الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 30

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

أَحْكَمْتُهُ، وَقَال الْعَسْكَرِيُّ: إِبْرَامُ الشَّيْءِ تَقْوِيَتُهُ، وَأَصْلُهُ فِي تَقْوِيَةِ الْحَبْل، وَهُوَ فِي غَيْرِهِ مُسْتَعَارٌ (١) .

وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى الْعُقُودِ، فَيُقَال: أَبْرَمَ عَقْدَ الْبَيْعِ وَأَبْرَمَ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَالإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ يَتَوَلَّى إِبْرَامَ عَقْدِ الذِّمَّةِ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّقْضِ وَالإِْبْرَامِ التَّضَادُّ.

ب - الْعَقْدُ:

٣ - الْعَقْدُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الْحَل، يُقَال: عَقَدَهُ يَعْقِدُهُ عَقْدًا، وَعَقْدُ كُل شَيْءٍ إِبْرَامُهُ (٢) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْعَقْدُ رَبْطُ أَجْزَاءِ التَّصَرُّفِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول (٣) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّقْضِ وَالْعَقْدِ هِيَ التَّضَادُّ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّقْضِ:

تَتَعَلَّقُ بِالنَّقْضِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أَوَّلًا: نَقْضُ الطَّهَارَةِ:

٤ - الْمُرَادُ بِنَقْضِ الطَّهَارَةِ: إِفْسَادُ مَا قَامَ بِهِ

_________

(١) لسان العرب ومقاييس اللغة لابن فارس ١ / ٢٣١، والفروق في اللغة ص ٢٠٧.

(٢) تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١ / ٢٧، ٢٨، ولسان العرب.

(٣) التعريفات للجرجاني، وقواعد الفقه للبركتي، وانظر دستور العلماء ٢ / ٣٣١.

الْمُكَلَّفُ مِنْ فِعْلٍ مَوْضُوعٍ لِرَفْعِ حَدَثٍ أَوْ إِزَالَةِ خَبَثٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا (١) .

وَنَوَاقِضُ الطَّهَارَةِ تَشْمَل: نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ وَنَوَاقِضَ التَّيَمُّمِ وَنَوَاقِضَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ:

٥ - عَدَّدَ الْفُقَهَاءُ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ، وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ: خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وَخُرُوجُ نَجِسٍ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَزَوَال الْعَقْل (السُّكْرُ - الْجُنُونُ - الإِْغْمَاءُ)، وَالنَّوْمُ، وَاللَّمْسُ، وَمَسُّ فَرْجِ الآْدَمِيِّ، وَالْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلاَةِ، وَأَكْل لَحْمِ الْجَزُورِ، وَغَسْل الْمَيِّتِ، وَالرِّدَّةُ، وَالشَّكُّ فِي الْحَدَثِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ بِبَعْضِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَدَث ف ٦ - ٢٠) .

ب - نَوَاقِضُ التَّيَمُّمِ:

٦ - يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ أُمُورٌ، بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمِنْهَا: كُل مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لأَِنَّهُ بَدَلًا مِنْهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ، وَوُجُودُ مَاءٍ لِعَادِمِهِ، وَزَوَال الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لَهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِلاَ ضَرَرٍ كَأَنْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ فَعُوفِيَ أَوْ لِبَرْدٍ فَزَال.

وَالتَّفْصِيل فِي (تَيَمُّم ف ٣٣) .

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ١٦، ١٧.

ج - نَوَاقِضُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ:

٧ - يَنْقُضُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أُمُورٌ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمِنْهَا: كُل مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، لأَِنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ فَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ أَصْلِهِ كَالتَّيَمُّمِ، وَنَزْعُ الْخُفَّيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَيَغْسِل الْقَدَمَيْنِ؛ لأَِنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ عَنِ الطَّهَارَةِ يَسْرِي عَلَى الْقَدَمَيْنِ لِزَوَال الْمَانِعِ، وَمُضِيِّ مُدَّةِ الْمَسْحِ، وَحُدُوثِ مَا يُوجِبُ الْغُسْل.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ف ١١) .

ثَانِيًا: نَقْضُ الْعُهُودِ:

نَقْضُ الْعُهُودِ يَشْمَل نَقْضَ الْهُدْنَةِ، وَنَقْضَ الأَْمَانِ، وَنَقْضَ عَقْدِ الذِّمَّةِ.

أ - نَقْضُ الْهُدْنَةِ:

٨ - إِذَا تَعَاهَدَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَفَاءُ بِهِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (١)﴾ .

وَتُنْقَضُ الْهُدْنَةُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:

- نَقْضُ الإِْمَامِ إِنْ عَلَّقَ بَقَاءَهَا بِمَشِيئَتِهِ أَوْ مَشِيئَةِ غَيْرِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ،

_________

(١) سورة الإسراء / ٣٤.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا رَأَى فِي نَقْضِهَا مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ (١) .

- صُدُورُ خِيَانَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ كَقَتْل مُسْلِمٍ وَقِتَال مُسْلِمِينَ بِلاَ شُبْهَةٍ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَإِيوَاءِ جَاسُوسٍ يَنْقُل أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ وَمَوَاضِعَ الضَّعْفِ فِيهِمْ لأَِهْل الْحَرْبِ.

