الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
وَنَحْوِهِ نُبِشَ الْقَبْرُ وَأُخِذَ الْكَفَنُ الْمَغْصُوبُ فَدُفِعَ لِمَالِكِهِ إِنْ لَمْ يَبْذُل لَهُ قِيمَةَ الْكَفَنِ مُتَبَرِّعٌ، سَوَاءٌ كَانَ وَارِثًا أَوْ غَيْرَهُ، فَلاَ يُنْبَشُ حِينَئِذٍ؛ لإِمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ مَعَ عَدَمِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ (١) .
وَفِي احْتِمَالٍ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُنْبَشُ إِذَا كَانَ الْكَفَنُ بَاقِيًا بِحَالِهِ، لِيُرَدَّ إِلَى مَالِكِهِ عَنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ بَالِيًا فَقِيمَتُهُ مِنْ تَرَكَتِهِ (٢) .
د - نَبْشُ الْقَبْرِ إِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ بِأَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَبْشُ قَبْرِ الْمَيِّتِ إِذَا دُفِنَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَطَلَبَ مَالِكُهَا نَبْشَهُ وَلَمْ يَرْضَ بِقِيمَتِهَا؛ لأَِنَّ الْقَبْرَ فِي الأَْرْضِ يَدُومُ ضَرَرُهُ وَيَكْثُرُ، وَلِيَفْرَغَ لَهُ مِلْكُهُ عَمَّا شُغِل بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَقَال الْفُقَهَاءُ: يُسَنُّ لِلْمَالِكِ تَرْكُ النَّبْشِ حَتَّى يَبْلَى الْمَيِّتُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ إِخْرَاجِهِ وَمُسَاوَاةِ الْقَبْرِ بِالأَْرْضِ، لِيَزْرَعَ فَوْقَهُ مَثَلًا؛ لأَِنَّ حَقَّهُ فِي بَاطِنِ الأَْرْضِ وَظَاهِرِهَا، فَإِنْ شَاءَ تَرَكَ حَقَّهُ فِي بَاطِنِهَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ النَّبْشِ عَدَمَ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ أُجْبِرَ الْمَالِكُ عَلَى أَخْذِ الْعِوَضِ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: يَجِبُ النَّبْشُ وَلَوْ تَغَيَّرَ
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ١٤٥.
(٢) المغني لابن قدامة ٢ / ٥٥٤.
الْمَيِّتُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَتْكُ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ لِيَصِل الْمُسْتَحِقُّ إِلَى حَقِّهِ (١) .
هـ - نَبْشُ قَبْرِ الْحَامِل مِنْ أَجْل الْحَمْل:
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَبْشِ قَبْرِ الْحَامِل مِنْ أَجْل حَمْلِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: لِلشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لَوْ دُفِنَتِ امْرَأَةٌ فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ تُرْجَى حَيَاتُهُ - بِأَنْ يَكُونَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ - نُبِشَ قَبْرُهَا وَشُقَّ جَوْفُهَا وَأُخْرِجَ الْجَنِينُ تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ؛ لأَِنَّهُ كَانَ يَجِبُ شَقُّ جَوْفِهَا قَبْل الدَّفْنِ، أَمَّا إِنْ لَمْ تُرْجَ حَيَاتُهُ فَلاَ يُنْبَشُ قَبْرُهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ دُفِنَتْ تُرِكَتْ حَتَّى يَمُوتَ ثُمَّ تُدْفَنُ (٢) .
ثَانِيهِمَا: اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ شَقِّ بَطْنِ الْحَامِل، فَقَال الْبُهُوتِيُّ: إِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ بِمَنْ يُرْجَى حَيَاتُهُ حَرُمَ شَقُّ بَطْنِهَا مِنْ أَجْل الْحَمْل مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً، لِمَا فِيهِ مَنْ هَتْكِ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لإِبْقَاءِ حَيَاةٍ مَوْهُومَةٍ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ وَالظَّاهِرَ أَنَّ الْوَلَدَ لاَ يَعِيشُ (٣)، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، وجواهر الإكليل ١ / ١١٧، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦، وتحفة المحتاج ٣ / ٢٠٤، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٥٤، وكشاف القناع ٢ / ١٤٥.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٣٦٧، وتحفة المحتاج ٣ / ٢٠٥.
(٣) جواهر الإكليل ١ / ١١٧، وابن عابدين ١ / ٦٠٢، وكشاف القناع ٢ / ١٤٦، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٥١ - ٥٥٢.
