الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

الْمُخْتَارِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ - أَنَّهُ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ لَهُمْ بِالْبَيِّنَةِ، لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَسِيرُ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ تَظْهَرُ مِنْهُ تُهْمَةٌ.

وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ هُوَ اعْتِرَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ لاِبْنِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُمْ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ بِالتَّسَاهُل فِيهَا.

وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ إِذَا أَثْبَتَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ عَدَاوَةٍ بَيْنِهِ وَبَيْنَ الْقَاضِي، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَوْ أَحَدِ وَالِدَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .

وَجَوَّزَ الْمَاوَرْدِيُّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَسْبَابَ الْحُكْمِ ظَاهِرَةٌ بِخِلاَفِ شَهَادَتِهِ عَلَى عَدُوِّهِ (٢) .

ح - الْحُكْمُ بِبَيِّنَةٍ فِيهَا خَلَلٌ:

٢٣ - إِذَا كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ بَيِّنَةً لاَ شِيَةَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ، وَإِنِ اعْتَوَرَ الْبَيِّنَةَ مَا

_________

(١) فتح القدير ٥ / ٥٠٢، وابن عابدين ٥ / ٣٥٧، ٣٥٨، وتبصرة الحكام ١ / ٨٠، ٨١، والدسوقي ٤ / ١٥٢، ١٥٤، وكشاف القناع ٦ / ٣٢٠، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٧٣.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٣٩٣، وروضة الطالبين ١١ / ١٤٥، ١٤٦، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٥٦، ٢٥٧، والأحكام السلطانية ص ٩٦.

يَعِيبُهَا، نُظِرَ: هَل يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ أَمْ لاَ؟ وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:

كَوْنُ الشَّاهِدَيْنِ كَافِرَيْنِ أَوْ صَغِيرَيْنِ:

٢٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ إِذَا بُنِيَ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ظَهَرَ كَوْنُهُمَا كَافِرَيْنِ، أَوْ صَغِيرَيْنِ فِيمَا عَدَا الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَحْصُل بَيْنَ الصِّغَارِ بِشُرُوطِهَا - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا - (١) .

فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ:

٢٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا قَبْل الْحُكْمِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ لِفِسْقِهِمَا.

وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ نَقْضَ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِينَ لَكِنَّهُ إِذَا قَضَى بِمُوجِبِهِمَا لاَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِلاَّ فِيمَا ذُكِرَ (٢) .

_________

(١) المغني ٩ / ٥٦، والتبصرة ١ / ٧٤، وابن عابدين ٥ / ٤٠٥، وأدب القضاة لابن أبي الدم الحموي ١ / ١٦٧، والدسوقي ٤ / ١٥٤، وروضة الطالبين ١١ / ٢٥١.

(٢) أدب القضاء ١ / ١٢٦، وكشاف القناع ٦ / ٣٦٠، والشرح الصغير ٤ / ٢٥٤، وابن عابدين ٥ / ٤٨٠.

وَيَرَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُ الْحُكْمِ بِفِسْقِ الشُّهُودِ إِلاَّ بِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا إِنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَتِهِمَا، أَوْ بِظَاهِرِ عَدَالَةِ الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُنْقَضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (١) وَيَرَى ابْنُ قُدَامَةَ وَأَبُو الْوَفَاءِ أَنَّهُ إِذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْل الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْقُضْهُ (٢) .

تَقْصِيرُ الْقَاضِي فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ:

٢٦ - إِذَا ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ قَصَّرَ فِي الْكَشْفِ عَنِ الشُّهُودِ وَأَتَى بِمَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ بِمَا يَجْرَحُهُمْ كَالْفِسْقِ، فَفِي نَقْضِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ لِلإِْمَامِ مَالِكٍ، وَبِالنَّقْضِ قَال ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِعَدَمِهِ قَال أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ (٣) .

شَهَادَةُ الزُّورِ:

٢٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَضَاءَ يَنْفُذُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إِذَا كَانَ الْمَحَل قَابِلًا، وَالْقَاضِي غَيْرُ عَالِمٍ بِزُورِهِمْ. وَذَلِكَ فِي الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَالْفُسُوخِ كَالإِْقَالَةِ وَالطَّلاَقِ لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁ لِتِلْكَ

_________

(١) الإنصاف ١١ / ٣١٨، ٣١٩.

(٢) المغني ٩ / ٥٨، الفروع لابن مفلح ٦ / ٤٩٥.

