الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
الْخِبْرَةِ بِتِلْكَ الأَْرْضِ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكٍ لِحُرْمَةِ الْمَيِّتِ (١) .
ثَانِيًا: نَبْشُ الْقَبْرِ قَبْل الْبِلَى لِضَرُورَةٍ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَبْشُ الْقَبْرِ قَبْل الْبِلَى إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ أَوْ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ، وَمِنْ هَذِهِ الأَْغْرَاضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقٍ مَالِيَّةٍ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْمَيِّتِ نَفْسِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَكَانِ الْقَبْرِ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - نَبْشُ الْقَبْرِ مِنْ أَجْل مَالٍ وَقَعَ فِيهِ:
٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ مَالٌ لَهُ قِيمَةٌ فِي الْقَبْرِ وَدُفِنَ مَعَ الْمَيِّتِ نُبِشَ الْقَبْرُ وَأُخْرِجَ الْمَال، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْمَال الَّذِي يُنْبَشُ الْقَبْرُ مِنْ أَجْل اسْتِخْرَاجِهِ حَدٌّ مُعَيَّنٌ، بَل يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، وَلَوْ دِرْهَمًا كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، أَوْ خَاتَمًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، وجواهر الإكليل ١ / ١٠٨ - ١١٧، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦ - ٣٦٧، ودليل الفالحين ٤ / ٥٦٤، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥١١، ٥٥٢، ٥٥٣، ٥٥٤، والمجموع للنووي ٥ / ٣٠٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، وجواهر الإكليل ١ / ١١٧، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٥٢، ٥٥٣، والمجموع للنووي ٥ / ٣٠٣.
الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) .
وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ هَذَا النَّبْشِ، هَل هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لاَ؟ وَهَل هُوَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ أَمْ لاَ؟
فَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَبْشُ الْقَبْرِ - فِي حَالَةِ وُقُوعِ الْمَال فِيهِ - وَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ، وَإِنْ كَانَ الْمَال مِنَ التَّرِكَةِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَال، مَا لَمْ يُسَامِحْ مَالِكُهُ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبِ الْمَالِكُ ذَلِكَ حَرُمَ النَّبْشُ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ اعْتِمَادُهُ قِيَاسًا عَلَى الْكَفَنِ، وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: مَا لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ مِمَّنْ يُحْتَاطُ لَهُ، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ الْعَبَّادِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ النَّبْشُ سَوَاءٌ طَلَبَ مَالِكِهِ أَمْ لاَ، وَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتِ؛ لأَِنَّ تَرْكَهُ فِيهِ إِضَاعَةُ مَالٍ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلاَ يُخْرَجُ مِنَ الْقَبْرِ بَعْدَ إِهَالَةِ التُّرَابِ إِلاَّ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، كَمَا إِذَا سَقَطَ فِي الْقَبْرِ مَتَاعٌ، أَوْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، أَوْ دُفِنَ مَعَهُ مَالٌ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، وجواهر الإكليل ١ / ١١٧، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦، والمجموع للنووي ٥ / ٣٠٠ - ٣٠٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٥٣، وكشاف القناع ٢ / ١٤٥.
(٢) المجموع للنووي ٥ / ٣٠٠ - ٣٠٣، وتحفة المحتاج مع الحاشيتين ٣ / ٢٠٤، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦.
وَلَوْ كَانَ الْمَال دِرْهَمًا (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مِنَ الأَْشْيَاءِ الَّتِي يُنْبَشُ الْقَبْرُ مِنْ أَجْلِهَا إِذَا نُسِيَ مَعَهُ مَالٌ نَحْوُ ثَوْبٍ أَوْ خَاتَمٍ أَوْ دَنَانِيرَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَال لِغَيْرِ الْمَيِّتِ أُخْرِجَ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ لَهُ أُخْرِجَ إِنْ كَانَ نَفِيسًا وَلَمْ يُسَامِحْ فِيهِ الْوَرَثَةُ (٢) .
