الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١
ج - نَقْضُ الأَْمِيرِ وَالْفُقَهَاءِ حُكْمَ الْقَاضِي:
٣٦ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال جَمْعُ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، فَقَدْ جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: قَال مُطَرِّفٌ: وَإِذَا اشْتُكِيَ عَلَى الْقَاضِي فِي قَضِيَّةٍ حَكَمَ بِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى الأَْمِيرِ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَأْمُونًا فِي أَحْكَامِهِ عَدْلًا فِي أَحْوَالِهِ بَصِيرًا بِقَضَائِهِ فَأَرَى أَنْ لاَ يَعْرِضَ لَهُ الأَْمِيرُ فِي ذَلِكَ وَلاَ يَقْبَل شَكْوَى مَنْ شَكَاهُ وَلاَ يُجْلِسَ الْفُقَهَاءَ لِلنَّظَرِ فِي قَضَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ إِنْ فَعَلَهُ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ إِنْ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُتَّهَمًا فِي أَحْكَامِهِ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ أَوْ جَاهِلًا بِقَضَائِهِ فَلْيَعْزِلْهُ وَيُوَل غَيْرَهُ. قَال مُطَرِّفٌ: وَلَوْ جَهِل الأَْمِيرُ فَأَجْلَسَ فُقَهَاءَ بَلَدِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَجَهِلُوا هُمْ أَيْضًا، أَوْ أُكْرِهُوا عَلَى النَّظَرِ فَنَظَرُوا فَرَأَوْا فَسْخَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَفَسَخَهُ الأَْمِيرُ أَوْ رَدَّ قَضِيَّتَهُ إِلَى مَا رَأَى الْفُقَهَاءُ، فَأَرَى لِمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْحُكْمِ الأَْوَّل، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ أَوْ كَانَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْل الْعِلْمِ أَوْ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الأَْئِمَّةُ الْمَاضُونَ فَأَخَذَ بِبَعْضِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ مَاضٍ وَالْفَسْخُ الَّذِي تَكَلَّفَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّل خَطَأً بَيِّنًا أَمْضَى فَسْخَهُ وَأَجَازَ مَا فَعَلَهُ الأَْمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الأَْوَّل خَطَأً بَيِّنًا
أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ عَرَفَ مِنَ الْقَاضِي بَعْضَ مَا لاَ يَنْبَغِي مِنَ الْقُضَاةِ وَلَكِنَّ الأَْمِيرَ لَمْ يَعْزِلْهُ وَأَرَادَ النَّظَرَ فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْفُقَهَاءِ النَّظَرُ فِيهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ فَلْيَرُدَّهُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا عَلَى الأَْمِيرِ فَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا غَيْرَهُ لَمْ يَمِل مَعَ أَكْثَرِهِمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمَا رَآهُ صَوَابًا قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَل إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشِيرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. قَال مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ فَصَل بَعْدُ فِي الْخُصُومَةِ فَصْلًا، فَلَمَّا أَجْلَسَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِلنَّظَرِ فِيهَا قَال: قَدْ حَكَمْتُ، لَمْ يُقْبَل ذَلِكَ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ عَنِ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَحْدَهَا فَتَلْزَمُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَزَل ثُمَّ قَال: قَدْ كُنْتُ حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ.
قَال مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي الْمُشْتَكَى فِي غَيْرِ بَلَدِ الأَْمِيرِ الَّذِي هُوَ بِهِ وَحَيْثُ يَكُونُ قَاضِي الْجَمَاعَةِ فَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بِالْعَدْل فِي أَحْكَامِهِ وَالصَّلاَحِ فِي أَحْوَالِهِ أَقَرَّهُ وَلَمْ يَقْبَل عَلَيْهِ شَكْوَى وَلَمْ يَكْتُبْ بِأَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلاَ يَفْعَل هَذَا بِأَحَدٍ مِنْ قُضَاتِهِ إِلاَّ أَنْ يُشْتَكَى مِنْهُ اسْتِبْدَادٌ بِرَأْيٍ أَوْ تَرْكُ رَأْيِ مَنْ
يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ أَنْ يُشَاوِرَ فِي أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُ أَحَدًا أَوْ يُجْلِسَ مَعَهُ أَحَدًا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْعَدْل وَالرِّضَا وَتَظَاهَرَتِ الشَّكِيَّةُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ أَهْل بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَأَقْدَمَهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ وَالْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَزَلَهُ.
