الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 42

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

الأَْنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (١)، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ - أَنَّهُ كَانَ يَقُول: إِنِّي لأَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَمَا لِي فِيهَا حَاجَةٌ، وَأَطَؤُهَا وَمَا أَشْتَهِيهَا، قِيل لَهُ: وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَال: حُبِّي أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنِّي مَنْ يُكَاثِرُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ النَّبِيِّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَأَضَافَ السَّرَخْسِيُّ قَوْلَهُ: وَسَبَبُهُ تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمَقْدُورِ بِهِ إِلَى وَقْتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِبَقَاءِ الْعَالَمِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَبِالتَّنَاسُل يَكُونُ هَذَا الْبَقَاءُ، وَهَذَا التَّنَاسُل يَحْصُل عَادَةً بِالْوَطْءِ، فَجَعَل الشَّرْعُ طَرِيقَ ذَلِكَ الْوَطْءِ النِّكَاحَ؛ لأَِنَّ فِي التَّغَالُبِ فَسَادًا، وَفِي الإِْقْدَامِ بِغَيْرِ مِلْكٍ اشْتِبَاهَ الأَْنْسَابِ وَهُوَ سَبَبٌ لِضَيَاعِ النَّسْل، وَهَذَا الْمِلْكُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْل الآْدَمِيِّ مِنَ الْحُرِّيَّةِ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِطَرِيقِ النِّكَاحِ، فَهَذَا مَعْنَى أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ الْبَقَاءُ الْمَقْدُورُ إِلَى وَقْتِهِ (٢) .

_________

(١) حديث: " تزوجوا الودود. . . ". أخرجه الإمام أحمد (٣ / ١٥٨ ط الميمنية) من حديث أنس بن مالك، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٢٥٨ ط القدسي) وقال: أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط وإسناده حسن

(٢) العناية بهامش فتح القدير ٣ / ٩٨ - ٩٩، والمبسوط ٤ / ١٩٢ - ١٩٣ - ط دار المعرفة - بيروت، وتفسير القرطبي ٩ ٣٢٨.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ تَجْرِي عَلَيْهِ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، فَيَكُونُ وَاجِبًا - أَوْ فَرْضًا - أَوْ مُسْتَحَبًّا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: أَوَّلًا: الْوُجُوبُ:

٨ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: النِّكَاحُ يَكُونُ وَاجِبًا عِنْدَ التَّوَقَانِ، أَيْ شِدَّةِ الاِشْتِيَاقِ بِحَيْثُ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ؛ إِذْ لاَ يَلْزَمُ مِنَ الاِشْتِيَاقِ إِلَى الْجِمَاعِ الْخَوْفُ الْمَذْكُورُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَكَذَا فِيمَا يَظْهَرُ لَوْ كَانَ لاَ يُمْكِنُهُ مَنْعُ نَفْسِهِ عَنِ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ أَوْ عَنِ الاِسْتِمْنَاءِ بِالْكَفِّ، فَيَجِبُ التَّزَوُّجُ وَإِنْ لَمْ يَخَفِ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا.

وَيَكُونُ النِّكَاحُ فَرْضًا إِنْ تَيَقَّنَ الزِّنَا إِلاَّ بِهِ، بِأَنْ كَانَ لاَ يُمْكِنُهُ الاِحْتِرَازُ عَنِ الزِّنَا إِلاَّ بِهِ؛ لأَِنَّ مَا لاَ يُتَوَصَّل إِلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إِلاَّ بِهِ يَكُونُ فَرْضًا.

وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ النِّكَاحِ أَوْ فَرْضِهِ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ قَامَتْ بِهِ حَالَةُ الْوُجُوبِ أَوِ الْفَرْضِ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَزَادَ فِي الْبَحْرِ شَرْطًا آخَرَ فِيهِمَا وَهُوَ: عَدَمُ الْجَوْرِ أَيِ الظُّلْمِ، فَإِنْ وُجِدَتِ الشُّرُوطُ كَانَ الْحُكْمُ، وَإِلاَّ فَلاَ إِثْمَ بِتَرْكِ النِّكَاحِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ النِّكَاحُ عَلَى الرَّاغِبِ

إِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا إِذَا لَمْ يَتَزَوَّجْ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ حَرَامٍ، أَوْ أَدَّى إِلَى عَدَمِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا مَعَ وُجُوبِ إِعْلاَمِهَا بِذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ النِّكَاحُ لَوْ خَافَ الْعَنَتَ وَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ، وَحَكَى ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ هَذَا الْحُكْمَ وَجْهًا فَقَال: وَوَجْهٌ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ خَافَ زِنًا، قِيل: مُطْلَقًا لأَِنَّ الإِْحْصَانَ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ بِهِ، وَقِيل: إِنْ لَمْ يُرِدِ التَّسَرِّيَ، وَتَلْحَقُ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُل فِي هَذَا الْحُكْمِ فَيَجِبُ النِّكَاحُ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لاَ يَنْدَفِعُ عَنْهَا الْفَجَرَةُ إِلاَّ بِالنِّكَاحِ.

وَقَالُوا: يَجِبُ النِّكَاحُ بِالنَّذْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ، قَال الشَّرْوَانِيُّ: خِلاَفًا لِنِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ وَالشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ.

وَقَال الشَّمْسُ الرَّمْلِيُّ: لاَ يُلْزَمُ بِالنَّذْرِ مُطْلَقًا وَإِنِ اسْتَحَبَّ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَال الشَّبْرَامَلِّسِيُّ: سَوَاءٌ احْتَاجَ إِلَيْهِ أَمْ لاَ، تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ أَمْ لاَ.

وَقِيل: النِّكَاحُ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الأُْمَّةِ لاَ يَسُوغُ لِجَمَاعَتِهِمِ الإِْعْرَاضُ عَنْهُ لِبَقَاءِ النَّسْل.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ النِّكَاحُ عَلَى مَنْ يَخَافُ الزِّنَا بِتَرْكِ النِّكَاحِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ،

سَوَاءً كَانَ خَوْفُهُ ذَلِكَ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا، لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعْفَافُ نَفْسِهِ وَصَرْفُهَا عَنِ الْحَرَامِ، وَطَرِيقُهُ النِّكَاحُ، وَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ عَلَى حَجٍّ وَاجِبٍ نَصًّا لِخَشْيَةِ الْمَحْظُورِ بِتَأْخِيرِهِ بِخِلاَفِ الْحَجِّ.

وَفَصَّل الْبُهُوتِيُّ بَعْضَ الْمَسَائِل فَقَال: وَلاَ يَكْتَفِي فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَل يَكُونُ التَّزْوِيجُ فِي مَجْمُوعِ الْعُمُرِ لِتَنْدَفِعَ خَشْيَةُ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ.

وَلاَ يَكْتَفِي فِي الاِمْتِثَال بِالْعَقْدِ فَقَطْ، بَل يَجِبُ الاِسْتِمْتَاعُ لأَِنَّ خَشْيَةَ الْمَحْظُورِ لاَ يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِهِ.

وَيُجْزِئُ تَسَرٍّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (١)﴾ .

وَمَنْ أَمَرَهُ بِالنِّكَاحِ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا قَال أَحْمَدُ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِوُجُوبِ بِرِّ وَالِدَيْهِ، قَال فِي الْفُرُوعِ: وَالَّذِي يَحْلِفُ بِالطَّلاَقِ لاَ يَتَزَوَّجُ أَبَدًا إِنْ أَمَرَهُ بِهِ أَبُوهُ تَزَوَّجَ، قَال الشَّيْخُ: وَلَيْسَ - لأَِبَوَيْهِ - إِلْزَامُهُ بِنِكَاحِ مَنْ لاَ يُرِيدُ نِكَاحَهَا لِعَدَمِ حُصُول الْغَرَضِ بِهَا.