- نَقْضُ مَنْ عَقَدَ لَهُمْ بِصَرِيحِ الْقَوْل أَوْ دَلاَلَتِهِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (هُدْنَة) .

ب - نَقْضُ الأَْمَانِ:

٩ - إِذَا أَمَّنَ الإِْمَامُ أَوْ مُسْلِمٌ بَالِغٌ حُرٌّ مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ حَرْبِيًّا أَوْ عَدَدًا مَحْصُورِينَ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ فَلَيْسَ لِلإِْمَامِ وَلاَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ نَقْضُهُ لِخَبَرِ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخَفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٢)، إِلاَّ أَنْ يَخَافَ الإِْمَامُ خِيَانَةً مِنْهُمْ، لأَِنَّ الأَْمَانَ لاَزِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَائِزٌ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوهُ وَقْتَمَا شَاءُوا، فَإِنْ خَافَ

_________

(١) روضة الطالبين ١٠ / ٣٣٧، ومغني المحتاج ٤ / ٢٦٠ - ٢٦١، وكشاف القناع ٣ / ١١٢، والفتاوى الهندية ٢ / ١٩٧.

(٢) حديث: " ذمة المسلمين واحدة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٤٢ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٩٩ ط عيسى الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب.

خِيَانَتَهُمْ بِأَمَارَاتٍ ظَاهِرَةٍ، فَلَهُ نَبْذُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ لِلإِْمَامِ نَقْضَ الأَْمَانِ مَتَى شَاءَ وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ مَا يُخَالِفُ عَقْدَ الأَْمَانِ وَلَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمْ أَمَارَاتُهَا (١) .

ج - نَقْضُ عَقْدِ الذِّمَّةِ:

١٠ - يَنْتَقِضُ عَقْدُ الذِّمَّةِ بِأُمُورٍ مِنْهَا:

لُحُوقُ الذِّمِّيِّ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوِ التَّطَلُّعُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَهْل الذِّمَّةِ ف ٤٢) .

ثَالِثًا: نَقْضُ الاِجْتِهَادِ:

١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ قِي قَضِيَّةٍ أَوْ أَفْتَى الْمُفْتِي فِي مَسْأَلَةٍ - وَهُمَا مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ - لَمْ يَجُزِ النَّقْضُ، إِلاَّ إِذَا بَانَ أَنَّ حُكْمَهُ خِلاَفُ نَصِّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِْجْمَاعِ.

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ لِمُخَالَفَةِ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، وَهُوَ مَا قُطِعَ فِيهِ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ، كَقِيَاسِ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ عَلَى

_________

(١) الاختيار ٤ / ١٢٣ - ١٢٤، ورد المحتار ٣ / ٢٤٧، وشرح الزرقاني ٣ / ١٢٢، ١٢٣، والدسوقي ٢ / ١٨٥، ومغني المحتاج ٤ / ٢٣٨، وكشاف القناع ٦ / ١٠٥.

التَّأْفِيفِ بِالْوَالِدَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا (١)﴾ أَيِ الْوَالِدَيْنِ.

وَكَقِيَاسِ مَا فَوْقَ الذَّرَّةِ بِالذَّرَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٢)﴾ .

وَمَا قُطِعَ بِهِ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْفَرْعُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنَ الأَْصْل، كَقِيَاسِ الأَْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ الْمُوسِرُ بَعْضَهُ، وَقِيَاسُ غَيْرِ السَّمْنِ مِنَ الْمَائِعَاتِ عَلَى السَّمْنِ فِي حُكْمِ وُقُوعِ الْفَأْرَةِ (٣) .

وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

رَابِعًا: نَقْضُ الْقَضَاءِ:

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِنَقْضِ الْقَضَاءِ:

١٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا خَالَفَ فِي حُكْمِهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا كَانَ قَضَاؤُهُ فَاقِدًا لِشَرْطٍ وَوَجَبَ نَقْضُهُ، إِذْ أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالاِجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ بِدَلِيل خَبَرِ مُعَاذٍ ﵁: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَال: أَجْتَهِدُ

_________

(١) سورة الإسراء / ٢٣.

(٢) سورة الزلزلة / ٧.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٢ - ٤ / ٣٢٥، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٦، وكشاف القناع ٦ / ٣٥٩، والمغني ٩ / ٥٦.

رَأْيِي وَلاَ آلُو (١) وَلأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَقَدْ فَرَّطَ، فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ، إِذْ لاَ مَسَاغَ لِلاِجْتِهَادِ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، وَزَادَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ زِيَادَاتٍ أُخْرَى كَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ (٢) .

وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي حُكْمِ مَا يُنْقَضُ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ شَيْئًا لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ وَإِلَى أَلاَّ يَثْبُتَ حُكْمٌ أَصْلًا، غَيْرَ مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ سُنَّةٍ آحَادٍ أَوْ خَالَفَ إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا، بِخِلاَفِ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ (٣) .

مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَمَا لاَ يُنْقَضُ:

١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ

_________

(١) حديث: " فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟ . . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ١٨ ط حمص)، والترمذي (٣ / ٦٠٧ ط الحلبي) واللفظ لأبي داود، قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل.

(٢) المغني لابن قدامة ٩ / ٥٦، ٥٧، وكشاف القناع ٦ / ٣١٥، والمبسوط للسرخسي ١٦ / ٨٤، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٦ وما بعدها، وتبصرة الحكام ١ / ٧٠ وما بعدها، وبدائع الصنائع ٧ / ١٤، والمادة (١٤) من مجلة الأحكام العدلية، ونهاية المحتاج للرملي ٨ / ٢٥٨، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٩٤.

(٣) شرح المنتهى ٣ / ٤٧٨ - ٤٧٩.

وَمَا لاَ يُنْقَضُ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَصَرَ النَّقْضَ فِي نِطَاقِ الْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ لِلنَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ، وَمَنَعَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.

وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْقَاضِي لاَ تَخْلُو عَنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:

قِسْمٌ يُنْقَضُ بِكُل حَالٍ، وَقِسْمٌ يُمْضَى بِكُل حَالٍ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (١)، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

الْقِسْمُ الأَْوَّل: مَا يُنْقَضُ مِنَ الأَْحْكَامِ:

١٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْضُ الْحُكْمِ إِذَا خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِْجْمَاعَ (٢) .

وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ: مَا يَشِذُّ مَدْرَكُهُ أَيْ دَلِيلُهُ، أَوْ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ، أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَقَيَّدَ الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ قَوْل

_________

(١) ابن عابدين بتصرف ٥ / ٣٩٤.

(٢) المغني لابن قدامة ٩ / ٥٦، ٥٧، وكشاف القناع ٦ / ٣١٥، والمبسوط للسرخسي ١٦ / ٨٤، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٦ وما بعدها، وتبصرة الحكام ١ / ٧٠ وما بعدها، وبدائع الصنائع ٧ / ١٤، والمادة (١٤) من مجلة الأحكام العدلية، ونهاية المحتاج للرملي ٨ / ٢٥٨، والقواعد الفقهية لابن جزي ص ١٩٤.

الْعُلَمَاءِ: إِنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يُنْقَضُ إِذَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ أَوِ الْقِيَاسَ أَوِ النَّصَّ - فَالْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ فَلاَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ فَلاَ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ وَيَجِبُ نَقْضُهُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلأَْخِ دُونَ الْجَدِّ، فَهَذَا خِلاَفُ الإِْجْمَاعِ، لأَنَّ الأُْمَّةَ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْمَال كُلُّهُ لِلْجَدِّ أَوْ يُقَاسِمُ الأَْخَ، وَأَمَّا حِرْمَانُ الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُل بِهِ أَحَدٌ مِنَ الأُْمَّةِ (١) .

وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَالَفَ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، أَوْ خَالَفَ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ قِيَاسَ التَّحْقِيقِ - نُقِضَ بِهِ حُكْمُهُ وَحُكْمُ غَيْرِهِ؛ (٢) لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَدَل عَنِ اجْتِهَادٍ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ حِينَ أَخْبَرَهُ حَمْل بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ (٣) .

_________

(١) تبصرة الحكام ١ / ٧٠، والشرح الصغير ٤ / ٢٢٥، ٢٢٦، وأدب القاضي للماوردي ١ / ٦٨٢.

(٢) أدب القاضي للماوردي ١ / ٦٨٢ - ٦٨٩.

(٣) حديث: " أن عمر عدل عن اجتهاده في دية الجنين. . . ". أخرجه أبو داود ٤ / ٦٩٨، ٦٩٩ ط حمص)، والحاكم (٣ / ٥٧٥ ط دائرة المعارف العثمانية) .

وَكَانَ لاَ يُوَرِّثُ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رَوَى لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَوَرَّثَهَا عُمَرُ (١) .

وَقَضَى فِي الأَْصَابِعِ بِقَضَاءٍ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: وَفِي كُل أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِْبِل (٢)، وَنَقَضَ عَلِيٌّ ﵁ قَضَاءَ شُرَيْحٍ فِي ابْنَيْ عَمٍّ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لأُِمٍّ - بِأَنَّ الْمَال لِلأَْخِ (٣) مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ (٤)﴾ فَقَال لَهُ عَلِيٌّ: قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (٥)﴾ فَيَحْتَمِل أَنَّ عَلِيًّا ﵁ نَقَضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِمُخَالَفَةِ نَصِّ هَذِهِ الآْيَةِ (٦) . فَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ

_________

(١) حديث: " أن عمر كان لا يورث امرأة من دية زوجها. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢٧ ط الحلبي)، وقال الترمذي: حسن صحيح.

(٢) حديث: " في كل أصبع مما هنالك. . . ". أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩ / ٣٨٥ ط المجلس العلمي) .

(٣) مغني المحتاج ٤ / ٣٩٦.

(٤) سورة الأحزاب / ٦.

(٥) سورة النساء / ١٢.

(٦) المغني ٩ / ٥٧، ٥٨. .