(٣) تبصرة الحكام ١ / ٨٠.

الْمَرْأَةِ: " شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ " (١)، وَقَال الصَّاحِبَانِ وَزُفَرُ: يَنْفُذُ ظَاهِرًا فَقَطْ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، لأَِنَّ شَهَادَةَ الزُّورِ حُجَّةٌ ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا، فَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْقَضَاءَ يَنْفُذُ بِقَدْرِ الْحُجَّةِ.

أَمَّا إِذَا عَلِمَ الْقَاضِي بِكَذِبِ الشُّهُودِ فَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ أَصْلًا (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْقَضُ الْحُكْمُ إِنْ ثَبَتَ بَعْدَ الْحُكْمِ كَذِبُهُمْ إِنْ أَمْكَنَ، وَذَلِكَ قَبْل الاِسْتِيفَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْكَذِبُ إِلاَّ بَعْدَ الاِسْتِيفَاءِ لَمْ يَبْقَ إِلاَّ غُرْمُ الشُّهُودِ الدِّيَةَ أَوِ الْمَال، وَلاَ يَتَأَتَّى نَقْضُ الْحُكْمِ (٣) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا ثَبَتَ كَوْنُ الشُّهُودِ شُهُودَ زُورٍ وَجَبَ نَقْضُ الْحُكْمِ (٤) .

انْظُرْ: (شَهَادَة الزُّورِ ف ٨ - ٩) .

- الرُّجُوعُ عَنِ الشَّهَادَةِ:

٢٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ نَقْضِ الْحُكْمِ إِذَا رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ وَكَانَ رُجُوعُهُمْ بَعْدَ الْحُكْمِ إِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ فِيهِ مِنَ الأَْمْوَال، أَمَّا إِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ

_________

(١) أثر: شاهداك زوجاك. . . ذكره ابن حجر في الفتح (١٣ / ١٧٦ ط السلفية) وذكر أنه لم يثبت عن علي.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٠٥، ٤٠٦.

(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٩٥، ٢٩٦.

(٤) كشاف القناع ٦ / ٤٤٧، والمغني ٩ / ٢٦٢.

أَوْ نَحْوِهِمَا، وَكَانَ رُجُوعُ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْل الاِسْتِيفَاءِ فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ لِحُرْمَةِ الدَّمِ وَلِقِيَامِ الشُّبْهَةِ، وَإِذَا كَانَ بَعْدَ الاِسْتِيفَاءِ فَلاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَيُلْزَمُ الشُّهُودُ بِالضَّمَانِ أَوِ الْقَصَاصِ حَسَبَ الأَْحْوَال (١) .

وَتَفْصِيل مَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى الشُّهُودِ فِي الأَْمْوَال وَالْجِنَايَاتِ وَغَيْرِهَا يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِ (شَهَادَة ف ٤٨، وَرُجُوع ف ٣٧، وَضَمَان ف ١٤٢) .

شَهَادَةُ الأَْصْل لِفَرْعِهِ وَعَكْسُهُ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ:

٢٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الأَْصْل لِفَرْعِهِ، وَالْفَرْعُ لأَِصْلِهِ.

وَيَرَى الْجُمْهُورُ عَدَمَ قَبُول شَهَادَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِقَبُولِهَا لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ أَنَّ الشَّاهِدَ ابْنُ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ وَالِدُهُ، وَالْقَاضِي لاَ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ نَقَضَهُ بَعْدَ إِثْبَاتِ السَّبَبِ وَلَمْ يُنَفِّذْهُ لأَِنَّهُ حُكْمٌ بِمَا لاَ يَعْتَقِدُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ لَمْ يَنْقُضْهُ لأَِنَّهُ

_________

(١) الدسوقي ٤ / ٢٠٦، ٢٠٧، والمغني ٩ / ٢٤٥، ٢٤٨، وابن عابدين ٥ / ٥٠٤، ومغني المحتاج ٤ / ٣٣٤.

يَحْكُمُ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فِيمَا هُوَ سَائِغٌ فِيهِ، أَشْبَهَ بَاقِيَ مَسَائِل الْخِلاَفِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا (١) .

شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ:

٣٠ - لاَ يَخْتَلِفُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْعَدَاوَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ تَمْنَعُ مِنْ قَبُول الشَّهَادَةِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ - عَلَى مَا جَاءَ فِي مَجْمَعِ الأَْنْهُرِ نَقْلًا عَنِ الْقِنْيَةِ - إِنَّ الْعَدَاوَةَ بِسَبَبِ الدُّنْيَا لاَ تَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْسُقْ بِسَبَبِهَا أَوْ يَجْلِبْ بِهَا مَنْفَعَةً أَوْ يَدْفَعْ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَضَرَّةً، وَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ وَغَيْرِهَا اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْمَنْصُوصَةُ فَبِخِلاَفِهَا، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عَدْلًا لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الاِعْتِمَادُ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ عَادَى مَنْ سَيَشْهَدُ عَلَيْهِ وَبَالَغَ فِي خِصَامِهِ وَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ لِئَلاَّ يُتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى رَدِّهَا، وَلَوْ أَفْضَتِ الْعَدَاوَةُ إِلَى الْفِسْقِ رُدَّتْ مُطْلَقًا.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا ظَهَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَ كَانَ عَدُوًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.

_________

(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ١٦٨، والشرح الصغير ٤ / ٢١٩، ومغني المحتاج ٤ / ٤٣٤، وكشاف القناع ٦ / ٤٢٨، والبدائع ٦ / ٢٧٢.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ نَقْضِ الْحُكْمِ، كَمَا قَالُوا: إِنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ وَلاَ يَجُوزُ لَهُ، فَإِذَا قَضَى لاَ يُنْقَضُ، ثُمَّ قَال: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْيَعْقُوبِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَ فِيهَا عَدَمُ نَفَاذِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ.

وَالْحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ: إِنَّ نَقْضَ الْحُكْمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يَرَاهُ الْقَاضِي مِنْ أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ مَقْبُولَةٌ أَوْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، كَمَا هُوَ الْحَال فِي شَهَادَةِ الأَْصْل وَالْفَرْعِ.

وَيَرَى الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ نَقْضَ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (١) .

ط - الدَّفْعُ مِنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً لَمْ يَعْلَمْهَا:

٣١ - إِذَا قَال الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ: لَدَيَّ بَيِّنَةٌ لَمْ أَعْلَمْهَا قَبْل الْحُكْمِ وَطَلَبَ سَمَاعَهَا وَنَقْضَ

_________

(١) كشاف القناع ٦ / ٤٤٦، والإنصاف ١١ / ٣١٩، والبناية في شرح الهداية للعيني ٨ / ١٦٦ وما بعدها - طبع دار الفكر - بيروت -، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٨٢ ط الخانجي، وابن عابدين ٥ / ٣٨١، ٤٨٠، ومجمع الأنهر ٢ / ١٨٩، وروضة الطالبين ١١ / ١٢٦، ١٢٧، ١٥١، ١٥٢، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ٣٨٥، وتبصرة الحكام ١ / ٢٢٣، ٢٢٥، والدسوقي ٤ / ١٧١، ومغني المحتاج ٤ / ٤٣٥.

الْحُكْمِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تُقْبَل دَعْوَاهُ وَلاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، فَقَدْ سُئِل نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ عَنْ رَجُلٍ ادَّعَى دَيْنًا فِي تَرِكَةِ مَيِّتٍ وَصَدَّقَهُ الْوَارِثُ فِي ذَلِكَ وَضَمِنَ لَهُ إِيفَاءَ الدَّيْنِ، ثُمَّ ادَّعَى الْوَارِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ كَانَ قَضَى الْمَال فِي حَيَاتِهِ وَأَرَادَ إِثْبَاتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، قَال: لاَ تَصِحُّ دَعْوَاهُ وَلاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، هَكَذَا فِي الْمُحِيطِ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: يُسْمَعُ مِنْ بَيِّنَتِهِ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِمَا يُوجِبُ الْفَسْخَ فُسِخَ، وَقَال سَحْنُونٌ: لاَ يُسْمَعُ مِنْهَا، وَقَال ابْنُ الْمَوَّازِ: إِنْ قَامَ بِهَا عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي الْحَاكِمِ نَقَضَهُ، وَإِنْ قَامَ عِنْدَ غَيْرِهِ لَمْ يَنْقُضْهُ (٢) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بَعْدَ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَتَعْدِيلِهَا فَقَدْ أَقَامَهَا فِي أَوَانِ إِقَامَتِهَا، فَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا حَتَّى قَضَى الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي وَسَلَّمَ الْمَال إِلَيْهِ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يُسْنِدِ الْمِلْكَ إِلَى مَا قَبْل إِزَالَةِ الْيَدِ فَهُوَ الآْنَ مُدَّعٍ خَارِجٌ، وَإِنْ أَسْنَدَهُ وَاعْتَذَرَ بِغَيْبَةِ الشُّهُودِ وَنَحْوِهَا فَهَل تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَهَل تُقَدَّمُ بِالْيَدِ الْمُزَالَةِ بِالْقَضَاءِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، وَيُنْقَضُ الْقَضَاءُ الأَْوَّل لأَِنَّهَا إِنَّمَا أُزِيلَتْ لِعَدَمِ الْحُجَّةِ، وَقَدْ ظَهَرَتِ الْحُجَّةُ، فَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْحُكْمِ لِلْمُدَّعِي وَقَبْل التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ سُمِعَتْ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٤ / ٦٦.