وَيَجِبُ النِّكَاحُ بِالنَّذْرِ مِنْ ذِي الشَّهْوَةِ، لِحَدِيثِ: " مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ " (٢)

_________

(١) سورة النساء / ٣

(٢) حديث: " من نذر أن يطيع الله فليطعه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٥٨١ ط السلفية) من حديث عائشة ﵂

وَأَمَّا نَحْوُ الْعِنِّينِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ إِذَا نَذَرَهَا (١) .

ثَانِيًا: النَّدْبُ:

٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: النِّكَاحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الأَْصَحِّ - وَهُوَ مَحْمَل الْقَوْل بِالاِسْتِحْبَابِ - فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، لأَِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ مُؤْثِمٌ، وَيُثَابُ إِنْ نَوَى وَلَدًا وَتَحْصِينًا، أَيْ مَنْعَ نَفْسِهِ وَنَفْسِهَا عَنِ الْحَرَامِ، وَكَذَا لَوْ نَوَى مُجَرَّدَ الاِتِّبَاعِ وَامْتِثَال الأَْمْرِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ نَوَى مُجَرَّدَ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَاللَّذَّةِ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِي حَال الاِعْتِدَال، أَيِ الْقُدْرَةِ عَلَى وَطْءٍ وَمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ، وَأَمَّا حَال الاِعْتِدَال فِي التَّوَقَانِ فَذَلِكَ بِأَنْ لاَ يَكُونَ بِالْمَعْنَى الْمَارِّ فِي الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ وَهُوَ شِدَّةُ الاِشْتِيَاقِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ فِي غَايَةِ الْفُتُورِ كَالْعِنِّينِ، بَل يَكُونُ بَيْنَ الْفُتُورِ وَالشَّوْقِ، وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَهْرِ

_________

(١) الاختيار لتعليل المختار ٣ / ٨٢، والدر المختار ورد المحتار ٢ / ٢٦٠ - ٢٦١، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٢٩، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٣ / ٧٧ - ٧٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢١٤ - ٢١٥، ومواهب الجليل ٣ / ٤٠٣ - ٤٠٤، ومغني المحتاج ٣ / ٢٢٥ - ٢٢٦، ونهاية المحتاج ٦ / ١٧٨ - ١٨٠، وتحفة المحتاج ٧ / ١٨٣ - ١٨٧، وكشاف القناع ٥ / ٦ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٥ / ٥ وما بعدها، والإنصاف ٨ / ٦ - ١٥.

وَالنَّفَقَةِ فَلأَِنَّ الْعَجْزَ عَنْهُمَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ فَيُسْقِطُ السُّنِّيَّةَ بِالأَْوْلَى.

وَمَنْ قَال: إِنَّ النِّكَاحَ مَنْدُوبٌ وَمُسْتَحَبٌّ فَإِنَّهُ يُرَجِّحُهُ عَلَى النَّوَافِل مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَال النَّبِيُّ ﷺ: " النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي " (١)، وَالسُّنَنُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النَّوَافِل، وَلأَِنَّهُ أَوْعَدَ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ: " فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي " (٢) وَلاَ وَعِيدَ عَلَى تَرْكِ النَّوَافِل.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَعَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ، أَيْ دَاوَمَ وَثَبَتَ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لَمْ يُخِل عَنْهُ، بَل كَانَ يَزِيدُ عَلَيْهِ حَتَّى تَزَوَّجَ عَدَدًا مِمَّا أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَوْ كَانَ التَّخَلِّي أَفْضَل لَمَا فَعَل، لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الأَْنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لاَ يَتْرُكُونَ الأَْفْضَل فِيمَا لَهُ حَدٌّ مَعْلُومٌ، لأَِنَّ تَرْكَ الأَْفْضَل فِيمَا لَهُ حَدٌّ مَعْلُومٌ يُعَدُّ زَلَّةً مِنْهُمْ، وَإِذَا ثَبَتَ أَفْضَلِيَّةُ

_________

(١) حديث: " النكاح من سنتي ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٥٩٢ ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة ﵂، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٣٢٣ - ط دار الجنان) .

