الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 27

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

النِّقَابُ لِلْمُحْرِمَةِ:

٧ - حَظَرَ الإِْسْلاَمُ النِّقَابَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: لاَ تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ (١) .

وَلِذَا صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِالْحُرْمَةِ، فَقَالُوا: وَالْمَرْأَةُ إِحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَغْطِيَتُهُ بِبُرْقُعٍ أَوْ نِقَابٍ أَوْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ غَطَّتْهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَدَتْ كَمَا لَوْ غَطَّى الرَّجُل رَأْسَهُ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام ف ٦٧) .

النِّقَابُ فِي الصَّلاَةِ:

٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى كَرَاهَةِ النِّقَابِ فِي الصَّلاَةِ، وَكَرِهَهُ الْمَالِكِيَّةُ مُطْلَقًا فِي الصَّلاَةِ وَفِي غَيْرِهَا.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَيُكْرَهُ التَّلَثُّمُ وَهُوَ تَغْطِيَةُ الأَْنْفِ وَالْفَمِ فِي الصَّلاَةِ لأَِنَّهُ يُشْبِهُ فِعْل الْمَجُوسِ حَال عِبَادَتِهِمُ النِّيرَانَ، وَهُوَ

_________

(١) حديث ابن عمر ﵃ ا: " لا تنتقب المرأة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٥٢ ط السلفية) .

(٢) كشاف القناع ٢ / ٤٤٧ ط عالم الكتب، وحاشية الطحطاوي مع الدر المختار ١ / ٥٢١، والتاج والإكليل ٣ / ١٤١ ط دار الفكر، وأسنى المطالب ١ / ٥٠٦، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٢٢.

عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا (١) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ: أَنَّ النِّقَابَ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا أَيًّا كَانَ، فِي صَلاَةٍ أَوْ خَارِجِهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا لأَِجْلِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا، مَا لَمْ يَكُنْ لِعَادَةٍ، وَإِلاَّ فَلاَ كَرَاهَةَ فِيهِ خَارِجَهَا (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ مُتَنَقِّبَةً (٣) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَيُكْرَهُ أَنْ تُصَلِّيَ فِي نِقَابٍ وَبُرْقُعٍ بِلاَ حَاجَةٍ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا فِي الصَّلاَةِ وَالإِْحْرَامِ، وَلأَِنَّ سَتْرَ الْوَجْهِ يُخِل بِمُبَاشَرَةِ الْمُصَلِّي بِالْجَبْهَةِ وَيُغَطِّي الْفَمَ (٤)، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ الرَّجُل عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَحُضُورِ أَجَانِبَ، فَلاَ كَرَاهَةَ (٥) .

_________

(١) حاشية الطحطاوي ١ / ٢٧٥.

(٢) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ١ / ٢١٨ ط دار الفكر.

(٣) أسنى المطالب ١ / ١٧٩، ونهاية المحتاج ٢ / ١٢.

(٤) كشاف القناع ١ / ٢٦٨، والمغني لابن قدامة ١ / ٦٠٣ ط الرياض الحديثة.

(٥) حديث: " نهى النبي ﷺ عن تغطية الفم في الصلاة "، عن عطاء عن أبي هريرة قال: " نهى رسول الله ﷺ عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٢٣ ط حمص)، ثم أسند عن ابن جريج أنه قال: أكثر ما رأيت عطاء يصلي

نِكَاحُ الْمُنَقَّبَةِ:

٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً مُتَنَقِّبَةً، فَقَال: تَزَوَّجْتُ هَذِهِ. وَقَبِلَتْ جَازَ لأَِنَّهَا صَارَتْ مَعْرُوفَةً بِالإِْشَارَةِ، وَقِيل: يُشْتَرَطُ فِي الْحَاضِرَةِ كَشْفُ النِّقَابِ.

وَلَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً مُتَنَقِّبَةً وَلاَ يَعْرِفُهَا الشُّهُودُ فَعَنِ الْحَسَنِ وَبِشْرٍ: يَجُوزُ، وَقِيل: لاَ يَجُوزُ مَا لَمْ تَرْفَعْ نِقَابَهَا وَيَرَاهَا الشُّهُودُ، وَالأَْوَّل أَقْيَسُ فِيمَا يَظْهَرُ بَعْدَ سَمَاعِ الشَّطْرَيْنِ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ لَيْسَ شَهَادَةً تُعْتَبَرُ لِلأَْدَاءِ لِيُشْتَرَطَ الْعَامُّ عَلَى التَّحْقِيقِ بِذَاتِ الْمَرْأَةِ.

