الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

تَحْقِيقِ كَسْبٍ يَكْفِيهِ، وَاعْتَبَرُوا الْقُدْرَةَ بِغَيْرِ كَسْبٍ تَكْفِي لِحَاجَتِهِ كَعَدَمِهَا، لأَِنَّهَا حِينَئِذٍ لاَ تَكْسُو مَنْ عُرْيٍ وَلاَ تُشْبِعُ مَنْ جُوعٍ.

وَلأَِنَّهُ بِحَالِهِ هَذَا يُعَدُّ فَقِيرًا، وَالْفَقِيرُ تَجِبُ كِفَايَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَهَذِهِ الْكِفَايَةُ تَشْمَل سَائِرَ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَطْعَمٍ وَمَلْبَسٍ وَمَسْكَنٍ وَأُجْرَةِ خَادِمٍ وَنَفَقَتِهِ إِنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ إِلَى خَادِمٍ بِأَنْ كَانَ مُسِنًّا أَوْ زَمِنًا لاَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِخِدْمَةِ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَقُومُ عَلَى رِعَايَتِهِ وَخِدْمَتِهِ.

وَلأَِنَّ مِيرَاثَهُ يَؤُول إِلَى بَيْتِ الْمَال عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ وَارِثٍ لَهُ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ فِيهِ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ الَّتِي تَقُول: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، وَلأَِنَّ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ تَقْضِي بِتَأْثِيمِ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَلأَِنَّ تَرْكَهُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ نَفَقَةٍ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَال تُعَدُّ سَلْبًا لِحَقِّهِ الَّذِي هُوَ لَهُ فِيهِ، لِقَوْل عُمَرَ ﵁: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ إِلاَّ وَلَهُ فِيهِ حَقٌّ " (١) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٤ / ٣٩، ومغني المحتاج ٣ / ١٠٦ - ١٠٧.

نَفْلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي النَّفْل - بِسُكُونِ الْفَاءِ وَقَدْ تُحَرَّكُ - فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ، وَالنَّفْل وَالنَّافِلَةُ: مَا يَفْعَلُهُ الإِْنْسَانُ مِمَّا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ (١) .

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ (٢)﴾ .

وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَقَدْ عَرَّفَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ الْحَنَفِيُّ بِأَنَّهُ: الْعِبَادَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَرْضٍ وَلاَ وَاجِبٍ، فَهِيَ الْعِبَادَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى مَا هُوَ لاَزِمٌ، فَتَعُمُّ السُّنَنَ الْمُؤَكَّدَةَ وَالْمُسْتَحَبَّةَ وَالتَّطَوُّعَاتِ غَيْرَ الْمُؤَقَّتَةِ (٣) .

وَقَال الدُّسُوقِيُّ: النَّفْل مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ، أَيْ يَتْرُكُهُ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ وَيَفْعَلُهُ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ (٤) .

_________

(١) لسان العرب، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، والمغرب.

(٢) سورة الإسراء / ٧٩.

(٣) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص ٣٨٣.

(٤) حاشية الدسوقي ١ / ٣١٢، والشرح الصغير ١ / ٤٠١ ط المعارف.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: النَّفْل هُوَ مَا عَدَا الْفَرَائِضَ - أَيْ مِنَ الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا كَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ - وَهُوَ: مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْحَسَنِ وَالْمُرَغَّبِ فِيهِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالتَّطَوُّعِ، فَهِيَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِتَرَادُفِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

السُّنَّةُ:

٢ - السُّنَّةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقَةُ وَالسِّيرَةُ، يُقَال: سُنَّةُ فُلاَنٍ كَذَا؛ أَيْ طَرِيقَتُهُ وَسِيرَتُهُ، حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ سَيِّئَةً (٢) .

وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ عَرَّفَهَا إِبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّهَا الطَّرِيقَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ إِلْزَامٍ عَلَى سَبِيل الْمُوَاظَبَةِ (٣) .

وَقَال الدُّسُوقِيُّ: السُّنَّةُ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَظْهَرَهُ حَالَةَ كَوْنِهِ فِي جَمَاعَةٍ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَدُل دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ (٤) .

_________

(١) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٢ / ١٠٠ - ١٠١، ومغني المحتاج ١ / ٢١٩، والمجموع ٤ / ٢، وحاشية القليوبي ١ / ٢٠٩ - ٢١٠، وأسنى المطالب ١ / ٢٠٠.

(٢) المصباح المنير.

(٣) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص ١٣.

(٤) حاشية الدسوقي ١ / ٣١٢.

وَأَمَّا الصِّلَةُ بَيْنَ النَّفْل وَالسُّنَّةِ فَقَدْ قَال الشُّرُنْبُلاَلِيُّ: النَّفْل أَعَمُّ، إِذْ كُل سُنَّةٍ نَافِلَةٌ وَلاَ عَكْسَ (١) .