(٢) حديث: " فمن رغب عن سنتي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١٠٤ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٢٠ ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك ﵁

النِّكَاحِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ثَبَتَ فِي حَقِّ الأُْمَّةِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الشَّرَائِعِ هُوَ الْعُمُومُ، وَالْخُصُوصُ بِدَلِيلٍ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى مَقْصُودٍ هُوَ مُفَضَّلٌ عَلَى النَّوَافِل، لأَِنَّهُ سَبَبٌ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنِ الْفَاحِشَةِ، وَسَبَبٌ لِصِيَانَةِ نَفْسِهَا - أَيِ الزَّوْجَةِ - عَنِ الْهَلاَكِ بِالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَاللِّبَاسِ لِعَجْزِهَا عَنِ الْكَسْبِ، وَسَبَبٌ لِحُصُول الْوَلَدِ الْمُوَحِّدِ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ مُفَضَّلٌ عَلَى النَّوَافِل، فَكَذَا السَّبَبُ الْمُوَصِّل إِلَيْهِ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الشَّخْصُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي النِّكَاحِ رَغْبَةٌ أَوْ لاَ: فَالرَّاغِبُ إِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا إِذَا لَمْ يَتَزَوَّجْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَدَّى إِلَى الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ حَرَامٍ أَوْ أَدَّى إِلَى عَدَمِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا، أَوْ مَعَ وُجُودِ مُقْتَضَى تَحْرِيمِ غَيْرِ ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ إِعْلاَمِهَا بِذَلِكَ.

وَإِنْ لَمْ يَخْشَ عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا نُدِبَ لَهُ النِّكَاحُ إِلاَّ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى حَرَامٍ فَيُحَرَّمُ. وَغَيْرُ الرَّاغِبِ إِنْ أَدَّاهُ إِلَى قَطْعٍ مَنْدُوبٍ كُرِهَ وَإِلاَّ أُبِيحَ إِلاَّ أَنْ يَرْجُوَ نَسْلًا أَوْ يَنْوِيَ خَيْرًا مِنْ نَفَقَةٍ عَلَى فَقِيرَةٍ أَوْ صَوْنٍ لَهَا فَيُنْدَبُ

_________

(١) الاختيار لتعليل المختار ٣ / ٨٢ ط دار المعرفة، والدر المختار ورد المحتار ٢ / ٢٦٠، ٢٦١، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٢٩

مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى مُحَرَّمٍ وَإِلاَّ حُرِّمَ. وَالأَْصْل فِي النِّكَاحِ النَّدْبُ.

وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ النَّدْبَ بِأَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا ذَا أُهْبَةٍ، وَزَادَ الْحَطَّابُ بِأَنْ لاَ يَخْشَى الْعَنَتَ.

وَنَقَل الْبُنَانِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّ الإِْنْفَاقَ مِنَ الْكَسْبِ الْحَرَامِ لاَ يَجُوزُ مَعَهُ النِّكَاحُ وَإِنْ عَلِمَتِ الْمَرْأَةُ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: النِّكَاحُ مُسْتَحَبٌّ لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، أَيْ تَائِقٍ لَهُ، بِأَنْ تَتُوقَ نَفْسُهُ إِلَى الْوَطْءِ، وَلَوْ خَصِيًّا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلاَمُ الإِْحْيَاءِ، يَجِدُ أُهْبَتَهُ مِنْ مَهْرٍ، وَكُسْوَةِ فَصْل التَّمْكِينِ، وَنَفَقَةِ يَوْمِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَعَبِّدًا، تَحْصِينًا لِدِينِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ بَقَاءِ النَّسْل وَحِفْظِ النَّسَبِ، وَلِلاِسْتِعَانَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ، وَلِخَبَرِ: " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ " (٢)، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ (٣)﴾