وَفِي التَّجْنِيسِ أَنْهُ هُوَ الْمُخْتَارُ لأَِنَّ الْحَاضِرَ يُعْرَفُ بِالإِْشَارَةِ، وَالاِحْتِيَاطُ كَشْفُ نِقَابِهَا وَتَسْمِيَتُهَا وَنِسْبَتُهَا، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهَا الشُّهُودُ. أَمَّا إِذَا كَانُوا يَعْرِفُونَهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ فَذَكَرَ الزَّوْجُ اسْمَهَا لاَ غَيْرَ - جَازَ النِّكَاحُ إِذَا عَرَفَ الشُّهُودُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَرْأَةَ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّسْمِيَةِ التَّعْرِيفُ، وَقَدْ حَصَل.

وَبِقَوْل الْحَنَفِيَّةِ قَال الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ: قَال جَمْعٌ: وَلاَ يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُتَنَقِّبَةٍ إِلاَّ إِنْ عَرَفَهَا الشَّاهِدَانِ اسْمًا وَنَسَبًا أَوْ صُورَةً.

_________

(١) فتح القدير ٣ / ١٠٤، ١٩٧ ط دار إحياء التراث العربي، والبناية ٤ / ١٧٣.

وَفِي حَاشِيَةِ الشَّرْوَانِيِّ قَال: إِذَا رَأَى الشَّاهِدَانِ وَجْهَهَا عِنْدَ الْعَقْدِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْقَاضِي الْعَاقِدُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِحَاكِمٍ بِالنِّكَاحِ وَلاَ شَاهِدٍ كَمَا لَوْ زَوَّجَ وَلِيُّ النَّسَبِ مُوَلِّيَتَهُ الَّتِي لَمْ يَرَهَا قَطُّ، بَل لاَ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ الشَّاهِدَيْنِ وَجْهَهَا فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ (١) .

الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُنَقَّبَةِ:

١٠ - قَال بَعْضُ مَشَائِخِ الْحَنَفِيَّةِ: تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُتَنَقِّبَةِ، وَلَوْ أَخْبَرَ الْعَدْلاَنِ أَنَّ هَذِهِ الْمُقِرَّةَ فُلاَنَةُ بِنْتُ فُلاَنٍ تَكْفِي هَذِهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الاِسْمِ وَالنَّسَبِ عِنْدَهُمَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، فَإِنْ عَرَفَهَا بِاسْمِهَا وَنَسَبِهَا عَدْلاَنِ، يَنْبَغِي لِلْعَدْلَيْنِ أَنْ يُشْهِدَا الْفَرْعَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا، كَمَا هُوَ طَرِيقُ الإِْشْهَادِ عَلَى الشَّهَادَةِ حَتَّى يَشْهَدَا عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى شَهَادَتِهِمَا بِالاِسْمِ وَالنَّسَبِ، وَيَشْهَدَا بِأَصْل الْحَقِّ أَصَالَةً، فَتَجُوزُ وِفَاقًا (٢) .

قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى امْرَأَةٍ مَجْهُولَةٍ لِلشُّهُودِ مُنْتَقِبَةٍ حَتَّى تَرْفَعَ النِّقَابَ عَنْ وَجْهِهَا وَيَشْهَدُوا عَلَى عَيْنِهَا، لِتَتَعَيَّنَ الْمَرْأَةُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهَا لِتَأْدِيَةِ الشَّهَادَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوهَا عَلَيْهَا إِذَا طُلِبُوا بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَإِنْ قَال الشُّهُودُ وَقْتَ الأَْدَاءِ:

_________

(١) تحفة المحتاج في شرح المنهاج ١٠ / ٢٦١.

(٢) درر الحكام وشرح غرر الأحكام ٢ / ٣٧٤.

أَشْهَدَتْنَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا بِكَذَا حَال كَوْنِهَا مُتَنَقِّبَةً، وَكَذَلِكَ حَال كَوْنِهَا مُتَنَقِّبَةً نَعْرِفُهَا وَلاَ تَشْتَبِهُ عَلَيْنَا بِغَيْرِهَا فَنُؤَدِّي الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا مُتَنَقِّبَةً - صَدَقُوا وَاتُّبِعُوا فِي ذَلِكَ، وَقَال ابْنُ عَرَفَةَ: إِنْ قَالَتِ الْبَيِّنَةُ: أَشْهَدَتْنَا وَهِيَ مُتَنَقِّبَةٌ وَكَذَلِكَ نَعْرِفُهَا وَلاَ نَعْرِفُهَا بِغَيْرِ نِقَابٍ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا تَقَلَّدُوا، وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا وَعَيَّنُوهَا كَمَا ذَكَرَتْ وَقُطِعَ بِشَهَادَتِهِمْ.

