الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
بِتَكْفِيرِ مَنِ ادَّعَى لِلأَْئِمَّةِ الإِْلَهِيَّةَ أَوِ النُّبُوَّةَ، كَالسَّبَئِيَّةِ وَالْبَيَانِيَّةِ وَالْخَطَّابِيَّةِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ (١) .
نَبِيذ
انْظُرْ: أَشْرِبَة
_________
(١) الفرق بين الفرق ص ٣٠٢.
نَبِيّ
التَّعْرِيفُ:
١ - النَّبِيُّ لُغَةً فَعِيلٌ مِنَ الإِْنْبَاءِ، وَهُوَ الإِْخْبَارُ، وَالنَّبِيءُ فَعِيلٌ مَهْمُوزٌ؛ لأَِنَّهُ أَنْبَأَ عَنِ اللَّهِ أَيْ أَخْبَرَ، وَالإِْبْدَال وَالإِْدْغَامُ لُغَةٌ فَاشِيَةٌ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعَةِ (١) .
وَالنَّبِيُّ فِي الاِصْطِلاَحِ: قَال عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ: النَّبِيُّ كُل مَنْ نَزَل عَلَيْهِ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، وَكَانَ مُؤَيَّدًا بِنَوْعٍ مِنَ الْكَرَامَاتِ النَّاقِضَةِ لِلْعَادَاتِ (٢) .
وَلَيْسَ كُل مَنْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ شَيْئًا يَكُونُ نَبِيًّا، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْل (٣) وَقَوْلِهِ: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أرْضِعِيهِ (٤)
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وفتح الباري ٦ / ٣٦١، والنبوات لابن تيمية ص ٢٧١، ٣٥٥، ٣٥٨، دار الكتاب العربي، بيروت ط ٢، ١٤١١ هـ.
(٢) تفسير القرطبي ١٢ / ٨٠ القاهرة، دار الكتب المصرية، وأعلام النبوة للماوردي ص ٣٨ القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٩١ هـ، والنبوات لابن تيمية ص ٣٠١، وكشاف القناع ١ / ٦، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب (١ / ٣٥)، ط دار الفلاح، ١٤٠٣ هـ.
(٣) سورة النحل / ٦٨.
(٤) سُورَة الْقَصَصِ / ٧.
وَقَوْلُهُ: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي (١) قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لأَِنَّ هَؤُلاَءِ الْمُحَدَّثِينَ الْمُلْهَمِينَ الْمُخَاطَبِينَ يُوحَى إِلَيْهِمْ وَلَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ مَعْصُومِينَ مُصَدَّقِينَ فِي كُل مَا يَقَعُ لَهُمْ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الرَّسُول:
٢ - الرَّسُول فِي اللُّغَةِ: الْمُرْسَل، وَيُسْتَعْمَل لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ: إِنَّا رَسُول رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣) وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى رُسُلٍ وَأَرْسُلٍ (٤) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الرَّسُول إِنْسَانٌ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى الْخَلْقِ لِتَبْلِيغِ الأَْحْكَامِ (٥) .
وَالرَّسُول أَخَصُّ مِنَ النَّبِيِّ، قَال الْكَلْبِيُّ وَالْفَرَّاءُ: كُل رَسُولٍ نَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ (٦) .
عَدَدُ الأَْنْبِيَاءِ وَالرُّسُل عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ:
٣ - ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بَعْضَ
_________
(١) سورة المائدة / ١١١.
(٢) النبوات ص ٢٧٣.
(٣) سورة الشعراء / ١٦.
(٤) المعجم الوسيط.
(٥) التعريفات للجرجاني.
(٦) التعريفات للجرجاني.
الرُّسُل بِأَسْمَائِهِمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، مِنْهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَسُولًا ذُكِرُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (١)، وَذَكَرَ سَبْعَةً آخَرِينَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى هُمْ: آدَمُ وَإِدْرِيسُ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَذُو الْكِفْل وَمُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ.
وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ رُسُلًا آخَرِينَ، وَذَلِكَ حَيْثُ قَال: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْل وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ (٢)، وَقَال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (٣) .
آخِرُ الأَْنْبِيَاءِ:
٤ - آخِرُ الأَْنْبِيَاءِ بَعْثَةً مُحَمَّدٌ ﷺ وَذَلِكَ أَمْرٌ إِجْمَاعِيٌّ، وَيَدُل عَلَيْهِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: " إِنَّ مَثَلِي وَمَثَل الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَل رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَل النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلاَّ
_________
(١) سورة الأنعام / ٨٣ - ٨٦.
