الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 68

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

نَظَرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - النَّظَرُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ نَظَرَ، وَمَعْنَاهُ حَسُّ الْعَيْنِ أَوْ تَأَمُّل الشَّيْءِ بِهَا أَوْ تَقْلِيبُ حَدَقَةِ الْعَيْنِ نَحْوَ الْمَرْئِيِّ الْتِمَاسًا لِرُؤْيَتِهِ.

وَمِنْ مَعَانِيهِ الْحِفْظُ وَالرِّعَايَةُ، يُقَال نَظَرَ الشَّيْءَ: حَفِظَهُ وَرَعَاهُ، وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا تَقْلِيبُ الْبَصِيرَةِ لإِدْرَاكِ الشَّيْءِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَعْرِفَةُ الْحَاصِلَةُ بَعْدَ التَّأَمُّل، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ (١)، وَمَعْنَاهُ تَأَمَّلُوا.

وَاسْتِعْمَال النَّظَرِ فِي الْبَصَرِ أَكْثَرُ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَفِي الْبَصِيرَةِ أَكْثَرُ عِنْدَ الْخَاصَّةِ، وَإِذَا قُلْتَ: نَظَرْتُ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ بِالْعَيْنِ، وَإِذَا قُلْتَ: نَظَرْتُ فِي الأَْمْرِ احْتَمَل أَنْ يَكُونَ تَفَكُّرًا وَتَدَبُّرًا بِالْقَلْبِ (٢) .

_________

(١) سورة يونس / ١٠١

(٢) لسان العرب، ومعجم مقاييس اللغة، والمعجم الوسيط، والكليات ٢ / ٣٦٠

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الرُّؤْيَةُ:

٢ - الرُّؤْيَةُ لُغَةً: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، وَقَال ابْنُ سِيدَهْ: الرُّؤْيَةُ النَّظَرُ بِالْعَيْنِ وَالْقَلْبِ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمُشَاهَدَةُ بِالْبَصَرِ حَيْثُ كَانَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (٢) .

وَالنَّظَرُ أَعَمُّ مِنَ الرُّؤْيَةِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّظَرِ:

تَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

نَظَرُ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ:

يَخْتَلِفُ حُكْمُ نَظَرِ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ بِاخْتِلاَفِ حَال كُلٍّ مِنْهُمَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

نَظَرُ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ نَظَرُ الرَّجُل إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ (٣) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى:

_________

(١) القليوبي وعميرة ٣ / ٢٠٧ - ٣ / ١٠٩

(٢) الكليات، ولسان العرب

(٣) تبيين الحقائق ٦ ١٧، ١٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٢١٤، وروضة الطالبين ٥ / ٣٦٦، والإنصاف ٨ / ٣٠

قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ (١)، وَبِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ: فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ (٢) .

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الْعَوْرَةِ الَّتِي يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا عَلَى أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل:

٤ - يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنَ الأَْجْنَبِيَّةِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَهْوَةٍ، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُهَا، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى مَا عَدَا ذَلِكَ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَهَذَا الْقَوْل ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَقْصِدُ بِالْكَفِّ بَاطِنَهُ فَقَطْ، وَأَمَّا ظَهْرُهُ فَيُعْتَبَرُ عَوْرَةً لاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ فَرْقَ بَيْنَ ظَاهِرِ الْكَفَّيْنِ وَبَاطِنِهِمَا، فَلاَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ بِقَصْدِ اللَّذَّةِ، وَلَمْ تُخْشَ الْفِتْنَةُ بِسَبَبِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الرَّجُل مُسْلِمًا إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَلاَ يَحِل لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تُبْدِيَ لَهُ أَيَّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، وَيُعْتَبَرُ جَمِيعُ جَسَدِهَا عَوْرَةً

_________

(١) سورة النور / ٣٠

(٢) حديث: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا. . . أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٢٦) ومسلم (٤ / ٢٠٤٦) من حديث أبي هريرة.

بِالنِّسْبَةِ لَهُ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا (٢)، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ ﵃ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الزِّينَةِ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ (٣) .، قَال الْقُرْطُبِيُّ: لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ مِنَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ظُهُورُهُمَا عَادَةً وَعِبَادَةً وَذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ وَالْحَجِّ، فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الاِسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَيْهِمَا (٤) .

وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ دَخَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَقَال: يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ (٥) .، وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ، وَأَنَّ لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِمَا (٦) .

_________

(١) المبسوط ١٠ / ١٥٢، والهداية والعناية وتكملة فتح القدير ١٠ / ٢٨، وتبيين الحقائق ٦ / ١٧، وحاشية الدسوقي والشرح الكبير ١ / ٢١٤، ونهاية المحتاج ٦ / ١٨٧، ومغني المحتاج ٤ / ٢٠٩.

(٢) سورة النور / ٣١

(٣) نيل الأوطار للشوكاني ٦ / ٢٤٣

(٤) تفسير القرطبي ١٢ / ٢٢٩

(٥) حديث: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض. . . أخرجه أبو داود (٤ / ٣٥٨ ط حمص) وقال: مرسل، فيه خالد بن دريك لم يدرك عائشة ﵂.