قَال: وَلَوْ جَهِل الأَْمِيرُ وَكَتَبَ إِلَى نَاسٍ يَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ فَفَعَلُوا وَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمْ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ كَتَبَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَالأُْمَنَاءِ أَنْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ هُوَ مُنَفِّذَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا مَعَهُ ثُمَّ يَجْتَهِدُوا وَيَحْكُمُ بِأَفْضَل مَا يَرَاهُ مَعَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالَّذِي يَرَاهُ مَعَ بَعْضِ مَنْ جَلَسَ مَعَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لاَزِمًا لِمَنْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ أُمِرَ بِالنَّظَرِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَى مِثْل مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَجْلِسُوا مَعَهُ وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى خِلاَفِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ الآْنَ عَلَى مِثْل مَا اشْتُكِيَ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَرَأْيِ الْقَوْمِ إِلَى الأَْمِيرِ فَيَكُونُ هُوَ الآْمِرَ بِالَّذِي يَرَاهُ وَالْحَاكِمَ فِيهِ دُونَهُمْ. وَقَدْ سُئِل ابْنُ الْقَاسِمِ
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَال فِيهِ مِثْل قَوْل مُطَرِّفٍ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَمِثْل ذَلِكَ وَرَدَ بِنَصِّهِ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ (١) .
طَلَبُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ نَقْضَ الْحُكْمِ:
٣٧ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ النَّقْضَ إِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى - كَالطَّلاَقِ - نَقَضَهُ الْقَاضِي بِدُونِ طَلَبٍ، هَذَا فِيمَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَمَا لاَ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ الضَّمَانُ.
وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُهُ إِلاَّ بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ خَطَأٍ حَتَّى وَإِنْ عَلِمَا بِذَلِكَ، لأَِنَّهُمَا قَدْ يَتَوَهَّمَانِ أَنَّهُ لاَ يُنْقَضُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَائِرُ الأَْصْحَابِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ خِلاَفًا لاِبْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي قَال: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْخَصْمَيْنِ، فَإِنْ عَلِمَا وَتَرَافَعَا إِلَيْهِ نَقَضَ الْحُكْمَ (٢) .
_________
(١) تبصرة الحكام ١ / ٦٣، ٦٤، ومعين الحكام ص ٣٧.
(٢) المغني لابن قدامة ٩ / ٥٦، ٥٧، ٥٨، وروضة الطالبين ١١ / ١٥٠.
صِيغَةُ النَّقْضِ:
٣٨ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ صِيغَةَ النَّقْضِ هِيَ: نَقَضْتُهُ، أَوْ فَسَخْتُهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَأَبْطَلْتُهُ، وَلَوْ قَال: بَاطِلٌ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَوَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَقْضًا؛ إِذِ الْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَصِحَّ مِنْ أَصْلِهِ (١) .
تَسْبِيبُ حُكْمِ النَّقْضِ:
٣٩ - إِذَا نَقَضَ الْقَاضِي الْحُكْمَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي نَقَضَ الْحُكْمَ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِئَلاَّ يُنْسَبَ لِلْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِالنَّقْضِ الْجَوْرُ وَالْهَوَى بِنَقْضِهِ الأَْحْكَامَ الَّتِي حَكَمَ بِهَا الْقُضَاةُ (٢) .
تَسْجِيل حُكْمِ النَّقْضِ:
٤٠ - يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُسَجِّل النَّقْضَ كَمَا يُسَجِّل الْحُكْمَ؛ لِيَكُونَ تَسْجِيل الثَّانِي مُبْطِلًا لِلأَْوَّل كَمَا صَارَ الثَّانِي نَاقِضًا لِلْحُكْمِ الأَْوَّل (٣) .
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٩٦، والرملي ٨ / ٢٥٨ ط دار الفكر.
(٢) الشرح الصغير ٤ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٦ / ٣٢٦، ٤٤٦.
(٣) مغني المحتاج ٤ / ٣٩٦، نهاية المحتاج للرملي ٨ / ٢٦٠.