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ نَبْشِ الْقَبْرِ عَدَمَ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ أُجْبِرَ غَيْرُ الْوَارِثِ عَلَى أَخْذِ عِوَضِهِ وَلاَ شَيْءَ لِوَارِثِهِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ شَيْءَ لِلْوَارِثِ إِذَا كَانَ الْمَال غَيْرَ نَفِيسٍ، أَيْ غَيْرَ ذِي بَالٍ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَالٌ لَهُ قِيمَةٌ عُرْفًا أَوْ رَمَاهُ رَبُّهُ فِيهِ نُبِشَ الْقَبْرُ وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْهُ بِعَيْنِهِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ فِي أَخْذِهِ، وَلِمَا رُوِيَ " أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ﵁ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَال: خَاتَمِي، فَدَخَل وَأَخَذَهُ وَكَانَ يَقُول: أَنَا أَقْرَبُكُمْ عَهْدًا بِرَسُول اللَّهِ ﷺ " (٤)، وَقَال أَحْمَدُ: إِذَا نَسِيَ الْحَفَّارُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، وفتح القدير ٢ / ١٠١.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ١١٧، والخرشي وبهامشه حاشية العدوي ٢ / ١٤٤ - ١٤٥.
(٣) جواهر الإكليل ١ / ١١٧، والخرشي مع حاشية العدوي ٢ / ١٤٤ - ١٤٥.
(٤) حديث: " أن المغيرة بن شعبة وضع خاتمه. . . ". أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠ / ٢٩ ط دار الفكر) وَقَال النووي في المجموع (٥ / ٣٠٠ ط المنيرية): حديث المغيرة ضعيف غريب. ثم نقل عن أبي أحمد الحاكم أنه قال: لا يصح هذا الحديث.
مِسْحَاتَهُ فِي الْقَبْرِ جَازَ أَنْ يُنْبَشَ (١) .
ب - نَبْشُ الْقَبْرِ مِنْ أَجْل مَالٍ بَلَعَهُ الْمَيِّتُ:
٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ بَلَعَ مَال غَيْرِهِ وَلاَ مَال لَهُ وَمَاتَ هَل يُشَقُّ قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَلاَ يُشَقُّ بَطْنُهُ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِبْطَال حُرْمَةِ الأَْعْلَى وَهُوَ الآْدَمِيُّ لِصِيَانَةِ حُرْمَةِ الأَْدْنَى وَهُوَ الْمَال؛ وَلأَِنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا وَلاَ يُشَقُّ بَطْنُهُ حَيًّا لَوِ ابْتَلَعَ الْمَال إِذَا لَمْ يَخْرُجْ مَعَ الْفَضَلاَتِ اتِّفَاقًا فَكَذَا مَيِّتًا.
الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ يُشَقُّ بَطْنُهُ؛ لأَِنَّ حَقَّ الآْدَمِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَمُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الظَّالِمِ الْمُتَعَدِّي؛ وَلأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ حُرْمَةُ الآْدَمِيِّ أَعْلَى مِنْ حُرْمَةِ صِيَانَةِ الْمَال لَكِنَّهُ أَزَال احْتِرَامَهُ بِتَعَدِّيهِ، قَالُوا: وَهَذَا الْقَوْل أَوْلَى، وَلَوْ تَرَكَ مَالًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا بَلَعَهُ، وَلاَ يُشَقُّ بَطْنُهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ سَقَطَ فِي جَوْفِهِ مَالٌ لِغَيْرِهِ بِلاَ تَعَدٍّ مِنْهُ لاَ يُشَقُّ بَطْنُهُ اتِّفَاقًا، كَمَا لاَ يُشَقُّ الْحَيُّ مُطْلَقًا لإِفْضَائِهِ إِلَى الْهَلاَكِ لاَ لِمُجَرَّدِ الاِحْتِرَامِ (٢) .
إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى أَنَّ حُكْمَ شِقِّ
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ١٤٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، وفتح القدير ٢ / ١٠٢ ط دار إحياء التراث العربي.