(٦) عون المعبود ١١ / ١٦٢

وَبِمَا وَرَدَ عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ قَال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ جُلُوسًا، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، فَخَفَضَ فِيهَا الْبَصَرَ وَرَفَعَهُ، فَلَمْ يُرِدْهَا، فَقَال رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: أَعِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَال: مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ. قَال: وَلاَ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَال: وَلاَ خَاتَمٌ، وَلَكِنْ أَشُقُّ بُرْدَتِي هَذِهِ فَأُعْطِيهَا النِّصْفَ وَآخُذُ النِّصْفَ. قَال: لاَ، هَل مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ (١) . فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُول ﷺ نَظَرَ إِلَيْهَا يَدُل عَلَيْهِ قَوْل الرَّاوِي: فَخَفَضَ فِيهَا الْبَصَرَ وَرَفَعَهُ وَفِي رِوَايَةٍ: فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ (٢)، فَدَل ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ (٣) .

وَاسْتَدَل السَّرَخْسِيُّ بِمَا وَرَدَ أَنَّهُ لَمَّا قَال عُمَرُ ﵁ فِي خُطْبَتِهِ: أَلاَ لاَ تُغَالُوا فِي أَصْدِقَةِ النِّسَاءِ، قَالَتِ امْرَأَةٌ سَعْفَاءُ الْخَدَّيْنِ: أَنْتَ تَقُولُهُ

_________

(١) حديث: كنا عند النبي ﷺ. . . أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١٨٨ ط السلفية) .

(٢) رواية: فصعد النظر إليها وصوبه أخرجها البخاري (الفتح ٩ / ٧٨) ومسلم (٢ / ١٠٤١) .

(٣) المبسوط ١٠ / ١٥٢، والعناية وتكملة فتح القدير ١٠ / ٢٨، ٢٩

بِرَأْيِكَ أَمْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ فَإِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلاَفِ مَا تَقُول، قَال اللَّهُ تَعَالَى: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا (١) فَبَقِيَ عُمَرُ ﵁ بَاهِتًا وَقَال: كُل النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حَتَّى النِّسَاءُ فِي الْبُيُوتِ (٢) . فَذَكَرَ الرَّاوِي أَنَّهَا كَانَتْ سَعْفَاءَ الْخَدَّيْنِ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُسْفِرَةً عَنْ وَجْهِهَا، وَاسْتَدَل أَيْضًا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً مَدَّتْ يَدَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِكِتَابٍ فَقَبَضَ يَدَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ مَدَدْتُ يَدِي إِلَيْكَ بِكِتَابٍ فَلَمْ تَأْخُذْهُ، فَقَال: إِنِّي لَمْ أَدْرِ أَيَدُ امْرَأَةٍ هِيَ أَوْ رَجُلٍ؟ قَالَتْ: بَل يَدُ امْرَأَةٍ، قَال: لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ بِالْحِنَّاءِ (٣) .

وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول بِأَنَّ وَجْهَ الْمَرْأَةِ وَكَفَّيْهَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ، فَلَمْ يَحْرُمِ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا كَوَجْهِ الرَّجُل، وَبِأَنَّ فِي إِظْهَارِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ضَرُورَةً، لِحَاجَةِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْمُعَامَلَةِ مَعَ الرِّجَال أَخْذًا وَعَطَاءً

_________

(١) سورة النساء / ٢٠

(٢) قول عمر ﵁: كل أحد أفقه من عمر حتى النساء. . أخرجه سعيد بن منصور (٣ / ١٥٣ ط علمي بريس) والبيهقي في الكبرى (٧ / ٢٣٣ ط دائرة المعارف) وقال: منقطع.

(٣) حديث: أن امرأة مدت يدها إلى النبي ﷺ. . . أخرجه أبو داود (٤ / ٣٩٦ ط حمص) والنسائي (٨ / ١٤٢ ط التجارية الكبرى) من حديث عائشة ﵂.

وَبَيْعًا وَشِرَاءً، وَلاَ يُمْكِنُهَا ذَلِكَ عَادَةً إِلاَّ بِكَشْفِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، فَيَحِل لَهَا ذَلِكَ (١) .

الْقَوْل الثَّانِي:

٥ - يَحْرُمُ نَظَرُ الرَّجُل بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الأَْجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا سَوَاءٌ أَخَافَ الْفِتْنَةَ مِنَ النَّظَرِ بِاتِّفَاقِ الشَّافِعِيَّةِ أَمْ لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ، فَقَدْ قَال: لاَ يَأْكُل الرَّجُل مَعَ مُطَلَّقَتِهِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا، كَيْفَ يَأْكُل مَعَهَا يَنْظُرُ إِلَى كَفِّهَا، لاَ يَحِل لَهُ ذَلِكَ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (٣) فَلَوْ كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مُبَاحًا لَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلأَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوهُنَّ مُوَاجَهَةً، قَال الْقُرْطُبِيُّ: فِي هَذِهِ الآْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ فِي

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٢١، المبسوط ١٠ / ١٥٣، والمغني ٧ / ٤٦٠

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٢٠٩، والحاوي الكبير ٩ / ٣٥، وروضة الطالبين ٧ / ٢١، والإنصاف ٨ / ٢٩، ومطالب أولي النهى ٥ / ١٨، والمغني ٧ / ٤٦٠

(٣) سورة الأحزاب / ٥٣

مَسْأَلَتِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فِي حَاجَةٍ تَعْرِضُ، أَوْ مَسْأَلَةٍ يُسْتَفْتِينَ بِهَا، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ جَمِيعُ النِّسَاءِ بِالْمَعْنَى، وَبِمَا تَضَمَّنَتْهُ أُصُول الشَّرِيعَةِ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ، بَدَنَهَا وَصَوْتَهَا، فَلاَ يَجُوزُ كَشْفُ ذَلِكَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا أَوْ دَاءٍ يَكُونُ بِبَدَنِهَا، أَوْ سُؤَالِهَا عَمَّا يَعْرِضُ وَتَعَيَّنَ عِنْدَهَا (١)، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٢) وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَجْهَ الاِسْتِدْلاَل بِهَذِهِ الآْيَةِ وَالآْيَةِ السَّابِقَةِ، فَقَال: قَبْل أَنْ تَنْزِل آيَةُ الْحِجَابِ كَانَ النِّسَاءُ يَخْرُجْنَ بِلاَ جِلْبَابٍ يَرَى الرَّجُل وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا، وَكَانَ إِذْ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَكَانَ حِينَئِذٍ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، لأَِنَّهَا يَجُوزُ لَهَا إِظْهَارُهُ، ثُمَّ لَمَّا أَنْزَل اللَّهُ ﷿ آيَةَ الْحِجَابِ بِقَوْلِهِ: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ حُجِبَ النِّسَاءُ عَنِ الرِّجَال (٣) .

وَاسْتَدَلُّوا بِالأَْخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ تَنْهَى عَنِ النَّظَرِ الْمُتَعَمَّدِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى النَّظْرَةِ الأُْولَى،

_________

(١) تفسير القرطبي ١٤ / ٢٢٧

(٢) الأحزاب / ٥٩

(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢ / ١١٠، ١١١

وَهِيَ نَظَرُ الْفُجَاءَةِ، وَقَدْ جَاءَتْ عَامَّةً تَشْمَل جَمِيعَ بَدَنِ الْمَرْأَةِ، وَكُل مَا وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَْخْبَارِ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ حَالَةُ الضَّرُورَةِ أَوِ الْحَاجَةِ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول مِنْ جِهَتَيْنِ:

الأُْولَى: أَنَّ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ أَوْ عِنْدَ خَوْفِ حُدُوثِهَا يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَسَائِرِ الأَْعْضَاءِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال، لأَِنَّ خَوْفَ الْفِتْنَةِ فِي النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ مَوْجُودٌ دَائِمًا، وَبِخَاصَّةٍ إِلَى الْوَجْهِ، لأَِنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ، وَخَوْفُ الْفِتْنَةِ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهِ.

الثَّانِيَةُ: إِنَّ إِبَاحَةَ نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَخْطُبَهَا يَدُل عَلَى التَّحْرِيمِ عِنْدَ عَدَمِ إِرَادَةِ خِطْبَتِهَا، إِذْ لَوْ كَانَ مُبَاحًا عَلَى الإِْطْلاَقِ، فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ (٢) .

الْقَوْل الثَّالِثُ:

٦ - يَحْرُمُ النَّظَرُ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ حَاجَةٍ إِلَى بَدَنِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَيُكْرَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِمَا،

_________

(١) المغني ٧ / ٤٦٠، والحاوي الكبير ٩ / ٣٥

(٢) الحاوي الكبير ٩ / ٣٥، ونهاية المحتاج ٦ / ١٨٧، والمغني ٧ / ٤٦٠

وَيُنْدَبُ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهُمَا وَلَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَهَذَا الْقَوْل نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَصْحَابِ الْفَتَاوَى، وَعِبَارَةُ ابْنِ عَابِدِينَ أَنَّ الأَْحْوَطَ عَدَمُ النَّظَرِ مُطْلَقًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

الْقَوْل الرَّابِعُ:

٧ - يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَهَذَا الْقَوْل رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ.

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الذِّرَاعَيْنِ أَيْضًا عِنْدَ الْغَسْل وَالطَّبْخِ.

وَقِيل: يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى السَّاقَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّظَرُ عَنْ شَهْوَةٍ.

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ النَّظَرِ إِلَى الْقَدَمَيْنِ بِالأَْثَرِ وَالْقِيَاسِ، أَمَّا الأَْثَرُ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقَلْبُ وَالْفَتْخَةُ، وَالْفَتْخَةُ خَاتَمُ إِصْبَعِ الرِّجْل، فَدَل عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى الْقَدَمَيْنِ.

_________

(١) المغني ٧ / ٤٦٠، والإنصاف ٨ / ٢٨، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٨٠، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٢٩، ومجمع الأنهر ٢ / ٥٤٠