نُقُودٌ
التَّعْرِيفُ:
ا - النُّقُودُ لُغَةً جَمْعُ نَقْدٍ، وَالنَّقْدُ الْعُمْلَةُ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُتَعَامَل بِهِ (١) .
وَالنُّقُودُ فِي الاِصْطِلاَحِ يَأْتِي بِمَعَانٍ:
الأَْوَّل: أَنَّهَا اسْمٌ لِمَعْدِنَيِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمِنْ هُنَا يَكْثُرُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ " النَّقْدَانِ " - بِالتَّثْنِيَةِ - إِشَارَةً إِلَى الْمَعْدِنَيْنِ.
وَيُطْلَقُ الاِسْمُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ أَكَانَا مَضْرُوبَيْنِ " أَيْ مَسْكُوكَيْنِ " أَمْ غَيْرَ مَضْرُوبَيْنِ بِأَنْ كَانَا سَبَائِكَ أَوْ تِبْرًا أَوْ حُلِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
فَأَمَّا فِي الْمَسْكُوكَيْنِ فَكَثِيرٌ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكَيْنِ فَمِنْهُ قَوْل الزُّرْقَانِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: اسْتِعْمَال النَّقْدِ فِي جِدَارٍ وَسَقْفٍ (٢) . يَقْصِدُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَقَوْل صَاحِبِ الْفُرُوعِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَصِحُّ
_________
(١) المعجم الوسيط.
(٢) الزرقاني على شرح مختصر خليل ١ / ٣٣، ٣٧، نهاية المحتاج ٣ / ٨٣.
وَقْفُ قِنْدِيل نَقْدٍ، وَيُزَكِّيهِ رَبُّهُ (١)، وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: شَرْطُ الرِّكَازِ الَّذِي فِيهِ الْخُمُسُ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا، وَالنَّقْدُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَضْرُوبَيْنِ (٢)، وَوَرَدَ مِثْل ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ.
وَجَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ فِي الْمَادَّةِ ١٣٠: النُّقُودُ جَمْعُ نَقْدٍ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، سَوَاءٌ كَانَا مَسْكُوكَيْنِ أَوْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ، وَيُقَال لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: النَّقْدَانِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا اسْمٌ لِلْمَضْرُوبِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خَاصَّةً، أُطْلِقَ عَلَيْهَا الاِسْمُ لأَِنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ تُنْقَدُ فِي الأَْثْمَانِ عَادَةً، سَوَاءٌ دُفِعَتْ حَالًا أَوْ بَعْدَ أَمَدٍ، جَيِّدَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ جَيِّدَةٍ، دُونَ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُسْتَعْمَل لِلتَّبَادُل. وَمِنْ عِبَارَاتِهِمُ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْل السَّرَخْسِيِّ فِي الْمَبْسُوطِ: إِنَّ الْفُلُوسَ تُرَوَّجُ فِي ثَمَنِ الْخَسِيسِ مِنَ الأَْشْيَاءِ دُونَ النَّفِيسِ، بِخِلاَفِ النُّقُودِ (٣)، فَبَايَنَ بَيْنَ الْفُلُوسِ وَبَيْنَ النُّقُودِ.
وَقَال النَّوَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْقِرَاضِ: يُشْتَرَطُ فِي رَأْسِ الْمَال أَنْ يَكُونَ نَقْدًا، وَهُوَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ (٤) .
_________
(١) الفروع لابن مفلح ٤ / ٥٨٣.
(٢) نهاية المحتاج ٣ / ٩٨، ١٠٤، ٤٣٣.
(٣) المبسوط ١٢ / ١٣٧.
(٤) فتح العزيز للرافعي في ذيل المجموع ١٢ / ٥، وروضة الطالبين ٥ / ١١٧.
فَعَلَى هَذَا الاِصْطِلاَحِ وَالَّذِي قَبْلَهُ لَيْسَتِ الْفُلُوسُ نُقُودًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ اسْمٌ لِكُل مَا يُسْتَعْمَل وَسِيطًا لِلتَّبَادُل سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ جُلُودٍ أَوْ وَرَقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَلْقَى قَبُولًا عَامًّا.