بِطْنِ الْمُبْتَلِعِ يَخْتَلِفُ قَبْل الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ، أَمْ يَسْتَوِي فِيهِ الأَْمْرَانِ، وَالأَْقْرَبُ إِلَى مَفْهُومِ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ أَيْ يُشَقُّ بَطْنُهُ لاِسْتِخْرَاجِ الْمَال الْمَبْلُوعِ حَتَّى بَعْدَ دَفْنِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ نَبْشِ قَبْرِهِ لِهَذَا الْغَرَضِ كَمَا لَوْ دُفِنَ مَعَهُ الْمَال.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشَقُّ بَطْنُ الْمَيِّتِ عَنْ مَالٍ ابْتَلَعَهُ فِي حَيَاتِهِ وَمَاتَ وَهُوَ فِي بَطْنِهِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، إِذَا كَثُرَ فَبَلَغَ نِصَابَ زَكَاةٍ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ بَلَعَ الْمَيِّتُ جَوْهَرَةً أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْمَال نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ مَا ابْتَلَعَهُ مَال نَفْسِهِ فَرَجَّحَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لاَ يُنْبَشُ قَبْرُهُ وَلاَ يُشَقُّ بَطْنُهُ لإِخْرَاجِ الْمَال لأَِنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَالَهُ فِي حَال حَيَاتِهِ.
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا بَلَعَ مَال نَفْسِهِ يُنْبَشُ قَبْرُهُ وَيُشَقُّ بَطْنُهُ لاِسْتِخْرَاجِهِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ لِلْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ كَمَال الأَْجْنَبِيِّ (٢) .
أَمَّا إِنْ كَانَ الْمَال الَّذِي ابْتَلَعَهُ لِغَيْرِهِ فَمَاتَ وَدُفِنَ، وَطَلَبَهُ مَالِكُهُ وَلَمْ يَضْمَنْ بَدَلَهُ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَيُنْبَشُ قَبْرُهُ، وَيُشَقُّ جَوْفُهُ
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ١١٧.
(٢) تحفة المحتاج ٣ / ٢٠٤، وقليوبي وعميرة ١ / ٣٥٢، والمجموع للنووي ٥ / ٣٠٠، ٣٠٣، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦.
وُجُوبًا لاِسْتِخْرَاجِ الْمَال ثُمَّ يُدْفَعُ لِمَالِكِهِ، أَمَّا إِذَا ضَمِنَهُ أَحَدٌ مِنَ الْوَرَثَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ، أَوْ دُفِعَ لِصَاحِبِ الْمَال بَدَلُهُ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ نَبْشُهُ وَشَقُّ جَوْفِهِ؛ لِقِيَام بَدَلِهِ مَقَامَهُ، وَصَوْنًا لِلْمَيِّتِ عَنِ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَطْلُبْ صَاحِبُ الْمَال مَالَهُ.
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُنْبَشُ قَبْرُهُ وَلاَ يُشَقُّ بَطْنُهُ، بَل يَجِبُ قِيمَةُ الْمَال الْمَبْلُوعِ فِي تَرِكَتِهِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا " (١)، قَالُوا: وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ كَسْرَ الْعَظْمِ وَشَقَّ الْجَوْفِ فِي الْحَيَاةِ لاَ يَجُوزُ لاِسْتِخْرَاجِ جَوْهَرَةٍ وَغَيْرِهَا فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا بَلَعَ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَبَقِيَتْ مَالِيَّتُهُ كَخَاتَمٍ مَثَلًا وَطَلَبَهُ رَبُّهُ لَمْ يُنْبَشْ وَغُرِّمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ صَوْنًا لِحُرْمَتِهِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ غُرْمُ الْمَال الَّذِي بَلَعَهُ الْمَيِّتُ؛ لِعَدَمِ تَرِكَةٍ وَنَحْوِهِ نُبِشَ الْقَبْرُ وَشُقَّ جَوْفُهُ وَأُخِذَ
_________
(١) حديث: " كسر عظم الميت ككسره حيا ". أخرجه أبو داود (٣ / ٥٤٤ - ط حمص) وابن حبان في صحيحه (الإحسان ٧ / ٤٣٧ ط مؤسسة الرسالة) ونقل علي القاري في المرقاة (٢ / ٣٨٠) عن ابن القطان أنه قال: " إسناده حسن ".
