ، فَصَارَ كَأَنَّهُمَا سَمِعَا كَلاَمَ الْمَرْأَةِ دُونَ كَلاَمِ الرَّجُل، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ النِّكَاحُ، كَذَا هَذَا.

وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فَقَالاَ: إِذَا تَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيَّةً بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، سَوَاءٌ كَانَا مُوَافِقَيْنِ لَهَا فِي الْمِلَّةِ أَوْ مُخَالِفَيْنِ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلأَِنَّ لِلْكَافِرِ وِلاَيَةً عَلَى الْكَافِرِ (١) .

ب - التَّكْلِيفُ:

١١٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ التَّكْلِيفُ، أَيْ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَاقِلًا بَالِغًا، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ مَجْنُونٍ بِالإِْجْمَاعِ، وَلاَ شَهَادَةُ صَبِيٍّ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ (٢)﴾، وَلأَِنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٣ - ٢٥٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٤، ومطالب أولي النهى ٥ / ٨١ والدسوقي ٤ / ١٦٥.

(٢) سورة البقرة / ٢٨٢.

أَهْل الشَّهَادَةِ، وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْوِلاَيَةِ وَهِيَ نَفَاذُ الْمَشِيئَةِ لأَِنَّهَا تَنْفِيذُ الْقَوْل عَلَى الْغَيْرِ، وَكُلٌّ مِنَ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ تَكُونُ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى غَيْرِهِ (١) .

ج - الْعَدَالَةُ:

١٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ.

فَيَشْتَرِطُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ الْعَدَالَةَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (٢) فَلاَ يَنْعَقِدُ بِفَاسِقَيْنِ، لأَِنَّهُ لاَ يُثْبَتُ بِهِمَا.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِمَا الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ، فَيَنْعَقِدُ بِمَسْتُورَيِ الْعَدَالَةِ وَهُمَا الْمَعْرُوفَانِ بِهَا ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا، بِأَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُمَا بِالْمُخَالَطَةِ دُونَ التَّزْكِيَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ، وَلأَِنَّ النِّكَاحَ يَجْرِي بَيْنَ أَوْسَاطِ النَّاسِ وَالْعَوَامِّ، فَلَوِ اعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ لاَحْتَاجُوا إِلَى

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٣، وروضة الطالبين ٧ / ٤٥، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٨١، والدسوقي ٤ / ٤٦٥.

(٢) حديث: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". سبق تخريجه (ف ١١٦) .

مَعْرِفَتِهَا لِيُحْضِرُوا مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِهَا فَيَطُول الأَْمْرُ عَلَيْهِمْ وَيَشُقَّ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَنْعَقِدُ بِالْمَسْتُورَيْنِ بَل لاَ بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ.

وَيَبْطُل السَّتْرُ بِتَفْسِيقِ عَدْلٍ فِي الرِّوَايَةِ، فَلَوْ أَخْبَرَ بِفِسْقِ الْمَسْتُورِ عَدْلٌ لَمْ يَصِحَّ بِهِ النِّكَاحُ كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلإِْمَامِ.

وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ مَسْتُورِ الْعَدَالَةِ وَمَسْتُورِ الإِْسْلاَمِ وَالْحُرِّيَّةِ - وَالْعَدَالَةُ وَالإِْسْلاَمُ وَالْحُرِّيَّةُ مِمَّا يَشْتَرِطُونَهُ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ - فَقَالُوا: يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ مَسْتُورَيِ الْعَدَالَةِ لاَ بِمَسْتُورَيِ الإِْسْلاَمِ وَالْحُرِّيَّةِ، بِأَنْ لَمْ يُعْرَفْ إِسْلاَمُ الشَّاهِدِ وَلاَ حُرِّيَّتُهُ، كَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يَخْتَلِطُ فِيهَا مُسْلِمُونَ بِالْكُفَّارِ، وَالأَْحْرَارُ بِالأَْرِقَّاءِ، وَلاَ غَالِبَ، أَوْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ الإِْسْلاَمَ وَالْحُرِّيَّةَ بِالدَّارِ فَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِهِ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ حَال الشَّاهِدِ بِالإِْسْلاَمِ وَالْحُرِّيَّةِ بَاطِنًا، لِسُهُولَةِ الْوُقُوفِ عَلَى ذَلِكَ، بِخِلاَفِ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ عَدَالَةَ الشَّاهِدَيْنِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، فَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِحُضُورِ الْفَاسِقَيْنِ، لأَِنَّ عُمُومَاتِ النِّكَاحِ مُطْلَقَةٌ عَنْ شَرْطٍ، وَاشْتِرَاطُ أَصْل الشَّهَادَةِ بِصِفَاتِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا ثَبَتَ بِالدَّلِيل، فَمَنِ

ادَّعَى شَرْطَ الْعَدَالَةِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَلأَِنَّ الْفِسْقَ لاَ يَقْدَحُ فِي وِلاَيَةِ الإِْنْكَاحِ بِنَفْسِهِ (١) .