بِقَوْلِهِ ﷺ: " كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ " (١) .
ثَالِثًا: نَبْشُ الْقَبْرِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْمَيِّتِ نَفْسِهِ:
٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ نَبْشِ الْقَبْرِ بِحُقُوقِ الْمَيِّتِ كَدَفْنِهِ قَبْل الْغُسْل أَوِ التَّكْفِينِ أَوِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ أَوْ دَفْنِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
أ - دَفْنُهُ قَبْل الْغُسْل:
١٠ - اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ نَبْشِ الْقَبْرِ إِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ وَلاَ تَيَمُّمٍ.
فَذَهَب الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْبَشُ الْقَبْرُ لِلْغُسْل بَعْدَ إِهَالَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ؛ وَلأَِنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا (٢)، كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَبْشُ الْقَبْرِ إِنْ دُفِنَ الْمَيِّتُ مِنْ
_________
(١) حديث: " كسر عظم الميت. . " سبق تخريجه ف ٥.
(٢) ورد فيها حديث: " نهى رسول الله ﷺ عن النهبى والمثلة " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١١٩ ط السلفية) من حديث عبد الله بن زيد الأنصاري ﵁.
غَيْرِ غُسْلٍ أَوْ تَيَمُّمٍ لِغُسْلِهِ، لأَِنَّهُ وَاجِبٌ فَيُسْتَدْرَكُ عِنْدَ قُرْبِهِ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِنَتَنٍ أَوْ تَقَطُّعٍ، وَإِلاَّ تُرِكَ.
وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدِ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُنْبَشُ مَا بَقِيَ مِنْهُ جُزْءٌ (١) .
ب - نَبْشُ الْقَبْرِ مِنْ أَجْل تَكْفِينِ الْمَيِّتِ:
١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ دُفِنَ الْمَيِّتُ بِغَيْرِ كَفَنٍ لاَ يُنْبَشُ قَبْرُهُ، وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ السَّتْرُ، وَقَدْ حَصَل التُّرَابُ مَعَ مَا فِي النَّبْشِ مِنَ الْهَتْكِ لِحُرْمَةِ الْمَيِّتِ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يُنْبَشُ وَيُكَفَّنُ؛ لأَِنَّ التَّكْفِينَ وَاجِبٌ فَأَشْبَهَ الْغُسْل (٢) .
ج - نَبْشُ قَبْرِ الْمَيِّتِ مِنْ أَجْل الصَّلاَةِ عَلَيْهِ:
١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا الْقَاضِي إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْبَشُ قَبْرُ الْمَيِّتِ مِنْ أَجْل الصَّلاَةِ عَلَيْهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ مَعَ إِمْكَانِيَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى الْقَبْرِ؛ لِمَا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٥٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦ - ٣٦٧، وتحفة المحتاج ٣ / ٢٠٥، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٥٤.
رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ " أَنَّ أَسْوَدَ - رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ قَال: مَا فَعَل ذَلِكَ الإِْنْسَانُ؟ قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: أَفَلاَ آذَنْتُمُونِي؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا - قِصَّتُهُ - قَال: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ، قَال: فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ. فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ " (١) .
وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْبَشُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ دُفِنَ قَبْل فِعْل وَاجِبٍ فَيُنْبَشُ لِفِعْلِهِ، كَمَا لَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، وَإِنَّمَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَهَذَا الْخِلاَفُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَيِّتُ، فَأَمَّا إِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ فَلاَ نَبْشَ بِحَالٍ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لَمْ يُصَل عَلَى الْمَيِّتِ أُخْرِجَ لَهَا مَا لَمْ يَفُتْ، بِأَنْ خِيفَ التَّغَيُّرُ، فَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ (٣) . .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (جَنَائِز ف ٣٧) .
د - نَبْشُ الْقَبْرِ إِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ:
١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ نَبْشِ الْقَبْرِ إِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
_________
(١) حديث: " أن أسود - رجلا أو امرأة. . . " أَخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٠٥ ط السلفية) .
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، وتحفة المحتاج ٣ / ٢٠٤ - ٢٠٥، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦ - ٣٦٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٥٣.
(٣) حاشية العدوي على الخرشي ٢ / ١٤٢.
الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ يَجِبُ نَبْشُ الْقَبْرِ وَتَوْجِيهُ الْمَيِّتِ لِلْقِبْلَةِ اسْتِدْرَاكًا لِلْوَاجِبِ، إِلاَّ إِنْ تَغَيَّرَ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْهِ التَّفَسُّخُ فَيُتْرَكُ وَلاَ يُنْبَشُ (١) .
الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ لاَ يُنْبَشُ إِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ صَوْنًا لِحُرْمَةِ الْمَيِّتِ مِنَ الْهَتْكِ (٢) .
رَابِعًا: نَبْشُ الْقَبْرِ مِنْ أَجْل نَقْل الْمَيِّتِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ:
١٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَبْشُ الْقَبْرِ مِنْ أَجْل نَقْل الْمَيِّتِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، قَال ابْنُ الْهُمَامِ: اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْمَشَايِخِ - مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ - فِي امْرَأَةٍ دُفِنَ ابْنُهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهَا فَلَمْ تَصْبِرْ وَأَرَادَتْ نَقْلَهُ: أَنَّهُ لاَ يَسَعُهَا ذَلِكَ. فَتَجْوِيزُ شَوَاذِّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلاَفٌ بَيْنِ الْمَشَايِخِ فِي أَنَّهُ لاَ يُنْبَشُ، وَأَمَّا نَقْل يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا السَّلاَمُ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ لِيَكُونَا مَعَ آبَائِهِمَا الْكِرَامِ فَهُوَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَلَمْ يَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُ كَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا (٣) .
_________
(١) تحفة المحتاج ٣ / ٢٠٤ - ٢٠٥، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦ - ٣٦٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٥٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، وفتح القدير ٢ / ١٠١ - ١٠٢.
(٣) فتح القدير ٢ / ١٠١ - ١٠٢، وحاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَبْشُ الْقَبْرِ لِنَقْل الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ فِي بُقْعَةٍ خَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا، كَمُجَاوَرَةِ صَالِحٍ لِتَعُودَ عَلَيْهِ بَرَكَتُهُ، أَوْ لإِفْرَادِهِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ عَمَّنْ دُفِنَ مَعَهُ، فَيَجُوزُ نَبْشُهُ لِذَلِكَ (١)، لِقَوْل جَابِرٍ ﵁: " دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ أَوَّل قَتِيلٍ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآْخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ " (٢) .
وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مِنْ نَبْشِ الْقَبْرِ لِنَقْل الْمَيِّتِ إِلَى بُقْعَةٍ خَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ الشَّهِيدَ إِذَا دُفِنَ بِمَصْرَعِهِ، فَلاَ يُنْبَشُ قَبْرُهُ لِنَقْلِهِ إِلَى غَيْرِ مَصْرَعِهِ، حَتَّى لَوْ نُقِل مِنْهُ رُدَّ إِلَيْهِ؛ لأَنَّ دَفْنَ الشَّهِيدِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قُتِل فِيهِ سُنَّةٌ (٣)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي شَأْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ: " ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ " (٤) .
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٨٦، ١٤٢.
(٢) حديث جابر ﵁: " دفن مع أبي رجل. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢١٤ - ٢١٥ ط السلفية) .
(٣) كشاف القناع ٢ / ٨٦، ١٤٢.
(٤) حديث: " ادفنوا القتلى في مصارعهم " أخرجه النسائي (٤ / ٧٩ ط التجارية الكبرى) وعبد الرزاق في المصنف (٥ / ٢٧٨ ط المجلس العلمي) من حديث جابر بن عبد الله ﵃.
وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَقَدْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي: وَلَمْ يَزَل الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَقْبُرُونَ فِي الصَّحَارِي (١) .
خَامِسًا: نَبْشُ قَبْرِ الْمَيِّتِ لِدَفْنِ آخَرَ مَعَهُ:
١٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ نَبْشُ قَبْرِ مَيِّتٍ بَاقٍ لِمَيِّتٍ آخَرَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ الأَْوَّل، وَمَتَى عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْمَيِّتَ بَلِيَ وَصَارَ رَمِيمًا جَازَ نَبَشَهُ وَدَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الْبِلاَدِ وَالْهَوَاءِ، وَهُوَ فِي الْبِلاَدِ الْحَارَّةِ أَسْرَعُ مِنْهُ فِي الْبِلاَدِ الْبَارِدَةِ.
وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ أَيْ أَنَّهُ بَلِيَ وَصَارَ رَمِيمًا رَجَعَ إِلَى قَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ.
فَإِنْ حَفَرَ فَوَجَدَ فِيهَا عِظَامًا دَفَنَهَا فِي مَكَانِهَا، وَأَعَادَ التُّرَابَ كَمَا كَانَ وَلَمْ يَجُزْ دَفْنُ مَيِّتٍ آخَرَ عَلَيْهِ.
كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا صَارَ الْمَيِّتُ رَمِيمًا الزِّرَاعَةُ وَالْحِرَاثَةُ وَغَيْرُهُمَا فِي مَوْضِعِ الدَّفْنِ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ شُرُوطَ وَاقِفٍ، أَوْ لَمْ تَكُنِ الْمَقْبَرَةُ مُسَبَّلَةً (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَصَارَ تُرَابًا جَازَ دَفْنُ غَيْرِهِ فِي قَبْرِهِ وَزَرْعُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ (٣) .
_________
(١) المغني لابن قدامة (٣ / ٤٤١ - ط هجر) .
(٢) كشاف القناع ٢ / ١٤٣ - ١٤٤، وحاشية العدوي على الخرشي ٢ / ١٤٤.
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ١٦٧.
سَادِسًا: نَبْشُ قُبُورِ الْكُفَّار لِغَرَضٍ صَحِيحٍ:
١٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ بَأْسَ بِنَبْشِ قُبُورِ الْكُفَّارِ طَلَبًا لِلْمَال، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ (١) فَقَالُوا بِجَوَازِ نَبْشِ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ لِمَالٍ فِيهَا كَقَبْرِ أَبِي رِغَالٍ (٢)، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: " هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ. . . وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهَبٍ إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ، فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ " (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ دُفِنَ كَافِرٌ فِي الْحَرَمِ يُنْبَشُ قَبْرُهُ وَيُخْرَجُ إِلَى خَارِجِ الْحَرَمِ (٤) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ نَبْشُ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ لِيُتَّخَذَ مَكَانَهَا مَسْجِدٌ (٥)؛ لأَِنَّ مَوْضِعَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ قُبُورًا لِلْمُشْرِكِينَ فَأَمَرَ بِنَبْشِهَا وَجَعَلَهَا مَسْجِدًا (٦) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٢٥، وكشاف القناع ٢ / ١٤٤.
(٢) أبو رغال كان دليلا للحبشة الذين توجهوا إلى مكة لهدم الكعبة فمات في الطريق ويرجم قبره، (انظر كشاف القناع ٢ / ١٤٤) .
(٣) حديث أبي رغال، سبق تخريجه ف ٥.
(٤) مغني المحتاج ١ / ٣٦٧.
(٥) كشاف القناع ٢ / ١٤٤.
(٦) حديث: " موضع مسجد النبي ﷺ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٢٤ ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٧٣ ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك ﵁.
نَبَهْرَجة
التَّعْرِيفُ:
١ - النَّبَهْرَجُ وَالنَّبَهْرَجَةُ لَفْظَانِ مُعَرَّبَانِ، قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: الْبَهْرَجُ الدِّرْهَمُ الْمُبْطَل السِّكَّةِ، وَكُل مَرْدُودٍ عِنْدَ الْعَرَبِ بَهْرَجٌ وَنَبَهْرَجٌ، وَالْبَهْرَجُ الْبَاطِل وَالرَّدِيءُ مِنَ الشَّيْءِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَال الْحَنَفِيَّةُ: النَّبَهْرَجَةُ الدِّرْهَمُ الزَّيْفُ الرَّدِيءُ، أَوْ مَا يَرُدُّهُ التُّجَّارُ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ مَا ضُرِبَ فِي غَيْرِ دَارِ السُّلْطَانِ (١) .
الألفاظ ذات الصلة:
أ - الْجِيَاد:
٢ - الْجِيَادُ جَمْعُ جَيِّدٍ، وَالدَّرَاهِمُ الْجِيَادُ: مَا كَانَتْ مِنِ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ: تَرُوجُ فِي التِّجَارَاتِ وَتُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَال (٢) .
وَالصِّلَة بَيْنَهُمَا التَّضَادُّ.
_________
(١) لسان العرب، والتعريفات للجرجاني، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢١٨، وقواعد الفقه للبركتي.
(٢) لسان العرب، وابن عابدين ٤ / ٢١٨.