(٢) تحفة المحتاج ٣ / ٢٠٤، وقليوبي وعميرة ١ / ٣٥٢، والمجموع للنووي ٥ / ٣٠٠ - ٣٠٣، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦.
الْمَال، فَدُفِعَ لِرَبِّهِ وَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُهُ بِبَذْل قِيمَةِ الْمَال لِرَبِّهِ، وَإِلاَّ فَلاَ يُنْبَشُ صَوْنًا لِحُرْمَتِهِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ لِصَاحِبِ الْمَال، وَإِنْ بَلَعَ مَال الْغَيْرِ بِإِذْنِ رَبِّهِ فَلاَ يُضْمَنُ الْمَال الَّذِي بَلَعَهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَعَلَيْهِ فَلاَ طَلَبَ لِرَبِّهِ عَلَى تَرِكَةِ الْمَيِّتِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، وَلاَ يُتَعَرَّضُ لِلْمَيِّتِ بِنَبْشٍ أَوْ شَقٍّ قَبْل أَنْ يَبْلَى جَسَدُهُ؛ لأَِنَّ مَالِكَ الْمَال هُوَ الْمُسَلِّطُ لَهُ عَلَى مَالِهِ بِالإِْذْنِ لَهُ فَهُوَ كَمَالِهِ (١) .
أَمَّا إِذَا بَلِيَ جَسَدُهُ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْمَال وَظُهُورُهُ وَتَخَلُّصُهُ مِنْ أَعْضَاءِ الْمَيِّتِ فَيَجُوزُ نَبْشُهُ وَإِخْرَاجُ الْمَال مِنَ الْقَبْرِ وَدَفْعُهُ إِلَى صَاحِبِهِ؛ لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ قَال: " إِنَّ هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ " (٢)، وَلأَِنَّ تَرْكَهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَال (٣) .
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ١٤٥ - ١٤٦.
(٢) حديث: " هذا قبر أبي رغال. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٤٦٤ ط حمص)، وقال أبو الطيب: فيه بجير بن أبي بجير مجهول (عون المعبود ٨ / ٣٤٦ ط دار الفكر) .
(٣) كشاف القناع ٢ / ١٤٥ - ١٤٦، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٥٢.
وَإِنْ بَلَعَ مَال نَفْسِهِ لَمْ يُنْبَشْ قَبْرُهُ قَبْل أَنْ يَبْلَى جَسَدُهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ اسْتِهْلاَكٌ لِمَال نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَأَشْبَهُ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُنْبَشُ قَبْرُهُ وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيُخْرَجُ الْمَال وَيُوَفَّى مِنْهُ دَيْنُهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ (١) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَل - إِنْ بَلَعَ مَال نَفْسِهِ - أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَسِيرًا تُرِكَ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ شُقَّ بَطْنُهُ وَأُخْرِجَ؛ لأَِنَّ فِيهِ حِفْظَ الْمَال مِنَ الضَّيَاعِ وَنَفْعَ الْوَرَثَةِ الَّذِينَ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِمَالِهِ بِمَرَضِهِ (٢) .
ج - نَبْشُ الْقَبْرِ مِنْ أَجْل كَفَنٍ مَغْصُوبٍ:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ نَبْشِ قَبْرِ الْمَيِّتِ مِنْ أَجْل كَفَنٍ مَغْصُوبٍ كُفِّنَ بِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْبَشُ الْقَبْرُ إِذَا كُفِّنَ الْمَيِّتُ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ نَبْشُ قَبْرِ الْمَيِّتِ بِكَفَنٍ مَغْصُوبٍ بِشُرُوطٍ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَمْتَنِعَ رَبُّ الْكَفَنِ مِنْ أَخْذِ قِيمَتِهِ.