فَضْل النَّفْل:

٣ - تَدُل السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِدَامَةَ النَّوَافِل بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ تُفْضِي إِلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ وَصَيْرُورَتِهِ مِنْ جُمْلَةِ أَوْلِيَائِهِ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (٢)، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأَُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأَُعِيذَنَّهُ (٣) .

فَقَدْ قَسَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْلِيَاءَهُ الْمُقَرَّبِينَ إِلَى قِسْمَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَنْ تَقَرَّبِ إِلَيْهِ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَيَشْمَل ذَلِكَ فِعْل الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكَ

_________

(١) مراقي الفلاح ص ٢١١.

(٢) دليل الفالحين ١ / ٢٩٥ - ٢٩٧.

(٣) حديث: " إن الله قال: من عادى لي وليا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٤٠ - ٣٤١ ط السلفية) .

الْمُحَرَّمَاتِ، لأَِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ.

وَالثَّانِي: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ بِالنَّوَافِل (١) .

وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ النَّوَافِل: كَثْرَةُ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ وَسَمَاعِهِ بِتَفَكُّرٍ وَتَدَبُّرٍ وَتَفَهُّمٍ، قَال خَبَّابُ بْنُ الأَْرَتِّ ﵁ لِرَجُلٍ: تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَسْتَ تَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ كَلاَمِهِ (٢) . وَمِنْ ذَلِكَ: كَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ الَّذِي يَتَوَاطَأُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ (٣)، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الأَْعْمَال أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَال: " أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (٤) . وَتَدُل الأَْحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ

_________

(١) جامع العلوم والحكم لابن رجب ٢ / ٣٣٥ - ٣٣٦ ط مؤسسة الرسالة.

(٢) أثر خباب: تقرب إلى الله ما استطعت. أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (١ / ٢٦١ - ط وزارة الأوقاف المغربية.

(٣) جامع العلوم والحكم ٢ / ٣٤٢ - ٣٤٣ ط مؤسسة الرسالة.

(٤) حديث: " أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله. . . ". أخرجه ابن حبان في الصحيح (٣ / ١٠٠ ط مؤسسة الرسالة) .

﷾ يُكْمِل لِلْعَبْدِ مَا تَرَكَ مِنَ الْفَرَائِضِ بِفَضْل النَّوَافِل، فَقَدْ قَال أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِنَّ أَوَّل مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَال الرَّبُّ ﷿: انْظُرُوا هَل لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكْمِل بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ (١) .

قَال الْعِرَاقِيُّ: يُحْتَمَل أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا انْتَقَصَهُ مِنَ السُّنَنِ وَالْهَيْئَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهَا مِنَ الْخُشُوعِ وَالأَْذْكَارِ وَالأَْدْعِيَةِ، وَأَنَّهُ يَحْصُل لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فِيهَا وَإِنَّمَا فَعَلَهُ فِي التَّطَوُّعِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا انْتَقَصَ أَيْضًا مِنْ فُرُوضِهَا وَشُرُوطِهَا، وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَادَ مَا تَرَكَ مِنَ الْفَرَائِضِ رَأْسًا فَلَمْ يُصَلِّهِ فَيُعَوَّضُ عَنْهُ مِنَ التَّطَوُّعِ، وَاللَّهُ ﷾ يَقْبَل مِنَ التَّطَوُّعَاتِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ.

وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ يُكْمِل لَهُ مَا نَقَصَ مِنْ فَرْضِ الصَّلاَةِ وَأَعْدَادِهَا بِفَضْل

_________

(١) حديث: " إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٥٤٠ - ٥٤١ ط حمص) والترمذي (٢ / ٢٧٠ ط الحلبي) واللفظ له، وقال: حسن غريب.

التَّطَوُّعِ، وَيُحْتَمَل مَا نَقَصَهُ مِنَ الْخُشُوعِ، وَالأَْوَّل عِنْدِي أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ - ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَْعْمَال عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ (١)، وَلَيْسَ فِي الزَّكَاةِ إِلاَّ فَرْضٌ أَوْ فَضْلٌ فَكَمَا يَكْمُل فَرْضُ الزَّكَاةِ بِفَضْلِهَا كَذَلِكَ الصَّلاَةُ، وَفَضْل اللَّهِ أَوْسَعُ وَوَعْدُهُ أَنْفَذُ وَعَزْمُهُ أَعَمُّ (٢) .

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْل:

٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْفَرْضَ أَفْضَل مِنَ النَّفْل (٣)، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ (٤) . وَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: قَال الأَْئِمَّةُ: خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِإِيجَابِ أَشْيَاءَ لِتَعْظِيمِ ثَوَابِهِ، فَإِنَّ ثَوَابَ الْفَرَائِضِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ الْمَنْدُوبَاتِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةٍ (٥) .