(٢) سورة النساء / ١٦٤.
(٣) سورة غافر / ٧٨.
وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ! ! قَال: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ " (١) .
أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل:
٥ - ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل فِي قَوْلِهِ: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل (٢)، وَالْمُرَادُ بِالْعَزْمِ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ وَالْحَزْمُ وَالتَّصْمِيمُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ، وَعَدَمُ التَّهَاوُنِ فِي ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْدِيدِ مَنْ هُمْ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُمْ جَمِيعُ الرُّسُل، أَوْ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الرُّسُل مَا عَدَا يُونُسَ بْنَ مَتَّى، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ (٣)، وَقِيل: إِنَّ آدَمَ أَيْضًا لَيْسَ مِنْهُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْل فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (٤) .
الثَّانِي: أَنَّهُمْ بَعْضُ الرُّسُل، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ أَسْمَائِهِمْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ:
_________
(١) حديث: " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٥٥٨ ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٧٩١ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) سورة الأحقاف / ٣٥.
(٣) سورة القلم / ٤٨.
(٤) سورة طه / ١١٥.
أَشْهَرُهَا مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ: هُمْ خَمْسَةٌ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (١) .
ذِكْرُ مَنِ اخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ نَبِيًّا:
مِمَّنِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ:
أ - الْخَضِرُ:
٦ - الْخَضِرُ هُوَ صَاحِبُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَقَدْ ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ مَعَهُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الأَْنْبِيَاءِ غَيْرِ الْمُجْمَعِ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ (٢)، قَال الْقُرْطُبِيُّ: الْخَضِرُ نَبِيٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيل: هُوَ عَبْدٌ صَالِحٌ غَيْرُ نَبِيٍّ، وَالآْيَةُ - يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٣) تَشْهَدُ بِنُبُوَّتِهِ، قَال: وَقَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي (٤) يَقْتَضِي أَنَّهُ نَبِيٌّ (٥) .
_________
(١) تفسير ابن كثير ٤ / ١٧٢، وتفسير القرطبي ١٦ / ٢٢٠، ٢٢١، وشرح العقيدة الطحاوية ص ٣١١.
(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٢٨٢، والذخيرة للقرافي ١٢ / ٣٠، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي ١ / ٥٤ القاهرة، ط دار الحديث ١٤١٤ هـ، وتفسير القرطبي ١١ / ١٦، ٣٩.
(٣) سورة الكهف / ٦٥.
(٤) سورة الكهف / ٨٢.
(٥) تفسير ابن كثير ٣ / ٩٩، والبداية والنهاية ١ / ٢٩٩، ٣٩٨.
ب - لُقْمَانُ:
٧ - لُقْمَانُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي السُّورَةِ الْمُسَمَّاةِ بِاسْمِهِ، وَقَدْ قَال بِنُبُوَّتِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، قَال ابْنُ كَثِيرٍ: كَانَ جُمْهُورُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا يُنْقَل كَوْنُهُ نَبِيًّا عَنْ عِكْرِمَةَ (١) .
ج - ذُو الْكِفْل:
٨ - ذُو الْكِفْل هُوَ الَّذِي قَال اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ فِي سُورَةِ الأَْنْبِيَاءِ: وَإِسْمَاعِيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْل كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢)، قَال ابْنُ كَثِيرٍ: الظَّاهِرُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَقْرُونًا مَعَ هَؤُلاَءِ السَّادَةِ الأَْنْبِيَاءِ أَنَّهُ نَبِيٌّ، قَال: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَدْ زَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَإِنَّمَا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَحَكَمًا مُقْسِطًا عَادِلًا، قَال: وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣) .
د - عُزَيْرٌ:
٩ - قَال ابْنُ كَثِيرٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّ عُزَيْرًا نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيل (٤) .
_________
(١) تفسير ابن كثير ٣ / ٤٤٣ وانظر البداية والنهاية ٢ / ١٢٥، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٨٢، والذخيرة للقرافي ١٢ / ٣٠.
(٢) سورة الأنبياء / ٨٥ - ٨٦.
(٣) البداية والنهاية ١ / ٢٢٥.
(٤) البداية والنهاية ٢ / ٤٦.
الأَْحْكَامُ الْخَاصَّةُ بِالأَْنْبِيَاءِ:
١٠ - الأَْنْبِيَاءُ مُكَلَّفُونَ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْبَشَرِ، فَمَا شُرِعَ فِي حَقِّ أُمَمِهِمْ فَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِمْ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُنَاكَ أَحْكَامٌ تَخُصُّهُمْ مِنْهَا:
أ - تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ:
١١ - اخْتَصَّ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ بِتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا، قَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: " إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَنْبَغِي لآِل مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ " (١)، وَجَاءَ فِي نَعْتِهِ ﷺ أَنَّهُ يَأْكُل الْهَدِيَّةَ وَلاَ يَأْكُل الصَّدَقَةَ (٢) .
وَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَال الْقَلْيُوبِيُّ: أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَقَبُولُهَا جَائِزٌ إِلاَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلاَ تَحِل لَهُ، قَال: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْحِل أَيْضًا فِي سَائِرِ الأَْنْبِيَاءِ (٣) .
_________
(١) حديث: " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٧٥٣ ط عيسى الحلبي) من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث.
(٢) حديث: " أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢٠٣ ط السلفية) ومسلم (٢ / ٧٥٦ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة. ولفظه في البخاري: " كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده ﷺ فأكل معهم ".
(٣) القليوبي على شرح المنهاج ٣ / ٢٠٤، ١٠١.
ب - أَمْوَالُهُمْ لاَ تُورَثُ عَنْهُمْ بَل تَكُونُ صَدَقَةً بَعْدَهُمْ:
١٢ - دَل عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ: " لاَ تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ " (١)، وَالْحَدِيثُ الآْخَرُ: " إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَْنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَْنْبِيَاءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ " (٢)، قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَانَ الأَْنْبِيَاءَ أَنْ يُورِّثُوا دُنْيَا، لِئَلاَّ يَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِمَنْ يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِمْ بِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الدُّنْيَا وَوَرَّثُوهَا لِوَرَثَتِهِمْ.
وَفِي قَوْلٍ: إِنَّ هَذِهِ خَاصِّيَّةٌ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَحْدَهُ، فَلَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ.
وَهَذَا قَوْل ابْنِ عَطِيَّةَ، كَمَا فِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ، قَال: وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ نُورَثُ مِنْ بَابِ تَعْبِيرِ الْوَاحِدِ عَنْ نَفْسِهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ (٣)، وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
_________
(١) حديث: " لا تقتسم ورثتي دينارا ولا درهما. . ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٤٠٦ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٨٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: " إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم ". أخرجه أبو داود (٤ / ٥٨ ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٥ / ٤٩ ط الحلبي) من حديث أبي الدرداء، وقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة وليس هو عندي بمتصل.
(٣) تفسير القرطبي ١١ / ٨١، ٨٢، وتفسير ابن كثير ٣ / ١١١، والذخيرة للقرافي ١٣ / ١٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢١٤، والعواصم من القواصم لابن العربي ص ١٤ نشر محب الدين الخطيب.
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ (١) وَقَال حَاكِيًا عَنْ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آل يَعْقُوبَ (٢) .
ج - لاَ يُدْفَنُ نَبِيٌّ إِلاَّ حَيْثُ قُبِضَ:
١٣ - يُدْفَنُ النَّبِيُّ حَيْثُ قُبِضَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: " مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلاَّ فِي مَكَانِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ". فَحُفِرَ لَهُ ﷺ فِي مَكَانِهِ (٣) .
الأَْحْكَامُ الثَّابِتَةُ عَلَى الأُْمَّةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالأَْنْبِيَاءِ:
أ - وُجُوبُ الإِْيمَانِ بِنُبُوَّتِهِمْ وَرِسَالَةِ الرُّسُل مِنْهُمْ:
١٤ - يَجِبُ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ مِنْ هَذِهِ الأُْمَّةِ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَنِ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِنُبُوَّتِهِ وَاصْطَفَاهُمْ لِرِسَالَتِهِ، وَالإِْيمَانُ بِهِمْ عَلَى دَرَجَتَيْنِ:
_________
(١) سورة النمل / ١٦.
(٢) سورة مريم / ٥ - ٦.
(٣) حديث: " ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه ". أخرجه مالك في الموطأ (١ / ٢٣١ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي بكر الصديق ﵁، وقال ابن عبد البر في التجريد (ص ٢٥٥ ط القدسي): هذا الحديث وإن لم يوجد على نسقه في إسناد واحد فإنه صحيح محفوظ بأسانيد ثابتة من حديث أنس وعائشة ﵄.