د - الْعَدَدُ:

١٢١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ حُضُورِ شَاهِدَيْنِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (٢) .

وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ حُضُورِ الشَّاهِدَيْنِ قَصْدًا أَوِ اتِّفَاقًا (٣) .

هـ - الْحُرِّيَّةُ:

١٢٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كُل وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيِ النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا، فَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِمَنْ فِيهِ رِقٌّ لأَِنَّهُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٥، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي ٢ / ٢١٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٤ - ١٤٥، وكشاف القناع ٥ / ٦٥، والإنصاف ٨ / ١٠٣.

(٢) حديث: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". سبق تخريجه (ف ١١٦) .

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٥، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٤، ومطالب أولي النهى ٥ / ٨١، والدسوقي ٤ / ١٦٥، وعقد الجواهر الثمينة ٣ / ١٥٣.

لَيْسَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى النِّكَاحِ حُرَّيْنِ لأَِنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلٍ أَشْبَهَتْ الاِسْتِفَاضَةَ (١) .

والذُّكُورَةُ:

١٢٣ - يَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ الذُّكُورَةَ، فَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ عِنْدَهُمْ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَلاَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ لأَِنَّهُ لاَ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِنَّ، رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الأَْمْوَال عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَال: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ لاَ تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلاَ فِي النِّكَاحِ وَلاَ فِي الطَّلاَقِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ ذُكُورَةُ شَاهِدَيِ النِّكَاحِ، فَيَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ بِحُضُورِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ (٢) .

ز - السَّمْعُ:

١٢٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ السَّمْعِ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٣، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٤، والدسوقي ٤ / ١٦٥، وعقد الجواهر الثمينة ٣ / ١٣٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٨٢.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٥، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٢ / ٢١٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٤، وكشاف القناع ٥ / ٦٥ - ٦٦، والإنصاف ٨ / ١٠٢، والمغني ٦ / ٤٥٢.

فَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدَا النِّكَاحِ سَمِيعَيْنِ وَلَوْ بِرَفْعِ صَوْتٍ إِذِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَوْلٌ فَلاَ بُدَّ مِنْ سَمَاعِهِ، أَيْ سَمَاعِ كَلاَمِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ جَمِيعًا، حَتَّى لَوْ سَمِعَا كَلاَمَ أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ، أَوْ سَمِعَ أَحَدُهُمَا كَلاَمَ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَسَمِعَ الآْخَرُ كَلاَمَ الْمُتَعَاقِدِ الثَّانِي لاَ يَجُوزُ النِّكَاحُ، قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ حُضُورَ الشُّهُودِ شَرْطُ رُكْنِ الْعَقْدِ، وَهُوَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول، فَمَا لَمْ يَسْمَعَا كَلاَمَهُمَا لاَ تَتَحَقَّقُ الشَّهَادَةُ عِنْدَ الرُّكْنِ فَلاَ يُوجَدُ شَرْطُ الرُّكْنِ.

وَحَكَى الشَّمْسُ الرَّمْلِيُّ فِي الأَْصَمِّ وَجْهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ عَلَى النِّكَاحِ السَّمْعُ (١) .

ح - الْبَصَرُ:

١٢٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْبَصَرِ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ.

فَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ الْبَصَرَ، لأَِنَّ الأَْقْوَال - وَهِيَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ - لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِالْمُعَايَنَةِ وَالسَّمَاعِ.

وَلاَ يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٥٥، والدسوقي ٤ / ١٦٧، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٢١٤، ومطالب أولي النهى ٥ / ٨١.

وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ الْبَصَرَ، بَل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا ضَرِيرَيْنِ إِذَا تَيَقَّنَا الصَّوْتَ تَيَقُّنًا لاَ شَكَّ فِيهِ، كَالشَّهَادَةِ بِالاِسْتِفَاضَةِ، وَلأَِنَّ الْعَمَى كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ لاَ يَقْدَحُ إِلاَّ فِي الأَْدَاءِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَقْدَحُ فِي وِلاَيَةِ الإِْنْكَاحِ وَلاَ فِي قَبُول النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ وَلاَ فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَكَانَ مِنْ أَهْل أَنْ يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ بِحُضُورِهِ.

وَنَقَل الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ عَنِ الْبَحْرِ أَنَّ الْوَجْهَ بِانْعِقَادِ النِّكَاحِ بِحَضْرَةِ الأَْعْمَى حُكِيَ عَنِ النَّصِّ، لأَِنَّ الأَْعْمَى أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ (١) .

ط - النُّطْقُ:

١٢٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ النُّطْقِ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ.

فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي شَاهِدَيِ النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَا نَاطِقَيْنِ، فَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ عِنْدَهُمْ بِشَاهِدَيْنِ أَخْرَسَيْنِ، أَوْ بِشَاهِدَيْنِ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ، لأَِنَّ الأَْخْرَسَ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٣ / ٢٥٥، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٤، والدسوقي ٤ / ١٦٧، وكشاف القناع ٥ / ٦٦.