_________

(١) حديث: " ثم الزكاة مثل ذلك ". أخرجه أبو داود (١ / ٥٤١ ط حمص) من حديث تميم الداري.

(٢) تحفة الأحوذي شرح الترمذي ٢ / ٤٦٢ - ٤٦٤.

(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٥٧ ط دار الكتب العلمية، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٤٥، والفروق للقرافي ٢ / ١٢٢.

(٤) حديث: " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي. . . ". تقدم تخريجه ف (٤) .

(٥) الأشباه للسيوطي ص ١٤٥.

وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَفْضَل الأَْعْمَال أَدَاءُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ، وَالْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، وَصِدْقُ النِّيَّةِ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ ﷿، وَقَال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خُطْبَتِهِ: أَفْضَل الْعِبَادَةِ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ (١) .

٥ - وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْل أَفْضَلِيَّةِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْل أُمُورًا، وَذَكَرُوا صُوَرًا لِلنَّوَافِل الَّتِي فَضَّلَهَا الشَّرْعُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ (٢) مِنْهَا:

أ - إِبْرَاءُ الْمُعْسِرِ فَإِنَّهُ أَفْضَل مِنْ إِنْظَارِهِ، وَإِنْظَارُهُ وَاجِبٌ، وَإِبْرَاؤُهُ مُسْتَحَبٌّ.

هَذِهِ الصُّورَةُ ذَكَرَهَا ابْنُ نُجَيمٍ وَابْنُ السُّبْكِيِّ وَالْقَرَافِيُّ (٣) .

ب - ابْتِدَاءُ السَّلاَمِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَالرَّدُّ وَاجِبٌ وَالاِبْتِدَاءُ أَفْضَل (٤)، لِقَوْلِهِ ﷺ: وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ (٥) .

_________

(١) جامع العلوم والحكم ٢ / ٣٣٦.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٥٧، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٤٥، والفروق للقرافي ٢ / ١٢٧ - ١٢٨.

(٣) المراجع السابقة.

(٤) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٥٧، والأشباه للسيوطي ص ١٤٥.

(٥) حديث: " وخيرهما الذي يبدأ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٩٢ ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٩٨٤ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي أيوب الأنصاري.

ج - الْوُضُوءُ قَبْل الْوَقْتِ مَنْدُوبٌ، وَهُوَ أَفْضَل مِنَ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَهُوَ الْفَرْضُ.

وَذَكَرَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (١) .

وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الأَْذَانَ سُنَّةٌ، وَهُوَ عَلَى مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ أَفْضَل مِنَ الإِْمَامَةِ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ (٢) .

وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ الصُّوَرَ الآْتِيَةَ:

أ - صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلاَةً، أَيْ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مَثُوبَةً مِثْل مَثُوبَةِ صَلاَةِ الْمُنْفَرِدِ، وَهَذِهِ السَّبْعُ وَالْعِشْرُونَ مَثُوبَةً هِيَ مُضَافَةٌ لِوَصْفِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ خَاصَّةً، أَلاَ تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ حَصَلَتْ لَهُ، مَعَ أَنَّ الإِْعَادَةَ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَصَارَ وَصْفُ الْجَمَاعَةِ الْمَنْدُوبُ أَكْثَرَ ثَوَابًا مِنْ ثَوَابِ الصَّلاَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ فَضُل وَاجِبًا، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَصْلَحَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ.

ب - الصَّلاَةُ فِي مَسْجِدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ بِأَلْفِ مَثُوبَةٍ مَعَ أَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَقَدْ فَضُل الْمَنْدُوبُ

_________

(١) الأشباه لابن نجيم ص ١٥٦، والأشباه للسيوطي ص ١٤٧.

(٢) الأشباه للسيوطي ص ١٤٦.

الَّذِي هُوَ الصَّلاَةُ فِي مَسْجِدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْل الصَّلاَةِ.

ج - الصَّلاَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَقَدْ فَضُل الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْل الصَّلاَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلاَةٌ.

د - الصَّلاَةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلاَةٍ، مَعَ أَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَقَدْ فَضُل الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْل الصَّلاَةِ.

هـ - رُوِيَ أَنَّ صَلاَةً بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلاَةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ، مَعَ أَنَّ وَصْفَ السِّوَاكِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَقَدْ فَضُل الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْل الصَّلاَةِ.

والْخُشُوعُ فِي الصَّلاَةِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لاَ يَأْثَمُ تَارِكُهُ. فَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَال: " بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَال: " مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ. قَال: فَلاَ تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا (١) . وَفِي

_________

(١) حديث أبي قتادة ﵁: " بينما نحن نصلي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١١٦ ط السلفية) .