وَمِنْهُ مَا قَال الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ: إِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقُودٌ يَغْلِبُ التَّعَامُل بِوَاحِدٍ مِنْهَا انْصَرَفَ الْعَقْدُ إِلَى الْمَعْهُودِ وَإِنْ كَانَ فُلُوسًا (١) .
وَهَذَا الاِصْطِلاَحُ الثَّالِثُ هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الاِسْتِعْمَال فِي هَذَا الْعَصْرِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْفُلُوسُ:
٢ - الْفُلُوسُ: جَمْعُ فَلْسٍ، وَهِيَ قِطَعٌ مَعْدِنِيَّةٌ صَغِيرَةٌ، مَضْرُوبَةٌ مِنْ مَعْدِنٍ سِوَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ النُّقُودِ وَالْفُلُوسِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُتَعَامَل بِهِ.
_________
(١) فتح العزيز ٨ / ١٤٠، وروضة الطالبين ٣ / ٣٦٣.
(٢) المعجم الوسيط، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٧٩ طبعة دار الكتب العلمية.
ب - التِّبْرُ:
٣ - التِّبْرُ: هُوَ مَا اسْتُخْرِجَ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ مِنْ تُرَابِهِ قَبْل أَنْ يُضْرَبَ أَوْ يُصَاغَ، وَقِيل: يُسَمَّى بِذَلِكَ قَبْل تَخْلِيصِهِ مِنْ تُرَابِ الْمَعْدِنِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التِّبْرَ أَصْل النَّقْدَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
ج - السِّكَّةُ:
٤ - السِّكَّةُ حَدِيدَةٌ مَنْقُوشَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا، تُضْرَبُ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ وَالْمَسْكُوكَاتُ (وَيُقَال أَيْضًا: الْمَصْكُوكَاتُ) وَهِيَ الْعُمُلاَتُ الْمَعْدِنِيَّةُ الْمَضْرُوبَةُ مِنَ النَّقْدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا.
وَتُطْلَقُ السِّكَّةُ أَيْضًا عَلَى النُّقُوشِ وَالْكِتَابَةِ الَّتِي عَلَى النُّقُودِ (٢) .
وَهِيَ تَخْتَلِفُ مِنْ دَوْلَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَمِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ فِي الدَّوْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَتُطْلَقُ السِّكَّةُ أَيْضًا عَلَى النُّقُودِ الْمَعْدِنِيَّةِ الْمَضْرُوبَةِ؛ لأَِنَّهَا طُبِعَتْ بِالْحَدِيدِ الَّتِي هِيَ السِّكَّةُ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
_________
(١) لسان العرب، وابن عابدين ٢ / ٣٠.
(٢) لسان العرب، والقاموس المحيط، وابن عابدين ٣ / ٣٤٠، ٤ / ٢١٨.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ النُّقُودِ وَالسِّكَّةِ أَنَّ السِّكَّةَ أَعَمُّ مِنَ النُّقُودِ.
مَشْرُوعِيَّةُ التَّعَامُل بِالنُّقُودِ:
٥ - التَّعَامُل بِالنُّقُودِ جَائِزٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ (١)﴾ . وَتَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ إِجَازَةُ التَّعَامُل بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ قَال: دَفَعَ إِلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دِينَارًا لأَِشْتَرِيَ لَهُ شَاةً. فَاشْتَرَيْتُ لَهُ شَاتَيْنِ، فَبِعْتُ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجِئْتُ بِالشَّاةِ وَالدِّينَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، فَقَال لَهُ: " بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ " (٢) .
وَفِي اتِّخَاذِ النُّقُودِ لِلتَّعَامُل حِكَمٌ وَمَصَالِحُ تَتَحَقَّقُ بِهَا، عَلِمَهَا النَّاسُ بِالتَّجَارِبِ وَطُول الْعَهْدِ، وَأَقَرَّهَا الشَّارِعُ مِنْ أَجْل تِلْكَ الْمَصَالِحِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ عَنِ النَّقْدَيْنِ:
_________
(١) سورة الكهف / ١٩
(٢) حديث: " بارك الله لك في صفقة يمينك ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٦٣٢ ط السلفية) والترمذي (٣ / ٥٥٠ ط الحلبي) واللفظ للترمذي