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٢١٤، ٢١٥ - دار الفكر، والخرشي مع حاشية العدوي عليه ٣ / ١٦٥، والبناني على الزرقاني ٣ / ١٦٢، ومواهب الجليل ٣ / ٤٠٣

(٢) حديث يا معشر الشباب. . ". سبق تخريجه ف (٧)

(٣) سورة النساء

إِذِ الْوَاجِبُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالاِسْتِطَابَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ (١)﴾، وَلاَ يَجِبُ الْعَدَدُ بِالإِْجْمَاعِ (٢) وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (٣)﴾ .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ وَلاَ يَخَافُ الزِّنَا يُسَنُّ لَهُ النِّكَاحُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ "، عَلَّل أَمْرَهُ بِأَنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَخَاطَبَ الشَّبَابَ لأَِنَّهُمْ أَغْلَبُ شَهْوَةً، وَذَكَرَهُ بِأَفْعَل التَّفْضِيل، فَدَل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى لِلأَْمْنِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورِ النَّظَرِ وَالزِّنَا، وَيُسَنُّ لَهُ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا عَاجِزًا عَنِ الإِْنْفَاقِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، وَيُمْسِي وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، وَلأَِنَّهُ ﷺ " زَوَّجَ رَجُلًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَلاَ وَجَدَ إِلاَّ إِزَارَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاءٌ (٤)

_________

(١) سورة النساء / ٣.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٢٥، ١٢٦، ونهاية المحتاج ٦ / ١٧٨ - ١٨٠، وتحفة المحتاج ٧ / ١٨٣ - ١٨٧ ط دار صادر.

(٣) سورة النساء / ٣

(٤) حديث: أنه ﷺ زوج رجلا لم يقدر على خاتم من حديد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١٣١ ط السلفية) من حديث سهل بن سعد

وَقَال أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ قَلِيل الْكَسْبِ يَضْعُفُ قَلْبُهُ عَنِ التَّزَوُّجِ: اللَّهُ يَرْزُقُهُمُ، التَّزَوُّجُ أَحْصَنُ لَهُ.

هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يُمْكِنُهُ التَّزَوُّجُ، فَأَمَّا مَنْ لاَ يُمْكِنُهُ فَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (١)﴾، وَنَقَل صَالِحٌ: يَقْتَرِضُ وَيَتَزَوَّجُ، وَاشْتِغَال ذِي الشَّهْوَةِ بِالنِّكَاحِ أَفْضَل مِنْ نَوَافِل الْعِبَادَةِ وَمِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِل الْعِبَادَةِ، قَال ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجْلِي إِلاَّ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا وَلِي طَوْل النِّكَاحِ فِيهِنَّ لَتَزَوَّجْتُ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ، قَال أَحْمَدُ: لَيْسَتِ الْعُزُوبَةُ مِنْ أَمْرِ الإِْسْلاَمِ فِي شَيْءٍ، وَلأَِنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ أَكْثَرُ مِنْ مَصَالِحِ التَّخَلِّي لِنَوَافِل الْعِبَادَةِ، لاِشْتِمَالِهِ عَلَى تَحْصِينِ فَرْجِ نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَحِفْظِهَا، وَالْقِيَامِ بِهَا، وَإِيجَادِ النَّسْل، وَتَكْثِيرِ الأُْمَّةِ، وَتَحْقِيقِ مُبَاهَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحِ أَحَدُهَا عَلَى نَفْل الْعِبَادَةِ (٢) .

ثَالِثًا: الْكَرَاهَةُ:

١٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَكُونُ النِّكَاحُ مَكْرُوهًا

_________

(١) سورة النور / ٣٣

(٢) كشاف القناع ٥ / ٦ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٥ / ٥ وما بعدها، والإنصاف ٨ / ٦ - ١٥.