الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
الأَْظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّهُمَا وَكِيلاَنِ، وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ أَنَّهُمَا حَاكِمَانِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ فِيهِمَا ذَلِكَ مِنَ الْقَوْل بِأَنَّهُمَا وَكِيلاَنِ لِتَعَلُّقِ وَكَالَتِهِمَا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ كَمَا فِي أَمِينِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الذُّكُورَةُ عَلَى الأَْظْهَرِ فِي الْمَذْهَبِ، قَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَتُنْدَبُ وَتُشْتَرَطُ عَلَى الْقَوْل الثَّانِي (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْحَكَمَانِ لاَ يَكُونَانِ إِلاَّ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، لأَِنَّ هَذِهِ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ، سَوَاءٌ قُلْنَا هُمَا حَاكِمَانِ أَوْ وَكِيلاَنِ، لأَِنَّ الْوَكِيل إِذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ عَدْلًا كَمَا لَوْ نُصِّبَ وَكِيلًا لِصَبِيٍّ أَوْ مُفْلِسٍ، وَيَكُونَانِ ذَكَرَيْنِ لأَِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ، قَال الْقَاضِي: وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا حُرَّيْنِ لأَِنَّ الْعَبْدَ عِنْدَهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ فَتَكُونُ الْحُرِّيَّةُ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوْلَى أَنْ يُقَال إِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ لَمْ تُعْتَبَرِ الْحُرِّيَّةُ لأَِنَّ تَوْكِيل الْعَبْدِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَا حَكَمَيْنِ اعْتُبِرَتِ الْحُرِّيَّةُ لأَِنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِالْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ لأَِنَّهُمَا يَتَصَرَّفَانِ فِي ذَلِكَ فَيُعْتَبَرُ عِلْمُهُمَا بِهِ (٢) .
هـ - صِفَةُ الْحَكَمَيْنِ وَصَلاَحِيَّتُهُمَا:
٢٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٢٦١، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ ٣ / ٣٠٧.
(٢) المغني ٧ / ٤٩ - ٥٠.
وَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ وَكِيلاَنِ عَنِ الزَّوْجَيْنِ، لاَ يُبْعَثَانِ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا وَتَوْكِيلِهِمَا وَلاَ يَمْلِكَانِ التَّفْرِيقَ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ أَحْمَدَ: إِنَّهُمَا حَاكِمَانِ يَفْعَلاَنِ مَا يَرَيَانِ أَنَّهُ الْمَصْلَحَةُ، وَكَّلَهُمَا الزَّوْجَانِ أَوْ لَمْ يُوكِّلاَهُمَا (٢) .
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ تَفْصِيلٌ:
٣٠ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْحَكَمَانِ وَكِيلاَنِ لِلزَّوْجَيْنِ، أَحَدُهُمَا وَكَيْل الْمَرْأَةِ وَالآْخَرُ وَكِيل الزَّوْجِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَتُهُ بَيْنَهُمَا شِقَاقٌ إِلَى عَلِيٍّ ﵁، مَعَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَقَال عَلِيٌّ ﵁: ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ قَال لِلْحَكَمَيْنِ: تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا أَنْ تَجْمَعَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا أَنْ تُفَرِّقَا، قَالَتِ الْمَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ، قَال الرَّجُل: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلاَ، فَقَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ
_________
(١) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ ٢ / ١٩٠، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٥، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٣٨٠.
(٢) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٢ / ٣٤٤، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٥، وَالإِْنْصَاف ٨ / ٣٨١.
عَنْهُ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ لاَ يَنْقَلِبُ حَتَّى يُقِرَّ بِمِثْل الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ، فَأَخْبَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ قَوْل الْحَكَمَيْنِ إِنَّمَا يَكُونُ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ.
وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُفَرِّقَا إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الزَّوْجَانِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ خِلاَفَ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ أَقَرَّ بِالإِْسَاءَةِ إِلَيْهَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى طَلاَقِهَا قَبْل تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ بِالنُّشُوزِ لَمْ يُجْبِرْهَا الْحَاكِمُ عَلَى خُلْعٍ وَلاَ عَلَى رَدِّ مَهْرِهَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُهُمَا قَبْل بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ بَعْثِهِمَا لاَ يَجُوزُ إِيقَاعُ الطَّلاَقِ مِنْ جِهَتِهِمَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ وَتَوْكِيلِهِ وَلاَ إِخْرَاجِ الْمَهْرِ عَنْ مِلْكِهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا، فَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ خُلْعُهُمَا إِلاَّ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ، وَلأَِنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَمْلِكُ التَّفْرِيقَ فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ الْحَكَمَانِ، وَإِنَّمَا هُمَا وَكِيلاَنِ لَهُمَا فِي الْخُلْعِ أَوْ فِي التَّفْرِيقِ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْحَكَمَيْنِ لاَ يَمْلِكَانِ التَّفْرِيقَ إِلاَّ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ بِالتَّوْكِيل، وَلاَ يَكُونَانِ حَكَمَيْنِ إِلاَّ بِذَلِكَ، ثُمَّ مَا حَكَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يَخْلَعَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَيُخْرِجَا الْمَال عَنْ مِلْكِهَا وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: وَلاَ يَحِل لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (١)
_________
(١) سُورَة الْبَقَرَة / ٢٢٩
وَقَال تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (١)، فَمَنَعَ كُل أَحَدٍ أَنْ يَأْكُل مَال غَيْرِهِ إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَقَال ﷿: وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ (٢) فَأَخْبَرَ ﷾ أَنَّ الْحَاكِمَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ أَخْذَ مَال أَحَدٍ وَدَفْعَهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَمْلِكُ أَخْذَ مَالِهَا وَدَفْعَهُ إِلَى زَوْجِهَا، وَلاَ يَمْلِكُ إِقَاعَ طَلاَقٍ عَلَى الزَّوْجِ بِغَيْرِ تَوْكِيلِهِ وَلاَ رِضَاهُ (٣) ٣١ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلْحَكَمَيْنِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَتَفْرِيقُهُمَا جَائِزٌ عَلَى الزَّوْجَيْنِ، وَكَّلَهُمَا الزَّوْجَانِ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُوَكِّلاَهُمَا، وَيَكُونُ طَلاَقًا بَائِنًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خُلْعًا بِأَنْ كَانَ بِلاَ عِوَضٍ، وَيُنَفَّذُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجَانِ بِهِ بَعْدَ إِيقَاعِهِ - وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلِلزَّوْجَيْنِ الَّذَيْنِ أَقَامَا الْحَكَمَيْنِ بِدُونِ رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ الرُّجُوعُ - وَيُنَفَّذُ حُكْمُ الْحَاكِمَيْنِ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْحَاكِمُ، أَوْ خَالَفَ حُكْمَ قَاضِي الْبَلَدِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَا مُقَامَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ أَمْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَيْنِ، لأَِنَّ طَرِيقَهُمَا الْحُكْمُ لاَ الشَّهَادَةُ وَلاَ الْوَكَالَةُ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى
_________
(١) سُورَة النِّسَاء / ٣٤
(٢) سُورَة الْبَقَرَة / ١٨٨
(٣) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ ٢ / ١٩٠ - ١٩١ - ١٩٢.
قَال: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (١)، وَهَذَا نَصٌّ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُمَا قَاضِيَانِ لاَ وَكِيلاَنِ وَلاَ شَاهِدَانِ، وَلِلْوَكِيل اسْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَعْنًى، وَلِلْحَكَمِ اسْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَعْنًى، فَإِذَا بَيَّنَ اللَّهُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُرَكَّبَ مَعْنَى أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ - الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي اسْتِدْلاَل الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَال لِلْحَكَمَيْنِ: " أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا " فَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ أَوْ شَاهِدَيْنِ لَمْ يَقُل لَهُمَا: أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ إِنَّمَا كَانَ يَقُول: أَتَدْرِيَانِ بِمَا وُكِّلْتُمَا؟ .
وَلاَ يَلْزَمُ طَلاَقٌ أَوْقَعَهُ الْحَكَمَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُمَا إِيقَاعُ الأَْكْثَرِ ابْتِدَاءً لأَِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَعْنَى الإِْصْلاَحِ الَّذِي بُعِثَا لَهُ فَلِلزَّوْجِ رَدُّ الزَّائِدِ، قَال الآْبِيُّ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلاَ يُفَرِّقَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَهِيَ بَائِنَةٌ فَإِنْ حَكَمَا بِهِ سَقَطَ.