الثَّانِي: عَدَمُ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ أُجْبِرَ رَبُّ الْكَفَنِ عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهِ مِنَ الْوَارِثِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لاَ تَطُول الْمُدَّةُ بِحَيْثُ يُعْلَمُ مِنْهَا
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ١٤٦.
(٢) المغني لابن قدامة ٢ / ٥٥٢.
فَسَادُ الْكَفَنِ وَإِلاَّ فَلاَ يُنْبَشُ، وَيُعْطَى رَبُّ الْكَفَنِ قِيمَتَهُ (١) .
وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي تَرْجِيحِ نَبْشِ الْقَبْرِ مِنْ أَجْل كَفَنٍ مَغْصُوبٍ أَقْوَالٌ:
قَال النَّوَوِيُّ: لَوْ دُفِنَ فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مَسْرُوقٍ فَثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
أَصَحُّهَا: أَنَّهُ يُنْبَشُ كَمَا لَوْ دُفِنَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ، وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ.
وَالثَّانِي: لاَ يَجُوزُ نَبْشُهُ بَل يُعْطَى صَاحِبُ الثَّوْبِ قِيمَتَهُ؛ لأَِنَّ الثَّوْبَ صَارَ كَالْهَالِكِ؛ وَلأَِنَّ خَلْعَهُ أَفْحَشُ فِي هَتْكِ الْحُرْمَةِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْعَبْدَرِيُّ، وَهُوَ قَوْل الدَّارِمِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ عَنِ الأَْصْحَابِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ وَكَانَ فِي نَبْشِهِ هَتْكٌ لِحُرْمَتِهِ لَمْ يُنْبَشْ وَإِلاَّ نُبِشَ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ لأَِنْفُسِهِمَا بَعْدَ حِكَايَتِهِمَا عَنِ الأَْصْحَابِ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ.
قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ: وَلَوْ كُفِّنَ الرَّجُل فِي
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، وفتح القدير ٢ / ١٠١ - ١٠٢، وجواهر الإكليل ١ / ١١٧، والخرشي مع العدوي ٢ / ١٤٤ - ١٤٥.
ثَوْبٍ حَرِيرٍ، قَال الرَّافِعِيُّ: هُوَ كَالثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ تَجْرِي فِي نَبْشِهِ هَذِهِ الأَْوْجُهُ - الثَّلاَثَةُ - وَلَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ بِعَدَمِ النَّبْشِ بِخِلاَفِ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّ نَبْشَهُ لِحَقِّ مَالِكِهِ، قَالُوا: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لأَِنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقُّ اللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ (١) .
وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: لَوْ دُفِنَ فِي أَرْضٍ أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبَيْنِ وَطَالَبَ بِهِمَا مَالِكُهُمَا فَيَجِبُ النَّبْشُ وَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَتْكُ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ، لِيَصِل الْمُسْتَحِقُّ إِلَى حَقِّهِ.
وَيُسَنُّ لِصَاحِبِهِمَا التَّرْكُ.
وَمَحَل النَّبْشِ فِي الثَّوْبِ إِذَا وُجِدَ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ النَّبْشُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلاَمُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّا إِذَا لَمْ نَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِكِهِ قَهْرًا وَلاَ يُدْفَنُ عُرْيَانًا، وَهُوَ مَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ، قَالَهُ الأَْذْرَعِيُّ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كُفِّنَ الْمَيِّتُ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ وَطَلَبَهُ مَالِكُهُ لَمْ يُنْبَشِ الْقَبْرُ، وَغُرِّمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لإِمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ مَعَ عَدَمِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْغُرْمُ لِعَدَمِ تَرِكَةٍ
_________
(١) المجموع للنووي ٥ / ٢٩٩، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٦.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٣٦٦.