سَأَل ابْنُ حَبِيبٍ سَحْنُونَ عَنِ امْرَأَةٍ أَنْكَرَتْ دَعْوَى رَجُلٍ عَلَيْهَا فَأَقَامَ عَلَيْهَا بَيِّنَةً، قَالُوا: أَشْهَدَتْنَا عَلَى نَفْسِهَا وَهِيَ مُتَنَقِّبَةٌ بِكَذَا وَكَذَا، وَلاَ نَعْرِفُهَا إِلاَّ مُتَنَقِّبَةً وَإِنْ كَشَفَتْ وَجْهَهَا فَلاَ نَعْرِفُهَا، فَقَال: هُمْ أَعْلَمُ بِمَا تَقَلَّدُوا، فَإِنْ كَانُوا عُدُولًا، وَقَالُوا: عَرَفْنَاهَا، قُطِعَ بِشَهَادَتِهِمْ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ تَحَمُّل شَهَادَةٍ عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا، فَإِنَّ الأَْصْوَاتَ تَتَشَابَهُ، فَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَهَا وَلَمْ يَرَهَا بِأَنْ كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَلاَ يَمْنَعُ الْحَائِل الرَّقِيقُ عَلَى الأَْصَحِّ.

فَلاَ يَصِحُّ التَّحَمُّل عَلَى الْمُتَنَقِّبَةِ لِيُؤَدِّيَ مَا تَحَمَّلَهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَعْرِفَةِ صَوْتِهَا، أَمَّا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ امْرَأَةً مُتَنَقِّبَةً أَقَرَّتْ يَوْمَ كَذَا

_________

(١) منح الجليل ٤ / ٢٦٧.

لِفُلاَنٍ بِكَذَا، فَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي حَضَرَتْ وَأَقَرَّتْ يَوْمَ كَذَا هِيَ هَذِهِ ثَبَتَ الْحَقُّ بِالْبَيِّنَتَيْنِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ الْفُلاَنِيَّ أَقَرَّ بِكَذَا وَقَامَتْ أُخْرَى عَلَى أَنَّ الْحَاضِرَ هُوَ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ ثَبَتَ الْحَقُّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ تَحَقَّقَ صَوْتُهَا مِنْ وَرَاءِ نِقَابٍ كَثِيفٍ وَلاَزَمَهَا حَتَّى أَدَّى عَلَى عَيْنِهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِيُّ بَحْثًا كَنَظِيرِهِ مِنَ الأَْعْمَى.

فَإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا، أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ جَازَ التَّحَمُّل عَلَيْهَا، وَلاَ يَضُرُّ النِّقَابُ، بَل يَجُوزُ كَشْفُ الْوَجْهِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ، وَيَشْهَدُ الْمُتَحَمِّل عَلَى الْمُتَنَقِّبَةِ عِنْدَ الأَْدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ مِمَّا ذُكِرَ، فَيَشْهَدُ فِي الْعِلْمِ بِعَيْنِهَا إِنْ حَضَرَتْ، وَفِي صُورَةِ عِلْمِهِ بِاسْمِهَا وَنَسَبِهَا إِنْ غَابَتْ أَوْ مَاتَتْ وَدُفِنَتْ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَشَفَ وَجْهَهَا عِنْدَ التَّحَمُّل عَلَيْهَا وَضَبَطَ حِلْيَتَهَا وَكَشَفَهُ أَيْضًا عِنْدَ الأَْدَاءِ، وَيَجُوزُ اسْتِيعَابُ وَجْهِهَا بِالنَّظَرِ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَصَحَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنْ يَنْظُرَ مَا يَعْرِفُهَا بِهِ فَقَطْ، فَإِنْ عَرَفَهَا بِالنَّظَرِ إِلَى بَعْضِهِ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَلاَ يَزِيدُ عَلَى مَرَّةٍ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِالاِسْتِيعَابِ أَمْ لاَ، إِلاَّ أَنْ يَحْتَاجَ لِلتَّكْرَارِ.