(٢) تبصرة الحكام ١ / ٨٠.

بَيِّنَتُهُ وَقُدِّمَتْ عَلَى الصَّحِيحِ لِبَقَاءِ الْيَدِ حِسًّا (١) .

ي - إِذَا لَمْ يُعَيَّنِ الْقَاضِي مِنْ قِبَل وَلِيِّ الأَْمْرِ:

٣٢ - إِذَا اتَّفَقَ أَهْل بَلَدٍ قَدْ خَلاَ مِنْ قَاضٍ عَلَى أَنْ يُقَلِّدُوا عَلَيْهِمْ قَاضِيًا، فَإِنْ كَانَ إِمَامُ الْوَقْتِ مَوْجُودًا بَطَل التَّقْلِيدُ، وَمِنْ ثَمَّ تَبْطُل جَمِيعُ أَحْكَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ ثَمَّةَ إِمَامٌ صَحَّ التَّقْلِيدُ وَنُفِّذَتْ أَحْكَامُهُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَجَدَّدَ بَعْدَ نَظَرِهِ إِمَامٌ لَمْ يَسْتَدِمِ النَّظَرَ إِلاَّ بِإِذْنِهِ وَلَمْ يُنْقَضْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاء ف ٢٣) .

الْجِهَةُ الَّتِي تَنْقُضُ الْحُكْمَ:

٣٣ - فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا نَقْضُ الْحُكْمِ: إِمَّا أَنْ يَنْقُضَهُ الْقَاضِي الَّذِي أَصْدَرَهُ أَوْ مَنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ، كَالْقَاضِي الَّذِي يُوَلَّى الْقَضَاءَ بَعْدَ غَيْرِهِ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ سَلَفِهِ، أَوْ كَالْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.

وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَدَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ، أَصْدَرَهُ مَنْ تَلْحَقُهُ الشُّبْهَةُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

_________

(١) روضة الطالبين ١٢ / ٥٩.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٢ الطبعة المحمودية، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٧٣ ط دار الكتب العلمية.

أ - نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ:

٣٤ - الأَْصْل أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا حَكَمَ فَلَيْسَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ نَقْضُ حُكْمِهِ إِلاَّ إِذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، لَكِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ نَصُّوا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ وَهِمَ فِي قَضَائِهِ أَوْ نَسِيَ أَوْ قَضَى بِخِلاَفِ رَأْيِهِ - وَهُوَ لاَ يَذْكُرُ - وَلَكِنْ عَلَى مَا قَضَى بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً، فَيَنْقُضُهُ بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَقُول بِمُضِيِّ هَذَا الْفَصْل وَلاَ يُرْجَعُ فِيهِ.

وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ كُل قَضَاءٍ لاَ يُعْرَفُ خَطَؤُهُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ كَمُخَالَفَتِهِ لِرَأْيِهِ السَّابِقِ فَلاَ يَنْقُضُهُ سِوَاهُ، مَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، فَيَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ.

ب - نَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ غَيْرِهِ:

٣٥ - لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي تَتَبُّعُ قَضَاءِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ لأَِنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهَا، لَكِنْ إِنْ وَجَدَ فِيهَا مُخَالَفَةً صَرِيحَةً نَقَضَهَا، وَسَيَأْتِي تَفْصِيل مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْخَصْمِ أَوْ يَنْقُضُ الْحُكْمَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.

وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ نَفْسِهِ نَقَضَ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ، وَمَا لاَ فَلاَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا (١) .

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٧٨، وروضة القضاة ١ / ٣١٩، ٣٢٣، وتبصرة الحكام ١ / ٧١، ٧٤، وروضة الطالبين ١١ / ١٥٠، ١٥١، والمغني ٩ / ٥٦، ٥٧.