وَإِنْ طَلَّقَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ وَاحِدَةً وَطَلَّقَ الآْخَرُ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا لَزِمَتْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لاِتِّفَاقِ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْوَاحِدِ.
وَإِنْ طَلَّقَ الْحَكَمَانِ، وَاخْتَلَفَا فِي كَوْنِ الطَّلاَقِ بِالْمَال لِلزَّوْجِ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوْ كَوْنِهِ بِلاَ مَالٍ، بِأَنْ
_________
(١) سُورَة النِّسَاء / ٣٥
قَال أَحَدُهُمَا: طَلَّقْتُهَا بِمَالٍ، وَقَال الآْخَرُ: طَلَّقْتُهَا بِلاَ مَالٍ، أَوْ قَال أَحَدُهُمَا: طَلَّقْنَاهَا مَعًا بِمَالٍ وَقَال الآْخَرُ: بِلاَ مَالٍ، فَإِنْ لَمْ تَلْتَزِمِ الزَّوْجَةُ الْمَال فَلاَ طَلاَقَ يَلْزَمُ الزَّوْجَ، وَيَعُودُ الْحَال كَمَا كَانَ، وَإِنِ الْتَزَمَتْهُ وَقَعَ وَبَانَتْ مِنْهُ.
وَيَجِبُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ - كَمَا قَال الدُّسُوقِيُّ - أَنْ يَأْتِيَا لِلْحَاكِمِ الَّذِي أَرْسَلَهُمَا فَيُخْبِرَاهُ بِمَا فَعَلاَهُ لِيَحْتَاطَ عِلْمُهُ بِالْقَضِيَّةِ، فَإِذَا أَخْبَرَاهُ وَجَبَ إِمْضَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَعَقُّبٍ وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ، بِأَنْ يَقُول: حَكَمْتُ بِمَا حَكَمْتُمَا بِهِ.
وَإِذَا أَقَامَ الزَّوْجَانِ حَكَمَيْنِ بِدُونِ رَفْعٍ إِلَى الْحَاكِمِ، جَازَ لِلزَّوْجَيْنِ أَنْ يَرْجِعَا عَنِ التَّحْكِيمِ وَيَعْزِلاَ الْحَكَمَيْنِ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبَا الْكَشْفَ عَنْ حَال الزَّوْجَيْنِ وَيَعْزِمَا عَلَى الْحُكْمِ بِالطَّلاَقِ، أَمَّا إِنِ اسْتَوْعَبَاهُ وَعَزَمَا عَلَى ذَلِكَ فَلاَ عِبْرَةَ بِرُجُوعِ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمَا عَنِ التَّحْكِيمِ، وَيَلْزَمُهُمَا مَا حَكَمَا بِهِ، سَوَاءٌ رَجَعَ أَحَدُهُمَا أَوْ رَجَعَا مَعًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَا بِالْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ، وَقَال ابْنُ يُونُسَ: يَنْبَغِي إِذَا رَضِيَا مَعًا بِالْبَقَاءِ أَنْ لاَ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا.
وَقَال الدَّرْدِيرُ: مَفْهُومُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مُوَجَّهَيْنِ مِنَ الْحَاكِمِ فَلَيْسَ - أَيْ لِلزَّوْجَيْنِ - الإِْقْلاَعُ عَنِ التَّحْكِيمِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْعِبِ الْحَكَمَانِ
الْكَشْفَ عَنْ حَال الزَّوْجَيْنِ (١) .
٣٢ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْحَكَمَانِ وَكِيلاَنِ عَنِ الزَّوْجَيْنِ فِي الأَْظْهَرِ لأَِنَّ الْحَال قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْفِرَاقِ، وَالْبُضْعُ حَقُّ الزَّوْجِ وَالْمَال حَقُّ الزَّوْجَةِ، وَهُمَا رَشِيدَانِ فَلاَ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي حَقِّهِمَا، وَلأَِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَدْخُل تَحْتَ الْوِلاَيَةِ إِلاَّ فِي الْمَوْلَى وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْقِيَاسِ، وَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ رِضَا الزَّوْجَيْنِ بِبَعْثِ الْحَكَمَيْنِ، فَيُوَكِّل الزَّوْجُ إِنْ شَاءَ حَكَمَهُ بِطَلاَقٍ وَقَبُول عِوَضِ خُلْعٍ، وَتُوَكِّل الزَّوْجَةُ إِنْ شَاءَتْ حَكَمَهَا بِبَذْل عِوَضٍ لِلْخُلْعِ وَقَبُول طَلاَقٍ بِهِ، وَيُفَرِّقُ الْحَكَمَانِ بَيْنَهُمَا إِنْ رَأَيَاهُ صَوَابًا.
وَلاَ يَجُوزُ لِوَكِيلٍ فِي طَلاَقٍ أَنْ يُخَالِعَ، لأَِنَّ ذَلِكَ إِنْ أَفَادَهُ مَالًا فَوَّتَ عَلَيْهِ الرُّجْعَةَ، كَمَا لاَ يَجُوزُ لِوَكِيلٍ فِي خُلْعٍ أَنْ يُطَلِّقَ مَجَّانًا.
وَإِنِ اخْتَلَفَ رَأْيُ الْحَكَمَيْنِ بَعَثَ الْقَاضِي اثْنَيْنِ غَيْرَهُمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى شَيْءٍ، فَإِنْ عَجِزَا أَيْضًا أَدَّبَ الْقَاضِي الظَّالِمَ مِنْهُمَا وَأَخَذَ حَقَّ الآْخَرِ مِنْهُ.
وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ
_________
(١) تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٥ / ١٧٦ - ١٧٧، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٣٢٩ - ٣٣٥، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧.
حَاكِمَانِ مُوَلَّيَانِ مِنَ الْحَاكِمِ قَال الْخَطِيبُ: وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُمَا فِي الآْيَةِ حَكَمَيْنِ، وَالْوَكِيل مَأْذُونٌ لَيْسَ بِحَكَمٍ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْل، لاَ يُشْتَرَطُ رِضَا الزَّوْجَيْنِ بِبَعْثِهِمَا، وَيَحْكُمَانِ بِمَا يَرَيَاهُ مَصْلَحَةً مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ، وَإِذَا رَأَى حَكَمُ الزَّوْجِ الطَّلاَقَ اسْتَقَل بِهِ وَلاَ يَزِيدُ عَلَى طَلْقَةٍ، وَإِنْ رَأَى الْخُلْعَ وَوَافَقَهُ حَكَمُهَا تَخَالَعَا وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجَانِ (١) .
٣٣ - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَكَمَيْنِ:
فَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُمَا وَكِيلاَنِ لِلزَّوْجَيْنِ، لاَ يُرْسَلاَنِ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا وَتَوْكِيلِهِمَا، وَلاَ يَمْلِكَانِ التَّفْرِيقَ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا، لأَِنَّ الْبُضْعَ حَقُّهُ وَالْمَال حَقُّهَا، وَهُمَا رَشِيدَانِ فَلاَ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ إِلاَّ بِوَكَالَةٍ مِنْهُمَا أَوْ وِلاَيَةٍ عَلَيْهِمَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ كَمَا قَال الْمُرْدَاوِيُّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُمَا حَاكِمَانِ، وَلَهُمَا أَنْ يَفْعَلاَ مَا يَرَيَانِ مِنْ جَمْعٍ وَتَفْرِيقٍ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلاَ يَحْتَاجَانِ إِلَى تَوْكِيل الزَّوْجَيْنِ وَلاَ رِضَاهُمَا، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: فَابْعَثُوا حَكَمًا
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٢٦١، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٥، وَشَرْح الْمُحَلَّى وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ ٣ / ١٥٧.
مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا فَسَمَّاهُمَا حَكَمَيْنِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ رِضَا الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ قَال: إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا فَخَاطَبَ الْحَكَمَيْنِ بِذَلِكَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ قُلْنَا: هُمَا وَكِيلاَنِ فَلاَ يَفْعَلاَنِ شَيْئًا حَتَّى يَأْذَنَ الرَّجُل لِوَكِيلِهِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ طَلاَقٍ أَوْ صُلْحٍ، وَتَأْذَنُ الْمَرْأَةُ لِوَكِيلِهَا فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَلَى مَا يَرَاهُ، وَلاَ يَصْلُحُ الإِْبْرَاءُ مِنَ الْحَكَمَيْنِ لأَِنَّهُمَا لَمْ يُوَكَّلاَ فِيهِ إِلاَّ فِي الْخُلْعِ خَاصَّةً مِنْ وَكِيل الْمَرْأَةِ فَقَطْ فَتَصِحُّ بَرَاءَتُهُ عَنْهَا، لأَِنَّ الْخُلْعَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِعِوَضٍ، فَتَوْكِيلُهَا فِيهِ إِذْنٌ فِي الْمُعَاوَضَةِ وَمِنْهَا الإِْبْرَاءُ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُمَا حَاكِمَانِ فَإِنَّهُمَا يُمْضِيَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ طَلاَقٍ وَخُلْعٍ، فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا رَضِيَاهُ أَوْ أَبَيَاهُ (١) .
وإِقَامَةُ حَكَمٍ وَاحِدٍ:
٣٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِقَامَةِ حَكَمٍ وَاحِدٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي حَال الشِّقَاقِ:
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلزَّوْجَيْنِ إِقَامَةُ حَكَمٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ يَكُونُ عَدْلًا رَشِيدًا ذَكَرًا فَقِيهًا بِمَا بُعِثَ لَهُ، وَيَفْعَل ذَلِكَ الْحَكَمُ مَا يَفْعَلُهُ الْحَكَمَانِ مِنَ الإِْصْلاَحِ أَوِ التَّطْلِيقِ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ بِمَالٍ.
_________
(١) الإِْنْصَاف ٨ / ٣٨٠، ٣٨١، وَالمغني ٧ / ٤٩، ٥٠، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢١١.
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ إِقَامَةِ الْوَلِيَّيْنِ عَلَى الزَّوْجَيْنِ الْمَحْجُورَيْنِ حَكَمًا وَاحِدًا عَلَى الصِّفَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنَ الْعَدَالَةِ وَالرُّشْدِ وَالذُّكُورَةِ وَالْفِقْهِ، وَيَكُونُ أَجْنَبِيًّا مِنْهُمَا، فَقَال اللَّخْمِيُّ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَال الْبَاجِيُّ: لاَ يَجُوزُ، وَالأَْظْهَرُ - كَمَا قَال الدُّسُوقِيُّ - الْقَوْل بِالْجَوَازِ، وَعَلَى الْقَوْل بِمَنْعِ إِقَامَةِ حَكَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ لَوْ أُقِيمَ وَحَكَمَ بِشَيْءٍ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ (١) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال الرَّمْلِيُّ: لاَ يَكْفِي حَكَمٌ وَاحِدٌ، بَل لاَ بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ يَنْظُرَانِ فِي أَمْرِهِمَا بَعْدَ اخْتِلاَءِ حَكَمِ كُلٍّ بِهِ وَمَعْرِفَةِ مَا عِنْدَهُ.
وَقَال الْخَطِيبُ: اقْتَضَى كَلاَمُ الْمُصَنِّفِ - النَّوَوِيِّ - عَدَمَ الاِكْتِفَاءِ بِحَكَمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الأَْصَحُّ، لِظَاهِرِ الآْيَةِ، وَلأَِنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَتَّهِمُهُ وَلاَ يُفْشِي إِلَيْهِ سِرَّهُ (٢) .
ز - مَا يَنْبَغِي لِلْحَكَمَيْنِ:
٣٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ عَلَى الْحَكَمَيْنِ أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَا اسْتَطَاعَا، فَإِنْ أَعْيَاهُمَا الصُّلْحُ رَفَعَا الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ أَوْ فَرَّقَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُبْعَثُ الْحَكَمَانِ إِلَى الزَّوْجَيْنِ
_________
(١) الشَّرْح الْكَبِير وَالدُّسُوقِيّ ٢ / ٣٤٦، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٤ / ١٨.
(٢) مُغْنِي المحتاج٣ / ٢٦١، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٦ / ٣٨٥.