وَلاَ يَجُوزُ التَّحَمُّل عَلَى الْمَرْأَةِ - مُتَنَقِّبَةً أَمْ لاَ - بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ أَنَّهَا فُلاَنَةُ بِنْتُ فُلاَنٍ عَلَى الأَْشْهَرِ الْمُعَبَّرِ بِهِ فِي الْمُحَرِّرِ وَفِي

الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ فِي أَنَّ التَّسَامُعَ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ جَمَاعَةٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَقِيل: يَجُوزُ بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ لأَِنَّهُ خَبَرٌ، وَقِيل: بِتَعْرِيفِ عَدْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُمَا، وَالْعَمَل عَلَى خِلاَفِ الأَْشْهَرِ، وَهُوَ التَّحَمُّل بِمَا ذُكِرَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ مُرَادَهُ الْعَمَل عَلَى التَّحَمُّل بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ فَقَطْ (١) .

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٤٤٧.

نَقْدٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - لِلنَّقْدِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مِنْهَا:

أ - خِلاَفُ النَّسِيئَةِ، أَيْ: أَنْ يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي وَنَحْوُهُ الْعِوَضَ فَوْرًا.

تَقُول: فُلاَنٌ يَبِيعُ سِلْعَتَهُ نَقْدًا بِكَذَا، وَنَسِيئَةً بِكَذَا.

ب - إِعْطَاءُ النَّقْدِ، أَيْ إِعْطَاءُ الثَّمَنِ أَوِ الأُْجْرَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا مَالًا نَقْدِيًّا، كَالدَّنَانِيرِ أَوِ الدَّرَاهِمِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَعْطَاهُ الْعِوَضَ مِنَ الْعُرُوضِ.

تَقُول: نَقَدْتُهُ الدَّرَاهِمَ فَانْتَقَدَهَا، أَيْ أَخَذَهَا، وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁: " أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجَمَل، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ (١) .

ج - تَمْيِيزُ الْجَيِّدِ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ مِنَ الرَّدِيءِ مِنْهَا، تَقُول الْعَرَبُ: نَقَدْتُ الدَّرَاهِمَ، وَانْتَقَدْتُهَا، إِذَا أَخْرَجْتَ الزَّائِفَ مِنْهَا.

_________

(١) حديث جابر ﵁: " أتيت النبي ﷺ بالجمل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣١٤ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٢ ط الحلبي) .

د - الْعُمْلَةُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُتَعَامَل بِهِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

النَّسِيئَةُ:

٢ - النَّسِيئَةُ: هِيَ التَّأْخِيرُ، تَقُول: بِعْتُ السِّلْعَةَ بِنَسِيئَةٍ، أَوْ نَسِيئَةً، أَوْ نُسْأَةً: إِذَا بِعْتَهُ عَلَى أَنْ يُؤَخَّرَ دَفْعُ الثَّمَنِ إِلَى وَقْتٍ لاَحِقٍ. وَأَصْلُهُ مِنْ " نَسَأَ " الشَّيْءَ إِذَا أَخَّرَهُ (٣) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) .

وَالصِّلَةُ أَنَّ النَّسِيئَةَ ضِدُّ النَّقْدِ، كَالتَّأْجِيل وَالْحُلُول.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّقْدِ:

أَوَّلًا: النَّقْدُ بِمَعْنَى الْحُلُول:

٣ - الأَْصْل فِي دَفْعِ الْمَال النَّقْدِيِّ لِمُسْتَحِقِّهِ أَنْ يَجُوزَ الاِتِّفَاقُ عَلَى دَفْعِهِ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، فَمَا

_________

(١) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.

(٢) روضة الطالبين ٥ / ١١٧، والمبسوط ١٢ / ١٣٧.

(٣) القاموس المحيط.

(٤) المطلع على أبواب المقنع ص ٢٣٩.

وَقَعَ الاِتِّفَاقُ عَلَيْهِ وَجَبَ الاِلْتِزَامُ بِهِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (١)﴾ وَمِنْ ذَلِكَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ، وَالأُْجْرَةُ فِي الإِْجَارَةِ.

وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، فَالأَْصْل وُجُوبُ التَّسْلِيمِ، وَإِلاَّ فَلِلْعَاقِدِ الآْخَرِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ مَثَلًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ.

وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (ثَمَن ف ٣٣) وَ(تَسْلِيم ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا) .

٤ - وَيَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ نَوْعَانِ مِنَ الْعُقُودِ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: مَا يَجِبُ فِيهِ النَّقْدُ:

أ - فَفِي بَيْعِ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لاَ يَصِحُّ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ التَّسْلِيمُ نَقْدًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَلَوْ بَاعَ بِنَسِيئَةٍ، أَوْ أَخَّرَ الدَّفْعَ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (٢) .

_________

(١) سورة المائدة ١ /.

(٢) حديث: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢١١ ط عيسى الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت.